في الواجهةمقالات قانونية

مبدأ الإقليمية في تطبيق القانون الجنائي

الطالب الباحث: محماد الفرسيوي

مبدأ الإقليمية في تطبيق القانون الجنائي

يعتبر القانون الجنائي من أقدم ما عرف من فروع القانون في الدول، لجأت إليه السلطات الحاكمة لتوطيد سلطانها والحد من حريات الأفراد لصالح المجتمع. وذلك تجاوزا لما كان سائدا حين كانت الدول عبارة عن طائفة أو مجموعة بشرية ليس لها ارتباط دائم بالحدود الإقليمية، لذلك كان من الطبيعي أن تكون الفكرة السائدة هي فكرة العرق أو الجنس. حيث كان القانون الجنائي قانونا شخصيا، يطبق على أشخاص تجمعهم نفس الروابط بغض النظر عن مكان تواجدهم.

ولما نشأت فكرة سيادة الدولة على إقليمها واختصاصها  بإقليم معين، كان لهذا أثره على القانون الجنائي من حيث نطاق تطبيقه، فأصبحت القاعدة هي أنه يسري وحده على جميع ما يرتكب فيها من جرائم ولا يتعدى أثره حدودها وبمعنى أخر اصبح القانون الجنائي قانونا إقليميا.

إن مبدأ الإقليمية المعمول به الآن كقاعدة عامة في التشريعات الحديثة يقوم على ما للدولة من سيادة وسلطان على كل ما يحدث على مستوى إقليمها، باعتبارها أنها هي لتي يرجع إليها أمر المحافظة على مصالح المجتمع الذي تمثله وتملك السلطان فيه، وعليها توطيد الأمن بين أفراده وسلامة أرواحهم وأموالهم. فهذه السيادة التي لكل دولة على إقليمها يترتب عنها عدم سريان القانون الجنائي لهذه الدولة إلا على ما يرتكب فيها من جرائم ولا يمتد إلى دولة أخرى فتكون فيه نوع من الإعتداء على ما لتلك الدولة من سيادة.

إذ أن للقانون الجنائي منطقة جغرافية محددة يكون له فيها كل النفود والسيادة، فيسري على كل ما يرتكب على هذه المنطقة من جرائم، وهذا ما يعبر عنه بالسلطان المكاني للقانون الجنائي.والمغرب بدوره نهج في هذا السياق بالإعتماد على مبدأ مبدأ الإقليمية.

وانطلاقا مما تقدم أمكننا طرح إشكالية مهمة تتمثل في مدى قدرة مبدأ إقليمية القانون الجنائي استيعاب الجريمة مكانيا ؟

ولمعالجة هذه الإشكالات تقتضي منا  الضرورة المنهجية  وضع تصميم مناسب وفق الشكل الآتي:

المطلب الأول: مفهوم ومبررات مبدأ الإقليمية.

المطلب الثاني: نطاق تطبيق مبدأ إقليمية النص الجنائي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المطلب الأول: مفهوم ومبررات مبدأ الإقليمية.

إن دراسة مفهوم مبدأ الإقليمية  يتطلب تحديد هذا الأخير، حيث يجد هذا المبدأ بعض المبررات تجعله غاية في أهمية التطبيق. وهذا ما سنحاول التطرق إليه من خلال (الفقرة الأولى) لمفهوم مبدأ الإقليمية و (الفقرة الثانية)  للحديث عن مبررات هذا المبدأ.

الفقرة الأولى: مفهوم مبدأ الإقليمية.

يقصد بمبدأ الإقليمية تطبيق القانون الجنائي على جميع الجرائم داخل إقليم الدولة بغض النظرعن جنسية مقتريفها وهو ما ينص عليه الفصل العاشر من القانون الجنائي ” يسري القانون الجنائي المغربي على كافة من يوجد بإقليم    المملكة من وطنيين وأجانب وعديمي الجنسية”. ومفاد هذا النص أن تطبيق القانون الجنائي في بلادنا يشمل الكافة فمن جهة يطبق على من يحمل الجنسية المغربية سواء كانت جنسية أصلية أو مكتسبة أو كما يعبر عنه النص” بالوطنيين” ومن جهة أخرى يطبق على من له جنسية دولة أجنبية، سواء كانت إقامته دائمة أو مؤقتة أو عابر كالسائح أو بتعبير النص “بالأجانب” إلى جانب تطبيق النص الجنائي على من ليس له أي انتماء لأي دولة أو بعبارة النص ” عديمي الجنسية”[1].

إذن فهذا المبدأ يفيد أن الدولة وحدها هي المختصة بالعقاب على ما يقع من جرائم داخل إقليمها دون تدخل غيرها من الدول[2]. فهو يقضي بوجوب تطبيق القانون الجنائي الوطني على جميع من تظلهم سماء الإقليم بصرف النظر عن جنسيتهم أو جنسهم أو معتقدهم أو مركزهم الإجتماعي سواء كانوا مقيمين على إقليم الدولة أصلا أو وجدوا به عرضا، حيث لا يقبل من الأجنبي الوافد حديثا الإحتجاج بجهله للقانون أو بأن قوانين بلده لا يعاقب على الفعل لأن الجهل بالقانون لا يعذر بجهله[3].

كما يقضي هذا المبدأ بوجوب تطبيق القانون الجنائي الوطني على جميع الأفعال غير المشروعة التي ترتكب على أرض الإقليم، بغض النظر عن تبعية المصالح التي أضرت بها الجريمة. أي سواء هددت مصلحة لدولة أجنبية. فمبدأ إقليمية القانون الجنائي  هو تأكيد الإختصاص المطلق للدولة ولقضائها ولقوانينها الجنائية حيال الأفعال المعاقب عليها التي ترتكب على إقليمها، فالدولة هي المسؤولة عن إقرار الأمن بين أفراد المجتمع المعارضة على سلامة أرواحهم و أموالهم وتمنع أي تعد أو ضرر يمكن أن ينتج في أي شكل كان.

ترتيبا على ما سبق فمبدأ الإقليمية يجد أساسه في فكرة سيادة الدولة على إقليمها، بحيث لا يمكن تطبيق قانون دولة أجنبية على إقليمه لما فيه من إعتداء على سيادة هذه الدولة، لذا فالدولة هي المسؤولة عن فرض النظام الذي تريده على جميع القاطنين في إقليمها، ويعتبر حق الدولة في السيادة على إقليمها نتيجة طبيعية لوجودها. فالدولة لا يكون لها وجود إلا على إقليم معين باعتباره أحد أركان الدولة وهو مكان وجودها.

الفقرة الثانية: مبررات مبدأ إقليمية القانون الجنائي.

يجد إعتناق التشريعات العالمية لمبدأ الإقليمية أساسه في مجموعة من المبررات التي تجعل منه مبدأ يفرض نفسه، فمن ناحية الأساس الدولي فهو يرتكز على مبدأ سيادة الدولة والمساواة القانونية بين الدول. فالدولة تتميز عن غيرها من السلطات التي يمكن وجودها في أي تجمع بشري، بانفرادها بالسيادة على إقليمها وعلى سكان هذا الإقليم، واحتكارها لاختصاصات هذه السيادة فلا يجوز لأي دولة أخرى التدخل في شؤونها الداخلية.

فالسيادة الإقليمية تعني احتكار ممارسة الأنشطة المتعلقة بالسيادة. وعلى هذا فإن الدولة تمارس وحدها عن طريق موظفيها اختصاصات التشريع والتنفيذ والقضاء على إقليمها، ولا يتصور نزول الدولة عن اختصاصات سيادتها لأي سلطة أجنبية وإلا فقدت الدولة سيادتها[4].

كما يجد هذا المبدأ ما يبرره من حيث المحافظة على مصلحة المجتمع وتحقيق أهداف العقاب والردع العام، نظرا لما تشكل الجريمة من اعتداء على مصلحة المجتمع. مما يحدث اضطرابا في نظام وأمن الدولة التي تقع فيها. إذن فمن حق هذه الدول بل من واجبها أن تتولى مهام معاقبة المتورطين فيها[5].

إضافة إلى أن مكان ارتكاب الجريمة هو الذي يحدث فيه أثرها، وتظهر فيه مشاعر السخط والإخلال بالأمن والإستخفاف بالقانون. إذن فهو المكان الذي يجب أن يوقع فيه العقاب على الجاني، وذلك تهدئة للخواطر واقتصاصا منه و إرهابا لغيره من ذوي الميول الإجرامي. فالعقوبة تكون أكثر نفعا في هذه الحالة لقربها إلى الجريمة من ناحية و الوقت من ناحية المكان[6].

ولمبدأ إقليمية القانون الجنائي أثر كذلك على العدالة الجنائية. فهذا الأخير هو الأقرب إلى تحقيقها، إذ أن توفر أدوات الإثبات في مكان ارتكاب الجريمة، يسهل للمحقق القيام بإجراءات التحقيق المختلفة. كما يسهل للمحكمة استدعاء الشهود والإنتقال للمعاينة والإلمام بظروف وملابسات الجريمة والمجرم. مما يجعل القانون الوطني أولى القوانين للتطبيق و أقربها لتحقيق العدالة الجنائية.

بالإضافة إلى ذلك فإن مبدأ إقليمية القانون الجنائي لا يخلو من فائدة بالنسبة للمتهم نفسه وللقضاة الذين يحاكمونه، فالمتهم من مصلحته أن يحاكم وفق لقانون الدولة التي يفترض علمه بقانونها. و إلا كان في تطبيق قانون جنائي لبلد أخر خروج عن قاعدة لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، كما أن القضاة في هذه الحالة يطبقون قانون الدولة الذي يلمون به دون سواه من القوانين[7].

المطلب الثاني : نطاق تطبيق مبدأ إقليمية النص الجنائي.

كما سبقت الإشارة ، أن مبدأ إقليمية النص الجنائي يقتضي تطبيق هذا الأخير على كل ما يقع داخل إقليم الدولة. ومن تم فإن تطبيق مبدأ إقليمية النص الجنائي يستلزم تحديد إقليم الدولة (الفقرة الأولى)، ثم تحديد مكان ارتكاب الجريمة (الفقرة الثانية). و مبدأ إقليمية النص الجنائي ليس على إطلاقه، و إنما ترد عليه مجموعة من الاستثناءات (الفقرة الثالثة).

الفقرة الأولى: تحديد إقليم الدولة.

يعتبر إقليم الدولة أحد العناصر الأساسية المكونة لكيانها، و بدونه ينعدم مفهوم الدولة، لأنه لا يمكن تصورها بدون إقليم، بالإضافة إلى عنصري السكان و السلطة.[8] و تتفاوت الدول في مساحتها الطبيعية أو الجغرافية من حيث اليابسة و البحر و الجو و ما يستتبعها أو يترتب على التواجد بها أو العبور منها[9].

و تحديد إقليم الدولة يرجع فيه إلى مبادئ القانون الدولي، لأن التشريعات الجنائية التي تحدد المقصود بإقليم الدولة قليلة في هذا المجال، لذلك فإن أغلب التشريعات تترك هذا الأمر لقواعد القانون الدولي. و عليه، فقد عرف هذا الأخير إقليم الدولة بأنه تلك الرقعة من الأرض التي تختص بها كل دولة لتمارس فيها نشاطها الحيوي على وجه الدوام و الاستقرار[10].

إلا أن اقتصار سلطة الدولة، حسب مبدأ الإقليمية، على ما يرتكب من جرائم في حدود إقليمها فإن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى إفلات بعض المجرمين من العقاب، و لهذا فإن الدول لم تحصر سيادتها على إقليمها الفعلي وحده، بل امتد نظرها إلى ما هو أوسع من ذلك، بحيث كان من مظاهر هذا التوسع تصور امتداد إقليم الدولة إلى نطاق يتجاوز حدوده الفعلية، و هو ما يتصور على السفينة التي تحمل علم الدولة، و على الطائرة التي تحمل جنسيتها، و بالتالي اعتبارها بمثابة إقليم حكمي اعتباري أو صوري للدولة.

أولا: الإقليم الفعلي للدولة.

يتكون الإقليم الفعلي للدولة من عنصرين أساسين و هما الإقليم الأرضي و الإقليم الجوي.

-أ- الإقليم الأرضي:

و يشمل اليابسة و البحر الإقليمي. فاليابسة تضم كل الأراضي التابعة للدولة، و لو كانت مجزأة، كالجزر أو المناطق البعيدة عن البلد الأم (كجبل طارق مثلا).

أما البحر الإقليمي فيشمل الجزء من البحـر الملاصـق لشواطـئ إقليم الدولة الأرضـي.و يصل عرض البحر الإقليمي إلى 12 ميلا بحريا[11]،و تختلف الدول في تحديد بحرها الإقليمي تبعا لمصالحها الاقتصادية و السياسية.

كما يشمل الإقليم البحري كذلك، السفن التجارية و العسكرية، إضافة إلى الأسطول البحري الذي يعد بدوره تابعا للدولة المالكة التي يحمل علمها[12].

كما تمتد سيادة الدولة كذلك إلى قاع بحرها الإقليمي، و هذا ما أشارت إليه اتفاقية البحر الإقليمي و المنطقة المجاورة المبرمة سنة 1958، حين نصت في مادتها الثانية على أن “سيادة الدولة الساحلية تمتد إلى قاع البحر الإقليمي و باطن أرضه “.

-ب- الإقليم الجوي:

ويشمل الفضاء الذي يعلو كلا من الإقليم الأرضي و البحر الإقليمي. و قد اختلف الفقه في تحديد طبيعة حق الدولة على المجال الجوي الذي يعلو إقليمها، و من أهم النظريات التي قيل بها في هذا الشأن هي النظرية التي تقرر سيادة الدولة على الهواء الذي يعلو إقليمها، و تقابلها نظرية أخرى تدحض هذا القول و ترى أن الهواء يأخذ حكم البحر، فلا تتمتع الدولة بالسيادة إلا على طبقات الهواء الواقعة على ارتفاع معين من إقليم الدولة، و ما يعلو ذلك يعد حرا لجميع الدول[13].

بيد أن العرف الدولي استقر غلى الاعتراف للدولة بسيادة كاملة على طبقات الهواء التي تعلو إقليمها البحري و البري، و قد أكدت اتفاقية باريس للملاحة الجوية لسنة 1919، ما استقر عليه العرف الدولي، حيث تصت في المادة الأولى منها على أن :”  لكل دولة السيادة الكاملة عل طبقات الهواء التي تعلو إقليمها البري، و كذلك طبقات الهواء التي تعلو البحر الإقليمي للدول الشاطئية إلى ما لا نهاية في الارتفاع”.

ثانيا: الإقليم الحكمي للدولة.

وهو الذي يلحق حكما بإقليم الدولة و إن لم يدخل في إقليمه بالمفهوم الذي أوردناه سابقا، و يشمل السفن التي تحمل علم الدولة و الطائرات التي تحمل جنسيتها[14]. وتعتبر السفن و الطائرات امتدادا لإقليم الدولة التي تحمل جنسيتها، و ذلك متى كانت السفينة في البحر الإقليمي للدولة أو البحر العام، أو متى كانت الطائرة في المجال الجوي للدولة أو في المجال الجوي الذي يعلو البحر العام. و بالتالي تخضع الجرائم الواقعة على متن هذه السفن والطائرات لقانون الدولة التي تحمل جنسيتها بغض النظر عن جنسية الجاني أو المجني عليه.

وهو ما نص عليه كذلك المشرع المغربي بموجب الفصل 11 من المجموعة الجنائية الذي جاء فيه:” يدخل ضمن إقليم المملكة السفن و الطائرات أينما وجدت فيما عدا الحالات التي تكون فيها خاضعة لتشريع أجنبي بمقتضى القانون الدولي”.

إلا أن الإشكال الذي يطرح هو بالنسبة للسفن و الطائرات التي توجد في البحر الإقليمي أو المجال الجوي لدولة أخرى، حيث يتصور التنازع في هذه الحالة بين قانون الدولة التي تتبع لها، و قانون دولة الإقليم، كالسفن الحربية الموجودة في البحر الإقليمي لدولة أخرى لا تخضع لقانون الدولة صاحبة السيادة على هذا البحر[15]، و ذلك لأن القاعدة المتعلقة بهذه السفن هي عدم جواز إخضاعها لاختصاص دولة غير التي تتبع لها السفينة.

أما السفن الخاصة و هي المملوكة لأفراد أو حكومات، و تكون مخصصة لأغراض تجارية أو خاصة، و عند تواجدها في البحر الإقليمي لدولة أخرى، فهي تخضع لقانون دولة العلم المرفوع على السفينة[16]، و هو ما يعرف بمبدأ قانون العلم، و لا تخضع لقانون دولة الإقليم البحري إلا في حالات ثلاث:

  • إذا تعدت الجريمة حدود السفينة، كأن تكون قد ارتكبت من أو ضد شخص أجنبي عن السفينة.
  • إذا كان من شأن الجريمة الإخلال بالأمن في الميناء.
  • إذا طلب ربان السفينة من سلطات دولة الإقليم التدخل.

أما فيما يتعلق بالطائرات و التي تملكها الدولة و تستخدمها في الخدمات العسكرية فهي تكون خاضعة لقانون الدولة التي تنتمي إليها بجنسيتها أينما كان موقع الطائرة. في حين أن الجرائم التي ترتكب على متن الطائرات الخاصة أثناء تحليقها[17] في الإقليم الجوي لدولة أخرى، قد تباينت التشريعات بشأن تعيين الاختصاص الجنائي بشأنها، بحيث و إن كانت الأغلبية تعطي الاختصاص لقانون الدولة التي تحمل الطائرة جنسيتها، إلا أن معظم التشريعات تخول لنفسها اختصاصا إقليميا.

وقد سبق القول أن مبدأ إقليمية النص الجنائي يقتضي من حيث تطبيقه تحديد إقليم الدولة –كما بيناه- من جهة، و تحديد مكان ارتكاب الجريمة من جهة أخرى.

الفقرة الثانية: تحديد مكان وقوع الجريمة.

إن التساؤلات التي يطرحها بخصوص تحديد مكان وقوع الجريمة هي : ما هي الأسس المعتمدة للقول بأن الجريمة قد ارتكبت داخل إقليم الدولة حتى يتسنى تطبيق مبدأ الإقليمية من عدمه؟، و هل يعتبر مكان ارتكاب الجريمة هو مكان إتيان السلوك الجرم، أم مكان تحقق النتيجة؟.

انعقد إجماع الفقهاء على القول بأن إتيان السلوك المجرم من طرف الجاني، أو تحقق النتيجة الناجمة عن هذا السلوك، ينعقد فيه الاختصاص القانوني للدولة التي ارتكب فيها النشاط المجرم أو تحققت فيها النتيجة الإجرامية، بحيث يعتبر مكان ارتكاب الجريمة هو المكان الذي يتحقق فيه ركنها المادي أي السلوك و النتيجة الإجرامية، أو جزء من ركنها المادي أي السلوك أو النتيجة، و متى ثبت أن مكان تحقق الركن المادي للجريمة أو جزء منه يدخل ضمن إقليم الدولة، فإن القانون الجنائي لذلك الإقليم هو الذي يطبق عليها. و بديهي أنه في حالة المحاولة حيث يقع السلوك دون النتيجة الإجرامية، فإن مكان الجريمة هو المكان الذي تحقق فيه ركنها المادي أو جزء منه.

ومن أمثلة الحالات التي يتحقق فيها جزء من الركن المادي في إقليم الدولة، الحالة التي يرسل فيها الجاني إلى المجني عليه مواد متفجرة من إقليم الدولة التي يقيم فيها الجاني، و عند تسلم المجني عليه في إقليم دولة أخرى هذه المواد تنفجر فيه فيموت، فالجريمة في هذه الحالة تعد مرتكبة في إقليم الدولتين معا، وتخضع للقانون الجنائي الإقليمي لكلتا الدولتين. بل إنه في المثال السابق، إذا ترتب عن انفجار تلك المواد مجرد جروح أصابت المجني عليه، ونقل على إثرها إقليم دولة ثالثة قصد العلاج فمات هناك، في هذه الحالة فالجريمة، في رأي الفقه، تعتبر مرتكبة في أقاليم الدول الثلاث، و يكون لها جميعا سلطة معاقبة الجاني[18].

ويقول الأستاذ عبد الحكيم حكماوي في هذا السياق، إن المتفق عليه قانونا هو أن مكان وقوع الجريمة يتحدد بالمكان الذي يقع فيه ركنها المادي، لكن من المتصور أن تتوزع هذه العناصر على أكثر من إقليم واحد. و هنا يثار الإشكال حول تحديد أي منها يكون مكانا لوقوع الجريمة. فالسائد – كما يضيف الأستاذ – أن قانون كل الدول التي توزعت عليها الجريمة يكون مختصا للنظر في هذه الجريمة، كما هو الوضع في الجرائم المستمرة، حيث يكون قانون كل إقليم قام فيه عنصر الاستمرار مختصا بالنظر في الجريمة، غير أن جرائم الامتناع تعد مرتكبة في الإقليم الذي حصل فيه الامتناع، و كان من الواجب أن يقوم فيه الجاني بما هو مطلوب منه قانونا.

غير أن الإشكال يكمن في حالة الشروع في الجريمة، حيث يرى بعض الفقه أن الاختصاص ينعقد للدولة التي شرع التنفيذ فيها، و كذا الدولة التي كان من المفترض حصول النتيجة فيها، في حين يرى جانب آخر من الفقه – منتقدا الرأي الأول – أنه لا يجب أن ينعقد الاختصاص لقانون الدولة التي كان يفترض حدوث النتيجة بها[19].

وتأسيسا عليه، فإذا كان الرأي الراجح هو أن مكان ارتكاب الجريمة هو المكان الذي وقع فيه إتيان السلوك المجرم، أو المكان الذي تحققت فيه النتيجة الإجرامية، فإن هذا القول يترتب عنه جملة من الآثار خاصة في بعض أنواع الجرائم كجرائم الخطر و الجرائم المستمرة و الجرائم السلبية.

أولا:جرائم الخطر أو الشروع

ففي هذا النوع من الجرائم التي لا تتطلب نتيجة لقيامها فإن الدولة التي ترتكب فيها الجريمة هي تلك التي وقع فيها السلوك الإجرامي فقط.

ثانيا: الجرائم المستمرة

إذا كانت الجريمة مستمرة، فهي تعتبر مرتكبة في أي مكـان تحـقق فيه ركن الاستمـرار. وقد ساق الدكتور عبد الواحد العلمي مثالا لذلك للشخص الذي يخفي أشياء متحصلة من جناية أو جنحة و يقطع بها عدة دول، يكون مرتكبا للجريمة في أية دولة قطعها.

ثالثا: الجرائم السلبية  

إن تعلق الأمر بجريمة سلبية، فإنها تعتبر مرتكبة في أي مكان من الواجب على الجاني القيام فيها بعمل. كالممرضة التي تمتنع عن تقديم الدواء للمريض، تعتبر مرتكبة للجريمة في المكان الذي وقع فيه هذا الامتناع، و أيضا الشخص الذي يمتنع عن تقديم المساعدة لشخص في حالة خطر يعتبر مرتكبا للجريمة في المكان الذي امتنع فيه عن تقديم هذه المساعدة[20].

والمشرع المغربي عند تنظيمه لقواعد اختصاص المحاكم الجنائية المغربية في الفصول 704 و 705 و 706 من قانون المسطرة الجنائية، أكد على اختصاص هذه المحاكم بالنظر إلى كل الجرائم المرتكبة في إقليم المملكة المغربية أيا كانت جنسية مرتكبها، ولو تحققت بعض عناصرها في قطر أجنبي، ومد هذا الاختصاص إلى أفعال الاشتراك ولو ارتكبت في الخارج، ولو كان مرتكبها أجنبيا. و علاوة على ذلك، فما دام أن وسائل الإثبات من حجج و شهود قد يوجدان في مكان ارتكاب الجريمة، فإن إسناد الاختصاص المكاني لمحاكم الدائرة الترابية يتماشى و حسن سير العدالة[21].

هذا ويقرر الفصل 11 من المجموعة الجنائية تمديدا للاختصاص ما يلي:” يدخل ضمن إقليم المملكة السفن والطائرات المغربية أينما وجدت، فيما عدا الحالات التي تكون فيها خاضعة لتشريع أجنبي بمقتضى القانون الدولي”. فالمبدأ حينما تقع الجريمة في الباخرة وهي في عرض البحر، أو في طائرة أثناء التحليق يبدو أنه لا توجد أية صعوبة لتطبيق ما يسمى عادة بقانون العلم، أي قانون الدولة التي تحمل السفينة أو الطائرة علمها، وعلى العكس من ذلك إن هي ارتكبت و الباخرة راسية في ميناء أجنبي، أو الطائرة متوقفة في مطار أجنبي فقد يحدث تنازع بين القانون المغربي وقانون مكان ارتكاب الجريمة.

ففيما يخص البواخر، يقبل بصفة عامة اختصاص مكان وقوع الجريمة إذا كان الفاعل أو الضحية لا ينتميان إلى طاقم الباخرة، و في حالة العكس ، يطبق قانون العلم، ما عدا إذا طلب قائد الباخرة تدخل سلطات الميناء. أما بالنسبة للطائرات، فيقبل عادة اختصاص أول مكان هبطت فيه الطائرة[22] .

و على الرغم من الأهمية التي يكتسيها مبدأ إقليمية النص الجنائي – كما أشرنا- ، بحيث يجسد مظهرا من مظاهر سيادة الدولة على إقليمها، مما دفع بأغلب التشريعات و الأنظمة الجنائية إلى تبنيه، فإنه ليس على إطلاقه، بل ترد علية مجموعة من الاستثناءات. و هو ما سنتناوله من خلال هذه الفقرة.

الفقرة الثالثة: الاستثناءات الواردة على مبدأ إقليمية النص الجنائي

كما مر بنا سلفا فإن القانون الجنائي المغربي كقعاعدة عامة يسري على كل الجرائم المرتكبة داخل إقليم الدولة، دون تفرقة بين مرتكبي هذه الجرائم أو جنسياتهم أو طوائفهم[23]. فالجميع سواء أمام القانون، ولكن هذه القاعدة يرد عليها بعض الإستثناءات منها ما يجد أساسه في القانون العام الداخلي ( أولا)  ومنها ما يجد تبريره في القانون الدولي (ثانيا).

أولا: الإستثناءات المقررة بمقتضى القانون العام الداخلي.

بالرجوع إلى مقتضيات الفصل 10 من القانون الجنائي ” يسري التشريع الجنائي المغربي على كل من يوجد بإقليم المملكة من وطنيين و أجانب و عديمي الجنسية مع مراعاة الإستثناءات المقررة في القانون الداخلي والقانون الدولي” باستقراء هذا الفصل يتضح أن هناك استثناءات تهم القانون الداخلي ومنها:

1ـ الحصانة المقيدة لأعضاء البرلمان بمناسبة إبداء رأيهم أو تصويتهم ماعدا  إذا كان هذا الرأي يجادل في النظام الملكي أو الدين الإسلامي أو يتضمن ما يخل بالإحترام الواجب للملك[24]. حيث تمثل هذه الحصانة ضمانة حقيقية تهدف منح عضو البرلمان الثقة التي تمكنه من أن يقول كل ما من شأنه إثراء العمل البرلماني و إعلاء الفكر الديمقراطي ومن ثم على قدر من الطمأنينة على وضعه و مستقبله.

فلو حوسب عضو البرلمان كما يحـاسب الشخص العــادي على تصرفاته و أحاديثه وأفكاره لكان ذلك إرهاقا كبيرا له، و هكذا نستطيع القول بأن الحصانة ضد المسؤولين البرلمانيين هي امتياز دستوري مقرر لأعضاء البرلمان بصفتهم لا بأشخاصهم سواء كانو منتخبين أو معينين مما يتيح لهم أثناء قيامهم بواجباتهم البرلمانية حرية الرأي و التعبير دون أي مسؤولية جنائية أو مدنية تترتب عن ذلك.

إذن فالحصانة البرلمانية تجد أ ساسها في أن االسيادة للشعب وحده يمارسها على الوجه المبين في الدستور، فالعضو البرلماني لا يعبر عن رأيه الخاص، و إنما يعبر عن رأي الشعب كله ولهذا قيل أن الحصانة البرلمانية تعتمد على أن الأمة نفسها تعبر عن نفسها من خلال أصوات و أراء ممثيليها[25].

2ـ الحصانة المطلقة للملك وذلك بمقتضى الفصل 46 من الدستور المغربي لسنة 2011، الذي ينص عللى أنه ” شخص الملك لا تنتهك حرمته، وللملك واجب التوقير و الإحترام” وباعتبار الملك رئيسا للدولة طبقا لمقتضيات الفصل 42 من الدستور[26]، فهو ممثل البلاد والرجل الأول فيها، وذلك نظر لطبيعة العمل الذي يقوم به و أهميته. ولهذا النوع من الحصانة مدلول داخلي والذي نحن بصدده الآن، والآخر دولي، ويعني إعفاء رئيس الدولة من الخضوع للولاية القضائية الأجنبية.

ولكن لا يعني المدلول الدولي لمفهوم حصانة رئيس الدولة، عدم امكانية خضوع رئيس الدولة للولاية القضائية للمحكمة الجنائية الدولية ومسألته عن ارتكابه أي من الجرائم التي تدخل في ولاية المحكمة كجرائم الحرب مثلا[27]، وذلك تطبيقا للمادة 27 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

وبالعودة للمدلول الداخلي لحصانة للملك فقد نصت معظم دساتير العالم على تمتع رئيس الدولة بالحصانة لكنها اختلفت في تحديد نطاق هذه الحصانة. فمثلا نصت المادة 31 من الدستور الأردني على أنه:” الملك هو رئيس دولة وهو مصون من كل تبعة أو مسؤولية”، كما نصت المادة 54 من الدستور الكويتي على أنه:” الأمير رئيس الدولة، وذاته مصونة لا تمس”.

هذه الأمثلة من دساتير دول، اتجهت نحو منح رئيس الدولة حصانة مطلقة عن أي فعل قد يأتيه سواء بمناسبة أداء وظيفته أم بغير هذه المناسبة، وسواء كان هذا الفعل يرتب المسؤولية الجنائية أم المسؤولية المدنية. فالنصوص السابقة جاءت مطلقة والمطلق يجري على إطلاقه، مالم يرد نص يقيده.

في المقابل نجد دساتير دول أخرى ، قد منحت رئيس الدولة حصانة مقيدة، فأقرت مسؤوليته الجنائية عن جرائم معينة قد يرتكبها بمناسبة أداء وظيفته، من ذلك المادة 68 من الدستور الفرنسي لسنة 1158 من والتي نصت على أنه:” رئيس الجمهورية غير مسؤول عن الأعمال المرتكبة أثناء ممارسته لوظائفه إلا في حالة الخيانة العظمى، ويكون اتهامه بواسطة المجلسين وبقرار موحد، بتصويت علني بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتكون منهم المجلسان[28].

من خلال ما سبق يتضح أن الحصانة المقررة للملك أو لرئيس الدولة تجد أساسها في القانون العام الداخلي و خاصة القانون الدستوري، وبمقتضاه لا يخضع الملك للقانون الجنائي. كما الحصانة إما أن تكون مطلقة أو تكون مقيدة وبالنسبة  للمغرب فحصانة الملك حصانة مطلقة.

ثانيا: الاستثناءات المقررة في القانون الدولي

وفقا لأحكام القانون الدولي، يتمتع بعض الأشخاص بحصانة تجعلهم غير خاضعين للتشريع الجنائي للدولة، لأن ذلك فيه مساس بمبدأ سيادة الدول التي يمثلونها، و جميع الدول تلتزم بالتقيد بهذه القاعدة عن طريق المعاملة بالمثل. وهؤلاء الأشخاص ممثلون في:

 

 

1_ رؤساء الدول الأجنبية و أفراد عائلاتهم و حاشيتهم

يتمتع رئيس الدول الأجنبية بحصانة تامة تحول دون أن تطاله أحكام القانون الجنائي للدولة المتواجد بها أو التي يمر منها حتي و إن صدر منه فعل يشكل جريمة. و تمتد هذه الحصانة لتشمل كذلك أفراد عائلته و حاشيته.

وتمتد حصانة رئيس الدولة إلى أعضاء الوفد الذي يرافقه وأفـراد عائلتـه المقربين، إلا أن هذه الحصانة يختلف نطاقها بالنسبة لهم، فإذا تعلق الأمر بزوجة الرئيس دون غيرها من أفراد الأسرة، فالراجح أنها تتمتع بذات الحصانة التي يتمتع بها الرئيس، أما باقي أفراد العائلة والحاشية فلهم حصانة أعـضاء الـسلك الدبلوماسي وذلك بشرط إبلاغ أسمائهم قبل الزيارة لسلطات الدولة المعنية. ولا تقف حدود الحصانة إلى هذا الحد، بل تمتد لشمل أيضا المسكن الذي يتخذه رئيس الدولة الأجنبية مقرا له.

إلا أن تمتع رئيس الدولة الأجنبية بهذه الحصانة رهين بقبوله من طرف الدولة التي يتواجد فيها[29].وفي المغرب يتمتع رئيس الدولة الأجنبية بالحصانة أثناء تواجده بالغرب شريطة أن يتم إشعار الحكومة المغربية بوجوده[30].

ويتمتع رئيس الدولة الأجنبية بهذه الحصانة سواء كانت الجريمة تتعلق بوظيفة رئيس الدولة أو كانت تتعلق بحياته الخاصة، والفرق بين الحصانتين يكمن في أنه إذا ارتكب رئيس الدولة الأجنبية الجريمة أثناء تأديته لمهامه الرسمية، فإن الحصانة تكون نهائية، أما إذا كان ارتكاب الجريمة أثناء ممارسته لحياته العادية[31] فإن الدولة التي وقعت الجريمة على أرضها تستعيد ولاية القضاء عندما يزول عنه وصـف رئيس الدولة[32].
و تنتهي حصانة رئيس الدولة الأجنبية إذا زال عن هذا الأخير وصف رئيس الدولة، و ذلك إما بتنازله أو بعزله أو بانتهاء مدة ولايته بالدولة.

2 _ المعتمدون الدبلوماسيون أو السياسيون و أفراد عائلاتهم

وهم أعضاء البعثات الدبلوماسية، و يتمتع هؤلاء بحصانات شخصية و قضائية تستمد أساسها من القانون الدولي، لذلك تلتزم كل دولة باحترامها. و تعد اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية[33] أهم وثيقة دولية تشمل تدوين العرف الدولي الخاص بالحصانات الدبلوماسية.

وقد تضاربت آراء فقهاء القانون الدولي حول الأساس القانوني للحصانة الدبلوماسية، وهذا الاختلاف الفقهي أفرز عدة نظريات أهمها:

  • نظرية الامتداد الإقليمي:

مفادها أن المبعوث الدبلوماسي عند تواجده في إقليم الدولة المعتمد لديها يفترض و كأنه لا يزال في إقليم دولته، و بالتالي يستمر خاضعا لقوانين دولته، و يستقل عن السلطة الإقليمية و لا يخضع لقوانين الدولة المعتمد لديها.

  • نظرية مصلحة الوظيفة:

تذهب هذه النظرية إلى القول أن الحصانة الدبلوماسية أمر في غاية الضرورة لمباشرة الوظيفة الدبلوماسية بدون عوائق، و أن هذه الحصانة مقررة للوظيفة ذاتها و ليس لفائدة المبعوث الدبلوماسي الشخصية[34].

و بهذه النظرية الأخيرة، أخذت اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، حيث جاء في مقدمتها أن الغرض من الحصانة الدبلوماسية ليس هو إفادة الأفراد، بل ضمان الأداء الفعال و الجيد لوظائف البعثات الدبلوماسية بوصفها ممثلة للدول[35].

ج_ القوات الحربية الأجنبية

يتمتع أفراد القوات المسلحة الأجنبية الذين يرابطون علـى إقلـيم الدولـة
بحصانة تحول دون خضوعهم لقضاء هذه الدولة، وهذه الحصانة تـشمل جميـع
الجرائم التي تقع منهم أثناء أدائهم لأعمالهم أو داخل المناطق المخصصة لهم، فإذا
كانت الجريمة منبتة الصلة بأعمالهم الرسمية أو وقعت خارج الأماكن المخصصة
لهم فإنه يطبق عليها حسب الأصل قانون الدولة المستضيفة[36].

والسبب في منح هذه الحصانة للقوات الحربية الأجنبية هو أن هذه الأخيرة تمثل الدولة التي تتبعها، إضافة إلى ما يقتضيه النظام العسكري من خضوع رجال القوات الحربية لرؤسائهم وحدهم أثناء فترة العمل، أو في المناطق المخصصة لهم، و كون تـدخل السلطات الإقليمية مخلاً بهذا النظام[37].

3_ ممثلوا الهيئات الدولية كالأمم المتحدة و جامعة الدول العربية

يتمتع الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة و مساعديه و أفراد عائلاتهم و الأمين العام لجامعة الدول العربية و مساعديه و الموظفون الرئيسيون و أفراد عائلاتهم بالحصانة الشخصية و القضائية في كل ما يصدر عنهم سواء كان بسبب أدائم لأعمالهم الرسمية أو مباشرتهم لحياتهم الخاصة.

أما الحصانة الممنوحة لموظفي هذه المنظمات تكون تحقيقا لمصالحهم الخاصة[38].

 

 

 

 

 

 

 

الخاتمة:

مما لا شك فيه أن مبدأ إقليمية القانون الجنائي هو القاعدة العامة المعمول بها لذا أغلب التشريعات الحديثة، لكونه مظهرا من مظاهر سيادة الدولة. بحيث أن كل الجرائم التي ترتكب على ذلك الحيز المكاني الخاص بها يخضع لسلطان قانونها الجنائي، فكل دولة تختص بشؤون العقاب داخل إقليمها من غير تدخل لأي طرف خارجي . وفي هذا الصدد إعتنق المشرع المغربي بدوره ذلك  في الفصل 10 من  مجموعة القانون الجنائي، من خلال التنصيص على هذا المبدأ(مبدأ الاقليمية ).

إلا أن هذا المبدأ يقف عاجزا عن الإحاطة بجميع الإشكاليات المتعلقة بتطبيق النص الجنائي من حيث المكان، لتجد التشريعات ضرورة في اللجوء الى مبادئ أخرى إحتياطية أو تكميلية، عندما يتعلق بجرائم معينة وهي في الخطورة من ما كان على ما تلك الدولة من سيادة، وهنا الضرر الذي يصيب الدولة يستوجب التدخل عبر تطبيق مبدأالعينية .إضافة إلى ذلك فتطور حركية المعاملات  الدولية تفرض إفساح المجال للتطبيق القوانين الأجنبية  استنادا لمبدأ الشخصية، فضلا عن مبدأ العالمية الذي جاء نتيجة تطور الجريمة واتخاذها أشكالا متعددة، وعبورها للحدود الدولية مما حتم على الدول  تظافر جهودها في إطار التعاون الجنائي الدولي في خلق قواعد عالمية وشمولية تستجيب لتعاون الدولي في مكافحة الظاهرة الإجرامية  التي انتشرت بشكل واسع نتيجة ليسر المواصلات ، وباسقراء نصوص مجموعة القانون الجنائي أو في قانون المسطرة الجنائية  نجد المشرع قد أغفل التعرض صراحة لهذا المبدأ  مبدأ عالمية النص الجنائي الوطني ، ومع ذلك ستدعي الضرورة الأخد بهذا المبدأ في ظل القانون المغربي.

 

 

 

 

[1] ـ محمد العروصي، المختصر في شرح القانون الجنائي، الجزء الأول، طبعة2011 ، ص 143 .

[2] ـ مبارك عبد العزيز النويب، شرح القواعد العامة في قانون الجزاء الكويتي، الطبعة الأولى  1997، ص92.

[3] ـ محمد محي الدين عوض، قانون العقوبات، مطبعة جامعة القاهرة، القاهرة 1979، ص7.

[4] ـ فتحي سرور، الوسيط في قانون العقوبات ، القسم العام، الطبعة الخامسة، دار النهضة، القاهرة 1989، ص 101.

[5] ـ محمود مصطفى، شرح قانون العقوبات، القسم العام، الطبعة الثامنة، دار النهضة، القاهرة 1969

[6] ـ كمال أنور محمد، تطبيق قانون العقوبات من حيث المكان، النهضة العربية، القاهرة 1965.

ـ سليمان عبد المنعم، النظرية العامة لقانون العقوبات، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، 2001، ص 100.[7]

[8] _ يقصد بالسكان أو الشعب، تلك المجموعة البشرية التي تقطن إقليما معينا و ذات جنسية موحدة للدولة، و تجمع بين أفرادها الرغبة المشتركة في العيش معا وفق نظام يدير شؤونهم و يضمن أمنهم و استقرارهم. و لمفهوم الشعب معنيان، واسع و ضيق، فالمفهوم الواسع ينطبق على الرعايا و المواطنين للدولة المتمتعين بجنسيتها. و المعنى الضيق ينطبق على أولئك الذين يتمتعون بالجنسية الأصلية و يستفيدون من الحقوق السياسية.

و يقصد بالسلطة أو السيادة، ما للدولة من سلطان على الإقليم الذي تختص به بما يوجد فيه من أشخاص و أموال.

[9] _عصام المديني، مرجع سابق، ص80.

[10]_حنان محمد حسن علي، مرجع سابق، ص12.

[11] _ في عام 1984، صدرت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، و نصت على أن الحد الأقصى لامتداد البحر الإقليمي يجب ألا يتجاوز اثني عشر ميلا بحريا.

المادة 3 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لسنة 1984.

[12]_ محمود الحاج حمود، القانون الدولي للبحار، شركة مطبعة الأديب البغدادية المحدودة، بغداد، سنة 1990، ص 91.

[13]_ حنان محمد حسن علي، مرجع سابق، ص 15.

[14]_ علي عبد القادر قهوجي، قانون العقوبات، القسم العام، الدار الجامعية، سنة 1988، ص 88.

[15]_ شادية الشومي، في القانون الجنائي العام، دار القلم، سنة 2001، ص 48 و 49.

[16] _ إن السفن من حيث الوضعية القانونية و مدى تطبيق القانون الجنائي قد تكون في إحدى الحالات التالية:

أولا: السفينة الراسية في موانئ الدولة التي تملكها، أو العائمة في بحرها الإقليمي.

ثانيا: السفينة العائمة في أعالي البحار، و هذه المناطق حرة غير تابعة لأية دولة، فهي تعتبر في هذه الحالة امتدادا لإقليم الدولة التي تحمل جنسيتها.

ثالثا: السفن الخاضعة لتشريع غير الدولة التي تحمل جنسيتها كالسفن المؤجرة، فهي تعتبر جزء من إقليم الدولة التي تؤجرها.

الدكتور الطيب محمود، حقوق الملكية الصناعية و التجارية بين مظاهر الإقليمية و البعد الدولي و الأهمية الاقتصادية، مقال منشور بمجلة أنفاس حقوقية، ص 242.

[17] _ تعتبر الطائرة في حالة طيران وفقا لنص المادة 31 من اتفاقية طوكيو لسنة 1963، من لحظة إطلاق قوتها المحركة بغرض الإقلاع حتى اللحظة التي يكتمل فيها الهبوط.

[18] _ شادية الشومي، مرجع سابق، ص 49 .

[19] _ حنان محمد حسن، مرجع سابق، ص 25.

[20] _ عبد الواحد العلمي، مرجع سابق، ص 82.

[21] _ عصام المديني، مرجع سابق، ص 78.

[22] _ القانون الجنائي في شروح، منشورات جمعية تنمية البحوث و الدراسات القضائية، سنة 1997، ص 15.

[23] ـ صالح جري غزاي العتيبي، رسالة مبدأ إقليمية القانون الجنائي وأثره في مكافحة الإرهاب، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، كلية الدراسات العليا، قسم العدالة الجنائية، الرياض 2009.

[24] ـ ينص الفصل 64 من دستور 2011 على أنه ” لا يمكن متابعة أي عضو من أعضاء البرلمان ولا البحث عنه، ولا إلقاء القبض عليه ولا إعتقاله و لا محاكمته بمناسبة إبدائه لرأي أو قيامه بتصويت خلال مزوالته لمهامه، ما عدا إذا كان الرأي المعبر عنه يجادل في النظام الملكي أو ؤالدين الإسلامي  أو يتضمن ما يخل بالإحترام الواجب للملك”.

ـ حسينة شرون، الحصانة البرلمانية، مجلة المفكر، العدد الخامس، جامعة محمد خيضر بسكرة، ص 149.[25]

[26] ـ ينص الفصل 42 من الدستور المغربي لسنة 2011 على أنه:”الملك رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها…”

[27] ـ تنص المادة 27 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على أنه: ” يطبق هذا النظام الأساسي على جميع الأشخاص بصورة متساوية دون أي تمييز بسبب الصفة الرسمية وبوجه خاص فإن الصفة الرسمية للشخص سواء كان رئيسا للدولة أو حكومة أو عضوا في حكومة أو برلمان أو ممثلا منتخبا أو موظفا حكوميا لا تعفيه بأي حال من الأحوال من المسؤولية الجنائية بموجب هذا النظام الأساسي، كما أنها لا تشكل في حد ذاتها سببا لتخفيف العقوبة.

لا تحول الحصانات أو القواعد الإجرائية الخاصة التي قد ترتبط بالصفة الرسمية للشخص سواء كانت في إطار القانون الوطني أو الدولي دون ممارسة المحكمة اختصاصها على هذا الشخص.

ـ عمار ياسرجاموس، الحصانة البرلمانية والعفو الخاص وأثرهما في محاكمة الفساد في فلسطين، ماجستر الدراسات القضائية، ص 10.[28]

[29] _ حنان محمد حسن، مرجع سابق، ص 53.

[30] _ عبد الواحد العلمي، مرجع سابق، ص 83.

[31] _ فمثلا رئيس دولة أجنبية حل  بدولة أخرى، و أثناء تجوله بإحدى المحلات أو المتاجر، قام بسرقة شيء معين من ذلك المحل، في هذه الحالة تتم متابعته من طرف سلطات الدولة المتواجد بها، لأن فعله هذا (أي السرقة) وقع أثناء ممارسته لحياته الخاصة.

[32] _ محمود محمود مصطفى، شرح قانون العقوبات، القسم العام، طبعة 1989، ص 107.

[33] _ المبرمة في 18 أبريل 1961.

[34] _ حنان محمد حسن، مرجع سابق، ص 58.

[35] _ مقدمة اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية المبرمة سنة 1961.

[36] _ رمسيس بهنام، النظرية العامة للقانون الجنائي، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1995، ص 215.

[37] _ حنان محمد حسن علي، مرجع سابق، ص 67.

[38] _ / المادة 5 من اتفاقية مزايا وحصانات الأمم المتحدة  المبرمة سنة 1946، والمادة 23 من اتفاقية مزايا وحصانات جامعة الدول العربية
المبرمة سنة 1953.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق