كرونولوجيا الحراسة النظرية وفق القانون الجديد للمسطرة الجنائية – 23.03 – شرح الفصول من 66 إلى 67 – اسضار عمر

اسضار عمر، طالب باحث بسلك الدكتوراه، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، ابن زهر أكادير
ISDAR OMAR, PhD Researcher,
Faculty of Legal, Economic and Social Sciences,
Université Ibn Zohr, Agadir.
مقال بعنوان:
كرونولوجيا الحراسة النظرية وفق القانون الجديد للمسطرة الجنائية – 23.03 – شرح الفصول من 66 إلى 67 –
Chronology of Police Custody under the New Code of Criminal Procedure – Law No. 23.03
مع دخول القانون الجديد للمسطرة الجنائية حيز التنفيذ 8 دجنبر2025 أصبحت الحراسة النظرية أكثر وضوحا وشفافية، حيث وضع المشرع المغربي مجموعة من الضمانات والإجراءات التي تحمي حقوق الأفراد وتضمن سلامة البحث الجنائي في الوقت نفسه.
في هذا المقال من سلسلتنا “شرح فصول المسطرة الجنائية”، نقدم الكرونولوجيا الكاملة للحراسة النظرية، من توقيف المشتبه فيه، مرورا بحقوقه في الاتصال بالمحامي، والإشعار العائلي، ووصولا إلى التوثيق الرقابي والفحص الطبي.
كل خطوة مشروطة بضمانات واضحة وتخضع للرقابة القضائية، لتشكل، انموذجا متطورا للتوازن بين الحرية الفردية وفعالية البحث الجنائي.
Abstract
With the entry into force of the new Code of Criminal Procedure on December 8, 2025, police custody has become clearer and more transparent. The Moroccan legislator has introduced a set of safeguards and procedures designed to protect individual rights while simultaneously ensuring the integrity and effectiveness of criminal investigations.
In this article, part of our series “Explaining the Provisions of the Code of Criminal Procedure,” we present the full chronology of police custody — from the moment of arrest, through the suspect’s right to contact a lawyer and notify family members, to judicial documentation and medical examination.
Each step is subject to explicit legal guarantees and judicial oversight, forming an advanced model that balances individual liberty with the efficiency of criminal investigation.
- المادة 66
التنظيم القانوني للحراسة النظرية وضوابطها
يمكـن لضابـط الشـرطة القضائيـة أن يحتفـظ بشـخص أو عـدة أشـخاص
تحـت الحراسـة النظريـة ليكونـوا رهـن إشـارته، إذا وجـدت أسـباب للاشـتباه فـي
ار تكابهـم أو محاولـة ار تكابهـم جنايـة أو جنحـة يعاقـب عليهـا بالحبـس، وذلـك لمـدة لا
تتجـاوز ثمـان وأر بعيـن سـاعة تحتسـب ابتـداء مـن سـاعة إيقافهـم، وتشـعر النيابـة
العامـة فـورا بذلـك.
لا تحتسـب ضمـن مـدة الحراسـة النظريـة المـدة اللازمـة لنقـل الشـخص
المشتبه فيه، إذا تم إيقافه خارج الدائرة القضائية التي يعمل بها ضابط الشرطة
القضائيـة الـذي احتفـظ بـه تحـت الحراسـة النظريـة، غيـر أن هـذه المـدة تخصـم من
مـدة تنفيـذ العقوبـة فـي حالـة الحكـم علـى المعنـي بالأمـر بعقوبـة سـالبة للحريـة.
يقوم ضابط الشـرطة القضائية الذي أوقف المشـتبه فيه في الحالة المشـار
إليهـا فـي الفقـرة الثانيـة أعـاه، بتحريـر محضـر يشـير فيـه إلـى سـاعة وتاريـخ ومـكان
8وظـروف الإيقـاف، ويضـم إلـى أصـل محضـر البحـث.
لا يحتسب كذلك ضمن مدة الحراسة النظرية الوقت الذي يقضيه المعني
بالأمـر فـي العـاج، ولـو كان خاضعـا للمراقبـة الأمنيـة، وفـي هـذه الحالـة تخصـم هـذه
المـدة مـن مـدة تنفيـذ العقوبـة فـي حالـة الحكـم علـى المعنـي بالأمـر بعقوبـة سـالبة
للحريـة.
- الشرح
تندرج الحراسة النظرية ضمن أخطر الإجراءات الماسة بالحرية الفردية[1] في مرحلة البحث التمهيدي، بالنظر إلى طبيعتها القسرية وارتباطها بسلطة الضبط القضائي[2]، وقد حرص المشرع المغربي، من خلال المادة 66 من قانون المسطرة الجنائية، على وضع تنظيم دقيق لهذا الإجراء، يزاوج بين متطلبات النجاعة في البحث الجنائي وضمانات حماية الحقوق والحريات الأساسية.
اولا: شروط اللجوء إلى الحراسة النظرية
قررت المادة 66 أنه يمكن لضابط الشرطة القضائية الاحتفاظ بشخص أو عدة أشخاص تحت الحراسة النظرية إذا وجدت أسباب للاشتباه في ارتكابهم أو محاولة ارتكابهم جناية أو جنحة معاقب عليها بعقوبة سالبة للحرية.
يتبين من هذا المقتضى أن المشرع قيد سلطة الضابط القضائي بشرطين جوهريين:
- وجود أسباب للاشتباه
وهو معيار موضوعي يفترض قيام قرائن جدية ومؤشرات واقعية تبرر تقييد الحرية، فلا يكفي مجرد الشك المجرد أو الافتراض الذهني، بل يجب أن يستند الإجراء إلى عناصر ملموسة قابلة للمراقبة القضائية اللاحقة.
- خطورة الفعل موضوع الاشتباه
إذ قصر المشرع الحراسة النظرية على الجنايات والجنح المعاقب عليها بالحبس، مستبعدا بذلك المخالفات والجنح غير السالبة للحرية، وهو ما يعكس احتراما لمبدأ التناسب بين خطورة الفعل والإجراء المقيد للحرية.
وبذلك يكون المشرع قد تجاوز الغموض والاشكال الذي يطرحه القانون القديم حيث بمراجعة المادة 65 من قانون المسطرة الجنائية القديمة المحال عليها في صدر المادة 66 من القانون نفسه يظهر أنه يمكن أن يخضع لهذا الإجراء كل شخص قد يقدر ضابط الشرطة أنه مفيد في التحريات دون تحديد لعلاقته بالفعل الجرمي المرتكب وهو ما قد يفتح الباب على الاعتقاد أنه قد يكون أحد الشهود أو أحد الضحايا إن اقتضى الأمر.[3]
فضلا عن كل شخص تعذر معاينة هويته أو التحقق منها بعين المكان.
وإذا كان لهذا الرأي ما يدعمه من القراءة الأولية للصياغة التي اختارها المشرع للفقرة الأولى من المادة 66 من قانون المسطرة الجنائية القديمة المشار إليها أعلاه، فإن التسليم بوجاهته يبقى أمرا بالغ الخطورة، لأن اتساع الأشخاص الذين قد يشملهم إجراء الوضع تحت الحراسة النظرية ليشمل الشهود مثلا أو أي شخص آخر لا علاقة له من قريب أو بعيد بارتكاب الجريمة، سوى أن حظه العاثر أوجده في مكان اقترافها يعتبر أمرا غير مستساغ من الناحية الحقوقية، وينطوي على مساس خطير بالحريات الفردية.[4]
لا يخفى أن التعديل الذي أدخله المشرع على المادة 66 من قانون المسطرة الجنائية حمل تحولا مفاهيميا واضحا في تحديد نطاق الخضوع للحراسة النظرية، إذ لم يعد الأمر مرتبطا بتوصيفات فضفاضة أو بإمكانية إدراج فئات متعددة، بل تم ربط الإجراء حصريا بوجود مؤشرات جدية على احتمال تورط شخص في ارتكاب جناية أو جنحة معاقب عليها بعقوبة سالبة للحرية.
وبهذا التحديد الدقيق، انتقل المشرع من منطق التوسيع إلى منطق التضييق والتخصيص، مستبعدا بذلك الفئات التي كان النص السابق يفتح المجال لإدراجها ضمن المادة 65 من القانون القديم، سواء بصفتهم شهودا أو في أوضاع قانونية أخرى، وهو ما يعكس توجها نحو تكريس مبدأ الشرعية الإجرائية وربط الحراسة النظرية بوظيفتها الأصلية كإجراء موجه حصريا للمشتبه فيهم دون سواهم.
ثانيا: ضبط المدة القانونية للحراسة النظرية وإشكالية احتسابها
إن أهم ما يترتب على اعتبار إجراء الحراسة النظرية تدبيرا استثنائيا حصر مدته في وقت وجيز، يكون معروفا سلفا تفاديا لاتخاذه مطية من السلطات للتعسف على حقوق الأفراد والافتئات على حرياتهم[5].
وحددت المادة مدة الحراسة النظرية في ثمان وأربعين ساعة تحتسب ابتداء من ساعة الإيقاف، مع إلزامية إشعار النيابة العامة فورا.
ويؤسس هذا التنظيم لمجموعة من المبادئ:
- مبدأ التأقيت القانوني للإجراء، بما يمنع الاعتقال التعسفي أو غير المحدد زمنيا.
- مبدأ الإشراف القضائي الفوري من خلال إشعار النيابة العامة
غير أن المشرع استثنى حالتين من احتساب مدة الحراسة النظرية:
- المدة اللازمة لنقل المشتبه فيه إذا تم إيقافه خارج الدائرة القضائية للضابط المحتفظ به.
- المدة التي يقضيها المعني بالأمر في العلاج
ورغم أن هاتين المدتين لا تدخلان ضمن أجل 48 ساعة، فإن المشرع أقر مبدأ جوهريا يتمثل في خصمهما من مدة تنفيذ العقوبة في حالة الحكم بعقوبة سالبة للحرية.
إلا أن هذا التنظيم يثير إشكالا فقهيا يتعلق بمدى إمكانية التوسع في تفسير مفهوم المدة اللازمة للنقل، وما إذا كان ذلك قد يشكل مدخلا للتحايل على الأجل الأصلي للحراسة النظرية، الأمر الذي يستوجب رقابة صارمة من النيابة العامة والقضاء.
وفي هذا الصدد يقول أحد الباحثين المغاربة[6] إن توقيت الحراسة النظرية ومدتها تعتبر من المؤشرات الدالة على الكمية المسموح بها من طرف المشرع للمساس بحريات الأفراد.
فكلما كانت الفترة قصيرة، كان ذلك دليلا على احترام أكبر للحقوق والحريات العامة للأفراد.
كما ألزمت المادة ضابط الشرطة القضائية الذي قام بالإيقاف خارج دائرته القضائية بتحرير محضر يتضمن ساعة وتاريخ ومكان وظروف الإيقاف، مع ضمه إلى أصل محضر البحث.
- المادة 1-66
الطبيعة الاستثنائية للحراسة النظرية وضوابط تفعيلها
الحراسـة النظريـة تدبيـر اسـتثنائي لا يلجـأ إليـه إلا إذا تبيـن أنـه ضـروري لأحـد
الأسـباب التاليـة:
1-الحفاظ على الأدلة والحيلولة دون تغيير معالم الجريمة؛
2-القيـام بالأبحـاث والتحريـات التـي تسـتلزم حضـور أو مشـاركة المشـتبه
فيـه؛
3-وضع المشتبه فيه رهن إشارة العدالة والحيلولة دون فرار ه؛
4-الحيلولـة دون ممارسـة أي ضغـط علـى الشـهود أو الضحايـا أو أسـرهم أو
5-منـع المشـتبه فيـه مـن التواطـؤ مـع الأشـخاص المسـاهمين أو المشـاركين فـي
أقاربهـم؛
الجريمـة؛
6- وضـع حـد للاضطـراب الـذي أحدثـه الفعـل بسـبب خطورتـه أو ظـروف ار تكابـه أو الوسـيلة التـي اسـتعملت فـي ار تكابـه، أو أهميـة الضـرر الناتـج عنـه، أو بالنظـر لخطـورة المشـتبه فيـه.
يجب على النيابة العامة التأكد من تحقق الأسباب المذكورة.
الشرح
تكرس المادة 1-66 تصورا تشريعيا متقدما لمؤسسة الحراسة النظرية، إذ لم تعد مجرد إجراء من إجراءات البحث التمهيدي، بل أصبحت تدبيرا استثنائيا مقيدا بضوابط موضوعية دقيقة، لا يلجأ إليه إلا عند تحقق ضرورة فعلية تبرره، وبذلك يكون المشرع قد انتقل من منطق الإباحة الضمنية إلى منطق التقييد الصريح، انسجاما مع الطابع الدستوري[7] للحرية الفردية.
اولا: تكريس مبدأ الاستثنائية كضابط جوهري لتقييد الحرية
افتتحت المادة بعبارة واضحة الدلالة: “الحراسة النظرية تدبير استثنائي لا يلجأ إليه إلا إذا تبين أنه ضروري…”.
وتحمل هذه الصياغة دلالات قانونية عميقة:
- تأكيد أن الأصل هو الحرية، وأن التقييد يظل استثناء.
- اشتراط قيام الضرورة، بما يعني غياب بديل أقل مساسا بالحرية.
ويبدو أن المشرع المغربي في قانون المسطرة الجنائية الحالية أدرك أهمية التنصيص على الطابع الاستثنائي لإجراء الوضع تحت الحراسة النظرية وعليه تدارك السهو الغير مقصود الذي وقع فيه في القانون القديم.
وعليه، فإن مجرد توفر أسباب الاشتباه لا يكفي وحده لتبرير الحراسة النظرية، بل يجب أن تثبت ضرورة هذا التدبير لتحقيق أحد الأسباب المحددة حصرا في النص.
ثانيا: الأسباب الحصرية المبررة للحراسة النظرية
حددت المادة ستة أسباب على سبيل الحصر، وهو ما يفيد منع التوسع في تفسيرها أو القياس عليها.
- الحفاظ على الأدلة ومنع تغيير معالم الجريمة
ويعكس هذا السبب البعد الوقائي للإجراء، خاصة في الجرائم التي تكون فيها الأدلة عرضة للإتلاف أو العبث.
- القيام بالأبحاث التي تستلزم حضور المشتبه فيه أو مشاركته
ويؤسس لوظيفة إجرائية للحراسة النظرية، باعتبارها وسيلة لتمكين الضابطة القضائية من إنجاز تحريات تقنية أو مواجهات ضرورية.
- وضع المشتبه فيه رهن إشارة العدالة والحيلولة دون فراره
ويتصل بضمان تنفيذ العدالة ومنع الإفلات من المتابعة.
- منع التأثير على الشهود أو الضحايا أو أقاربهم
ويهدف إلى حماية حسن سير العدالة وصيانة الشهادات من أي ضغط أو ترهيب.
- منع التواطؤ مع المساهمين أو المشاركين في الجريمة
ويكتسي أهمية خاصة في الجرائم المنظمة أو متعددة الفاعلين.
- وضع حد للاضطراب الخطير الناتج عن الفعل
وهو سبب يرتبط باعتبارات النظام العام، ويأخذ بعين الاعتبار خطورة الفعل، ظروف ارتكابه، الوسيلة المستعملة، جسامة الضرر، أو خطورة المشتبه فيه.
ويلاحظ أن بعض هذه الأسباب ذو طبيعة إجرائية (حماية الأدلة، استكمال البحث)، في حين أن بعضها الآخر ذو بعد وقائي أو نظامي (منع الفرار، الحد من الاضطراب العام)
غير أن الطابع الحصري لهذه الأسباب يفرض تفسيرها تفسيرا ضيقا، منعا لتحول الاستثناء إلى قاعدة.
من خلال ما تقدم يظهر أن المشرع المغربي استنسخ في تعديله للمادة1-66 من قانون المسطرة الجنائية مقتضيات المادة 62.2 من قانون المسطرة الجنائية الفرنسي بخصوص تحديد الأهداف المتوخاة من الوضع تحت الحراسة النظرية، وإن كان قد اعتبرها أسبابا وليس أهدافا[8].
وأضاف إليها بعض المقتضيات الأخرى إمعانا في الحرص على الطابع الاستثنائي لهذا التدبير القسري[9].
غير أن بعض الفقه المغربي، وإن اعتبر أن تقييد إجراء الوضع تحت الحراسة النظرية بمجموعة من الأسباب يعتبر أمرا إيجابيا في حد ذاته، إلا أنه أبدى نوعا من التحفظ إزاء الصيغة الفضفاضة التي تمت بها صياغتها، بحيث يصعب تصور حالة من الحالات الواقعية التي لن يتوفر فيها أحد هذه الأسباب المعدودة في المادة1-66 من قانون المسطرة الجنائية، الأمر الذي قد يهدد الطابع الاستثنائي لهذا التدبير.[10]
ثالثا: رقابة النيابة العامة
لم يكتف المشرع بتعداد الأسباب، بل ألزم النيابة العامة بالتأكد من تحققها.
ويفهم من عبارة “يجب على النيابة العامة التأكد” أن الأمر لا يتعلق برقابة شكلية، بل برقابة فعلية على مدى قيام الضرورة وتحقق أحد الأسباب المحددة.
وبذلك تنتقل الحراسة النظرية من كونها سلطة تقديرية شبه مطلقة من حيت المبدأ للضابطة القضائية، إلى إجراء خاضع لمشروعية مضبوطة برقابة قضائية، بما يعزز ضمانات المحاكمة العادلة.
- المادة 2-66
ضمانات تنفيذ الحراسة النظرية وتمديدها
يجـب أن تنفـذ الحراسـة النظريـة فـي ظـروف تضمـن احتـرام كرامـة الشـخص
والحقـوق المخولـة لـه قانونـا. وإذا تطلـب الأمـر اتخـاذ تدابيـر أمنيـة يتعيـن التقيـد بمـا
هـو ضـروري.
تتحمـل ميزانيـة الدولـة نفقـات التغذيـة المقدمـة للأشـخاص الموضوعيـن
تحـت الحراسـة النظريـة، وتحـدد بنـص تنظيمـي قواعـد نظـام التغذيـة وكيفيـات
تقديـم الوجبـات الغذائيـة.
يتعين على ضابط الشرطة القضائية بعد التأكد من هوية الشخص الذي
ألقـي عليـه القبـض أو تـم وضعـه تحـت الحراسـة النظريـة إخبـار ه فـورا وبكيفيـة
يفهمها، بدواعي إيقافه وبحقوقه، ومن بينها حقه في التزام الصمت بشأن الأفعال
موضـوع إيقافـه.
لا يعتبـر الصمـت اعترافـا ضمنيـا بمـا هـو منسـوب للشـخص الموضـوع تحـت
الحراسـة النظريـة.
يمكـن لضـرورة البحـث تمديـد مـدة الحراسـة النظريـة أربعـا وعشـرين سـاعة
لمـرة واحـدة بـإذن كتابـي معلـل مـن النيابـة العامـة.
إذا تعلـق الأمـر بالمـس بأمـن الدولـة الداخلـي أو الخارجـي، فـإن مـدة الحراسـة
النظرية تكون ستا وتسعين ساعة قابلة للتمديد مرة واحدة لنفس المدة، بناء على
إذن كتابـي معلـل مـن النيابـة العامـة.
إذا تعلـق الأمـر بجريمـة إرهابيـة، فـإن مـدة الحراسـة النظريـة تكـون سـتا
وتسعين ساعة قابلة للتمديد مرتين لمدة ست وتسعين ساعة في كل مرة، بناء على
إذن كتابـي معلـل مـن النيابـة العامـة.
يحـق للشـخص الـذي ألقـي القبـض عليـه أو وضـع تحـت الحراسـة النظريـة
الاسـتفادة مـن مسـاعدة قانونيـة، ومـن إمكانيـة الاتصـال بأحـد أقربائـه أو محاميـه
بالهاتـف أو بـأي وسـيلة متاحـة، وكـذا الحـق فـي طلـب تعييـن محـام فـي إطـار المسـاعدة
القضائيـة.
تقوم الشرطة القضائية فورا بإشعار المحامي المعين. وإذا طلب المعني بالأمر
تعييـن محـام فـي إطـار المسـاعدة القضائيـة تقـوم الشـرطة القضائيـة فـورا بإشـعار
النقيـب الـذي يتولـى تعييـن هـذا المحامـي.
يتـم الاتصـال بالمحامـي ابتـداء مـن السـاعة الأولـى لوضـع المعنـي بالأمـر تحت
الحراسة النظرية، ويمكن لممثل النيابة العامة كلما تعلق الأمر بجريمة إر هابية أو
بالجرائـم المنصـوص عليهـا فـي المـادة 108 واقتضـت ضـرور ة البحـث ذلـك، أن يؤخـر
بصفـة اسـتثنائية، اتصـال المحامـي بموكلـه بنـاء علـى طلـب مـن ضابـط الشـرطة
القضائيـة علـى ألا تتجـاوز مـدة التأخيـر نصـف المـدة الأصليـة للحراسـة النظريـة.
يتـم الاتصـال بالمحامـي لمـدة لا تتجـاوز ثلاثيـن دقيقـة تحـت مراقبـة ضابـط
الشـرطة القضائيـة فـي ظـروف تكفـل سـرية المقابلـة.
يرفع ضابط الشرطة القضائية عقب كل ترخيص بالاتصال تقريرا في هذا
الشأن إلى النيابة العامة ويشار إلى ذلك في المحضر.
الشرح
تعد المادة 2-66 من أهم المقتضيات المؤطرة لنظام الحراسة النظرية، إذ لا تكتفي بتحديد شروط اللجوء إليها، بل تنتقل إلى تنظيم كيفية تنفيذها وضماناتها الإجرائية، مع ضبط حالات تمديدها، وإقرار منظومة متكاملة من الحقوق لفائدة الشخص الموضوع تحتها.
ويكشف هذا التنظيم عن توجه تشريعي يروم عقلنة ممارسة السلطة التقييدية للحرية، وإخضاعها لمنطق الشرعية، والتناسب، والرقابة القضائية.
اولا: شروط تنفيذ الحراسة النظرية وضمان الكرامة الإنسانية
نصت المادة صراحة على وجوب تنفيذ الحراسة النظرية في ظروف تضمن احترام كرامة الشخص والحقوق المخولة له قانونا، وتعد هذه الإحالة تكريسا للمقاربة الحقوقية في تدبير هذا الإجراء، حيث نصت الفقرة الأولى من المادة العاشرة من إعلان حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري[11] على أنه «يجب أن يكون كل شخص محروم من حريته موجودا في مكان احتجاز معترف به رسميا، وأن يمثل وفق القانون الوطني، أمام سلطة قضائية بعد احتجازه دون تأخير».
وفي بعد اجتماعي وإنساني، ألقى النص على عاتق ميزانية الدولة تحمل نفقات التغذية، مع إحالة تنظيم قواعدها إلى نص تنظيمي، بما يعكس انتقال الحراسة النظرية من وضعية فراغ تنظيمي إلى إطار مؤسساتي مضبوط.
ثانيا: الحق في الإعلام والحق في الصمت كضمانة جوهرية
أوجبت المادة على ضابط الشرطة القضائية، بعد التحقق من الهوية، إخبار المعني بالأمر فورا وبكيفية يفهمها:
- بدواعي إيقافه؛
- وبحقوقه القانونية، وعلى رأسها الحق في التزام الصمت.
ويكتسي هذا المقتضى أهمية خاصة لكونه يؤسس لمبدأين العلم بالإجراء، والحق في التزام الصمت ويجعل منهما شروطا لسلامة المسطرة.
اما في المبدأ الأول فالقول فيه، ان إجراء الإشعار بدواعي الاعتقال باعتباره حقا للمشتبه فيه بأن يحاط علما بالوقائع الجنائية المنسوبة إليه، يعتبر أحد الحقوق التي تتفرع عن أصل عام، هو مبدأ البراءة في الإنسان وحقه الطبيعي في أن يظل على فطرته الأولى من النقاء، فإذا حدث ما قد يخدش هذه الفطرة وجب تمكينه من الوسائل الضرورية للدفاع عن نفسه وإزاحة ما لحق براءته من شكوك.[12]
وفي هذا الصدد جاء في الفقرة الثالثة من المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أن لكل متهم بجريمة أن يتمتع أثناء النظر في قضيته، وعلى قدم المساواة التامة بالضمانات الدنيا التالية:
- أن يتم إعلامه سريعا وبالتفصيل، وفي لغة يفهمها – بطبيعة التهمة الموجهة إليه وأسبابها …
كما كرس المشرع المغربي حق الشخص في معرفة أسباب تقييد حريته ضمن مصاف الحقوق الدستورية في دستور 2011، إذ نصت الفقرة الثانية من الفصل 23 على أنه: “يجب إخبار كل شخص تم اعتقاله، على الفور، وبكيفية يفهمها، بدواعي اعتقاله وبحقوقه…”.
ويعكس هذا التنصيص انتقال هذا الحق من مجرد ضمانة إجرائية منصوص عليها في التشريع العادي إلى قاعدة دستورية، بما يترتب عن ذلك من آثار على مستوى شرعية الإجراءات، ووجوب احترام السلطات المكلفة بإنفاذ القانون لالتزام الإخبار الفوري والواضح باعتباره شرطا جوهريا لصحة أي تدبير ماس بالحرية الفردية.
اما في المبدأ الثاني فالقول فيه، ان الحق في التزام الصمت، باعتباره من أهم الضمانات المقررة لفائدة المشتبه فيه، لما يشكله من تجسيد عملي لقرينة البراءة وحماية لحرية الاختيار في الإدلاء بالأقوال أو الامتناع عنها دون أي ضغط أو إكراه.
فالحق في التزام الصمت، مبدا كوني اقرته المواثيق الدولية أولا ثم القوانين الوطنية ثانيا.
ففي المواثيق الدولية، أشار العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في البند (ز) من الفقرة الثالثة من المادة 14 أنه لكل متهم بجريمة أن يتمتع أثناء النظر في قضيته. وعلى قدم المساواة التامة بالضمانات الدنيا التالية:
ز – ألا يكره على الشهادة ضد نفسه أو على الاعتراف بذنب.
على الرغم من أن هذا النص لا يشير صراحة إلى الحق في الصمت إلا أنه انعكاس طبيعي للحق في عدم إجباره على الشهادة ضد النفس، فقد يختار السكوت على الكلام[13].
وقد تبنت الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان نفس الصيغة أعلاه في مادتها الثامنة حيث جاء في البند ز من الفقرة الثانية من المادة المذكورة.
ز- حق المتهم في ألا يجبر على أن يكون شاهدا ضد نفسه أو أن يعترف بالذنب.
وهي الصيغة ذاتها التي اختار الميثاق العربي لحقوق الإنسان[14] استخدامها في المادة 16 منه والتي جاء فيها كل متهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم بات وفقا للقانون، على أن يتمتع خلال إجراءات التحقيق والمحاكمات بالضمانات الآتية:
. 6 – حقه في ألا يجبر على الشهادة ضد نفسه أو أن يعترف بالذنب.
وفي نفس الاتجاه، أشير إلى الحق في الصمت في ميثاق المحكمة الجنائية الدولية الدائمة[15]، حيث تنص الفقرة الثانية من المادة 55 من نظامها الأساسي على أنه، حيثما توجد أسباب تدعو للاعتقاد بأن شخصا ما قد ارتكب جريمة تدخل في اختصاص المحكمة ويكون من المزمع استجواب ذلك الشخص إما من قبل المدعي العام أو السلطات الوطنية… يكون لذلك الشخص الحقوق التالية أيضا، ويجب إبلاغه بها قبل استجوابه:
… ب – التزام الصمت، دون أن يعتبر هذا الصمت عاملا في تقرير الذنب أو البراءة.
أما في الأنظمة القانونية المعاصرة، وبخاصة في إنجلترا، فيذهب بعض الفقه[16] إلى أن الحق في الصمت نشأ في البيئة القانونية الإنجليزية، وأن تكريسه العملي كان ثمرة نضال مهني قاده المحامون أكثر مما كان نتيجة مطالبة المتقاضين أنفسهم. لذلك أضحى من الحقوق الجوهرية المخولة للشخص الموضوع رهن الاحتجاز حقه في التزام الصمت، باعتباره وسيلة دفاع أصيلة في مواجهة أسئلة الشرطة أثناء البحث.
ويترتب على تمسك المحتجز بهذا الحق أنه لا يجوز للمحكمة، من حيث المبدأ، أن تستخلص عناصر إدانته من مجرد ممارسته له، إذ إن الصمت في حد ذاته لا يعد قرينة على الاعتراف ولا دليلا على ثبوت التهمة، بل يظل تجسيدا لحق دستوري وإجرائي ينسجم مع قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.
كما أن التنصيص الصريح في هذه المادة على أن الصمت لا يعتبر اعترافا ضمنيا يقطع مع أي تأويل يمكن أن يفرغ هذا الحق من مضمونه.
ثالثا: نظام التمديد بين الضرورة والرقابة القضائية
قررت المادة إمكانية تمديد الحراسة النظرية وفق تدرج يرتبط بطبيعة الجريمة:
- تمديد عادي لمدة 24 ساعة مرة واحدة بإذن كتابي معلل من النيابة العامة.
- في الجرائم الماسة بأمن الدولة: 96 ساعة قابلة للتمديد مرة واحدة لنفس المدة.
- في الجرائم الإرهابية: 96 ساعة قابلة للتمديد مرتين لمدة مماثلة في كل مرة.
ويلاحظ أن المشرع ربط كل تمديد بشرطين جوهريين:
صدور إذن كتابي، وتعليل هذا الإذن.
ويعد التعليل ضمانة أساسية، إذ يمكن القضاء من بسط رقابته على مدى قيام الضرورة التي تبرر التمديد، ويحول دون تحوله إلى إجراء شكلي.
رابعا: الحق في الاستعانة بمحام
كرست المادة حق الشخص الموضوع تحت الحراسة النظرية في:
- الاستفادة من مساعدة قانونية.
- الاتصال بأحد أقربائه أو بمحاميه.
- طلب تعيين محام في إطار المساعدة القضائية.
وألزمت الشرطة القضائية بإشعار المحامي فورا، أو إشعار النقيب في حالة طلب التعيين.
كما قررت إمكانية الاتصال بالمحامي ابتداء من الساعة الأولى للوضع تحت الحراسة النظرية، وهو مستجد بالغ الأهمية يعزز الحماية الفعلية لحقوق الدفاع.
وعليه ان ضمانة الاتصال بالمحامي والتي بدون شك تطرح عدة إشكالات قانونية في كيفية التوفيق بين مصلحة الشخص الموضوع تحت تدبير الحراسة النظرية وبين الحفاظ على سرية البحث للوصول إلى الحقيقة[17].
واستنادا إلى مقتضيات دستور 2011 نجد أنه ينص في إحدى مقتضياته على ما يلي: حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون[18] كما أكد في نفس الدستور على الحق في محاكمة عادلة،[19] وحق الظنين في الاتصال بمحاميه[20].
وعليه، إذا كان قانون المسطرة الجنائية في صيغته السابقة ينص، بموجب الفقرة الثامنة من المادة 66، على أن الاتصال بالمحامي يتم قبل انصرام نصف المدة الأصلية للحراسة النظرية حيث استهلت هذه الفقرة بعبارة: يتم الاتصال بالمحامي قبل انتهاء نصف المدة الأصلية للحراسة النظرية، فإن المشرع في الصيغة الحالية للقانون أحدث تحولا جوهريا في هذا المقتضى.
فقد تم تعويض تلك الصياغة بمقتضى أكثر تقدما، إذ أصبح النص ينص على أن الاتصال بالمحامي يتم ابتداء من الساعة الأولى لإيقاف المعني بالأمر، وذلك وفق ما تقرره المادة 66-2.
ويعكس هذا التعديل انتقالا من منطق تأجيل ممارسة حق الدفاع إلى منطق إقراره الفوري، بما يعزز حضور المحامي في المرحلة الأولى من البحث التمهيدي، ويكرس ضمانة أساسية من ضمانات المحاكمة العادلة، انسجاما مع التوجهات الدستورية والمعايير الدولية ذات الصلة.
ومن خلال كل ما سبق نستخلص أن الشخص الموضوع تحت تدابير الحراسة النظرية له الحق في الاتصال بالمحامي طول مدة وضعه في الحراسة النظرية، ولو قبل انتهائها بساعات[21]، عكس ما هو منصوص عليه قديما، حيث حدد المشرع وقت محدد للاتصال بالمحامي من طرف الشخص الموضوع في الحراسة النظرية، ونعتبر أن هذا قد جاء لتكريس ضمانة حقوقية لهذا الأخير وهو حقه في الاستعانة بمحامي.
غير أن النص اعلاه أجاز، بصفة استثنائية، تأخير الاتصال بالمحامي في الجرائم الإرهابية أو الجرائم المنصوص عليها في المادة 108، بناء على إذن معلل من النيابة العامة، على ألا يتجاوز التأخير نصف المدة الأصلية للحراسة النظرية.
و الجرائم المنصوص عليها في المادة 108 هي الجريمة التي تمس بأمن الدولة أو جريمة إرهابية أو جريمة تتعلق بالعصابة الإجرامية، أو بالقتل أو التسميم، أو بالاختطاف وأخذ الرهائن، أو بالمخدرات والمؤثرات العقلية، أو بالأسلحة والذخيرة والمتفجرات ومعدات التدمير أو مواد متفجرة أو نووية أو بيولوجية أو كيميائية أو مشعة، أو بحماية الصحة العامة، أو جرائم غسل الأموال أو الرشوة أو استغلال النفوذ أو الغدر أو اختلاس أو تبديد المال العام، أو الجرائم الماسة بنظم المعالجة الآلية للمعطيات أو المرتكبة بالوسائل الإلكترونية، أو التعذيب أو الاتجار بالبشر أو الهجرة غير المشروعة أو الاستغلال الجنسي أو الجرائم المرتكبة ضد الأطفال أو جرائم التخريب أو التعييب والإتلاف أو تحويل الطائرات أو إتلافها أو إتلاف المنشآت الجوية، أو جرائم التزييف والتزوير، أو انتحال الهوية الرقمية للغير بغرض تهديد طمأنينته أو المساس بشرفه أو اعتباره، أو نقل أو بث أو نشر محتوى إلكتروني ذي طابع إباحي موجه للقاصرين، أو الجرائم الانتخابية.
وحدد النص مدة الاتصال في ثلاثين دقيقة تحت مراقبة ضابط الشرطة القضائية، مع ضمان سرية المقابلة، بما يكرس توازنا بين متطلبات البحث وحقوق الدفاع.
كما أوجب رفع تقرير إلى النيابة العامة عقب كل ترخيص بالاتصال، مع الإشارة إلى ذلك في المحضر، تعزيزًا لمبدأ الشفافية وقابلية المراقبة.
- المادة 3-66
التسجيل السمعي البصري
ينجـز فـي الجنايـات والجنـح المعاقـب عليهـا قانونـا بخمـس سـنوات فأكثـر
تسـجيل سـمعي بصـري للمشـتبه فيـه الموضـوع تحـت الحراسـة النظريـة أثنـاء قـراءة
تصريحاتـه المضمنـة فـي المحضـر ولحظـة توقيعـه أو إبصامـه عليـه أو ر فضـه.
تحدد بنص تنظيمي كيفيات إجراء التسجيل السمعي البصري.
يمكـن للمحكمـة كلمـا اقتضـى الأمـر المطالبـة بمحتـوى التسـجيل الـذي
يحتفـظ بـه طبقـا لأحـكام المـادة 113 مـن هـذا القانـون.
- الشرح
تمثل المادة 3-66 تطورا نوعيا في منظومة الضمانات المؤطرة للحراسة النظرية، إذ انتقل المشرع من منطق الضمانات الشكلية التقليدية إلى اعتماد آلية تقنية حديثة قوامها التسجيل السمعي البصري، بما يعزز الشفافية ويحصن مشروعية المحاضر المنجزة خلال هذه المرحلة الحساسة من البحث التمهيدي.
اولا: نطاق الإلزام وحدود التطبيق
أوجبت المادة إنجاز تسجيل سمعي بصري للمشتبه فيه الموضوع تحت الحراسة النظرية في:
- الجنايات.
- والجنح المعاقب عليها بخمس سنوات حبسا فأكثر.
ويتضح من هذا التحديد أن المشرع اعتمد معيار خطورة العقوبة كأساس لإلزامية التسجيل، بما يعكس توجها نحو تشديد الضمانات كلما تعلق الأمر بجرائم جسيمة قد تفضي إلى عقوبات سالبة للحرية طويلة الأمد.
كما حددت المادة لحظة التسجيل بدقة، إذ يتم أثناء:
- قراءة تصريحات المشتبه فيه المضمنة في المحضر.
- وتوقيعه أو إبصامه عليه.
- أو رفضه التوقيع.
وهذا التحديد الزمني ليس اعتباطيا، بل يروم توثيق لحظة مفصلية في المسطرة، وهي لحظة إقرار المشتبه فيه بمضمون تصريحاته أو اعتراضه عليها، بما يحد من المنازعات اللاحقة بشأن سلامة الإرادة أو صحة ما ضمن بالمحضر.
لا شك أن تفكير المشرع المغربي في تنظيم إجراء التسجيل السعي البصري وإدراجه ضمن قانون المسطرة الجنائية يعد نقطة قوة في حد ذاتها[22]، لما يمثله هذا الإجراء من ضمانة حقيقية من شأنها إضفاء مزيد من الشفافية والمصداقية على أعمال الشرطة القضائية، وتعزيز حقوق الدفاع عبر تمكين المشتبه فيه من الإدلاء بتصريحاته العفوية الصادرة عن إرادة واعية وحرة دون إكراه أو خوف أو تعذيب[23].
وبإقدام المشرع المغربي على تكريس هذا المستجد، يكون قد خطا خطوة نوعية عززت موقع التشريع الوطني ضمن مصاف الأنظمة الإجرائية المتقدمة المقارنة، المشهود لها باحترام حقوق الإنسان وترسيخ ضمانات المحاكمة العادلة.
فهذا التحول لا يعكس مجرد تعديل تقني في صياغة النص، بل يجسد توجها تشريعيا واعيا بتعزيز مكانة حق الدفاع في مرحلة البحث التمهيدي، بما ينسجم مع الالتزامات الدستورية والمعايير الدولية ذات الصلة، ومن شأن ذلك أن يعزز صورة المغرب على المستويين الوطني والدولي كدولة تسعى إلى تطوير منظومتها الجنائية في اتجاه تكريس دولة الحق والقانون وترسيخ الثقة في العدالة الجنائية.
ولعل من مواطن القوة كذلك في هذا التنظيم، أن المشرع وسع من مجال تطبيق هذا الإجراء ليشمل الجنايـات والجنـح المعاقـب عليهـا قانونـا بخمـس سـنوات فأكثـر متجاوزا بذلك التشريع الإجرائي الفرنسي الذي قصر هذا الإجراء على الجنايات فقط دون الجنح.[24]
ثانيا: التنظيم التقني
أحالت المادة تحديد كيفيات إجراء التسجيل إلى نص تنظيمي، وهو ما يعكس إدراك المشرع للطابع التقني للإجراء، وحاجته إلى تفصيلات عملية تتعلق بـ:
- شروط التسجيل.
- حفظ الدعامة الإلكترونية.
- طرق تأمينها ضد التلاعب.
- مدة الاحتفاظ بها.
وتبرز هنا أهمية الإحالة التنظيمية باعتبارها مكملة للنص القانوني، غير أن فعاليتها تبقى رهينة بمدى وضوح المقتضيات التنظيمية وضمانها لسلامة التسجيل وعدم المساس بمصداقيته.
ثالثا: القيمة الإثباتية للتسجيل
قررت المادة إمكانية مطالبة المحكمة بمحتوى التسجيل المحتفظ به وفق أحكام المادة 113 من القانون، كلما اقتضى الأمر ذلك.
وتنص المادة 113 انه يتـم بمبـادر ة مـن قاضـي التحقيـق أو مـن النيابـة العامـة المختصـة إتـلاف التسـجيلات والمراسلات عنـد انصـرام أجـل تقـادم الدعـوى العموميـة أو بعـد اكتسـاب الحكـم الصـادر فـي الدعـوى قـوة الشـيء المقضـي بـه.
ويحـرر محضـر عـن عمليـة الإتلاف يحفـظ بملـف القضيـة.
ويفهم من هذا المقتضى أن التسجيل السمعي البصري لا يعد مجرد إجراء إداري، بل وسيلة إثبات ورقابة يمكن للمحكمة الرجوع إليها من أجل:
- التحقق من احترام حقوق الدفاع
- التأكد من عدم ممارسة أي إكراه مادي أو معنوي
- مطابقة ما ورد في المحضر لما صرح به المشتبه فيه فعليا.
غير أن النص لم يحدد صراحة جزاء عدم إنجاز التسجيل في الحالات التي يكون فيها إلزاميا، وهو ما يثير تساؤلا حول ما إذا كان الأمر يتعلق بإجراء جوهري يترتب على الإخلال به البطلان، أم بإجراء تنظيمي لا يؤثر إلا في القوة الثبوتية للمحضر.
- المادة 4-66
حضور المحامي أثناء الاستماع كضمانة معززة لفئات خاصة
يحـق للمحامـي بعـد إذن مـن النيابـة العامـة المختصـة حضـور عمليـة
الاسـتماع للمشـتبه فيـه مـن طـرف الشـرطة القضائيـة إذا تعلـق الأمـر بالأحـداث أو
بـذوي العاهـات المنصـوص عليهـم فـي البنـد 1 مـن المـادة 316 مـن هـذا القانـون.
ويتعين في هذه الحالة إشعار المشتبه فيه بهذا الحق قبل الاستماع إليه مع
الإشـارة إلى ذلك في المحضر.
يمنع على المحامي إخبار أي كان بما راج خلال جلسة الاستماع تحت طائلة
تطبيق مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 15 من هذا القانون.
- الشرح
تندرج المادة 4-66 ضمن منظومة الضمانات الإجرائية المقررة خلال مرحلة الحراسة النظرية
اولا: نطاق الاستفادة وطبيعة الحماية الخاصة
قررت المادة أنه يحق للمحامي، بعد إذن من النيابة العامة المختصة، حضور عملية الاستماع للمشتبه فيه إذا تعلق الأمر:
- بالأحداث.
- أو بذوي العاهات المنصوص عليهم في البند 1 من المادة 316 من القانون، وهم كل من كان أبكمـا أو أعمـى أو مصابـا بأيـة عاهـة أخـرى مـن شـأنها الإخـال بحقـه فـي الدفـاع عـن نفسـه.
ويتضح من هذا التحديد أن المشرع تبنى مقاربة وقائية تستند إلى معيار الهشاشة القانونية أو الجسدية أو الذهنية، باعتبار أن هذه الفئات قد تكون أكثر عرضة للتأثير أو عدم استيعاب الإجراءات، مما يستدعي تعزيز ضمانات الدفاع لفائدتها.
ثانيا: الإذن المسبق من النيابة العامة
اشترط النص حصول المحامي على إذن من النيابة العامة المختصة لحضور الاستماع، وهو ما يكرس خضوع هذا الحق لرقابة السلطة القضائية.
ويثير هذا الشرط نقاشا حول طبيعته:
هل يعد الإذن سلطة تقديرية للنيابة العامة؟ أم أنه إجراء شكلي يفترض منحه متى تعلق الأمر بإحدى الفئات المحددة قانونا؟
إن القراءة الحقوقية للنص تقتضي اعتبار الإذن إجراء تنظيميا لا يجوز أن يتحول إلى أداة لتقييد الحق، ما دام المشرع قرر مبدئيا إمكانية الحضور لفئات بعينها.
كما أوجبت المادة إشعار المشتبه فيه بهذا الحق قبل الاستماع إليه، مع الإشارة إلى ذلك في المحضر، مما يجعل الإعلام شرطا جوهريا لضمان سلامة المسطرة.
ثالثا: حدود الحضور والتزام السر المهني
رغم إقرار حق الحضور، قيدت المادة المحامي بالتزام صارم بعدم إخبار أي جهة بما راج خلال جلسة الاستماع، تحت طائلة تطبيق مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 15 التي تنص ان كل شخص يساهم في إجراء هذه المسطرة ملزم بالحفاظ على سرية البحث والتحقيق تحت طائلة العقوبات المقررة في مجموعة القانون الجنائي.
ويؤكد هذا المقتضى أن حضور المحامي لا يهدف إلى عرقلة البحث أو إفشاء معطياته، بل إلى ضمان سلامة الإجراءات وحماية حقوق الدفاع، دون الإخلال بسرية البحث التمهيدي.
- المادة 5-66
آليات التوثيق والرقابة على الحراسة النظرية
يجب مسـك سـجل ترقم صفحاته وتذيل بتوقيع وكيل الملك في كل الأماكن
التي يمكن أن يوضع فيها الأشـخاص تحت الحراسـة النظرية.
تقيـد فـي هـذا السـجل هويـة الشـخص الموضـوع تحـت الحراسـة النظريـة
وسـبب ذلـك وسـاعة بدايـة الحراسـة النظريـة وسـاعة نهايتهـا، ومـدة الاسـتنطاق
وأوقـات الراحـة والحالـة البدنيـة والصحيـة للشـخص الموقـوف والتغذيـة المقدمـة
لـه.
يجب أن يوقع في هذا السجل الشخص الذي وضع تحت الحراسة النظرية
وضابـط الشـرطة القضائيـة بمجـرد انتهائهـا، وإذا كان ذلـك الشـخص غيـر قـادر علـى
التوقيع أو البصم، أو ر فض القيام به يشـار إلى ذلك في السـجل.
يجـب أن يعـرض هـذا السـجل علـى وكيـل الملـك للاطلاع عليـه ومراقبتـه
والتأشـير عليـه مـرة فـي كل شـهر علـى الأقـل.
تنقـل محتويـات السـجل فـورا إلـى سـجل إلكترونـي وطنـي وجهـوي للحراسـة
النظريـة. ويتـم الاطلاع علـى هـذا السـجل مـن قبـل رئيـس النيابـة العامـة والسـلطات
القضائيـة المختصـة والجهـات المخـول لهـا قانونـا بذلـك.
تقوم النيابة العامة بمراقبة الوضع تحت الحراسة النظرية، ويمكن لها أن
تأمر في أي وقت بوضع حد لها أو بمثول الشخص الموضوع تحت الحراسة النظرية
أمامهـا.
- الشرح
تشكل المادة 5-66 ركيزة مؤسساتية لضبط ممارسة الحراسة النظرية، إذ لم يكتف المشرع بإقرار شروطها الموضوعية وضماناتها الإجرائية، بل أرسى نظاما توثيقيا ورقابيا يهدف إلى تتبع تنفيذها ميدانيا، وتعزيز الشفافية والمساءلة.
ويعكس هذا التوجه وعيا تشريعيا بأن حماية الحرية الفردية لا تتحقق بالنصوص المجردة، وإنما بآليات عملية للرصد والمراقبة.
اولا: السجل الورقي كآلية توثيق وضبط مادي
أوجبت المادة مسك سجل مرقم الصفحات ومذيل بتوقيع وكيل الملك في جميع الأماكن التي يمكن أن يوضع فيها الأشخاص تحت الحراسة النظرية.
وتحمل هذه الصياغة عدة دلالات:
- اشتراط الترقيم المسبق يمنع التلاعب أو حذف الصفحات.
- توقيع وكيل الملك يمنح السجل طابعا رسميا خاضعا لرقابة قضائية.
- إلزامية وجوده في كل مكان مخصص للحراسة النظرية يقطع مع أي ممارسة خارج الإطار المؤسسي.
كما حدد النص البيانات الواجب تضمينها بالسجل، وهي بيانات دقيقة تشمل:
- هوية الشخص.
- سبب الوضع تحت الحراسة النظرية.
- ساعة البداية والنهاية.
- مدة الاستنطاق وأوقات الراحة.
- الحالة البدنية والصحية.
- التغذية المقدمة له.
ويكشف هذا التفصيل عن توجه يروم تتبع ظروف الاحتفاظ بشكل شامل، بما يسمح بالكشف عن أي إخلال محتمل، سواء تعلق الأمر بتجاوز المدة القانونية أو بسوء المعاملة أو بالإهمال الصحي.
ثانيا: التوقيع كضمانة
ألزمت المادة بتوقيع الشخص الموضوع تحت الحراسة النظرية وضابط الشرطة القضائية فور انتهائها، مع التنصيص على الإشارة إلى حالة العجز عن التوقيع أو رفضه.
كما أن التنصيص على حالة الرفض أو العجز يمنع التحايل أو إفراغ الإجراء من محتواه، ويعزز قابلية السجل للرقابة القضائية اللاحقة.
ثالثا: الانتقال إلى السجل الإلكتروني
أوجبت المادة عرض السجل على وكيل الملك للاطلاع عليه ومراقبته والتأشير عليه مرة في الشهر على الأقل، وهو ما يعكس رقابة دورية منتظمة لا تقتصر على الحالات الفردية.
غير أن المستجد الأبرز يتمثل في نقل محتويات السجل فورا إلى سجل إلكتروني وطني وجهوي للحراسة النظرية، بما يشكل خطوة نحو رقمنة مسطرة التتبع.
ويترتب عن هذا الإجراء:
- توحيد المعطيات على المستوى الوطني.
- تمكين رئاسة النيابة العامة والسلطات القضائية المختصة من الاطلاع المباشر.
- تعزيز الشفافية وإمكانية الإحصاء والتقييم المؤسسي.
ويؤشر هذا التوجه إلى انتقال الحراسة النظرية من نطاق محلي محدود إلى منظومة مركزية خاضعة للتتبع الوطني.
رابعا: سلطة النيابة العامة في المراقبة والتدخل الفوري
أكدت المادة أن النيابة العامة تتولى مراقبة الوضع تحت الحراسة النظرية، مع تمكينها من:
الأمر بوضع حد لها في أي وقت أو استدعاء الشخص الموضوع تحتها للمثول أمامها.
ويجسد هذا المقتضى رقابة آنية وفعلية، لا تقتصر على التتبع الشكلي، بل تخول للنيابة العامة سلطة تصحيح المسار متى تبين لها إخلال أو انتفاء مبرر الاستمرار.
- المادة 67
التوثيق الزمني والضمانات الاجتماعية والصحية للحراسة النظرية
يجـب علـى كل ضابـط مـن ضبـاط الشـرطة القضائيـة أن يبيـن فـي محضـر
الاسـتماع لأي شـخص وضـع تحــت الحراسـة النظريـة، يـوم وسـاعة إيقافـه ويـوم
وسـاعة وضـع ورفـع الحراسـة النظريـة أو تقديمـه إلـى الجهـة القضائيـة المختصـة.
يجـب أن تذيـل هـذه البيانـات، إمـا بتوقيـع الشـخص المعنـي بالأمـر أو ببصمـه
وإمـا بالإشـارة إلـى ر فضـه ذلـك أو اسـتحالته مـع بيـان أسـباب الرفـض أو الاسـتحالة.
يجـب تضميـن بيانـات مماثلـة فـي السـجل المنصـوص عليـه فـي المـادة 5-66
أعـلاه.
يقـوم ضابـط الشـرطة القضائيـة بإشـعار عائلـة الموقـوف أو أي شـخص
يعنيـه ذلـك مـا لـم يعتـرض هـذا الأخيـر صراحـة، وذلـك فـور اتخـاذ قـرار وضعـه تحـت
الحراسـة النظريـة بالهاتـف أو بـأي وسـيلة أخـر ى متاحـة، ويشـير فـي المحضـر للاسم
الشخصي والعائلي وصفة الشخص الذي تم إشعار ه والوسيلة المستعملة في ذلك
وتاريـخ وسـاعة الإشـعار كمـا يضمنـه تصريحـات الموقـوف فـي حالـة اعتراضـه علـى
إشـعار عائلتـه. ويتعيـن عليـه أن يوجـه يوميـاً إلـى النيابـة العامـة لائحـة الأشـخاص
الذيـن تـم وضعهـم تحـت الحراسـة النظريـة خـال الأر بـع وعشـرين سـاعة السـابقة.
يتعيـن علـى ضابـط الشـرطة القضائيـة إخضـاع الشـخص الموضـوع تحـت
الحراسـة النظريـة لفحـص طبـي بعـد إشـعار النيابـة العامـة، إذا لاحـظ عليـه مرضـا
أو علامـات أو آثـار ا تسـتدعي ذلـك يجريـه طبيـب مؤهـل لممارسـة مهـام الطـب الشـرعي
أو طبيب آخر في حالة تعذر ذلك. ويشار إلى هذا الإجراء بالمحضر وبسجل الحراسة
النظريـة، ويضـاف التقريـر الطبـي المنجـز إلـى المحضـر المحـال إلـى النيابـة العامـة.
- الشرح
تعد المادة 67 امتدادا لمنظومة الضمانات المؤطرة للحراسة النظرية، إذ تعنى بتكريس الشفافية الزمنية للإجراء، وتعزيز البعد الاجتماعي والإنساني للحماية، مع إقرار ضمانة طبية ذات أهمية خاصة.
اولا: الضبط الزمني
أوجبت المادة على ضابط الشرطة القضائية تضمين محضر الاستماع البيانات المتعلقة بـ:
- يوم وساعة الإيقاف.
- يوم وساعة الوضع تحت الحراسة النظرية.
- يوم وساعة رفعها أو تقديم المعني بالأمر إلى الجهة القضائية المختصة.
ويمثل هذا الالتزام تجسيدا لمبدأ الشرعية الزمنية، إذ إن أي تجاوز للمدة القانونية يعد اعتقالا تحكميا، ويعد التحديد الدقيق للساعة والتاريخ وسيلة فعالة لمراقبة مدى احترام الآجال القانونية المنصوص عليها في المواد السابقة.
كما ألزم النص بتذييل هذه البيانات بتوقيع الشخص المعني أو بصمته، أو الإشارة إلى رفضه أو استحالته مع بيان الأسباب.
وزاد النص تأكيدا بوجوب تضمين البيانات نفسها في السجل المنصوص عليه في المادة 5-66، بما يضمن التطابق بين المحضر والسجل، وييسر كشف أي تناقض أو تلاعب محتمل.
الفقرة الثانية: إشعار العائلة
قررت المادة التزام ضابط الشرطة القضائية بإشعار عائلة الموقوف أو أي شخص يعنيه ذلك فور اتخاذ قرار الوضع تحت الحراسة النظرية، ما لم يعترض المعني بالأمر صراحة.
ويؤسس هذا المقتضى لحق ذي بعد إنساني واجتماعي، يهدف إلى:
- طمأنة الأسرة.
- منع حالات الاختفاء أو الاحتجاز غير المعلوم.
- تعزيز شفافية الإجراء.
وقد أحاط المشرع هذا الإشعار بضوابط دقيقة، إذ يتعين بيان:
- هوية الشخص الذي تم إشعاره.
- صفته.
- الوسيلة المستعملة.
- تاريخ وساعة الإشعار.
- وتضمين تصريحات الموقوف في حالة اعتراضه.
وعليه، إن إشعار عائلة المحتجز بخبر اعتقاله تحتم على ضابط الشرطة القضائية مباشرة مجموعة من الإجراءات لتحقيق هذه الغاية، يتولاها شخصيا أو يعهد بها تحت إشرافه إلى أحد مساعديه،[25] وهذه الإجراءات هي في مجملها متماثلة لا تختلف من حالة لأخرى إلا ما تعلق منها ببعض الخصوصيات التي قد يتطلبها إيداع بعض الأصناف من المشتبه فيهم تحت تدبير الحراسة النظرية، سواء كانوا راشدين (ا) أو أحداثا (ب) أو أجانب (ج)
ا: إشعار عائلة المشتبه فيه الراشد
إن إشعار عائلة المحتجز الراشد بخبر احتجازه هو التزام يقع على ضابط الشرطة القضائية الذي قرر إيداع الشخص تحت الحراسة النظرية، وهذا الالتزام من جانب ضابط الشرطة القضائية هو التزام ببذل عناية وليس بتحقيق غاية، فهو مطالب ببذل أقصى ما يمكنه من جهد لإشعار عائلة المحتجز، فإذا تعذر عليه ذلك، لأي سبب من الأسباب منعه من الاتصال بعائلة المعني بالأمر، أشار إلى ذلك في المحضر، ويكون بذلك قد أدى ما عليه من التزام.[26]
ب: إشعار عائلة المشتبه فيه الحدث
إذا تعلق الأمر بقاصر تقرر الاحتفاظ به رهن الاحتجاز، أوجبت المادة 460 من قانون المسطرة الجنائية، إشعار من له سلطة الإشراف عليه، حيث جاء فيها ” يجب، في كافة الأحوال، إشعار ولي الحدث أو المقدم عليه أو وصيه أو كافله أو حاضنـه أو الشـخص أو المؤسسـة المعهـود إليهـا برعايتـه بالإجـراء المتخـذ، وذلـك وفقـا لمقتضيـات الفقـرة الرابعـة مـن المـادة 67 مـن هـذا القانـون.
ج: إشعار البعثة الدبلوماسية للمشتبه فيه الأجنبي
تقر المواثيق الدولية ذات الصلة بحماية الأشخاص المحرومين من حريتهم التزاما يقضي، عند وضع شخص رهن الحراسة النظرية، بضرورة إشعار السلطات القنصلية أو البعثة الدبلوماسية للدولة التي يحمل جنسيتها بالإجراء المتخذ في حقه، وذلك ضمانا لحقه في الحماية القنصلية.
كما يمتد هذا الالتزام، متى تعلق الأمر بشخص لاجئ أو بأي فرد مشمول بحماية منظمة حكومية دولية، إلى إشعار ممثل الجهة الدولية المختصة، بما يكفل احترام وضعه القانوني الخاص ويؤمن له الضمانات المقررة بموجب القانون الدولي[27].
لذلك فإن إيداع أجنبي رهن الحراسة النظرية يطرح دائما مشكلة إشعار بعثته الدبلوماسية العاملة في البلد، ويزداد الأمر حدة إذا تعلق الأمر بشخص لا يتوفر البلد الذي يحمل جنسيته على تمثيلية دبلوماسية ببلد الاحتجاز أو يكون لاجئا أو عديم الجنسية ومن دون مقر إقامة محدد أو عنوان معروف[28].
ومن ثم، فإن إلزام إشعار البعثات الدبلوماسية عند وضع الأجنبي تحت الحراسة النظرية في القانون المغربي يستند إلى الأساس الشرعي الذي توفره الاتفاقيات والمواثيق الدولية ذات الصلة، والتي صادقت عليها المملكة المغربية.
. وتجدر الإشارة إلى أنه على المستوى العملي، تقوم الشرطة القضائية بمبادرة إشعار المصالح القنصلية كلما تعلق الأمر بأجنبي موضوع تحت الحراسة النظرية، ما يعكس تطبيقا فعليا لمبدأ الامتثال للمعايير الدولية.
كما ألزم النص ضابط الشرطة القضائية بتوجيه لائحة يومية إلى النيابة العامة بأسماء الأشخاص الموضوعين تحت الحراسة النظرية خلال الأربع والعشرين ساعة السابقة، وهو ما يعزز الرقابة الدورية ويمنع أي احتجاز غير مصرح به.
ثالثا: الفحص الطبي
أقرت المادة إلزامية إخضاع الشخص الموضوع تحت الحراسة النظرية لفحص طبي بعد إشعار النيابة العامة، إذا لوحظ عليه مرض أو علامات أو آثار تستدعي ذلك.
ويعد هذا المقتضى ضمانة محورية لحماية السلامة الجسدية، ويكتسي أهمية خاصة في مواجهة ادعاءات التعذيب أو سوء المعاملة.
وقد اشترط النص أن ينجز الفحص من طرف طبيب مؤهل لممارسة مهام الطب الشرعي، أو طبيب آخر عند التعذر، مما يعكس الحرص على الطابع المهني والتخصصي للفحص.
إن الحق في الخضوع للفحص الطبي بالنسبة للأشخاص المحتجزين قبل إجراء المحاكمات يعتبر حلقة أساسية في حلقات المحاكمة العادلة، تبدو أهميته في الحد مما قد يتعرض له المشتبه فيه الذي أخضع لتدبير الحراسة النظرية من إكراه وسوء معاملة بغية التأثير عليه عند الإدلاء بتصريحاته.[29]
كما ألزم المشرع بالإشارة إلى هذا الإجراء في المحضر وفي سجل الحراسة النظرية، مع إرفاق التقرير الطبي بالمحضر المحال إلى النيابة العامة، بما يضمن إدماجه ضمن عناصر الملف القضائي وقابليته للتقييم من طرف المحكمة.
مراجع
العربية
لطيفة الداودي، دراسة في قانون المسطرة الجنائية المغربية وفق آخر التعديلات، الطبعة 9,المطبعة والورقة الوطنية مراكش 2020
عبد الكافي ورياشي، ضمانات المشتبه فيه أثناء مرحلة البحث التمهيدي، الجزء الثاني، الطبعة الاولى، مطبعة المعارف الجديدة الرباط 2018
محمد الامين: تأملات حول المقتضيات الجديدة المتعلقة بالحراسة النظرية في مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية، المجلة المغربية للقانون الجنائي والعلوم الجنائية، العدد الثاني، 2015
محمد عياط: ملاحظات مبدئية حول بعض جوانب تعديلات قانون المسطرة الجنائية التي هيأتها وزارة العدل والحريات، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد مزدوج 117 و2004 ،118.
محمد جوهر الجريمة التلبسية والحريات الفردية في السياسة الجنائية المغربية، المجلة المغربية لقانون واقتصاد التنمية، الصادرة عن كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، العدد 1993
هشام ازكاغ، قراءة في اجراءات الوضع تحث تدابير الحراسة النظرية في ضوء مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية، مقال منشور في مجلة الحقوق العدد 1 سنة 2021
الأجنبية
Thierry Gare – Cathrine Ginestet : Droit pénal procédure pénale, 8eme édition,
Dalloz, Paris, 2014.
Kami Haeri: «vous avez le droit de garder le silence….» Comment réformer la garde à vue – publication institut Montaigne, France, 2010
- لطيفة الداودي، دراسة في قانون المسطرة الجنائية المغربية وفق آخر التعديلات، الطبعة 9,المطبعة و الورقة الوطنية مراكش 2020 ص143 ↑
- Thierry Gare – Cathrine Ginestet : Droit pénal procédure pénale, 8eme édition,Dalloz, Paris, 2014.p 279 ↑
- عبد الكافي ورياشي، ضمانات المشتبه فيه أثناء مرحلة البحث التمهيدي، الجزء الثاني،الطبعة الاولى،مطبعة المعارف الجديدة الرباط 2018 ص539 ↑
- المرجع نفسه ص539 ↑
- عبد الكافي ورياشي، مرجع سابق، ص 540 ↑
- عبد الكافي ورياشي، مرجع سابق، ص 541 ↑
- ينص الفصل 23 من الدستور المغربي لسنة 2011 على أنه «لا يجوز إلقاء القبض على أي شخص أو اعتقاله أو متابعته أو إدانته إلا في الحالات وطبقا للإجراءات التي ينص عليها القانون . . .» ↑
- يرى أحد الباحثين أن ما اعتبره المشرع المغربي في مشروع تعديل المادة 66 من قانون المسطرة الجنائية أسبابا هي في حقيقة الأمر أهدافا، واعتبرها قفزة نوعية في اتجاه ضمان حرية التنقل لأشخاص ذنبهم الوحيد أنهم كانوا موجودين بمسرح الجريمة. راجع في ذلك: محمد الامين: تأملات حول المقتضيات الجديدة المتعلقة بالحراسة النظرية في مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية، المجلة المغربية للقانون الجنائي والعلوم الجنائية، العدد الثاني، 2015.، ص. 21. ↑
- محمد الأمين، المرجع نفسه، ص. 21. ↑
- محمد عياط: ملاحظات مبدئية حول بعض جوانب تعديلات قانون المسطرة الجنائية التي هيأتها وزارة العدل والحريات، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد مزدوج 117 و2004 ،118. ص19 ↑
- اعتمد ونشر هذا الإعلان على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 47/133 المؤرخ في 18 دجنبر1992. ↑
- محمد جوهر الجريمة التلبسية والحريات الفردية في السياسة الجنائية المغربية، المجلة المغربية لقانون واقتصاد التنمية، الصادرة عن كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، العدد 1993 ص91 ↑
- عبد الكافي ورياشي، مرجع سابق، ص 621 ↑
- اعتمد هذا الميثاق من قبل القمة العربية السادسة عشرة التي استضافتها تونس في 23 ماي 2004. ↑
- 3. تم اعتماد نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية من قبل مؤتمر الأمم المتحدة الديبلوماسي للمفوضين المعني بإنشاء محكمة جنائية دولية بتاريخ 17 يوليوز 1998، ودخل حيز التنفيذ في فاتح يونيو 2001 ويوجد مقرها في لا هاي بهولندا وتختص في النظر في جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب. ↑
- Kami Haeri: «vous avez le droit de garder le silence….» Comment réformer la garde à vue – publication institut Montaigne, France, 2010, P. 26. ↑
- هشام ازكاغ، قراءة في اجراءات الوضع تحث تدابير الحراسة النظرية في ضوء مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية، مقال منشور في مجلة الحقوق العدد 1 سنة 2021 ص320 ↑
- الفصل 118 من الدستور المغربي. ↑
- الفصل 120 من الدستور المغربي. ↑
- الفقرة 3 من الفصل 23 من الدستور المغربي. ↑
- هشام ازكاغ، مرجع سابق، ص 321 ↑
- عبد الكافي ورياشي، مرجع سابق، ص 624 ↑
- هشام ازكاغ، مرجع سابق، ص 325 ↑
- عبد الكافي ورياشي، مرجع سابق، ص 624 ↑
- لطيفة الداودي. م .س. ص151 ↑
- عبد الكافي ورياشي، م.س. ص657 ↑
- محمد عياط: ملاحظات مبدئية حول بعض جوانب تعديلات قانون المسطرة الجنائية التي هيأتها وزارة العدل والحريات، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد مزدوج 117 و2004 ،118. ص35 ↑
- عبد الكافي ورياشي، م.س. ص659 ↑
- عبد الكافي ورياشي، م.س. ص660 ↑





