في الواجهةمقالات قانونية

المغرب والمحكمة الجنائية الدولية :المسار والآفاق

المغرب والمحكمة الجنائية الدولية :المسار والآفاق

                                                                              إسماعيل بلكبير

                                                                                                            باحث في القانون العام

 

مدخل:

يعتبر إنشاء المحكمة الجنائية الدولية من بين المكتسبات الهامة التي حققتها الحركة الحقوقية العالمية ، في مجال مكافحة الإفلات من العقاب وإرساء القيم الكونية لمبادئ حقوق الإنسان والعدالة .

ومواكبة لهذه الصيرورة التاريخية من طرف  الحركة الحقوقية المغربية ، انشأ الائتلاف المغربي من اجل المحكمة الجنائية الدولية سنة  2004  ،الذي يتكون من 26 جمعية حقوقية ،هدفها هو القيام بعدة مبادرات من اجل التحسيس والتعريف بالمحكمة الجنائية الدولية  وإقناع الدولة المغربية بضرورة المصادقة.

ورغم آن المغرب كان من بين الدول التي دعمت إنشاء محكمة جنائية دولية دائمة ومستقلة ،خلال مؤتمر روما صيف 1998، حيث كان تصريح الوفد الحكومى آنذاك ايجابيا في التعامل المستقبلي مع المحكمة ،ويعتبر من بين الدول  الأولى التي وقعت على معاهدة نظام روما الأساسي في شتنبر 2000، إلا انه لازال يتردد في الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية من خلال المصادقة على النظام الأساسي.

على هذا الأساس يثير موضوع انضمام المغرب للمحكمة الجنائية الدولية مجموعة من الإشكاليات ،سواء من حيث تفاعل الدولة مع مطلب الانضمام،  أو من حيث آفاق المصادقة على نظام روما، ويجعلنا نطرح الأسئلة التالية :لماذا يجب الترافع من اجل الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية ؟ كيف تفاعل المغرب مع مطلب الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية ؟ما هو دور الحركة الحقوقية المغربية في هذا التفاعل ؟ لماذا لم يصادق المغرب على اتفاقية روما إلى غاية اليوم؟ما هي آفاق مصادقة المغرب على اتفاقية روما؟

أسئلة من بين أخرى سنحاول الإلمام بعناصرها من خلال محورين:

المحور الأول:مسار تفاعل المغرب مع مطلب الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية

يعتبر نظام المحكمة الجنائية الدولية نص دولي ضد الإفلات من العقاب ،ومما لاشك فيه أن الهدف الأساسي الذي أنشئت من اجله المحكمة، هو السعي لتحقيق العدالة لضحايا الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان،مما يجعل أهمية الترافع من اجل الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية، تتجاوز خصوصيات نظامها ومبادئها الأساسية، لتجد تبريرها في فيما حققه مسار النضال لإنشائها من دروس مختلفة، ويفيد  أن أسباب عدم المصادقة على نظامها ذات طبيعة سياسية أكثر منها قانونية  .

أولا:أهمية الترافع من اجل الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية:

إذا كانت الجهود الدولية ،الجماعية منها والفردية ،المبذولة في اتجاه إنشاء محكمة جنائية دولية،قد اصطدمت بعدة عراقيل ذات طبيعة سياسية وقانونية،فان الإنشاء الفعلي للمحكمة الجنائية الدولية بتاريخ 11 ابريل 2002، بعد مصادقة الدولة الستين على النظام الأساسي ،شكل استجابة فعلية لنضال أجيال متعاقبة من نشطاء حقوق الإنسان، حيث أن جهودهم نجحت غداة مؤتمر فيينا في تشكيل ائتلاف ضم  أزيد من 1000 عضو من المنظمات المعنية بحقوق الإنسان، للمطالبة بإرساء آلية قضائية لتتبع الجناة في الجرائم المتصلة بحقوق الإنسان،ويمثل أهم درس للحركة الحقوقية المغربية في مجال الترافع من اجل الانضمام ،سواء من حيث تنويع وتطوير آليات وأشكال المرافعة، آو من حيث مدى أهمية العمل الوحدوي في تجاوز كل التحديات لبلوغ الأهداف.

كما آن أهمية الترافع بالنسبة للتجربة المغربية ،تتجاوز خصوصيات ومبادئ النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، لتكتسي دلالاتها  في انعكاسات تحقيق مطلب الانضمام على تطوير الممارسة الاتفاقية للمغرب ،من خلال الانضمام إلى الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان والمصادقة عليها ،كتعبير على تفعيل تعهدها بالالتزام باحترام  حقوق الإنسان بمفهومها الكوني ،بشكل يقطع مع التردد والاحتراز الذي بطبع سلوكها، وبالتالي من شان الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية أن  يساهم في تحقيق مطلب استقلال القضاء ،باعتبار انه من المبادئ الأساسية للمحكمة  تكاملية اختصاصها مع الولايات القضائية الجنائية الوطنية ،حيث تعطى الأولوية للنظام القضائي الوطني في المتابعة الجنائية ومعاقبة الأشخاص المتهمين بارتكاب الجرائم الدولية ،ولا ينقل الاختصاص إلى المحكمة الجنائية الدولية إلا في حالة الإخفاق أو فشل النظام القضائي الوطني.

=(  الأفكار الأساسية الواردة بهذا المقال كانت موضوع مداخلة شفوية  لي في إطار ندوة فكرية حول “المحكمة الجنائية الدولية”  المنظمة من طرف: التنسيقية المغربية لمنظمات حقوق الإنسان في المحور المتعلق بتجارب الحركة الحقوقية المغاربية في مجال الترافع من اجل الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية).

 

 

ثانيا: أسباب عدم الانضمام للمحكمة بين طغيان الهاجس السياسي ومحدودية العراقيل القانونية

عدد محدود من العراقيل القانونية يقف في طريق مصادقة الدول على نظام روما الأساسي ،وأسباب عدم المصادقة ذات طبيعة سياسية أكثر منها قانونية.ويمكن تحديد عناصرها بالنسبة للمغرب في عوامل داخلية ،ترتبط بمسار تدبير الإشكالية الحقوقية والممارسة الاتفاقية للمغرب ،وأخرى خارجية ترتبط بخصوصيات نظام المحكمة الجنائية الدولية وطبيعة العلاقات الدولية.

1-العوامل الخارجية:

تفيد عناصر التحليل المتعلقة بمصادقة الدول على نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية انه إلى غاية سنة 2002 تطور عدد الدول المصادقة بشكل تصاعدي بواقع دولة واحدة سنة 1998 وستة دول سنة 1999 و21 دولة سنة 2000 و20دولة سنة2001 و39 دولة سنة 2002 ،وبتاريخ 3غشت 2002 ،اقر الكونغرس الأمريكي قانون حماية الأفراد العسكرية الأمريكيين (ASPA  ) ،يتضمن في أحكامه ،وقف المساعدات الأمريكية للدول الأعضاء في المحكمة، ماعدا دول الناتو،أيضا الحد من مشاركة قوات أمريكية في قوات حفظ السلام ،ومنع أي تحقيق تجريه على أراضيها،كما أبرمت الولايات المتحدة الأمريكية نحو 85 اتفاقية ثنائية مع الدول لضمان عدم إحالة المواطنين  الأمريكيين للمحكمة الجنائية الدولية.

وفي سنة 2003 تقلص عدد الدول المصادقة على المعاهدة لينحصر في خمسة دول، اغلبهم من أوربا، ونفس الشيء  بالنسبة لسنة 2004، أما سنة 2005 فلم تصادق على نظام المحكمة  إلا ثلاث دول ،وفي سنة 2012 صادقت  دولة وحيدة هي غواتيمالا ،وسنة 2013 التحقت ساحل العاج بقائمة الدولة المصادقة .

ومن بين العوامل المهمة في تردد المغرب في الانضمام للمحكمة، إحدى أهم خصوصيات نظامها الأساسي، المتمثل في عدم جواز التحفظ على اتفاقية روما ،إذ نصت المادة 120 من الاتفاقية على عدم جواز وضع أي تحفظ على مقتضياتها ،فالاتفاقية أخذت بمبدأ التمسك بتكامل مواد الاتفاقية ،بحيث أن نظام روما لا يقبل وضع أي تحفظات من طرف أية دولة على أي مادة من مواد الاتفاقية،وهو ما جعل المغرب يتردد في المصادقة بالنظر لممارسته الاتفاقية المطبوعة بكثرة التحفظات على الاتفاقيات .

2- مسار الممارسة الاتفاقية للمغرب و تدبير الإشكالية الحقوقية :

إن مسار الممارسة الاتفاقية للمغرب يظهر أن المغرب بقدر ما بادر، منذ ستينيات القرن الماضي، إلى المصادقة على الصكوك الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان،بقدر ما أرفق مصادقته على الاتفاقيات بمجموعة من التصريحات والتحفظات المتعلقة ببعض موادها. فالملاحظ أن الوقت الفاصل بين التوقيع على الاتفاقية والمصادقة عليها ،في الممارسة الاتفاقية للمغرب ،يتراوح مابين سنتين(بالنسبة للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية)وسبع سنوات في حالة اتفاقية مناهضة التعذيب. والمغرب لم يصادق على اتفاقية الاختفاء القسري إلا بتاريخ 14ماي 2013 بالرغم من انه كان من بين الدول التي دعمت مشروع الاتفاقية.

إن الممارسة الاتفاقية للمغرب ،وان تميزت خلال السنوات الأخيرة،بالتوقيع والمصادقة على بعض البروتوكولات الاختيارية ،فإنها لا تشكل إلا نسبة ضئيلة .حيث انه لم يصادق على أهم البروتوكولات الاختيارية ،التي تروم تعزيز وحماية الحقوق الواردة في الاتفاقيات الملحقة بها،وبشكل عام حماية ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان.وينطبق ذلك خاصة على البروتوكولات الملحقة، بالاتفاقيات الأساسية التي انضم إليها المغرب الآتية :

*البروتوكول الاختياري الأول ،الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ،بشان تقديم شكاوي من قبل الأفراد،الذي تؤكد مقتضياته على التزام الدول الأطراف بتمكين اللجنة المعنية بحقوق الإنسان ،إعمالا لمقاصد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ،من استلام شكاوى الأفراد ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان.

*البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المتعلق بإلغاء عقوبة الإعدام،،الذي تؤكد مقتضياته التزام الدول الأطراف باتخاذ مجموعة من التدابير والإجراءات لإلغاء عقوبة الإعدام للمساهمة في تعزيز الكرامة الإنسانية.

*البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ،الذي يتناول مسالة إنشاء لجنة تتمتع باختصاصات تخولها تلقي والبث في الشكاوى المتعلقة بانتهاكات الحقوق الواردة في العهد ،التي تتوصل بها من الدول الأطراف أو الأفراد.

إن وضعية انخراط المغرب في الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان يغلب عليها تفضيل منهج المعالجة عوض منهج الوقاية من الانتهاكات، يجسده إرفاق مصادقته على الاتفاقيات الدولية بمجموعة من التحفظات والتصريحات والتردد في الانضمام إلى بعض الاتفاقيات والبروتوكولات الملحقة بأخرى.

فمما لاشك فيه أن نضال القوى الديمقراطية والحقوقية المغربية ،أثمر بفضل ترافع الحركة الحقوقية، عددا من المكتسبات، وساهم بشكل فعال على إرغام الدولة على مراجعة توجهاتها الرسمية في مسار تدبير الإشكالية الحقوقية، وفي مقابل ذلك يفيد التحليل أن استجابة الدولة في حدود متحكم فيها، بحيث أن المراجعات والإصلاحات المتحكم فيها تمت أيضا بفعل ما اكتسبته الدولة المغربية من مهارات في إدارة الصراع السياسي ،وقدرتها على التكيف مع التحولات المحلية الإقليمية والدولية، بشكل يقطع الطريق على أي تغيير جدري، ومادام الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية يشكل عنصرا حاسما في حمل الدولة على القيام بإصلاحات جذرية على نظامها السياسي والقانوني، من خلال ملاءمة التشريع مع نظام المحكمة الجنائية الدولية وإسقاط الحصانات والعفو.

فإذا كان هناك تلازم بين الوضع الديمقراطي ومسالة احترام الحقوق والحريات في مسار تدبير الإشكالية الحقوقية، فان سلوك الدولة المغربية في مجال الحقوق والحريات منذ بداية التسعينات يشير إلى أنها بمختلف مستوياتها تعمل على تفادي الاستجابة الكاملة لانتظارات ومطالب الحركة الحقوقية ،بالشكل الذي يجعلها تحول المطالب التي لا تستجيب لها إلى مورد سياسي استراتيجي توظفه عند الحاجة حسب ما تقتضيه التحولات ،الشيء الذي يفيد بان أفاق مصادقة الدولة المغربية على نظام روما تبقى قريبة التحقق ،تدعم فرضيتها مجموعة من المقومات ،وتطرح على الحركة الحقوقية مجموعة من التحديات لتحقيقها في اقرب وقت.

المحور الثاني :آفاق مصادقة المغرب على اتفاقية روما

مما لاشك أن مطلب انضمام المغرب للمحكمة الجنائية الدولية، بقدر ما يشكل احد أهم انشغالات الحركة الحقوقية المغربية لضمان بقاء موضوعه على جدول الأعمال، بقدر ما شكل ترافعها  يستحضرها في إطار جميع المحطات النضالية، وبجميع الأشكال وعلى جميع مستويات النهوض بحقوق الإنسان وحمايتها ،وجعل منها احد أهم المقومات الداعمة لتحقيق المصادقة على اتفاقية روما، إلى جانب مقومات أخرى قانونية ومجتمعية، رغم أن ذلك يطرح عليها مجموعة من التحديات.

أولا-المقومات:

1-الدينامية الحقوقية:

إذا كان هناك تأرجح واضح في سياسة الدولة والتردد في التعاطي مع قضايا حقوق الإنسان فان المكتسبات التي تم تحقيقها على مستوى تعزيز منظومة حقوق الإنسان بالمغرب،رغم محدوديتها ،ساهمت فيها بالأساس مرافعات الحركة الحقوقية ،وتجعل منها أهم مقوم من المقومات الداعمة لانضمام المغرب للمحكمة الجنائية الدولية ،يمكن ملامسة دورها من خلال التوقف عند لحظات أساسية في مسار تدبير الإشكالية الحقوقية بالمغرب،لعل أهمها لحظة المناظرة الوطنية حول الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ،حيث شكل انعقادها في نونبر 2001،حدثا استثنائيا في سيرورة الحركة الحقوقية المغربية، ومثلت نقطة تحول في ملف الانتهاكات الجسيمة  لحقوق الإنسان، ومؤشرا نوعيا في العمل الوحدوي لحركة حقوق الإنسان المغربية ،وساهمت في تحقيق مجموعة من المطالب الحقوقية، وبفضل توصياتها واجتهاداتها، تم تأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة سنة 2004 ،كلحظة أساسية في مسار تحقيق جزء من مطالب الحركة الحقوقية والاستجابة لبعض القضايا المرتبطة بمجال حماية حقوق الإنسان ،وبفضل الدينامية الحقوقية التي واكبت أشغال هيئة الإنصاف والمصالحة، وضغط الحركة الحقوقية وترافعها المستمر ،عرف الإنتاج القانوني في مجال الحقوق والحريات حيوية ملحوظة ،منها قانون تجريم التعذيب ،ورفع التحفظ على المادتين 20و22من اتفاقية منهاضة التعذيب في اكتوبر،2006 والإعلان عن قبول المغرب باختصاص لجنة التعذيب لتلقي وفحص الشكايات الموجهة من الأفراد حول تعرضهم لانتهاكات تتعلق بالتعذيب.

بل إن لحظة إصدار توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، كأحد أهم اللحظات المتوجة لعملها، ساهم ترافع الحركة الحقوقية في منتوجها، بفضل الضغط ومواصلة رفع التحدي لكسب المزيد من المكتسبات الحقوقية،وهي التوصيات التي ظلت بدون تفعيل الى غاية لحظة الحراك المجتمعي المغربي سنة 2011، الذي قادته حركة 20فبراير ،بمساندة ودعم فعال ومتواصل للحركة الحقوقية ،حيث كانت المطالبة بتنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة احد أهم مطالبها ،وعلى رأسها مطلب  المصادقة على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ،ووضع إستراتيجية وطنية مندمجة ومتعددة الأطراف لمكافحة الإفلات من العقاب، ليتوج هذا المسار بلحظة إقرار دستور 2011 ،الذي بالرغم من انه لم يلبي كافة مطالب الحركة الحقوقية وتطلعات الشعب المغربي، إلا انه تضمن مقتضيات من شانها أن تشكل احد أهم المقومات لتحقيق الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية.

2-المقومات القانونية:

رغم كل نقائص دستور ما بعد الحراك المجتمعي، فانه تضمن مقتضيات من شانها تعزيز منظومة حقوق الإنسان وتدعم المقومات الداعمة لتحقيق مطلب الانضمام للمحكمة الجنائية، لعل أهمها ما جاء في تصدير الدستور، الذي بموجبه تلتزم الدولة بحماية منضومتي حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والنهوض بهما والإسهام في تطويرهما، وتنصيص الفصل 22منه على انه لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص في أي ظرف ومن قبل أي جهة كانت خاصة أو عامة وانه لا يجوز لأحد  أن يعامل الغير تحت أي ذريعة معاملة قاسية آو لا إنسانية آو مهينة أو حاطة بالكرامة الإنسانية ،والمقتضى المتعلق بان ممارسة التعذيب بكافة أشكاله ومن قبل أي احد جريمة يعاقب عليها القانون، وخاصة ما تضمنه الفصل 23 من تنصيص على أن القانون يعاقب على جريمة الإبادة الجماعية وغيرها من الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وكافة الانتهاكات الجسيمة والمهينة لحوق الإنسان، وتدعم هذه المقتضيات وغيرها، كضمانة لعدم المساس بها، ما نص عليه الفصل 175 من انه “لا يمكن أن تتناول المراجعة الأحكام المتعلقة بالمكتسبات في مجال الحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في الدستور”.

ثانيا-التحديات

إذا كانت توصيات هيأة الإنصاف والمصالحة ،المتعلقة بمكافحة الإفلات من العقاب ومواصلة الانضمام إلى اتفاقيات القانون الدولي لحقوق الإنسان والمصادقة على البروتوكول الثاني الملحقة بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المتعلق بمنع عقوبة الإعدام والمصادقة على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ،تعتبر نتاجا لمرافعات الحركة الحقوقية المغربية ،فان عملية إعمال هذه التوصيات، يجب أن تظل انشغالا أساسيا يؤطر عملها ،وان تعمل على تنويع المبادرات الخلاقة ،لكي تبقى هذه التوصيات مرجعية مستمرة للترافع والمطالبة الحقوقية،لان إشكالية حقوق الإنسان، لا تتعلق دائما بالعجز المرصود على مستوى التنصيص الدستوري ،بقدر ما يكتسي دلالاته،كما هو الحال في المغرب ،بمحددات تتجلى في الإمعان في تمرير تشريعات وقوانين تلتف على القيم والمبادئ الدستورية وتفرغها من مضمونها، والإكثار من استخدام الاستثناءات الواردة على القواعد العامة، لذلك أصبح مطروح اليوم على الحركة الحقوقية الدخول في معارك ما بعد إقرار الدستور، تتعلق بتأويل بنود الدستور، من خلال المزيد من التعبئة واليقظة المستمرة، لان معارك التغيير في التاريخ تتطلب تطوير مهارات الترافع والنفس الطويل وحسن استثمار اللحظات المعبرة عن تزايد وعي الفئات المجتمعية بضرورة حماية حقوقها والنضال من اجلها، فهناك مؤشرات تتطلب من الحركة الحقوقية الكثير من اليقظة وتعزيز وتعميق العمل الوحدوي  لضمان بقاء موضوع المصادقة على اتفاقية روما وغيرها مطروحا على جدول الأعمال، من خلال تكوين تحالفات واسعة من منظمات المجتمع المدني المختلفة، وتنظيم ندوات ولقاءات و ورشات، لحث الدول على الانضمام للاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان .

إن الاجتهاد في توفير شروط العمل الوحدوي وتجاوز القضايا الخلافية هو السبيل لامتلاك قوة التأثير على صانعي القرار ،سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي أو الوطني.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق