في الواجهةمقالات قانونية

 السلطة التقديرية للقاضي الجنائي وفقا للتشريع المغربي والمقارن

 السلطة التقديرية للقاضي الجنائي وفقا للتشريع المغربي والمقارن

يمكن القول بأن السلطة القانونية للقاضي الجنائي قد ولدت من رحم نظام حرية الإثبات في المادة الجنائية الذي يسود معظم التشريعات الحديثة في معظم دول العالم ومنها التشريع المغربي، ومفاد ذلك أن للقاضي الجنائي أن يقبل جميع الأدلة التي يقدمها إليه أطراف الدعوى، فلا وجود لأدلة يحظر عليه القانون مقدما قبولها، وله أن يستبعد أي دليل لا يطمئن إليه، فلا وجود لأدلة مفروضة عليه وله بعد ذلك السلطة التقديرية الكاملة في وزن كل دليل على حدة، وله في النهاية سلطة التنسيق بين الأدلة التي قدمت إليه واستخلاص نتيجة منطقية من هذه الأدلة مجتمعة ومتساندة تتمثل في تقرير البراءة أو الإدانة[1].

وعليه سنتناول الأساس القانوني للمبدأ في محورين، فنتعرض لنظام حرية الثبات في المجال الجنائي في محور أول، ثم نتناول السلطة التقديرية للقاضي الجنائي في تقدير الجزاء في محور ثاني.

 

 

المحور الأول: نظام حرية الإثبات في المجال الجنائي

منح المشرع المغربي للقاضي الجنائي عدة سلطات للتمكن من تقدير الأدلة سواء كانت أدلة إثبات أم أدلة نفي، ومن بين هذه السلطات، سلطة حرية الإثبات.

لذلك تعتبر حرية الإثبات من أهم الخصائص المميزة لنظام الإثبات الجنائي والمقصود بها أن الجريمة يمكن إثباتها بكل الوسائل الممكنة وهو خلاف ما عليه الأمر في المادة المدنية، حيث الإثبات مقيد، لكونه يتعلق بتصرفات قانونية، حيث نصت المادة 286 من قانون المسطرة الجنائية المغربي على أنه:

“يمكن إثبات الجرائم بأية وسيلة من وسائل الإثبات، ما عدا في الأحوال التي يقضي فيها القانون بخلاف ذلك، ويحكم القاضي حسب اقتناعه الصميم…”

يتبين من مقتضيات المادة أعلاه أن المشرع المغربي يتبنى مبدأ حرية الإثبات،  بإعطائه سلطة الإثبات للقاضي الجنائي كيفما كانت طبيعة الأدلة،  وذلك سواء كانت هذه الأدلة وسائل تأكيد أو نفي للاتهام.[2]

وقد استمد المشرع المغربي مبدأ حرية الإثبات من نظيره الفرنسي الذي ينص في قانون المسطرة الجنائية على انه: “يجوز إثبات الجرائم بجميع وسائل الإثبات ويحكم القاضي بناء على اقتناعه الصميم،  ما لم يوجد نص بخلاف ذلك…”[3]

ودأب الاجتهاد القضائي المغربي أيضا، على تكريس مبدأ حرية الإثبات الممنوحة للقاضي الجنائي حيث أقر المجلس الأعلى سابقا( محكمه النقض حاليا) في أحد قراراته[4] ما يلي: ” لما كان القانون قد أعطى لقضاة الموضوع كامل الصلاحية لتكوين قناعاتهم من جميع وسائل الإثبات، ولم يقيدهم بوسيلة إثبات معينة إلا في حالات استثنائية محددة على سبيل الحصر، فإن المحكمة تكون قد استعملت سلطتها التقديرية،  التي لا رقابة عليها بما في ذلك اعتراف المتهمين المحكوم عليهم في نفس القضية”.

ويجد مبدأ حرية الإثبات مبرره من خلال إقراره من قبل التشريع، والاجتهاد القضائي، كما يذهب الاتجاه الغالب من الفقه أيضا إلى إقرار المبدأ أعلاه، لكون الجريمة ليست كيانا ماديا خالصا قوامه الفعل وآثاره،  إنما هي كذلك كيان نفسي، ويراد به الأصول النفسية لماديات الجريمة[5]، وذلك لأن المجرمين غالبا ما يعملون بخفاء وسرية ويحاولون طمس معالم جرائمهم ومخلفاتهم من أثار وأدلة.

وتجدر الإشارة إلى أن المادة 286 من قانون المسطرة الجنائية، لم تخول للقاضي السلطة المطلقة في اعتماد الأدلة،  وإنما خولته سلطة نسبية من خلال إقرارها أولوية للنصوص التي تقيد مبدأ حرية الإثبات ونذكر من هذه النصوص:

 أولا: المادة 288 من قانون المسطرة الجنائية المغربي التي تنص على أـنه:” إذا كان ثبوت الجريمة يتوقف على دليل تسري عليه أحكام القانون المدني أو أحكام خاصة، تراعي المحكمة في ذلك الأحكام المذكورة. ” وذلك لأن الأصل في التصرفات المدنية يتم إثباتها بوسائل حصرها المشرع في الفصل 404 من قانون الالتزامات والعقود في: الإقرار والحجة الكتابية،  وشهادة الشهود والقرائن واليمين.

ومثال ذلك أنه لابد من إثبات عقود الأمانة بواسطة قواعد القانون المدني، لكي يتاح رفع الدعوى العمومية ضد شخص باعتباره خائن للأمانة.

 ثانيا: الفصل 493 من القانون الجنائي، الذي يفرض إثبات الجرائم المنصوص عليها في الفصل 490 و 491 منه بمحضر رسمي يحرره أحد ضباط الشرطة القضائية في حالة التلبس أو بناء على اعتراف تضمنته مكاتب أو أوراق صادرة عن المتهم أو اعتراف قضائي.

 ثالثا: المادة 213 من قانون المسطرة الجنائية التي تقضي بمنع الرجوع إلى وثائق التحقيق التي أبطلت قصد استخلاص أدلة ضد الأطراف في الدعوى،  تحت طائلة متابعات تأديبية في حق القضاة والمحامين.

 رابعا: المواد 287، 289، 290، 293، 295 و296 من قانون المسطرة الجنائية،  والحكمة من هذه الاستثناءات، هي تحقيق بعض الضمانات الهادفة إلى إظهار الحقيقة أو حماية حقوق الدفاع، أو الحفاظ على بعض الاعتبارات الاجتماعية أو الأسرية[6].

 المحور الثاني: السلطة التقديرية المخولة للقاضي الجنائي في تقدير الجزاء.

خول المشرع المغربي للقاضي الجنائي في مجال تقدير العقوبة سلطة تقديرية واسعة، وذلك ليختار منها ما يراه مناسبا ومتماشيا مع مصالح المجرم والمجتمع في آن واحد،  فأعطاه بذلك حرية تقدير العقوبة وتحديدها بين حد أقصى وأدنى،  ويجمع المهتمون بميدان التجريم والعقاب على أن العلة الحقيقية لهذا التصرف هي التوزيع المنطقي المتوازن للاختصاص بين التفريد التشريعي والتفريد القضائي على وجه يتحقق فيه التنسيق بين المصالح الاجتماعية والفردية.

 

 أولا: ظروف التخفيف القضائية

لم يحدد المشرع الظروف المخففة في القانون عكس الأعذار القانونية ولم يضع ضوابط تساعد القاضي على استنباطها بل ترك ذلك كله لحسن تقدير هذا الأخير بحيث يستطيع منحها في أية جريمة جنائية كانت أم جنحة أو مخالفة وذلك تبعا لظروف ارتكابها أو ظروف مرتكبها.

فقد نص الفصل 146 من القانون الجنائي على انه:” إذا تبين للمحكمة الزجرية بعد انتهاء المرافعة في القضية المطروحة عليها أن الجزاء المقرر للجريمة في القانون قاس بالنسبة لخطورة الأفعال المرتكبة، أو بالنسبة لدرجة إجرام المتهم، فإنها تستطيع أن تمنحه التمتع بظروف التخفيف،  إلا إذا وجد نص قانوني يمنع ذلك… ”

فما هو نطاق هذه الظروف؟  وما هي حدود سلطة القاضي في منحها؟  وما هي آثارها على العقوبة؟

كما هو معلوم فإن المشرع قد حدد ظروف التشديد وحدد الأعذار القانونية المخففة والمعفية من العقاب،  لكن ومن أجل وضع مقياس حقيقي للعقوبة فإنه لم يكتفي بذلك ولكن منح القاضي سلطة منح ظروف التخفيف،  هذه الظروف تسمى بظروف التخفيف القضائية لأنها لا تكون محدده سلفاً.

وتخول هذه الأخيرة للقاضي سلطة النزول عن الحد الأدنى المقرر للعقوبة حيث تمثل امتياز آخر للقاضي الجنائي، ارتأى المشرع من خلاله استكمال بنيان نظام التفريد القضائي وأحيانا رغم تمتيع القاضي المتهم بظروف التخفيف، فإن العقوبة تبقى قاسية بالنسبة إليه خصوصا إذا كان الأمر يتعلق بجريمة بسيطة وكان المجرم غير متعود على الإجرام، ومن هذا المنطلق منح المشرع للقاضي سلطة وقف تنفيذ العقوبة بعد النطق بها حيث نص على ذلك في المواد من 55 إلى 58 من القانون الجنائي.

ثانيا: حدود سلطة القاضي

إن منح القاضي الجنائي سلطة تقديرية في اختيار الجزاء المناسب وذلك بمراعاة العوامل النفسية والاجتماعية الكامنة في شخص المجرم قد يعرضه للخطأ في تقدير الجزاء نظرا لكون المشرع لم يضع أمام القاضي معايير دقيقة ترشده في أداء مهمته رغم وجود درجات التقاضي، وهذا لا يمنع من صدور أحكام متباينة في قضايا متشابهة نتيجة توسع السلطة التقديرية للقاضي بحكم ضرورة تفريد الجزاء وهذا ما يؤكد على ضرورة إيجاد معايير قانونية تساعد القاضي على إيجاد الجزاء المناسب، وهذا ما دفع عدة تشريعات إلى إخضاع السلطة التقديرية للقاضي للمراقبة.

فإذا كان المشرع المغربي انطلاقا من الفصل 141 من القانون الجنائي قد آمن بمبدأ التفريد وأخذ به شأنه في ذلك شأن التشريعات المعاصرة إلا أنه أوكل إلى القاضي سلطة مقيدة ونسبية في ما منحه الحق في التفريد وفق حدين أقصى وأدنى.

لكن الإشكال هنا يطرح على مستوى غياب معايير دقيقة يهتدي بها القاضي في تقدير الجزاء، فإن ترك هذه السلطة التقديرية في غياب معايير منضبطة و واضحة ومعروفة قد يؤدي إلى نتائج عكسية قد تمس بالضمانات المخولة للمتهم ومبدأ المساواة أمام القانون، ومن أجل ضبط هذه السلطة التقديرية المطلقة للقضاة، تبنى المشرع الأمريكي نظاماً خاصاً للعقوبة يقوم على تحديد قوائم تشتمل على مجموعة من الجرائم التي توازيها عقوبات محددة،  وعند تحديد العقوبة الموازية للفعل المنصوص عليه في هذه القوائم، يمر القاضي إلى مرحلة ثانية هي تحديد جسامة الجريمة يأخذ فيها بجانبين: جانب أول مرتبط بالظروف المحيطة بالجريمة ( الوسائل المستعملة،  الضرر الناتج عنها،  الخسائر المالية)،  وجانب ثان يتعلق بتحديد خطورة المجرم بالنظر لتاريخه الإجرامي، فلو تعلق الأمر مثلا بجريمة سطو، فإن القاضي يحدد العقوبة الموازية لها ثم يلجأ بعد ذلك إلى تحديد جسامة الجريمة من خلال الظروف التي أحاطت بارتكابها كاستعمال السلاح، وهل اقتصر دور المتهم على التهديد باستخدامه أم استخدمه فعلا و نوع السلاح المستعمل،  فإذا كان المتهم هدد فقط باستخدام السلاح تضاف مثلا ثلاثة مستويات للجريمة،  وإذا استعمل السلاح تضاف أربعة مستويات وهذا ما يجعل العقوبة المقررة تنتقل من القائمة رقم 1 بسبب إضافة هذه المستويات إلى القائمة رقم 10 التي توازيها عقوبة مغايرة للقائمة 1 تكون أكثر تشدداً.

نفس الشيء يقوم به القاضي من النظام الأمريكي عند تقديره لجسامة الجريمة بالنظر إلى حجم الضرر الذي توجد قوائم تحدد قيمة الخسائر ومستويات الجريمة الموازية لها، إذ كلما ازدادت هذه المستويات كلما ازدادت العقوبة المقررة لها، وإلى جانب اعتماد القاضي الأمريكي في تحديده للعقوبة على معيار الظروف المحيطة بارتكاب الجريمة،  يأخذ بعين الاعتبار كذلك تحديد خطورة المجرم، إذ تضاف لمستوى الجريمة مثلا ثلاث نقاط عن كل عقوبة سابقة مقيدة للحرية تزيد عن سنة وشهر،  وهذا يعنى أن إضافة كل نقطة لجسامة الجريمة تساوي زيادة العقوبة لمدة شهر.

لذلك نرى أن موضوع السلطة التقديرية للقاضي الجنائي يتعين أن يكون موضوعاً لمناقشة بعض الأفكار:

– مراجعة النصوص التي توفر فرقا شاسعاً بين الحد الأدنى والأقصى للعقوبة للتقليص من هذه الفوارق.

وضع ضوابط تؤطر استعمال السلطة التقديرية للقاضي في تقدير العقوبة وتفريد العقاب، وذلك عبر وضع مؤشرات قانونية يمكن الاستناد إليها كقيمة الضرر أو طبيعة الفعل والوسائل المستعملة في ارتكابه وظروفه أو الغاية من ارتكاب الفعل أو شخصية المجرم وظروفه الشخصية والاجتماعية على غرار بعض التشريعات المقارنة كالتشريع الأمريكي.

– تمكين القاضي من التكوين الملائم على استعمال السلطة التقديرية في المجالات التي خولها له القانون.

 

 

[1] –  G. Stefani, G. Levasseur, B. Boupoc. « proceduer penale », précis, dallez, onzième édition, 1980, p : 25.

أشار إليه نضال ياسين الحاج حمو. “مبدأ اقتناع القاضي الجنائي – دراسة تحليلية تأصيلية في ضوء التشريع البحريني والمقارن-“. مقال منشور بالمجلة الالكترونية كلية القانون للعلوم القانونية والسياسية، ص: 494.

[2] – يونس نفيد،”مبدأ السلطة التقديرية لقاضي الحكم الجنائي”، مقال منشور بالموقع الالكتروني للطلبة والباحثين والمهتمين في القانون المغربي والمقارن”، العدد الرابع، السنة الأولى،  أكتوبر/ دجنبر 2017، www.9anounak.blogspot.com

[3] – الفصل 427 من قانون المسطرة الجنائية الفرنسي.

[4] – عدد 7991، ملف جنائي عدد 8942،  صادر في 5 دجنبر 1986،  مجلة قضاء المجلس الأعلى،  عدد 35- 36، الصفحة 219.

[5] – محمود محمود مصطفى،” شرح قانون العقوبات”، الطبعة العاشرة، مطبعة جامعه القاهرة، القاهرة 1983، ص: 415، أشار له يونس نفيد، مرجع سابق.

[6] – الحبيب بيهي، ” شرح قانون المسطرة الجنائية الجديدة”، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مؤلفات وأعمال جامعية، الطبعة الأولى، الرباط 2004، الجزء الأول، ص: 286.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق