في الواجهةقانون الشغلمقالات قانونية

الحق في ممارسة الإضراب بين التشريع الدولي والتشريع الوطني – حسام شهبي

 

الحق في ممارسة الإضراب بين التشريع الدولي والتشريع الوطني

حسام شهبي

باحث في القانون العام والعلوم السياسية

يعد مجال حقوق الإنسان والحريات الأساسية من بين الالتزامات التي تجد الدول نفسها معنية بها، باعتبارها جزءا لا يتجزأ من مكونات المجتمع الدولي، وبالتالي فإن المحافظة عليها وحمايتها تشكل غاية أساسية ضمن غايات منظمة الأمم المتحدة، وجل المنظمات الإقليمية والدولية كما أصبح نجاح أو فشل أي دولة يقاس بمدى تطبيقها واحترامها لمعايير حقوق الإنسان.

من بين الحقوق تسبب الكثير من المشكلات في التطبيق الحق في الإضراب ، والتي يتمثل الهدف منها في ممارسة الضغط على الحكومات بغية الاستجابة للمطالب وتحقيقها ، والمغرب كباقي الدول شهد مسارا متدبدبا في تعامله مع هذا الحق الذي انطلق في مرحلة الاستعمار وبمجرد حصوله على الاستقلال سنة 1956 سيتخذ منحى تنظيميا ، أنذك أصدرت الدولة المغربية بعض النصوص المقيدة للإضراب والمضيقة على ممارسته ، وانتهى الامر بصدور أول دستور للمملكة المغربية سنة 1962 بحيث أعترف بحق الإضراب بموجب الفصل 14 الذي نص بأن “حق الإضراب مضمون “، ويكتسي الحق في الإضراب أهمية كبرى من الناحيتين النظرية والعملية ، فمن الناحية النظرية نرى بأن الحق في الإضراب أطره التشريع الدولي ووضع له مجموعة من القواعد القانونية التي تلزم الدول بإتباعها والعمل بها في تشريعاتها الوطنية ، أما من الناحية العملية والواقعية فالنقاش الدائر لدى الباحثين والمهتمين والممارسين حول مدى تمكن المشرع المغربي من تكريس حق الإضراب كحق دستوري تماشيا مع التشريع الدولي من خلال إصدار القانون التنظيمي للإضراب الذي أصبح ساري المفعول بعد سنوات من الركود بالمؤسسة التشريعية .

وارتباطا بهذا الموضوع نطرح إشكالية جوهرية تتمثل في: أي مقاربة للحق في الإضراب في التشريع الدولي والتشريع الوطني المغربي؟

  1. الحق في الإضراب في التشريع الدولي

بداية لابد من الإشارة إلى أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان باعتباره المرجعية الدولية للحقوق والحريات الأساسية لم يشير بكيفية واضحة إلى الحق في الإضراب الصادر سنة 1948، غير أنه تحدث عن مجموعة من الحقوق في المادة 23 من الإعلان، غير أن هذا الحق تناولته العديد من النصوص القانونية الدولية في مضمونها ونذكر من بينها:

  1. العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية

أعتمد بموجب قرار صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1966 ، إذ بموجبه تتعهد كل الدول الأطراف بأن تتخذ إما بمفردها أو عن طريق المساعدة والتعاون الدوليين خصوصا على الصعيدين الاقتصادي والتقني ، وبما تتوفر عليه من موارد مادية تنزيلا لمقتضياته ، ومن الحقوق التي تحدث تطرق إليها نجد حق الإضراب، فبناءا على المادة الثامنة منه فلكل شخص الحق في تأمين النقابات والانضمام إليها دون أي قيد شريطة التوفر على القواعد المنظمة بغاية تعزيز مصالحه الاقتصادية والاجتماعية والدفاع عنها ، بحيث أن لايمكن تقييد هذا الحق أو التضييق عليه ، كما من الممكن للنقابات أن تؤسس اتحادات نقابية كبرى (منظمات نقابية دولية) ، وكان للعهد إشارة واضحة بأن الإضراب حق يمارسه الأشخاص تبعا للشروط والقواعد المنصوص عليها في قوانين بلدانهم ، لأن الدول في تشريعاتها الداخلية تستثني بعض الفئات من ممارسة هذا الحق كأفراد القوات المسلحة ورجال الشرطة وبعض الموظفين الأخرين .

  1. اتفاقيات الحريات النقابية

تحدثت العديد من اتفاقيات الحريات النقابية عن الحق في تأسيس النقابات والتي تتجلى في اتفاقية العمل الدولية رقم 87 الصادرة سنة 1948 التي أشترت بشكل واضح في مادتها الثانية أن للعمال الحق في تأسيس المنظمات التي يختارونها بأنفسهم دون الحاجة إلى الحصول على إذن سابق ، وكذلك الميثاق الأوروبي الذي يشمل دول أوروبية اتفقت عليه سنة 1971 بغرض تحسين مستوى معيشتهم وتشجيع التشاور المشترك بهدف ضمان الممارسة الفعالة للحق في التشاور والتفاوض بين العمال وأرباب العمل ،ثم اختيار الوسائل المناسبة للتحكيم والوساطة لتسوية النزاعات بشكل ودي ، وأشار الميثاق إلى حق العمال في ممارسة الإضراب مع استثناء بعض الموظفين .

وتعتبر كذلك الاتفاقية الدولية المعنية بالتوفيق والتحكيم الاختياريين ألية قانونية تسعى إلى توفير وسيلة للتوفيق الاختياري لمنع المنازعات الجماعية وتسويتها، إذ تؤكد على حق العمال المشروع في ممارسة الإضراب، مع تحفظها عن الإضراب أثناء سريان مسطرة التحكيم، وأيضا الاتفاقية الدولية لإلغاء العمل الجبري التي تحمل رقم 105 الصادرة سنة 1957 تضمنت إعلانا واضحا لأهم المبادئ والحقوق الأساسية للعمل، ومن خلالها تلتزم الدول بالأحكام الواردة في الاتفاقيات الأساسية بغض النظر عن انضمامها للاتفاقية أم لا.

بعد أن تعرفنا على بعض الاتفاقيات الدولية التي تناولت حق الإضراب سنتحدث عن جزأ من الاتفاقيات التي أصدرتها منظمة العمل العربية رقم01 لسنة 1966 والتي تقر بحق الإضراب مع الالتزام بما يضمن حفظ النظام العام وتسوية المنازعات الجماعية ، والاتفاقية رقم 06 لسنة 1976 التي ضمنت للعمال الحق في الإضراب بعدما لم يتمكنوا من تكريس حقوقهم بواسطة أساليب التفاوض ، وأيضا الاتفاقية رقم 11 لسنة 1979 بشأن المفاوضة الجماعية وغلق مكان العمل أثناء التفاوض والإضراب عن العمل ، ناهيك عن الميثاق العربي لحقوق الإنسان لسنة 2004 ، والتي جاء بمضمون أحد موادها أنه كل دولة طرف في المعاهدة توفر الحماية اللازمة لحق الإضراب وفق الحدود المنصوص عليها في التشريعات الوطنية للدول المعنية .

وأخيرا نخلص إلى أن المشرع الدولي نص بناءا على من الاتفاقيات والصكوك نص اعترف بالحق في ممارسة الإضراب للدفاع عن الحقوق وحمايتها مع ترك كيفيات ممارسة هذا الحق للتشريعات الوطنية التي تستثني بعض الفئات من موظفيها.

  1. الحق في الإضراب في التشريع الوطني المغربي

يشكل حق الإضراب حقا دستوريا أساسيا تضمنها أول دستور للمملكة سنة 1962، وتمت الإشارة إلى أن هذا الحق ينظم بموجب قانون تنظيمي يحدد شروطه.

أ – حق الإضراب في الدستور المغربي

يعد الحق من المقتضيات الدستورية التي تضمنتها الدساتير الخمسة للمملكة المغربية ، فأول دستور سنة 1962 نص في الفصل 14 بأن حق الإضراب مضمون بينما شروطه وإجراءاته ستنظم في قانون تنظيمي ، ونفس الشيء بالنسبة لكل من دستور 1972 و 1992و1996 ، و الدستور الحالي لسنة 2011 جاء فيه من خلال فصله 29 على أن حق الإضراب مضمون وتحدد شروطه وقواعده في قانون تنظيمي ، وانطلاقا مما ذكر يتبين أنه بالرغم من التنصيص الدستوري على الحق في ممارسة الإضراب ظل غياب قانون تنظيمي لشروط وقواعد ممارسة هذا الحق ، ما جعل منه فراغا قانونيا دام لعدة عقود ، وانتهى سنة 2025 بصدور القانون التنظيمي رقم 15-97 .

  1. حق ممارسة الإضراب من خلال القانون التنظيمي 15-97

بعد سنوات من الانتظار صدر القانون التنظيمي رقم 15-97 المتعلق بالحق في ممارسة الإضراب، باعتباره مجموعة من النصوص القانونية التي تحدد شروط وإجراءات وتدابير ممارسة الإضراب.

من الناحية الشكلية يتضمن القانون 04 أبواب و33 مادة ، أما من الناحية الموضوعية نحيط بها وفق مايلي:

الباب الأول: أحكام عامة، عرف المشرع الإضراب بأنه حق مضمون في الدستور والمواثيق الدولية، بحيث هذا القانون يستند في ضمان حق الإضراب وتأطيره على مبادئ دستورية نص عليها تصدير دستور 2011 وكذلك في الفصول 08 و29 و35و 154 ومن بين المبادئ التي يتأسس عليها الحق في ممارسة الإضراب نذكر على سبيل المثال تكريس الحريات النقابية – حرية العمل والمبادرة الخاصة – عدم التمييز – التسوية السلمية لنزاعات الشغل والوساطة …إلخ.

وتطرق أيضا إلى مجموعة من المفاهيم الأساسية كالعامل – المهني- القطاع العام – القطاع الخاص – الجهة الداعية على الإضراب – المرافق الحيوية ….. إلخ. وللإشارة فالقانون التنظيمي يهم القطاعين العام والخاص والمهنيين، وأحاط بمبادئ ضمان الحق وفي تفس الوقت الحفاظ على استمرارية المرفق والمقاولة، وبالتالي يبقى حقا مشروعا إذا نظم وفق الشروط المنصوص عليها في القانون التنظيمي ما يجعل منه أمرا لا يستوجب اتخاذ العقوبات التأديبية والفصل من العمل أو العزل.

الباب الثاني: حدد شروط ومسطرة ممارسة الإضراب ، إذ تحدث القانون التنظيمي عن شروط ممارسة حق الإضراب واعتبرها ضرورية ، وتتمثل في وجوب الدعوة إلى الإضراب سواء بالقطاع العام أو الخاص من قبل منظمة نقابية أكثر تمثيلا أومن قبل منظمة ذات تمثيلية وطنية إذا كان على صعيد المرفق ، ويجب عليها أن تتخذ قرار الدعوة إلى الإضراب من طرف الجهاز المخول له ذلك في أنظمتها الأساسية ، وإذا لم تتوفر المقاولة أو المؤسسة على منظمة نقابية بأكثر تمثيلية فإن الدعوة تتم من لدن لجنة الإضراب ويشترط أن يكون محضر الدعوة إلى الإضراب موقعا من طرف نسبة من الأجراء لا تقل عن 25% ،ولايكون صحيحا إلا بعد عقد جمع عام بحضور ما لا يقل عن 35% من أجراء المؤسسة أو المقاولة وتختلف أجال الدعوة للإضراب باختلاف دواعيه والجهة الداعية إليه ، وتحتسب من تاريخ التوصل بالملف المطلبي ويجب القيام بمفاوضات قصد البحث عن حلول متفق عليها .

فيما يخص مسطرة ممارسة حق الإضراب فالقانون التنظيمي رقم 15-97 يشترط كأول إجراء أن تبلغ الجهة الداعية للإضراب القرار باي وسيلة من الوسائل الجاري بها العمل وفق التشريع ، فإذا كان الإضراب على الصعيد الوطني يبلغ قبل 07 أيام على الأقل قبل التاريخ المزمع تنظيمه فيه إلى رئيس الحكومة والسلطات الحكومية المكلفة بالداخلية وبالتشغيل وبالقطاع المعني ، و05 أيام إلى والي الجهة أو عامل العمالة أو الإقليم وممثلي السلطات والهيئات التابع لها المرفق العمومي المعني ، إذا تعلق الامر بمرفق ترابي ، أو إلى والي الجهة أو عامل العمالة وممثل السلطة الحكومية المكلفة بالتشغيل ، إذا كان الإضراب يهم العاملات والعمال المنزليون ، والسلطة الحكومية المكلفة بالداخلية والسلطة الحكومية المشرفة على المهنة إذا تعلق الأمر بإضراب يمارسه المهنيون ، كما تمت الإشارة إلى أن أجال التبليغ لا تسري ويصبح فوريا إذا كان السبب الداعي إليه هو خطر حال يهدد صحة وسلامة الأجراء بالمقاولة أو المؤسسة بالقطاع الخاص ، ويشترط في قرار الإضراب أن يتوفر على مجموعة من البيانات المتمثلة في اسم الجهة الداعية للإضراب – سبب الإضراب – مكان أو أماكن العمل المشمولة بالإضراب ثم الكشف عن الجدولة الزمنية للإضراب بما في ذلك تاريخ وساعة بدايته ونهايته ، يجب أن يكون القرار مختوما من لدن المنظمة النقابية وموقعا عليه من طرف أعضاء لجنة الإضراب ويرفق القرار بالملف المطلبي أو نسخة من القضايا الخلافية .

الملاحظ أن الجهة الداعية للإضراب إضافة للمهام الموكول إليها فهي تتولى تأطير المضربين قبل وأثناء سريان الإضراب وتدبير ممارسته، والسهر باتفاق مع المقاولة والمؤسسة على تحديد الإجراءات الضرورية لتفادي الإضرار بالممتلكات والتجهيزات والسلع والبضائع في أماكن العمل، بينما إذا كانت أسباب الإضرار تتسم بالاستعجال، أنداك وجب ضرورة صدور أمر قاضي المستعجلات ، ويبقى للجهة الداعية للإضراب صلاحية إلغاء أو توقيف الإضراب مؤقتا أو نهائيا ، ومن بين الحالات الاستثنائية التي يمكن فيها وقف الإضراب وجود آفات أو كوارث طبيعية أو أزمة وطنية حادة التي بإمكانها المساس بالنظام العام وحقوق المواطنين أمكن لرئيس الحكومة أن يأمر بصفة استثنائية منع الإضراب أو توقيفه مؤقتا بموجب قرار معلل ، أما فيما يخص المرافق الحيوية يمكن ممارسة حق الإضراب بها شريطة توفير الحد الأدنى من الخدمة ،وحددها المشرع في المادة 21 والتي جاءت بمضمون مفاده أنه تحدد لائحة العمال المكلفين بضمان استمرارية المرفق باتفاق بين الجهة الداعية للإضراب والمقالة أو المؤسسة في القطاع الخاص ، وفي حالة عدم التوصل إلى إتفاق حينئذ يمكن للمرفق أو المقاولة إحلال عمال أو أشخاص أخرين لتوفير هذا الحد من الخدمة خلال مدة سريان الإضراب .

يتبين أن القانون التنظيمي للإضراب بالمغرب يستثني مجموعة من الموظفين والفئات من ممارسة حق الإضراب والأمر يتعلق بموظفي إدارة الدفاع الوطني وموظفي وزارة الخارجية ووزارة الداخلية وأعوان السلطة والعسكريين وأفراد القوة العمومية وضباط الشرطة القضائية، وسائر الموظفين والاعوان المخول لهم حمل السلاح ……….إلخ (المادة 22 من القانون التنظيمي رقم 15-95).

الباب الثالث: خصصه المشرع للجزاءات، إذ أشار في بداية الباب إلى ان أي عامل أو موظف مارس الإضراب دون التقيد بالإجراءات المنصوص عليها في القانون ويعتبر في حالة غياب غير مبرر عن العمل وبذلك تطبق في حقه العقوبات التأديبية المنصوص عليها في النصوص التشريعية والأنظمة الخاصة بالعمال وتحرر محاضر المعاينة وإثبات المخالفات لهذا القانون التنظيمي لضباط الشرطة القضائية وترسل فور إنجازها إلى النيابة العامة بالمحكمة المختصة

الباب الرابع: يحمل عنوان أحكام ختامية تم التنصيص فيه على أن الآجال كاملة لا يحتسب فيها اليوم الأول واليوم الأخير.

يحتل حق ممارسة الإضراب أهمية كبرى ضمن منظومة حقوق الإنسان، لذا أشارت إليها التشريعات الدولية كالعهد الدولي للحقوق المدنية والاجتماعية ومنظمات حقوقية إقليمية عربية، ولكون المغرب يشكل طرفا أساسيا ضمن المنتظم الدولي السباق إلى حماية الحقوق والحريات، تضمن تشريعه الأساسي (الدستور) هذا الحق منذ أول دستور لسنة 1962، غير أنه ظل يعاني من الفراغ التشريعي لغياب قانون تنظيمي، والذي إنتهى بصدور القانون التنظيمي رقم 15-97 المتعلق بتحديد شروط وكيفيات ممارسة هذا الحق سنة 2025.

المراجع المعتمدة:

  1. الحق في ممارسة الإضراب على ضوء المعايير الدولية، منشورات مجلس المستشارين مركز الدراسات والبحوث في الشؤون البرلمانية، شتنبر 2018.
  2. عبد المجيد بوكير وعبد الرحيم اللبار، الحق في الإضراب بين الـتأسيس الدستوري ومقتضيات مشروع القانون التنظيمي رقم 15-97، مجلة ابن خلدون للدراسات القانونية والاقتصادية والاجتماعية، العدد 07، ماي 2024.
  3. مذكرة حول مشروع القانون التنظيمي رقم 15-97 بتحديد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب، المجلس الوطني لحقوق الإنسان، شتنبر 2024.
  4. قراءة في مشروع القانون التنظيمي رقم15-97 بتحديد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب، المركز المغربي للأبحاث وتحلي السياسات، 02/24، دجنبر 2024.

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى