في الواجهةمقالات قانونية

قصور مهام قاضي تطبيق العقوبات في مراقبة سلامة الإجراءات التأديبية

 

قصور مهام قاضي تطبيق العقوبات في مراقبة سلامة الإجراءات التأديبية[1]

 

يونس الصالحي طالب باحث

 

يختص ق. ت.ع، بالنظر في قضايا ووضعية المعتقلين بالمؤسسات السجنية، لذا كان لزاما خضوع هذه المؤسسات للمراقبة وتتمثل هذه المراقبة في:

زيارة المؤسسة السجنية مرة واحدة كل شهر على الأقل، التابعة بدائرة المحكمة الابتدائية وقد جاء تحديد مدة الزيارة هنا ونوعية الاختصاص في مراقة المؤسسة السجنية بمفهومه العام لا بالمفهوم الضيف، ذلك أن النص قرر من حيث مدة الزيارة باستعمال عبارة على الأقل أي أن الزيارة قد تكون أكثر من مرة واحدة في الشهر على حسب نوعية القضايا و إلزاميتها، أما من حيث المهام، فإنه سبق التطرق إليها في الفقرة السابقة.

ما يهمنا نحن هنا، هو مراقبة مدى احترام إجراءات التأديب المطبقة على المعتقلين بالمؤسسات السجنية من طرف إدارة هذه المؤسسات، فدوره هنا يعتبر دور المراقب لمدى صحة الإجراءات المسطرية من عدمه،  في الوقت الذي كان من المتعين فيه حماية حقوق هؤلاء المعتقلين  بخضوع هاته الإجراءات كما هو الحال بالنسبة لمسطرة الإكراه البدني من قبل ق. ت .ع قبل إقرارها.

نادى بعض الفقه[2]،بضرورة  تعيين قاضي ت .ع، عضوا في هذه اللجنة أو رئيس لها باعتباره يمثل جهاز القضاء حامي الحريات الفردية والجماعية، وأن المعتقل يكون في أمس الحاجة للعناية وضمان حقوقه، إلا أننا لا نتفق مع هذا الرأي كما سبق توضيحه في الباب الثاني من هذه الأطروحة، فكما يعلم الجميع أن فضاء السجن، فضاء تصارعي  يستدعي حلولا فورية وعاجلة من أجل وضع حد للمخالفة المرتبكة داخل السجن[3]، هذا بالإضافة إلى تداخل الاختصاص بين السلطة التنفيذية وهي ممثلة في المؤسسة السجنية والسلطة القضائية، كما أن قلة الموارد البشرية (قضاة تنفيذ العقوبة) مقارنة مع عدد المؤسسات السجنية، خاصة إذا افترضنا أن مدينة تتوفر على أربع مؤسسات سجنية، فكيف يمكن لهذا القاضي التنقل بين هذه المؤسسات، لذا نعتقد أن رئاسة اللجنة يجب أن تسند إلى المشرف الاجتماعي  بالمؤسسة السجنية ،وقبل تطبيق التدبير التأديبي وخاصة الوضع بزنزانة التأديب يحال على ق. ت .ع ،من أجل مراقبته وإقراره.

فالمراقبة التي يجريها ق. ت. ع بشأن سلامة إجراءات التأديب[4]، تجد سندها القانوني في الفقرة الخامسة من المادة 596 من ق م ج، وكذا في الصلاحيات الموكولة له في الاطلاع على سجلات التأديب طبقا للمادة 60 من ق 98/23 ، فهذا السجل تدون به جميع التدابير التأديبية المتخذة في حق المعتقلين المخالفين.

يعرض هذا السجل على مدير المؤسسة عند نهاية كل إجراء ويحصر عند نهاية كل شهر، ويتم التأشير عليه من طرف مدير المؤسسة، والسيد وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية أو نائبه أو قاضي تطبيق العقوبات.

فعند قدوم ق.ت. ع إلى المؤسسة السجنية، فإنه يكتفي بإلقاء نظرة على هذا السجل دون الاستماع إلى المعتقل المخالف وخاصة المتخذ في حقهم تدبير الوضع بزنزانة التأديب لذا ينبغي ألا يكتفي بمراقبة السجلات، بل إجراء مقابلات مع المعتقلين لمعرفة حيثيات القرار المتخذ والاطلاع على الملفات التأديبية التي تكون مزودة بمحاضر الاستماع وتقارير الموظفين والقرار المتخذ.

فقاضي ت. ع  ملزم بمراقبة شرعية التدبير التأديبي المتخذ في حق المعتقل، أي هل التدبير التأديبي منصوص عليه في المادة 55 من قانون 98/23، ثم ينتقل إلى مراقبة ومعاينة المخالفة الموجبة للتدبير التأديبي، ثم تقرير رئيس مصلحة الأمن  والانضباط، ليصل إلى خلاصة لأسباب اتخاذ القرار، الذي ينبغي أن يكون معللا بأسباب اتخاذه، ومشتملا على التذكير بحق المعتقل في المنازعة فيه، ثم يتأكد من مدى تبليغ القرار إليه داخل الأجل القانوني.

وكما قلنا سابقا أن معرفة حقيقية الأمور لا يمكن اكتشافها من هذا السجل، بل ينبغي الاستماع إلى المعتقل، إذ يمكن لقاضي ت.ع، أن يرى أن التبليغ تم في موعده القانوني لكن عند الاستماع إلى المعتقل يتبين له عكس ذلك، لذا نرى ضرورة عدم الاكتفاء بهذه المراقبة ويجب الاستماع إلى المعتقلين المتخذ في حقهم التدابير التأديبية، وخاصة الموضوعين بزنزانة التأديب.

غير أنه يطرح بهذا الصدد إشكال يتعلق بحالة تأخر ق ت ع في الاطلاع على سجل التدابير التأديبية، فهل يلزم القانون مدير المؤسسة  السجنية بإخبار ق. ت .ع بكل تدبير اتخذه[5] فيما يخص التشريع المغربي، فإنه لا يوجد نص مماثل لنص المادة 250 من قانون الإجراءات الجنائية الفرنسية في ق. م .ج ولا في قانون السجون، لكنه يستشف من الفقرة الأولى من المادة 60 من قانون السجون على أنه يمكن لمدير المؤسسة السجنية إشعار ق ت ع بواسطة لوائح شهرية بالتدابير التأديبية المتخذة، حيث نصت على أنه ” يشعر مدير المؤسسة السجنية بالتدابير التأديبية بواسطة لوائح شهرية كلا من إدارة السجون والسلطة القضائية المختصة عند الاقتضاء.” فقد كان من الأجدر أن ينص المشرع المغربي صراحة على ضرورة إخبار مدير المؤسسة ق. ت. ع بكل إجراء تأديبي اتخذه ويضع لذلك أجلا لا يتعدى 5 أيام للإخبار اقتداء بالمشرع الفرنسي الذي جعل الإخبار داخل أجل 5 أيام من تاريخ اتخاذ القرار بالعقوبة التأديبية.

لأن الإخبار بواسطة لوائح شهرية هي مدة طويلة نسبيا على اعتبار، أن ق. ت. ع يقوم بزيارة المؤسسات السجنية على الأقل مرة كل شهر، وبالتالي فإنه سوف يطلع على التدابير التأديبية من خلال زيارته لهذه المؤسسات[6].

من كل ما تقدم، يتضح أن عملية إحداث مؤسسة قاضي تطبيق العقوبات، كان يرجى منها مراقبة أوضاع السجون داخل المملكة وخاصة مراقبة الإجراءات التأديبية المتخذة في حق المعتقلين، فحسب تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان حول السجون لسنة [7]2012 فقد لوحظ عدم انتظام هذه الزيارات وتباعدها واقتصارها في غالب الأحيان على الاطلاع على السجلات دون مراقبة فعلية لظروف المعتقلين وأوضاعهم وهذا ما يتأكد من خلال الجدول التالي:

 

 

الجدول رقم 13 : عدد زيارات قاضي تطبيق العقوبات للمؤسسات السجنية

المصدر: المندوبية العامة لإدارة السجون إعادة الإدماج

السنةعدد الزيارات
2012400
2013372
2014392

كما يتضح من خلال هذا الجدول، أن هناك انخفاض في عدد الزيارات مقارنة مع ارتفاع في عدد المؤسسات السجنية، وبالتالي يلاحظ أنه لا يتم تفعيل مقتضيات المادة 596 من ق. م. ج التي تؤكد على زيارة قاضي تطبيق العقوبات على الأقل مرة واحدة في الشهر أي أن الحد الأدنى للزيارة هو مرة واحدة ذلك راجع بالأساس إلى قلة الموارد البشرية إلى جانب إسنادهم مهام أخرى غير المهمة الموكولة لهم، هذا من جهة ومن جهة أخرى فهذا القاضي ملزما بأن يكون على اطلاع تام بالقوانين والمذكرات والدوريات المنظمة للمؤسسات السجنية  وتوفره على نسخ منها فهي التي تكون أرضية المناقشة والعمل الميداني.

إضافة إلى كل هذا فإن ق. ت .ع عند ضبط أي مخالفة، فإنه لا يملك سلطة تصحيح هذه المخالفة وإنما يكتفي بإرسال تقرير إلى وزير العدل، في الوقت الذي كان من المتعين أن تعطي له سلطات عملية واسعة على  أرض الواقع  تتلاءم ومدى أهمية الدور المنوط به بصفة ق. ت. ع وذلك من خلال إعطائه الصلاحية المباشرة لتصحيح كل إخلال يضع يده عليه بصفته يمثل الجهاز القضائي من جهة، وبصفته مراقبا لتطبيق العقوبات تطبيقا قانونيا سليما من جهة أخرى، وهذا يعني إضافة إلى ذلك منحه سلطات للعمل مباشرة منع مندوبية السجون من جهة، والنيابة العامة المعنية بالأمر من جهة أخرى، كما أن هاته الصلاحيات تفرض ضرورة منحه صلاحيات واسعة مقررا أصلا في ق. م. ج والقوانين المنظمة للسجون ومنحه الحق في اتخاذ تدابير سريعة في مواجهة المعتقل موضوع التظلم حول تدبير تأديبي سبق اتخاذ من طرف إدارة المؤسسة السجنية وذلك تحقيقا لمبدأ العدالة.

تظهر إذن ملامح هذا القصور في العديد من النقط التي أفرزتها الساحة الميدانية وواقع المؤسسات السجنية بالمغرب:[8]

  • عدم التنصيص على أي سلطة لقاضي تطبيق العقوبات، تسمح له بتغيير مسار بعض العقوبات لحسن إدماج المعتقل وتحقيق النفع له.
  • غياب أي مقتضى يحدد كيفية تدخل ق. ت. ع، لضمان رعاية السجين اجتماعيا وتربويا وصحيا ودينيا.

يتضح من خلال رصد مختلف آليات المراقبة، التي خولها المشرع المغربي لقاضي ت. ع، أنها غير كافية لحماية السجناء، خصوصا وأن ق. ت. ع يقتصر دوره في كثير من الأحيان على زيارة المؤسسة السجنية، وإعداد تقارير حول نتائج المراقبة دون امكانية تتبع حالة السجناء ووضعهم داخل المؤسسة وخارجها، وهذا على خلاف ما عليه الوضع في التشريعات الأخرى التي أخذت بهذا النظام كالتشريع الفرنسي والايطالي حسب ما سبق بيانه حيث أن ق .ت .ع الفرنسي يملك سلطات واسعة في تتبع وضعية السجناء سواء داخل المؤسسة السجنية أو خارجها.

إن رقابة ق. ت. ع على شرعية التدابير التأديبية المتخذة من طرف المؤسسة السجنية تبقى محدودة، حيث لا يمكنه اتخاذ قرارات حاسمة ومجبرة للمؤسسة السجنية، خصوصا عندما منح المشرع صلاحية توقيع التدابير التأديبية لمدير المؤسسة السجنية، حيث أن بعض هذه التدابير كالوضع بزنزانة التأديب يؤثر بشكل كبير في تحقيق الإدماج والتأهيل

[1] بخصوص ملامح القصور في مهام قاضي تطبيق العقوبات بالمغرب راجع :

  • مريم الفقيه التطواني، آفاق قاضي تطبيق العقوبات من وجهة نظرية مديرية إدارة السجون مداخلة في إطار اللقاء القضائي المغربي الفرنسي الثالث، حول موضوع قاضي تطبيق العقوبات، الرباط ، أيام 2 و 3 دجنبر
  • يوسف سلموني زرهوني : قاضي تطبيق العقوبات في التشريع المغربي القانون المقارن مداخلة في إطار اللقاء القضائي المغربي الفرنسي الثالث حول موضوع: قاضي تطبيق العقوبات الرباط 6 أيام  2 و 3 دجنبر

[2]هشام ملاطي : مساهمة القاضي في حل أزمة السجون بالمغرب، م .س، ص: 114 وما بعدها.

  • رياضي عبد الغاني: قاضي تطبيق العقوبات دور النيابة العامة في مسطرة التنفيذ م س ص: 56 وما بعدها.

عبد الكافي الورياشي: قراءة في نظام التأديبي في المؤسسات السجنية بالمغرب، م. س، ص : 171 .

[3]مثلا في حالة ضبط سجين بحوزته كمية كبيرة من المخدرات تهدد أمن وسلامة المؤسسة فهل يتم انتظار يوم أو يوميا حتى حضور ق. ت. ع، كذلك في حالات الهروب أو محاولته،  لا يمكن في هذه الحالات انتظار مدة من الزمن خاصة أنه في هذه الحالات وكإجراء وقائي غالبا ما تقوم المؤسسة بترحيل المعتقل إلى مؤسسة أخرى وبالتالي ضرورة   اتخاذ الاجراء التأديبي حتى يرفق في ملفه الجنائي

[4] أمينة عتيوي: شرعية تنفيذ الجزاء الجنائي أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في القانون الخاص كلية الحقوق مراكش سنة 2004-2005 ص: 156 وما بعدها.

[5] الفقرة السادسة من المادة 250 من قانون الاجراءات الجنائية الفرنسي والتي تنص:

(décret n° 96-287 du 2 avril 1996 art . 1 et 2 journal officiel du 5 avril 1996)

Art. D. 250-6.

 Dans le délai de cinq jours à compter de la décision prononçant une sanction disciplinaire, le chef d’établissement avise de la décision, d’une part, le directeur régional des services pénitentiaires et,            d’autre part, le juge de l’application des peines sous le contrôle duquel le détenu est placé ou, le cas échéant, le magistrat saisi du dossier de l’information.

«  Le chef de l’établissement fait en outre rapport à la commission de l’application des peines de toute sanction de cellule prévue aux 4o et 5o de l’article D. 251 lorsqu’elle a été prononcé à l’encontre d’un mineur de plus de seize ans ou, si sa durée excède quinze jours, à l’encontre d’un majeur.

«  Les sanctions disciplinaires prononcées sont inscrites sur un registre tenu sous l’autorité du chef d’établissement. Ce registre est présenté aux autorités administratives et judiciaires lors de leurs visites de contrôle ou d’inspection ».

[6]رياضي عبد الغاني: قاضي تطبيق العقوبات دور النيابة العامة في مسطرة التنفيذ، م. س، ص:59

[7] انظر تقرير المجلس الوطني لحقوق الانسان 100 توصية الصادر سنة 2012.

[8] يوسف سلموني زرهوني: ق . ت  .ع في التشريع المغربي والقانون المقارن مداخلة في إطار اللقاء القضائي المغربي الفرنسي الثالث، حول موضوع ق. ت. ع، الرباط أيام 2.3 دجنبر 2004.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق