في الواجهةمقالات قانونية

بطلان عقود الرهن (البنكية) في ظل أحكام القانون الكويتي

بطلان عقود الرهن (البنكية) في ظل أحكام القانون الكويتي

يعد الرهن الرسمي من أهم الضمانات العينية التي تحرص البنوك – والمؤسسات الاستثمارية والمالية- على ضرورة توافرها ضمانا لحقها، فتأمن بها إعسار مدينيها، وتدرأ عنهم بها الغش أو الإهمال، إذ عادة ما تكون قيمة الشئ المرهون كافية للوفاء بالحق كاملا في ميعاد الاستحقاق، فضلاً عن الحقوق التي يرتبها الرهن، وعلى رأسها حق تقدم الدائن على غيره من الدائنين العاديين، وحق تتبع الشيئ المرهون في يد من يشتريه والتنفيذ عليه إقتضاءً لحقه.

والأصل أنه يجوز أن يترتب الرهن ضماناً لدين معلق على شرط أو دين مستقبلي أو دين احتمالي. وتطبيقاً لذلك، يجوز أن يكون الرهن ضماناً لاعتماد مفتوح، حيث نكون بصدد دين مستقبلي، أو لفتح حساب جار، حيث نكون بصدد دين احتمالي.

وأياً كان وصف الدين، يشترط لصحة الرهن أن يتحدد في عقد الرهن مصدر الدين المضمون، ومقداره أو الحد الأقصى الذي ينتهي اليه هذا الدين، وتسمى هذه القاعدة بـ “قاعدة تخصيص الرهن”.

ووفقاً لهذه القاعدة، لابد من تحديد الدين المضمون تحديدا دقيقا، وإلا كان عقد الرهن باطلا لعدم التخصيص من حيث الدين المضمون، فلا يجوز أن يعقد رهن رسمي لضمان كل الديون التي تثبت في ذمة المدين، سواء في أي مدة أو في مدة معينة، مادامت الديون نفسها لم تعين كل دين على حدة من ناحية المقدار والمصدر، وكذلك لا يجوز أن يمتد الرهن الرسمي لضمان أي دين آخر، لم يعين مقداره ولا مصدره، يثبت في ذمة المدين بعد الدين المضمون بالرهن.

وتوضيحاً لذلك،

نشير إلى أن الدين المضمون بالرهن يتحدد بأمرين؛ الأول بمقداره، ويحدد هذا المقدار إذا كان دينا معينا من رأسمال وفوائد ومتى يبدأ سريانها، ويستوي في ذلك الدين المنجز والدين المؤجل والدين المعلق على شرط، وتلك كلها ديون يمكن ضمانها بالرهن الرسمي.

وإذا كان الدين مستقبلا أو كان دينا احتماليا كان تحديد مقداره في عقد الرهن بتحديد حد أقصى ينتهي اليه، فإذا عين الحد الأقصى للدين والمدة التي ينعقد فيها، وجب التقيد بذلك في العقد، ويكون مضمونا بالرهن الرسمي، بشرط ألا يجاوز الحد الأقصى المبين.

والأمر الثاني الذي يتحدد معه الدين المضمون بالرهن، يتمثل في مصدر الدين، فيجب إلى جانب تحديد مقدار الدين، تحديد مصدره أيضاً، هل هو عقد، وأي عقد يكون، أو هو عمل غير مشروع، أو إثراء بلا سبب، أو إرادة منفردة، أو هو القانون، وهكذا تتنوع الديون بتنوع مصادرها.

وحري بالبيان، أن جزاء عدم تحديد الدين المضمون بالرهن الرسمي أو تحديد حد أقصى ينتهي اليه أو تحديد مصدره، هو بطلان عقد الرهن نفسه لعدم تخصيص الرهن من ناحية الدين المضمون، والبطلان هنا بطلان مطلق، يستطيع أن يتمسك به كل ذي مصلحة، وتقضي به المحكمة – إذا ما عرض عليها نزاع في هذا الشأن- من تلقاء نفسها.

ومن الناحية العملية،

نجد غالبية البنوك تُضمِن عقودها مع مدينيها نصا يجعل الرهن – سواء كان مقدما من المدين نفسه أو كفيله- ضماناً وتأميناً لكافة ما ينتج عن الدين من مستحقات حتى تمام السداد، فيكون الرهن ضامناً لأصل مبلغ المديونية والأرباح والعمولات والمصروفات وجميع الالتزامات الناشئة عنها، وذلك دون أن يتم تحديد تلك الأرباح أو العمولات أو المصروفات التي يضمنها الرهن أو كيفية احتسابها، وما قد يُنتج الدين من مستحقات أو تحديد الحد الأقصى الذي ينتهي اليه هذا الدين أو تحديد مصدره أو بيان نوع العقد مصدر الدين.

والعقد في الفرض المتقدم، يكون قد خلا من تحديد الدين المضمون بالرهن الرسمي تحديدا دقيقا، مما يبطله لعدم تخصيص الرهن بطلاناً مطلقاً، أي يكون عقد الرهن الرسمي معدوماً، لا ينتج بذاته أي أثر بين أطرافه، ولا يصلح أن يكون سبباً للمطالبة بأي التزامات.

إذن، يمكن القول أن غالبية عقود الرهن الرسمية، والموثقة في وزارة العدل، التي تبرمها البنوك أو الشركات الاستثمارية أو غيرها مع مدينيها أو كفلائهم، إذا لم تتضمن تحديد الدين المضمون بالرهن تحديدا دقيقا بالمعنى السابق، تكون من الناحية القانونية عقوداً منعدمة، وبالتالي يحق للراهن الإستفادة من ذلك، وفي المقابل يتعين على البنوك، وغيرهم من الدائنين المرتهنين، تحري الدقة عند صياغة عقود الرهن، حتي لا تضيع ضمانة هامة مقررة لصالحهم.

            د/ شريف سلامة

دكتور في القانون الدستوري

                                

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق