في الواجهةمقالات قانونية

الإدارة الضريبية والملزم وسؤال الثقافة الضريبية

 

الإدارة الضريبية والملزم وسؤال الثقافة الضريبية

 

من إنجاز الطالبان الباحثان بماستر المالية العامة:

  • إبراهيم مصلوحي
  • مراد سعيدي

 

مقدمة:

يتوقف مصير أي دولة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا على المال، فالمال عصب حياة الدولة، بالنظر لحجم الملفات المعول فيها على المال لإيجاد حلولا لها، وتختلف الدول من حيث مصادر تمويلها للإنفاق العام، إلا أنها تشترك جميعها وبدرجات متفاوتة في الاعتماد على الضرائب كمصدر تمويل، إذ تمثل المداخيل الضريبية خصوصا في الدول النامية بما فيها المغرب أهم الموارد التي تغطي نفقات الدولة، ففي المغرب تبلغ نسبة المداخيل الضريبية إلى مجموع موارد ميزانية الدولة ما يقارب 87%، فضلا عن الأدوار  الاقتصادية الأخرى للضرائب كتحفيز وتوجيه الأنشطة الاقتصادية داخل الدولة.

اعتبارا لهذه المكانة المحورية التي يحتلها النظام الضريبي في صميم حياة الدولة، أولته هذه الاخيرة أهمية وجعلته محل إصلاح مستمر منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي، لمواكبته التطورات الحاصلة على مستوى الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية أحيانا، ولجعله أكثر مردودية في أحايين أخرى، إلا أن هذه الإصلاحات غالبا ما تجانب أهدافها، ذلك لأنها لا تأخذ بعين الاعتبار في الغالب مجموعة من العوامل التي تشكل النظام الضريبي، فهذا الأخير في كليته ليس إلا ثمرة تضافر مجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتعد الثقافة الضريبية بوصفها ذلك الرصيد المعرفي الشامل لكل ما هو نظري وتقني في مجال حقل تطبيق الضريبة ونطاق سريانها[1] إن لدى صانعي السياسات العمومية الضريبية أوالملزمين بها إحدى أهم هذه العوامل، والتي دون التمكن منها لا يمكن بلورة نظام ضريبي كفيل بتوفير الموارد المالية الضرورية وإشباع الحاجات العامة من خلال سياسات اقتصادية واجتماعية أسها وأساسها محاصيل الضريبة، انطلاقا من هذه الأهمية للثقافة الضريبية نتساءل عن مدى تمتع الإدارة الضريبية والملزم بثقافة ضريبية في مستوى الأهداف المتوخاة من النظام الضريبي؟

 

إن الإجابة على هذا التساؤل تقتضي منا: تشخيص واقع الثقافة الضريبية لدى الإدارة الضريبية إن على مستوى المؤسسة الإدارية بشقيها التنظيري والإجرائي أو على مستوى المؤسسة التشريعية (مطلب أول)، ثم تشخيص هذا الواقع لدى الملزمين والبحث في أسبابه وآثاره (مطلب ثاني).

 

   المطلب الأول: الثقافة الضريبية لدى الإدارة الضريبية

القاعدة الضريبية القبل قانونية هي صناعة إدارية بامتياز تحتاج إلى لمسة تنفيذية شكلية لإسباغها مشروع قانون، الذي يسلك مساره التشريعي ليصبح قانونا ساري المفعول عبر أجرأة إدارية أخرى على أرض الواقع.

والمؤسسة الإدارية في شقيها التنظيري والإجرائي تتمتع بثقافة ضريبية لا يناقش فيها أحد مع التمييز بين مستوياتها الفوقية والتحتية والتي تتفاوت ثقافتها بتفاوت وظائفها (الفقرة الأولى).

أما المؤسسة التشريعية -والحديث هنا أساسا عن النخب السياسية -المنوط بها تصويب القاعدة القانونية الضريبية من خلال المصادقة على مشروع قانون المالية، فقد لا تسعفها ثقافتها الضريبية للإضطلاع بهذه المهمة بالنظر لخلفياتها المهنية والشعبية والتي قد تمتلك الوعي الضريبي المطلوب وقد لا تمتلكه في أحايين كثيرة )الفقرة الثانية(.

الفقرة الأولى: الثقافة الضريبية لدى المؤسسة الإدارية

نميز هنا بين الإدارة المركزية ” الإدارة التنظيرية” ونعني بها تحديدا المديرية العامة للضرائب، وفي صلبها مديرية التشريع والدراسات والتعاون الدولي (أولا) والإدارة اللامركزية “الإدارة التنفيذية” ونعني بها المديريات الإقليمية والجهوية (ثانيا).

أولا: الثقافة الضريبية للإدارة التنظيرية

تعد مديرية التشريع والدراسات والعلاقات الدولية النواة الأولى التي تصاغ فيها القواعد الضريبية، إذ تشكل إلى جانب أطر باقي المديريات المركزية النخبة الضريبية بامتياز، فعدد موظفيها من مجموع موظفي إدارة الضرائب التي تتوفر على شواهد عليا وتكوين مستمر في المادة حسب تقارير الأنشطة الضريبية السنوية يتجاوز %[2]10­، ويكفي أن نقول أنها صانعة القاعدة الضريبية ومحتكرة تأويلها وتفسيرها حتى نستنتج حجم ثقافتها الضريبية.

أما الحكومة بروافدها السياسية البعيدة عن المجال فدورها منحصر في التصديق على ما تصوغه أيادي الخبرة الإدارية التقنية، لأن طبيعة القانون الضريبي المتشعبة المعقدة ليست في متناولها.

 

 

 ثانيا: الثقافة الضريبية للإدارة التنفيذية

ونعني بالإدارة التنفيذية المديريات الإقليمية والجهوية للضرائب والتي يشكل أطرها وموظفيها 90% من مجموع العاملين في المديرية العامة للضرائب، المتوفرة هي الأخرى على شواهد علمية وتكوين ميداني وآخر مستمر يلامس مجالات اشتغال موظفيها.

مع التذكير بأن نسبة الموظفين حاملي الشهادات الجامعية من مجموع موظفي الإدارة الضريبية لا يتجاوز 56%، في الوقت الذي تصل هذه النسبة إلى 80% في دول أخرى، حسب دراسة لصندوق النقد العربي سنة 2017[3].

1– حصص التكوين المقدمة للموظفين[4]

نوع التكوينعدد الحصص
مراقبة الوثائق701
مواكبة التحول الرقمي910
المراقبة البعدية26
تكوين المدققين15
التحصيل الجبري121
الاستقبال وتحسين جودة الخدمات51
تكوين المراقبين الجدد93
تكوين في التدبير180

 

2- التكوين في المهنة[5]

المستفيدينالمادة
24الوعاء
922المراقبة
320الشؤون القانونية
83التحصيل
136المحاسبة

 

 

 

 

 

 

 

3ـ المشاركة في حصص التكوين[6]

 

2711العدد المستفيد
10530المشاركة في التكوين
561الحصص
%57نسبة الولوج
89%نسبة الرضى

 

أكيد أن مؤشر التكوين والتكوين المستمر كمعيار لتقييم ثقافة الإدارة الضريبية غير كاف، ولابد من تعزيزه بمؤشرات أخرى قد تلامس حقيقة الأمر، لذا نستحضر هنا مظاهر ثقافية أخرى ممكن أن تخبر بمدى ثقافة الإدارة ضريبيا، منها حجم الأخطاء المادية والقانونية المرتكبة من طرف الموظفين وما يستتبعها من متابعات قضائية قد تعبر بشكل أو بآخر عن المستوى الثقافي للأطر الإدارية، إذا ما أمعنا النظر في عددها والدفوعات المقدمة بشأنها والتي تنم ولو بشكل مقتضب عن جانب من ثقافة الموظفين الضريبية.

من ذلك الأخطاء المرتكبة من قبل المحاسبين العموميين الذين يتركون أجل التقادم يمر دون القيام بإجراءات التحصيل ولا إجراءات قطع التقادم المنصوص عليها قانونا.

الفقرة الثانية: الثقافة الضريبية لدى المؤسسة التشريعية

الوقوف على ثقافة المؤسسة التشريعية ضريبيا في نظرنا لا يمكن مقاربته إلا من خلال كم ونوع التعديلات المقترحة على مشروع قانون المالية في الشق الضريبي (أولا) والتشخيص الرسمي لهذه الثقافة (ثانيا).

أولا: كمية ونوعية التعديلات الضريبية المقدمة من البرلمانيين

حتى نكون معياريين أكثر في مقاربتنا لثقافة نواب الأمة، فإننا اخترنا اللجوء إلى مؤشرين نحسبهما مهمين للوقوف على وعي وثقافة الفاعل السياسي أولهما كمية الاقتراحات أو التعديلات المقدمة من المؤسسة البرلمانية في المجال الضريبي وثانيهما نوعية وطبيعة هاته التعديلات.

1-كم التعديلات الضريبية المقترحة برلمانيا

أثناء مناقشة قانون مالية سنة 2017، قدمت 151 تعديل، كانت فيها لفرق الأغلبية البرلمانية 19 تعديل كانت منها 13 تعديل ضريبي، وساهم فريق الأصالة والمعاصرة ب61 تعديل منها 38 هم الضريبة، أما الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية فقد اقترح 22 تعديلا ضريبيا من أصل 25 أما تعديلات الشناوي وبلافريج عن الفدرالية فقد كانت 6 تعديلات ضريبية من أصل9[7].

 

1ـ مبيان مركب بالاعتماد على المعطيات اعلاه

 

أما مشروع قانون مالية 2019، فقد وردت عليه 224 تعديلا، كان منها لفرق الأغلبية 61 تعديلا، منها 37 تعديلا ضريبيا، أما الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية فساهم ب 50 تعديلا، منها في المجال الضريبي 36 تعديلا، في حين أن فريق الأصالة والمعاصرة قدم 96 تعديلا منها في المجال الضريبي 54 تعديلا، في الوقت الذي قدم فيه النائبين الشناوي وبلافريج 11 تعديلا، منها 7 تعديلات ضريبية[8].

2ـ مبيان مركب بالاعتماد على المعطيات اعلاه

 

أوردنا هاته الأرقام التي تعطي انطباع ثقافي ضريبي مقبول بالنظر إلى نسبة التعديلات الضريبية من مجموع التعديلات المقدمة، وهو انطباع كاذب، إذا ما دققنا النظر في محتوى هاته التعديلات من جهة ومن جهة أخرى إذا قارناها بمجهود الإدارة الضريبية في نسج مواد الضريبة.

2 ـ نوعية التعديلات المقدمة من طرف البرلمان

    من خلال استقراء مختلف التعديلات المقدمة من طرف الفرق البرلمانية لاحظنا أن جزء كبيرا منها انصب على المصطلحات دون المفاهيم والعناوين دون المضامين وفي أحسن الأحوال الملاءمة والمردودية الضريبين دون النجاعة والعدالة الضريبين، اللهم نسبة لا بأس بها ـتبقى في نظرنا غير كافيةـ توخى من خلالها بعض النواب المناقشة بدل نثر الكلام، وهو ما يزكي ضعف المنسوب الثقافي لنواب الأمة.

ونستشهد هنا بالمادة 213 من مشروع قانون مالية 2017، حيث اقترح التعديل النيابي مصطلح أعمال بدل عقود واستجابت الحكومة بكل رحابة صدر مقتنعة، وكذلك بالتعديل الوارد على المادة 1 من مشروع قانون مالية 2019، الذي اقترح تغيير مصطلح “قانون المالية” بمصطلح “هذا القانون”

إن مثل هاته التعديلات ما هي إلا نتاج لثقافة ضريبية ضعيفة لدى نواب الأمة المعول عليهم في تجويد الفعل الضريبي.

   فضعف الثقافة الضريبية لدى الأحزاب السياسية، يؤثر بشكل ملفت على عطائها، سواء فيما يتعلق بدراسة ومناقشة قوانين المالية وتعديلها أو على مستوى طرح الأسئلة الشفوية والكتابية الخاصة بالجانب الضريبي داخل البرلمان أو حتى على مستوى المساهمة في بعض الندوات أو الأيام الدراسية أو البرامج التلفزيونية والإذاعية.[9]

وبالتالي تظل التعديلات التي يتقدم بها بعض البرلمانيين لمشاريع قوانين المالية، بعيدة عن مواكبة متطلبات التنمية من جهة، وضمان العدالة الجبائية من جهة ثانية.

ثانيا : التشخيص الرسمي لثقافة المؤسسة التشريعية ( الأحزاب السياسية)                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                    

نستحضر هنا خطاب الملك الذي لخص مشكل الأحزاب في نقص التحليل والتفكير والابتكار، وهي نقائص إن كانت تمس كل المجالات التشريعية الأخرى فهي أكثر في المجال الضريبي، ومن هنا دعا الملك محمد السادس، في خطابه بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة من الولاية التشريعية العاشرة، الى رفع الدعم العمومي للأحزاب السياسية.

وقال الملك أمام أعضاء مجلسي البرلمان “إننا حريصون على مواكبة الهيآت السياسية، وتحفيزها على تجديد أساليب عملها، بما يساهم في الرفع من مستوى الأداء الحزبي ومن جودة التشريعات والسياسات العمومية، لذا، ندعو للرفع من الدعم العمومي للأحزاب، مع تخصيص جزء منه لفائدة الكفاءات التي توظفها، في مجالات التفكير والتحليل والابتكار[10].

ويمكن أن نستدعي هنا كذلك، توصيات المجلس الأعلى للحسابات بضرورة العمل على تنظيم دورات تكوينية لمصلحة الأطر الإدارية للأحزاب السياسية لمساعدتها على حسن استعمال المخطط المحاسبي على الوجه الصحيح.[11]

التشخيص الرسمي لثقافة المؤسسة التشريعية يمكن أن يتم كذلك عبر استحضار قرار المحكمة الدستورية رقم 14/950[12]، المتعلق بمدى مطابقة القانون التنظيمي لقانون المالية 130.13 للدستور، الذي كشف أن المادة، السادسة التي جاء فيها ” لا يمكن تعديل المقتضيات الضريبية والجمركية إلا بموجب قانون المالية “، جاءت مخالفة للدستور.

ولعل هذا القرار يخبر فعلا بأزمة الثقافة الجبائية لدى نخبنا، إذ كيف يعقل ألا تطلع نخبنا على أن حق التشريع لا يمكن حصره في إطار ضيق مرتبط بقوانين المالية، مادام أن الدستور المغربي في فصله 71 اعتبر أن القانون يختص بالإضافة إلى المواد المسندة إليه صراحة في فصول أخرى بالتشريع في العديد من الميادين والتي من ضمنها النظام الضريبي ووعاء الضرائب ومقدارها وطرق تحصيلها[13]، ناهيك عن كون الفصل [14]78 من نفس الدستور أعطى لرئيس الحكومة ولأعضاء البرلمان بغرفتيه على السواء، الحق في التقدم باقتراح القوانين[15].

المطلب الثاني: واقع ثقافة الملزم ضريبيا والعوامل والآثار

الملزم بلا شك هو الأقل نصيبا في ثقافته الضريبية مع تفاوت طبيعي في حجم هذه الثقافة بين الملزمين (الفقرة الاولى)، قياسا بنصيبها لدى المؤسستين الإدارية والتشريعية، وهذا الواقع تتداخل فيه العديد من العوامل كما له انعكاسات عدة (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الثقافة الضريبية لدى الملزم

لا بد من التأكيد في هذا الإطار على أن الملزمين ليسوا كتلة واحدة ومن تم فثقافتهم متفاوتة فالملزم المعنوي (أولا) يمتلك دون شك ثقافة ضريبية أكبر من ثقافة الملزم الطبيعي (ثانيا) بحكم إمكاناته المادية والبشرية والتنظيمية.

أولا: ثقافة الملزم المعنوي

نقصد بالملزم المعنوي ملزمان: المقاولات الكبرى، أي الشركات والمجموعات، ثم المقاولات الصغرى والمتوسطة.

  • ثقافة الشركات الكبرى والمجموعات

إمكانيات هاته الشركات تخولها توظيف واصطياد أحسن الأدمغة الضريبية كما تخولها اللجوء إلى استشارات ضريبية خارجية من مكاتب الخبرة، والاستشارة ليس فقط لتحديد الأساس الضريبي بل يتعدى الأمر إلى البحث عن أفضل الوسائل القانونية لتقليص هامش الخطر الضريبي والاستفادة من الثغرات القانونية لتقليص الواجب أداؤه، والشركات الكبرى ليست على اختلافها بنفس الثقافة الضريبية بل تتفاوت ثقافتها بحسب صنفها.

سنة 2018، خضع 23484 ملف للمراجعة الضريبية من خلال الوثائق، بلغت حصة العائدات المترتبة عنها 67% بالنسبة للمقاولات الكبرى، و33% فقط بالنسبة للأشخاص الذاتيين والمعنويين الاخرين[16]، التمعن في هذه الأرقام يعطي فكرة على حجم التهرب الضريبي لدى المقاولات الكبرى والذي دون شك نتيجة لحجم ثقافتها الضريبية والتوظيف الذكي لهذه الثقافة في تجنب الضريبة.

 

2ـ ثقافة المقاولات الصغرى والمتوسطة

خلال سنة 2017، تم تسديد نصف مداخيل الضريبة على الشركات من قبل 74 ملزم فقط أي ما يعادل أقل من 2 في الألف من الخاضعين لهذه الضريبة، كما أن%75 من مداخيل نفس الضريبة تم تسديدها من قبل 654 ملزم فقط و%80 من قبل 1.069 منهم، في
حين بلغ عدد الوحدات الخاضعة للضريبة على الشركات التي قامت بإيداع تصريح واحد على الأقل خلال الأربع سنوات السابقة لسنة 2017، حوالي 338.579 وحدة[17].

قراءة بسيطة في هذه النسب تخبر بأن عبء الضريبة يقع على الملزم الضعيف بالنظر لقلة الشركات الكبرى من جهة، ومن جهة أخرى لتغول القطاع غير المهيكل في النسيج الاقتصادي، وفي جميع الأحوال هذا مؤشر على الثقافة السلبية السائدة حيث تصرح نسبة كبيرة من الشركات بالعجز[18] وهو ما يضيع على خزينة الدولة أموال طائلة.

ثانيا: ثقافة الملزم الذاتي

الملزم الذاتي بدوره نوعان ملزم مفروضة عليه الضريبة على الدخل، وآخر خاضع للرسوم المحلية.

1ثقافة الملزم الخاضع للضريبة على الدخل

إذا مثلنا لهذه الفئة بالموظفين والأجراء فلا نبالغ إذا قلنا أن الأغلبية لا علم لها بامكانيات الخصم من مجموع الدخل الخاضع للضريبة وفق الحالات المحددة في مدونة الضرائب، وبالتالي لا يتم استرداد المبالغ التي تجبيها بغير حق إدارة الضرائب التي لا تبادر إلى إرجاع هاته الحقوق في غياب طلبات مكتوبة من الملزمين تطالب باستردادها، لا ثقافة إذن لا حقوق.

وإذا مثلنا لها بأصحاب المهن الحرة فلنا في تقارير مديرية الضرائب أمثلة على ضعف الثقافة الضريبية لدى هذه الفئة، ففي سنة 2018 قامت المديرية العامة للضرائب بإشعار 5916 ملزم من أصحاب المهن الحرة ولم يتجاوز عدد التصاريح المودعة بعد الإشعار 823 تصريح أي أن نسبة الامتثال لم تتجاوز [19]14%، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على غياب حس ضريبي لدى هذه الفئة.

2- ثقافة الملزم المحلي

قانون الجبايات المحلية 06/47 ينبني إما على الإقرار الذي يستوجب مبادرة من الملزم أو الإحصاء الذي ينتظر فيه مخرجات لجنة الإحصاء.

ولما كانت أغلب الرسوم مبنية على مبدأ التصريح فإنها تفترض مبادرة الملزمين بالتصريح بالضريبة، إلا أن الملزم لا يفرق فيما سبق بين تصريح وإحصاء، وينتظر في جميع الأحوال الإشعار بالضريبة والذي دونه هو في ذمة مالية صحيحة اتجاه إدارة الضرائب كما لا يعرف الإقرارات الأخرى المصاحبة كالإقرار بالمداخيل والتصريح بالتأسيس وغيره.

ولعل إلقاء نظرة على عدد الملفات موضوع منازعات إدارية أمام الإدارة الضريبة، يعطي فكرة على حجم ثقافة الملزم المحلي، حيث بلغ عدد الملفات المعالجة برسم سنة 2018 المتعلقة برسم السكن ورسم الخدمات الجماعية والرسم المهني 42429 ملف من مجموع الملفات الذي بلغ 107481 ملف أي ما يعادل نسبة 40% تقريبا من مجموع الملفات[20].

 الفقرة الثانية: أسباب تدني الثقافة الضريبية وآثارها

ثمة عوامل عدة ينتج عن تضافرها وعي ضريبي ضعيف لدى المعنيين بالضريبة )أولا)، ما ينعكس سلبا على جودة النظام الضريبي (ثانيا).

أولا: أسباب ضعف الثقافة الضريبية

يعود تدني منسوب الثقافة الضريبية لدى الملزمين وموظفي الإدارة الضريبية أساسا إلى عوامل عدة، يساهم فيها جزئيا غموض وتعقيد النص الضريبي، ما يؤدي إلى كثرة المنازعات الضريبية بسبب عدم فهم المقتضى الضريبي وبالتالي هدر مزيد من المال العام.

المدونة العامة للضرائب حبلى بالإحالات والنصوص الضريبية الغامضة[21]، ومدونة تحصيل الديون العمومية وكذا النص الضريبي المحلي ليسوا أحسن حال منها، ويكفي أن نستدل هنا بالمادة 102 من مدونة تحصيل الديون العمومية[22] التي جعلت مدلول التسليم الفوري ينصب كذلك على الديون بأجل والديون المشروطة، ولنا أن نتساءل كيف يمكن أن تكون الديون بأجل أو الديون المشروطة محل تسليم فوري؟

نستدعي هنا كذلك المادة 189 من القانون 30.89 المحدد بموجبه نظام للضرائب المستحقة للجماعات المحلية” الترابية حاليا” وهيئاتها[23]، التي لم تحدد بوضوح فيما إذا كانت اللوحة التي يعلقها أصحاب المهن الحرة من محامين وأطباء وغيرهم، تدخل ضمن العنوان والإشارة اليه عن بعد من عدمه، ما جعل التضارب والتباين يطبع العمل القضائي حول مدى قانونية إخضاعها للرسم على شغل الأملاك الجماعية العامة مؤقتا بمنقولات وعقارات ترتبط بممارسة أعمال تجارية أو صناعية أو مهنية.

أزمة التواصل بين الإدارة الجبائية والملزم كذلك سبب آخر في تدني مستويات الثقافة الضريبية لدى الملزم أساسا، صحيح أن مجهودات تبذل في هذا الإطار ولكنها في اعتقادنا غير كافية، ويكفي أن نستدعي هنا بعض الأرقام للتدليل على ذلك.

وسيلة التواصلالعدد خلال سنة 2018
المقالات5
اللقاءات الصحفية1
المشاركات في الندوات والمعارض2
الدلائل الضريبية4
رسائل على الراديو9
نشرات إخبارية16
فيديوهات على الشبكات الاجتماعية7
منشورات على الشبكات الاجتماعية178
المنشورات والتحيينات على الانترنيت1500

المصدر: التقرير السنوي حول أنشطة المديرية العامة للضرائب 2018، www.Tax.gov.ma

أما تدني منسوب الثقافة الضريبية لدى نواب الأمة فيعزى بالأساس للأحزاب السياسية التي تدخل غمار المنافسات الانتخابية باختيارها مرشحين غير مؤهلين لممارسة الوظيفة التمثيلية، لا من ناحية المستوى التعليمي، ولا الانتماء السوسيومهني[24].

ثانيا: آثار ضعف الثقافة الضريبية

لا أحد يجادل في أن وجود ثقافة ضريبية إن لدى إدارة الضرائب أو الملزمين يعزز الشعور بالمواطنة الضريبية، وينعكس بالتالي على المردودية، فامتلاك صانعي القرار الضريبي لمنسوب مقبول من الثقافة الضريبية، يتيح التعاطي والتفاعل الجيد مع القواعد الضريبية، بما يتيح صياغة نصوص ضريبية بسيطة غير معقدة، سهلة الفهم والاستيعاب، تتلاءم مع متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ومع مبدأ العدالة الجبائية، ما يمكن من ضمان تنزيل سليم لها دون حيف أو أخطاء.

والافتقار إلى هذه الثقافة لا ينتج إلا مزيدا من النصوص الضريبية الغامضة، وبالتالي تعميق الهوة بين الإدارة والملزم، وهدر المزيد من المال العام سواء بفعل التهرب أو التيه في دواليب القضاء.

غياب الثقافة الضريبية أيضا يحول دون الاستفادة من مزايا التكنولوجية الرقمية، بما توفره من حلول مبتكرة ومتطورة، فتحقيق قفزة رقمية لا يمكن أن يتم دون استطاعة شرائح واسعة من الملزمين الدخول إلى العالم الرقمي[25].

ولو أن الثقافة الضريبية لا تحقق دائما الغايات أعلاه، إذ من الملزمين كذلك من يستغل ثقافته الضريبية للتحايل على المقتضيات الضريبية بالتملص أو الغش الضريبيين، فالملزم الواعي أو المثقف جبائيا، إما يعمل على استغلال هذه الثقافة بشكل إيجابي، من خلال الحرص على تحمل المسؤولية، ودفع الضرائب بشكل طوعي في إطار من التعاون عبر التصريح بنتيجته الجبائية الحقيقية في الآجال القانونية، ووفقا للإجراءات القانونية المعمول بها، وإما أن يستغل هذه الثقافة للتربص بالثغرات القانونية قصد التحايل والتملص من الضريبة.

فتكون ثقافته الضريبية قد مكنته من التملص من الضريبة دون مخالفة القانون.

 

 

 

 

خاتمة:

الثقافة الضريبية إذن عامل حاسم في الرفع من معدلات الامتثال الضريبي وتحديث النظام الضريبي بما يحقق نجاعته وعدالته.

إلا أن واقع الحال يشي بضعف نصيب الثقافة الضريبية عموما لدى صانعي القرار المالي وكذا لدى الملزمين به، مع تفاوت في هذا النصيب طبعا بين الإدارة الضريبية مهد القرار الضريبي، ونواب الأمة المنوط بهم خلق القاعدة الضريبية، والملزمين بهذه القاعدة.

ما يفرز نصوصا ضريبية يشوبها الغموض والتعقيد أحيانا، وتجانب النجاعة والفعالية في أحايين عديدة، وكل هذا لا يقف إلا حجرة عثرة أمام عدالة النظام الضريبي ومردوديته.

لذلك فإن تعميم ثقافة ضريبية لدى كل المعنيين بالشأن الضريبي يقتضي:

  • الرفع من شفافية الممارسات الضريبية عبر:
  • إعادة ترتيب وتبسيط وتوضيح مقتضيات المدونة العامة للضرائب
  • نشر النصوص والوثائق القانونية والتنظيمية بشكل دوري ومبسط
  • تحديث القوانين الضريبية بما يدعم تبسيط وتوضيح الإجراءات
  • تكثيف السياسة التواصلية عبر:
  • تكوين الأجهزة المتدخلة في العمليات الضريبية على آليات التواصل
  • تكثيف المشاركة في الأيام الدراسية والندوات والمعارض
  • وضع دلائل جبائية بالنسبة لكل فئة من الملزمين
  • إدراج المادة الجبائية في منظومة التربية والتكوين
  • تحديث الإدارة الضريبية عبر:
  • تعزيز الرأسمال البشري من ذوي الشهادات الجامعية العليا
  • تطوير القدرات البشرية عبر التدريب والتأهيل
  • تبسيط الإجراءات وتحسين نوعية الخدمات المقدمة للملزمين.

 

 

 

 

 

 

 

 

[1] ـ مولاي الحسن التمازي، مكانة الثقافة الجبائية لدى النخب المغربية ومطلب الإصلاح، مجلة حوارات للدراسات السياسية والاجتماعية، عدد خاص، نونبر 2018، ص184.

[2]ـ بلغ عدد موظفي المصالح المركزية للمديرية العامة للضرائب حسب تقرير الأنشطة لسنة 2018، 553 موظف من أصل 5085 كمجموع موظفي المديرية، أي ما يمثل تقريبا .11%

[3] ـ امحمد موعشن ـ طارق إسماعيل ـ نوران يوسف، النظم الضريبية وضريبة القيمة المضافة في الدول العربية، دراسات اقتصادية، العدد 40، ص24، www.amf.org

[4] ـ Rapport d’activités de la Direction Générale des Impôts 2017,page 33, www.Tax.gov.ma

[5] ـ Rapport d’activités de la Direction Générale des Impôts 2017,page 34, www.Tax.gov.ma

[6] ـ Rapport d’activités de la Direction Générale des Impôts 2017,page 35, www.Tax.gov.ma

 

[7] ـ تقرير لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب حول مشروع قانون مالية 2017، للاطلاع على نص التقرير انظر موقع مجلس النواب www.chambredesrepresentans.ma

[8] ـ تقرير لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب حول مشروع قانون مالية 2019، للاطلاع على نص التقرير انظر موقع مجلس النواب www.chambredesrepresentans.ma

[9] مولاي الحسن التمازي، مرجع سابق، ص186.

[10]ـ خطاب الملك أمام أعضاء مجلسي البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة من الولاية التشريعية العاشرة، 12 كتوبر 2018، للاطلاع على نص الخطاب انظر الموقع الرسمي للبرلمان المغربي www.parlement.ma

[11] ـ للاستزادة أكثر انظر تقارير المجلس الأعلى للحسابات حول تدقيق الحسابات السنوية للأحزاب السياسية برسم سنتي 2012 و2017، على الموقع الرسمي للمجلس www.chambredescomptes.ma

[12] ـ قرار المحكمة الدستورية رقم 950/14، ملف عدد 14/1406، صادر يوم الثلاثاء 23 دجنبر 2014، للاطلاع على القرار انظر موقع المحكمة الدستورية https://www.cour-constitutionnelle.ma/

[13] ـجاء في الفصل 71 من الدستور المغربي ل 2011 ما يلي: يختص القانون بالإضافة إلى المواد المسندة إليه صراحة بفصول أخرى، بالتشريع في الميادين التالية:

ـ الحقوق والحريات الأساسية المنصوص عليها في التصدير، وفي فصول أخرى من هذا الدستور.

……..

ـالنظام الضريبي ووعاء الضرائب، ومقدارها وطرق تحصيلها.

ـالنظام القانوني لإصدار العملة ونظام البنك المركزي.

ـ نظام الجمارك…

[14] ـ جاء في الفصل 78 من دستور 2011 ما يلي:

لرئيس الحكومة ولأعضاء البرلمان على السواء حق التقدم باقتراح القوانين.

[15] ـ مولاي الحسن تمازي، مرجع سابق، ص.187

[16]ــ التقرير السنوي حول أنشطة المديرية العامة للضرائب 2018، ص 68.

[17] ـ تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول تنفيذ ميزانية الدولة برسم السنة المالية 2017، للاطلاع على التقرير انظر موقع المجلس www.chambredescomptes.ma

[18] ـ حسب تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول تنفيذ ميزانية الدولة لسنة 2017، 70% من المقاولات الخاضعة لنظام الربح الحقيقي تصرح بوجود عجز هيكلي.

[19] ـ التقرير السنوي حول أنشطة المديرية العامة للضرائب 2018، ص 22.

[20] ـ التقرير السنوي حول أنشطة المديرية العامة للضرائب سنة 2018، ص 69.

[21] ـ كان من بين التوصيات المنبثقة عن المناظرة الوطنية الثالثة للجبايات المنعقدة بالصخيرات أيام 3 و4 ماي 2019، إعادة ترتيب وتبسيط وتوضيح مقتضيات المدونة العامة للضرائب.

[22] ـ جاء في هذه المادة ما يلي: يترتب على الاشعار للغير الحائز، التسليم الفوري للمبالغ الموجودة في حوزة الأغيار المشار إليهم في المادتين السابقتين، في حدود مبلغ الضرائب والرسوم والديون الأخرى المطلوب أداؤها.

يمتد مفعول هذا التسليم على الديون بأجل أو الديون المشروطة التي للمدين على الأغيار الحائزين المتابعين.

[23] ـ يتعلق الأمر بالقانون 30.89 المحدد بموجبه نظام للضرائب المستحقة للجماعات المحلية وهيئاتها الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم
1.89.187 بتاريخ 21ربيع الثاني 1410 الموافق ل 21 نونبر 1989 منشور بالجريدة الرسمية عدد 4023 بتاريخ 6 دجنبر 1889، وقد تم سن أحكام انتقالية بخصوص بعض الرسوم المضمنة فيه بموجب القانون 39.07 الذي تضمن مادة فريدة تقضي بمواصلة أحكام مجموعة من الأبواب.

[24] ـ زكرياء أقنوش، تدني النضج السياسي لدى النخبة البرلمانية بالمغرب، المجلة العلربية للعلوم السياسية، العددان 49ـ50، 2016، ص49.

[25] ـ سانجيف غوبتا ومايكل كين وألبا شاه وجينيفييف فيردييه، رقمنة المالية العامة، مجلة التمويل والتنمية، العدد 55، مارس 2018، www.imf.org

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى