في الواجهةمقالات قانونية

الإختصاص الموضوعي للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة  

 

” الإختصاص الموضوعي للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة  “

               الطالب الباحث: محماد الفرسيوي

 

لقد شكلت المحكمة الجنائية الدولية بارقة أمل لضحايا القهر و الظلم في العالم، وهي على خلاف محكمة العدل الدولية التي تنظر في قضايا الدولة، فإن هذه الأخيرة انحصر دورها في قضايا الأفراد و هو ما لا يعتبر تقليلا أو إضعافا لدورها وذلك لاعتبار أن جرائم الحرب و الجرائم ضد الإنسانية وعمليات الإبادة الجماعية وجريمة العدوان كلها جرائم ترتب المسؤولية الجنائية على الأشخاص و القيادات التي أصدرت أوامر ارتكاب هذه الجرائم والقادة الميدانيين الذين أشرفوا على هاته المجاز.

وقد عمل نظام روما الأساسي على اعتماد مجموعة من المبادئ والقواعد التي تقوم على تكريس العدالة الجنائية الدولية، وكذلك حماية حقوق الإنسان حيث نجد أن  هذا النظام جاء ليحدد اختصاص المحكمة  الموضوعي منه في أشد الجرائم خطورة.

ومما لاشك فيه أن الإختصاص الموضوعي يقوم على أساس نوع الجريمة التي نص نظام روما الأساسي على اختصاص المحكمة الجنائية الدولية على المتابعة  والتحقيق فيها وملاحقتها والفصل فيها والحكم على مرتكبها، حيث نصت المادة الخامسة من النظام الأساسي على الإختصاص الأصيل للمحكمة الجنائية الدولية بالجرائم الأشد خطورة التي تثير قلق المجتمع الدولي بأسره وهي التي سنتناول من خلال إشكالية  تتعلق بحدود الإختصاص الموضوعي للمحكمة الجنائية الدولية ؟

المطلب الأول: جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية

الفقرة الأولى: جرائم الإبادة الجماعية

جرائم الإبادة الجماعية أو جرائم إبادة الجنس البشري أو جرائم إبادة الجنس، كلها تعابير عن معنى واحد، أو مجموعة أفعال واحدة تهدف إلى القضاء على الجنس البشري أو استئصاله من من بقعة معينة أو لصنف معين من البشر أو شعب من الشعوب[1].

ولم يكن هناك من إشكالية في إدراج جريمة الإبادة الجماعية ضمن إختصاص المحكمة الجنائية الدولية، حيث أن أكثر الدول وافقت على أن هذه الجريمة تفي بالمعايير المبنية في الديباجة[2]. ويرجع الفقهاء الفضل إلى الفقه البولوني لمكين الذي نبه إلى هذه العمال ودعا منذ سنة 1933 إلى تجريمها وإعطائها تسميتها جريمة إبادة جماعية[3].

وبالعودة إلى نظام روما الأساسي نجده يعرف جريمة الإبادة الجماعية حيث نصت المادة 6 منه على ” لغرض هذا النظام تعني الإبادة الجماعية أي فعل من الفعال التالية يرتب بقصد إهلاك جماعة قومية أو اثنية أو عرقية أو دينية بصفتها هذه، إهلاكا كليا أو جزئيا:

أـ قتل أفراد االجماعة،

ب ـ إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفراد الجماعة،

ج ـ إخضاع الجماعة عمدا لأحوال معيشية يقصد بها إهلاكها الفعلي كليا أو جزئيا،

د ـ فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة،

ه ـ نقل أطفال الجماعة عنوة إلى جماعة أخرى.

ونلاحظ أن نظام روما روما الأساسي في تعريفه لجرمية الإبادة الجماعية وتحديد أركانها والأفعال التي تؤدي إليها قد اعتمد على نصوص اتفاقية منع إبادة الجناس والمعاقبة عليها لعام 1948[4].

إذن فجوهر جريمة الإبادة الجماعية ينحصر في إنكار حق البقاء لمجموعة بشرية بأجمعها نظرا لما ينظوي عليه من مفاجأة الضمير العام ومن إصابة الإنسانية كلها بأضرار بالغة سواء من الناحية الثقافية أو غيرها من النواحي التي قد تساهم بها هذه المجموعات، فضلا عن مجافاته الأخلاق ومبادئ  الأمم المتحدة.

يرى البعض أن إضفاء صفة الجريمة الدولية على جرائم الإبادة الجماعية ليست مستمدة من كون هذه الأفعال لا ترتكب إلا بناء على أمر أو تدبير من الدولة أو تحث رقابتها، وإن إضفاء الصفة الدولية من طبيعة المصلحة الجوهرية المعتدى عليها، فالمحافظة على الجنس وحمايته من أي عدوان، بات يمثل هدفا أساسيا للنظام القانوني الدولي، بل وأصبحت حياة الأفراد تمثل قيمة عليا تحرص عليها القوانين الوطنية والدولية على السواء لا تمييز فيما بينهم بسبب الدين أو العنصر أو الأصل[5].

الفقرة الثانية: الجرائم ضد الإنسانية

تعتبر الجرائم ضد الإنسانية واحدة من أشد الجرائم الدولية خطورة، نظرا لما تنظوي عليه من انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الإنسانية، فقد تم التنصيص عليها باعتبارها إحدى الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية الدائمة، حتى يتمكن المجتمع الدولي من مساءلة وعقاب مرتكبيها.

وترجع استعمال مصطلح ” الجرائم ضد الإنسانية ” إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، للتعبير عن الجرائم المرتكبة ضد القوانين الإنسانية. وقد تبلور مفهوم هذا المصطلح في سنة 1919، إثر تأسيس الحلفاء لجنة التحقيق في جرائم الحرب، والتي انتهت إلى أن قيام الأتراك بقتل الأرمن خلال سنة 1915، يدخل تحث مفهوم الجرائم المرتكبة ضد القوانين الإنسانية[6].

لقد ازداد الإهتمام بهذ الجرائم بعد الحرب العالمية الثانية، إثر ما شهده العالم من انتهاكات خطيرة من جانب الألمان للقوانين والأعراف الإنسانية، ولذا كان من الطبيعي أن يتضمن النظام الأساسي  لمحكمة نورمبرغ في مادته  6 / ج مفهوم الجرائم ضد الإنسانية، حيث عبرت هذه المادة عن هذه الجرائم ب  ” الجنايات ت ضد الإنسانية” باعتبارها من الجرائم التي تدخل ضمن اختصاص المحكمة، وجاء بها  وهي تشمل كل الأعمال غير الإنسانية التي ترتكب ضد السكان المدنيين قبل وأثناء الحرب وكذلك الاضطهادات شريطة اقترافها بالتبعية لإحدى الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة.

وعندما أنشأت المحكمة الدولية ليوغسلافيا السابقة، تم التأكيد في المادة الخامسة في نظامها الأساسي على الإختصاص القضائي للمحكمة لمحاكمة الأفراد المسؤولين عن الجرائم ضد الإنسانية عندما يتم اقترافها في نزاع مسلح دولي أو داخلي ضد السكان المدنيين، كما أن المادة الثالثة من نظام روندا نصت على الإختصاص القضائي لهذه المحكمة  لمحاكمة المسؤولين عن الجرائم ضد الإنسانية، عندما يتم ارتكابها كجزء من هجوم واسع النطاق او منهجي ضد السكان المدنيين لأسباب وطنية أو سياسية أو عنصرية أو دينية، وعددت المادة نفس الأفعال المذكورة في المادة الخامسة من محكمة يوغسلافيا.

ولإزالة اللبس والغموض جاءت المادة السابعة من نظام روما الأساسي ووضعت تعريف عام للجرائم ضد الإنسانية، وعن قائمة الأفعال المكونة لها، وانطلاقا من المادة المذكور  يتبن على أن ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية  لا يشرط أن تتم أثناء النزاعات بل قد ترتكب هذه الجرائم حتى وقت السلم، وذلك ما يخالف نظام محكمة نورمبورغ ونظام يوغسلافيا السابقة، اللذان ربطا هذه الجرائم بوجود نزاع مسلح ولا شك أن ذلك يشكل تطور في مفهوم الجرائم ضد الإنسانية وكذلك التأكيد على مبدأ حماية السكان من تعسف الأنظمة الديكتاتورية والقمعية[7].

وقد تضمنت المادة 7 من نظام روما قائمة طويلة من الأفعال التي تشكل جرائم ضد الإنسانية عندما ترتكب هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد السكان المدنيين مع العلم بهذا الهجوم وهي: القتل العمد؛ الإبادة؛ الإسترقاق؛ إبعاد الناس أو النقل القسري للسكان؛ السجن أو الحرمان الشديد على أي نحو آخر من الحرية البدنية بما يخالف القانون الدولي؛ التعذيب؛ الإغتصاب أو الإستعباد الجنسي أو الإكراه على البغاء أو الحمل القسري والتمييز العنصري وكذلك الإضطهاد وكل الأفعال الأخرى المشابهة؛ كما تم توسيع مفهوم الإضطهاد ليتضمن أسباب أخرى إضافة إلى الأسباب السياسية أو العرقية أو الدينية، هناك الأسباب الوطنية والإثنية والثقافية والجنس أو للأسباب  الأخرى المرفوضة عالميا طبقا للقانون الدولي.

تتميز الجرائم ضد الإنسانية بخطورتها القصوى وطابعها المنهجي، لذا تعتبر في جميع الظروف جريمة لا إنسانية تمس كرامة الإنسانية باعتبارها إحدى القيم الأساسية للجماعة الدولية،  كما تتميز الجرائم ضد الإنسانية بخطورتها الظرفية، أي أنها ترتكب في إطار سياق خص، فهناك جرائم القانون الداخلي مثل القتل العمد أو الإغتصاب أو التعديب يمكن اعتبارها جرائم ذات خطورة قصوى وتمس الكرامة الإنسانية، لكن هذا غير كاف لتكييفها على أنها ” جرائم ضد لإنسانية ” إلا إذا توفر شرط ارتكابها في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد السكان المدنيين[8].

 

المطلب الثاني: جرائم الحرب و جرائم العدوان

الفقرة الأول: جرائم الحرب

الحرب ظاهرة اجتماعية وإنسانية صاحبت الإنسان منذ ظهوره على الأرض، فمنذ بدء الحياة والحرب سجال بين البشر، فقد حفل سجل البشرية بالكثير من الصراعات والحروب، حتى غذت الحرب سمة من أبرز سمات التاريخ الإنساني[9].

والحرب التي كانت مشروعة ومباحة في الماضي صارت في عصر التنظيم الدولي جريمة دولية يعاقب مرتكبيها لاسيما الحرب العدوانية التي تعد إحدى لجرائم ضد السلام، وعموما إذا قامت الحرب سواء العدوانية أو المشروعة أو العادلة فإن هناك قواعد يجب أن يلتزم المحاربون بها سواء فيما بينهم أو بين المدنيين والتي يشكل الخروج عنها جريمة من جرائم الحرب التي  تختص المحكمة الجنائية الدولية في النظر فيها.

لم تكن مسألة تحديد مفهوم جرائم الحرب بالأمر السهل قبل إقرارها بنظام روما الأساسي فقد عرفها البعض بأنها تلك الجرائم التي ترتكب ضد قوانين  وعادات الحرب، وذهب البعض إلى تعريفها بأنها كل فعل عمدي يرتكبه أفراد القوات المسلحة لطرف محارب أو احد المدنيين إنتهاكا لقاعدة من قواعد القانون الدولي الإنساني الواجبة التطبيق والإحترام.

لحسم النقاش الدائر حول المقصود بجرائم الحرب جاء نظام روما الأساسي وعرف جرائم الحرب في المادة 8 منه بأنها” الإنتهاكات الجسيمة لإتفاقيات جنيف المؤرخة 12 أغسطس 1949، كذلك الإنتهاكات الجسيمة الأخرى للقوانين والأعراف السارية  المطبقة على المنازعات المسلحة الدولية، في النطاق الثابت للقانون الدولي[10].

ومن بين الإنتهاكات قيام دولة الإحتلال على نحو مباشر أو غير مباشر، بنقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأرض التي تحتلها أو إبعاد كل سكان الأرض المحتلة أو نقلهم أو أجزاء منهم داخل هذه الأرض أو خارجها. وبهذا صار الإستيطان أو إبعاد السكان جرائم حرب. وكذلك الإنتهاكات الجسيمة للمادة 2 وهي الأفعال المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع المؤرخة في 12/ 08 / 1949 المرتكبة ضد أشخاص غير مشتركين اشتراكا فعليا في الأعمال الحربية، بما في ذلك أفراد القوات المسلحة الذين ألقوا سلاحهم وأولئك الذين أصبحوا عاجزين عن القتال بسبب المرض أو الإصابة أو الإحتجاز أو لأي سبب آخر.

وهكذا نجد أن الدول نجحت في إدخال جرائم الحرب المرتكبة أثناء المنازعات المسلحة ضمن جرائم الحرب لكنها أخفقت في المقابل في تجريم استخدام أسلحة الدمار الشامل ففي المنازعات الدولية. لهذا فقد جاءت المادة 8 خالية من أي مقتضى ينص على اختصاص المحكمة فيما يتعلق باستخدام الأسلحة النووية والأسلحة البيولوجية أو الكيماوية والألغام ضد الخاص وأسلحة الليزر المعمية وكان من الأفضل إدراج هذه الجرائم ضمن نظام روما باعتبارها جرائم  تهدد أمن العالم واستقراره[11].

الفقرة الثانية: جرائم العدوان

حصرت المادة 5 من نظام روما الأساسي الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، إلا  أنه وبخصوص جريمة العدوان تم تأجيل اختصاص المحكمة بشأنها إلى حين اعتماد تعريف ينسجم مع مقتضيات نظام روما وكذلك مع ميثاق الأمم المتحدة.

ودعت المادة 123  من النظام الأمين العام للأمم المتحدة إلى عقد مؤتمر استعراضي للدول الأطراف بعد انقضاء سبع سنوات على بدء نفاذ هذا النظام الأساسي، للنظر في أية تعديلات على هذا النظام، ويجوز أن يشمل الإستعراض قائمة الجرائم الواردة في المادة 5، دون أن يقتصر عليها، ويكون هذا المؤتمر مفتوحا للمشاركين في جمعية الدول الأطراف وبنفس الشروط، وقد تحقق ذلك من خلال مؤتمر” كمبالا عاصمة أغندا، الذي انعقد في 31 ماي 11 يونيو 2010.

شكل مؤتمر كمبالا فرصة لتقييم الوضع والوقوف على مدى قدرة الدول الأطراف على تطوير وتحسين نظام روما في أفق تعميمه وتوفير الاستقلالية التامة للمحكمة الجنائية الدولية. وبعد إحالة الدول الأطراف مقترحات بخصوص وضع نص بشأن جريمة العدوان، تم اعتماد القرار بتوافق الآراء في الجلسة العامة الثالثة عشر المنعقد بتاريخ 11 يونيو 2010[12].

حيث توافق المؤتمر الإستعراضي على تعريف جريمة العدوان، إذ تنص الفقرة الأولى من المادة 8 مكرر المحدثة لهذا الغرض أنها تعني قيام شخص ما، له وضع يمكنه فعلا من التحكم في العمل السياسي أو العسكري للدولة، أو من توجيه هذا العمل، بتخطيط أو إعداد أو بدء أو تنفيذ فعل عدواني يشكل، بحكم طالعه وخطورته ونطاقه، انتهاكا واضحا لميثاق الأمم المتحدة.

وتضيف الفقرة الثانية من نفس المادة أن فعل العدوان يعني استعمال القوة المسلحة من جانب دولة ما ضد سيادة دولة أخرى أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي، أو بأي طريقة أخرى تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة.

وأردت هذه الفقرة  السابعة أفعال تنطبق عليها صفة العدوان سواء نفدت بإعلان للحرب أو بدونه، استنادا إلى قرار الجمعية العامة لهيأة الأمم المتحدة عدد 3314 المؤرخ في 14/ 12 / 1974، وهو القرار الذي سبق لللمجتمع الدولي أن توافق بمقتضياه على تعريف جريمة العدوان.

وقد أدت المفاوضات العسيرة التي شهدها المؤتمر إلى تقييد اختصاص المحكمة وتطويقه بوسائل تتمثل في ما يلي

كما أوضح ذلك الأستاذ محمد بن عبد الصادق في دراسة له حول حصيلة المئتمر الإستعراضي للمحكمة الجنائية الدولية:
  • لا تمارس المحكمة اختصاصها إلا بعد مرور سنة على توافر شرطين مزدوجين هما أن تتخذ الدول الأطراف قرار بإيجاب ثلثي أعضائها بعد الفاتح من يناير 2017 ( هو النصاب المعتمد لإدخال تعديلات على النظام) وأن تصادق ثلاثون دولة على التعديلات المقترحة، مما يفيد أن جريمة العدوان لن تنال جزاءها في أحسن الحالات إلا بالنسبة للأفعال التي سترتكب بعد يناير 2018، هذا إن توفر نصاب المصادقة قبل يناير 2017.
  • يمكن لأي دولة طرف أن تعلن أنها لاتقبل اختصاص المحكمة، وفي هذه الحالة لا تمارس المحكمة اختصاصها بشأن جريمة العدوان عندما ترتكب من طرف مواطني الدولة أو في إقليمها.
  • أكد لمؤتمر الإستعراضي في المادة 15 مكرر مرتين، التي أحدثها بالمناسبة، حق الإحالة المخول لمجلس الأمن بمقتضى المادة 13 بعد توافر الشرطين المزدوجين المذكورين أعلاه. ومعلوم أن حق الإحالة الذي يتمتع به مجلس الأمن، حق مطلق يمارسه حتى لما يتعلق الأمر بمواطني دولة غير طرف في النظام أو أعلنت أنها لا تقبل اختصاص المحكمة.
  • لا يمكن للمدعي العام لدى المحكمة الجنائية الدولية الذي يخلص إلى وجود أساس معقول لذلك أن يباشر أي إجراء للتحقيق يتعلق بجريمة العدوان، إلا بعد أن يتأكد مسبقا مما إذا كان مجلس الأمن قد اتخذ قرار مفاده وقوع فعل عدوان ارتكبته الدولة المعنية، ولهذا الغرض يقوم المدعي العام بتبليغ الأمين العام للأمم المتحدة بالوضع القائم أمام المحكمة.

وإذا لم يقرر مجلس المن الإحالة في غضون ستة أشهر بعد الإبلاغ، جاز للمدعي العام أن يبدأ التحقيق في جريمة العدوان بعد أن يأذن له بذلك قسم الدائرة التمهيدية بالمحكمة، مالم يمارس مجلس الأمن  حق الإرجاء المخول له بمقتضى المادة 16 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية[13].

رغم الإنتقادات والمأخدات التي توجه للمحكمة الجنائية الدولية إلا أن فعاليتها تسير في الطريقها الصحيح خصوصا بعد إزالة مجموعة من العقبات وفي مقدمتها ما يتعلق بتعريف جريمة العدوان، باعتبارها سبب في تردد بعض الدول للإنضمام لنظام روما الأساسي، إذن فهذه الخطوة تحسب  لمسار تحقيق العدالة الجنائية الدولية[14].

والملاحظ هنا هو أن اختصاص المحكمة لم يشمل مجموعة من الجرائم التي لا تقل خطورة عن سابقتها، وعلى رأسها جرائم الإرهاب وجرائم استخدام الأسلحة الخطيرة، ومجموعة من الجرائم الأخرى والتي أثارت نقاشا واسعا بعد حصر الإختصاص الموضوعي للمحكمة في الجرائم الأربع وفق للمادة 5 من نظام روما الأساسي.

 

خاتمة:

إن أهم سمة طبعت القرن العشرين هو أنه وضع أسس العدالة الجنائية الدولية، وهو ما تجسد في شكل هيئة قضائية جنائية دولية ودائمة، ليبقى القرن الواحد والعشرون هو من سيكشف عن مدى نجاح هذه المحكمة، والاقتصاص لضحايا الجرائم الدولية، عن طريق محاكمة الأفراد المتورطين في ارتكاب الجرائم  التي ندخل في نطاق اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، المتميزة بطابعها الشديد الخطورة وذات البعد الدولي تحقيقا لمحاربة اللاعقاب الذي استمر لأزمنة طويلة.

لكن التجربة برهنت العكس بحيث أثبتت أن القواعد الإنسانية لا تطبق بعدالة، حيث  تم اتهام المحكمة بالإنتقائية لصالح الدول النافدة، وكذلك تدخل أجهزة أخرى في  اختصاصها وعلى رأسها مجلس الأمن وهذا ما  يبرر انسحاب مجموعة من الدول من على المحكمة الجنائية الدولية و تهديد دول أخرى بالإنسحاب.

[1] ـ عبد الفتاح بيومي حجازي، المحكمة الجنائية الدولية، دار الكتب القانونية، مصر، 2007، ص 313.

[2] ـ محمد هشام فريجه، دور القضاء الدولي في مكافحة الجريمة الدولية، أطروحة مقدمة لنيل شهادة دكتوراه علوم في الحقوق تخصص قانون دولي جنائي، جامعة محمد خيضر ـ بسكرة، الجزائر، السنة الجامعية، 2013 ـ 2014، ص 252.

[3] ـ بدر الدين محمد شبل، القانون الجنائي الدولي الموضوعي، دار الثقافة، عمان، 2011، ص 97.

[4] ـ تتكون هذه الإتفاقية من ديباجة و تسع عشر مادة أما المواد التسعة الأولى فتبين الجريمة وأركانها والأفعال  المكونة لها، وكافة صور الإشتراك فيها، وقد إلتزم الدول بإدراجها في تشريعاتها الوطنية، والنص على ان هذه الجريمة لا تعد سياسية واختصاص محكمة العدل الدولية بنظر أي خلاف حول تفسير أي نص من هذه الإتفاقية، وبالنسبة للعشر مواد الأخرى فتختص بالإجراءات الإدرية المتبعة لدخول الإتفاقية حيز النفاذ و إيداع الوثائق والتسجيل  وغيرها من الإجراءات التي تتبعها.

[5] ـ منتصر سعيد محمود، المحكمة الجنائية الدولية، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2006، ص 106.

[6] ـ بوهراوة رفيق، اختصاص المحكمة الجنائية الدولية الدائمة، مذكرة مقدمة لنيل شهادة ماجستير في القانون العام ـ فرع القانون والقضاء الجنائي الدوليين، جامعة الإخوة منتوري، قسنطينة، كلية الحقوق والعلوم السياسية، السنة الجامعية 2009 ـ 2010 ، ص 45.

[7] ـ بوهراوة رفيق، المرجع السابق، ص 46.

[8] ـ سفيان دخلاف، الإختصاص العالمي للمحاكم الجنائية الداخلة بجرائم الحرب وجرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه، جامعة مولود معمري، تزي وزو، الجزائر، تاريخ المناقشة 14 / 12 / 2014، ص 210.

[9]ـ عصام عبد الفتاح مطر، القضاء الجنائي الدولي، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2008، ص 106.

[10] ـ المادة 8/ أ ـ ب من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

[11] ـ ـ محمد هشام فريجه، المرجع السابق، ص 257.

[12] ـ محمد هشام فريجه، المرجع السابق، ص 182.

[13] ـ من أجل مصادقة المغرب على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، المرجع السابق، ص 46 ـ 47.

[14] ـ عبد الله درميش، المحكمة الجنائية الدولية أي فعالية؟ وأي استقلال؟، مجلة المحاكم المغربية، عدد 152 ماي/ يونيو 2016، ص 46.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock