” الدوريات الإدارية الموجَّهة إلى الجماعات الترابية وإشكالية موقعها ضمن هرمية ال
هذا البحث منشور في مجلة القانون والأعمال الدولية — الإصدار رقم 63 الخاص بشهر أبريل 2026
رابط تسجيل الإصدار في DOI: https://doi.org/10.63585/WDCG8854
للنشر والاستعلام: mforki22@gmail.com | واتساب: 00212687407665

القانونية — ” الدوريات الإدارية الموجَّهة إلى الجماعات الترابية وإشكالية موقعها ضمن هرمية القواعد القانونية ” Administrative Circulars Addressed to Territorial Coll…
” الدوريات الإدارية الموجَّهة إلى الجماعات الترابية وإشكالية موقعها ضمن هرمية القواعد القانونية “
Administrative Circulars Addressed to Territorial Collectivities and the Problematic of Their Position within the Hierarchy of Legal Norms
الباحث:أيوب نشاط
باحث بسلك الدكتوراه، في القانون العام والعلوم السياسية جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس.
مختبر الدراسات القانونية والسياسية
ملخص:
تتناول هذه الورقة البحثية موضوع الدوريات الإدارية في النظام القانوني المغربي، مع التركيز على الدوريات الصادرة عن وزارة الداخلية والموجهة إلى الجماعات الترابية، وذلك في ضوء مبدأ الشرعية وهرمية القواعد القانونية. وتنطلق الدراسة من إشكالية مركزية تتمثل في التساؤل حول حدود الدور التفسيري والتوضيحي للدوريات الإدارية، ومدى تحولها، في بعض الممارسات، إلى وسائل تُحدث التزامات عملية قد تتجاوز الإطار القانوني المنظم لاختصاصات الجماعات الترابية.
وقد اعتمدت الورقة مقاربة تحليلية نقدية، من خلال تأصيل المفاهيم المرتبطة بالدوريات الإدارية وتحديد طبيعتها القانونية، ثم إبراز موقعها النظري داخل هرمية القواعد القانونية، قبل الانتقال إلى تحليل دوريات وزارة الداخلية باعتبارها آلية للتوجيه والتفسير الإداري، وما قد يترتب عن تجاوزها لوظيفتها التفسيرية من مساس بمبدأ المشروعية. كما تناولت الدراسة موقف القضاء الإداري والفقه القانوني من الإلزام العملي للدوريات، وحدود الرقابة المفروضة عليها.
وتخلص الورقة إلى أن الدوريات، رغم أهميتها في توحيد العمل الإداري وضمان حسن سير المرافق العمومية، لا يمكن أن تشكل مصدرًا مستقلًا للإلزام القانوني، مما يفرض ضرورة ضبط استعمالها وتعزيز رقابتها، ضمانًا لاحترام مبدأ الشرعية وحماية استقلالية القرار المحلي.
الكلمات المفتاحية:
الدوريات الإدارية
الجماعات الترابية
هرمية القواعد القانونية
مبدأ المشروعية
الإلزام الاداري
Abstract :
This research paper examines administrative circulars within the Moroccan legal system, with particular focus on those issued by the Ministry of Interior and addressed to territorial local authorities, in light of the principles of legality and hierarchy of legal norms. The study is grounded in a central research question concerning the limits of the interpretative function of administrative circulars and the extent to which, in practice, they may evolve into instruments that generate binding obligations beyond the established legal framework governing the powers of territorial local authorities.
The paper adopts an analytical and critical approach by first clarifying the concept of administrative circulars and determining their legal nature, then identifying their theoretical position within the hierarchy of legal norms. It subsequently analyzes circulars issued by the Ministry of Interior as mechanisms of administrative guidance and interpretation, highlighting the risks arising from their departure from a purely interpretative role and the potential infringement of the principle of legality. The study further examines the positions of administrative courts and legal doctrine regarding the practical binding effect of circulars and the limits of their legitimacy.
The paper concludes that, despite their practical importance in ensuring consistency in administrative action and the proper functioning of public services, administrative circulars cannot constitute an independent source of legal obligation. This underscores the need to regulate their use and strengthen judicial oversight in order to safeguard the principle of legality and protect local autonomy.
Keywords:
Administrative Circulars
Local Authorities
Hierarchy of Legal Norms
Principle of Legality
Administrative Obligation
مقدمة.
تقوم الدولة المغربية، باعتبارها دولة قانون، على مبدأ أساسي يتمثل في سمو القاعدة القانونية وخضوع جميع السلطات، بما فيها السلطة التنفيذية، لمقتضياتها، بما يضمن استقرار النظام القانوني وتحقيق الأمن القانوني. ويتجسد هذا المبدأ من خلال اعتماد هرمية القواعد القانونية التي تضع الدستور في قمتها، تليه القوانين التنظيمية ثم القوانين العادية، تم النصوص التنظيمية، وصولًا إلى القرارات الإدارية الفردية والتنظيمية، بما يمنع أي قاعدة أدنى من مخالفة قاعدة أعلى منها 1
وفي هذا الإطار، تضطلع الإدارة العمومية بدور محوري في تنفيذ القوانين وتنزيلها على أرض الواقع، وهو ما يفرض عليها، في كثير من الحالات، تفسير بعض المقتضيات القانونية والتنظيمية التي قد يشوبها الغموض أو تثير إشكالات تطبيقية. ولتحقيق هذا الغرض، تعتمد الإدارة على جملة من الآليات، من بينها الدوريات والمناشير والتعليمات الإدارية، التي تهدف أساسًا إلى توحيد الممارسة الإدارية وتوجيه المرؤوسين وضمان حسن تطبيق النصوص القانونية، دون أن ترقى – من حيث الأصل – إلى مرتبة القاعدة القانونية الملزمة.2
غير أن الممارسة الإدارية بالمغرب، ولا سيما في مجال تدبير شؤون الجماعات الترابية3، تكشف عن تكاثر ملحوظ للدوريات الصادرة عن الادارة المركزية4، والموجهة إلى المجالس الترابية ومصالحها. وقد أفرز هذا الواقع إشكالات قانونية دقيقة تتعلق بمدى احترام هذه الدوريات لمبدأ هرمية القواعد القانونية، وحدود دورها بين التفسير المشروع للنصوص القانونية من جهة، والتحول إلى وسيلة لإحداث إلزام إداري 5جديد أو فرض مساطر غير منصوص عليها تشريعيًا من جهة أخرى، الأمر الذي قد يمس بمبدأ التدبير الحر واستقلالية القرار المحلي6.
وانطلاقًا مما سبق، تطرح هذه الدراسة إشكالية محورية تتمثل في:
إلى أي حد تلتزم الدوريات الإدارية، سيما تلك الموجهة إلى الجماعات الترابية، بمبدأ هرمية القواعد القانونية؟
وهل تظل هذه الدوريات مجرد أدوات للتفسير والتوضيح، أم أنها تتحول أحيانًا، من خلال الممارسة إلى مصدر إلزام فعلي يوازي النص القانوني؟
وهي إشكالية تستدعي مقاربة قانونية تحليلية تستحضر الإطار الدستوري، والفقه الإداري، والاجتهاد القضائي، قصد الوقوف على حدود مشروعية الدوريات داخل النظام القانوني المغربي.
وذلك من خلال تقسيم هذا الدراسة الى ثلاث مباحث:
المبحث الأول: الإطار المفاهيمي والقانوني للدوريات في النظام القانوني المغربي.
المطلب الأول: مفهوم الدوريات وطبيعتها القانونية.
المطلب الثاني: مبدأ هرمية القوانين في النظام القانوني المغربي.
المطلب الثالث: الموقع النظري للدوريات ضمن هرمية القواعد القانونية.
المبحث الثاني: دوريات وزارة الداخلية الموجهة إلى الجماعات الترابية بين التفسير الإداري المشروع وتجاوز مبدأ هرمية القواعد القانونية.
المطلب الأول: الدوريات الموجهة للجماعات الترابية كآلية للتوضيح والتفسير الإداري.
المطلب الثاني: تجاوز الدوريات لوظيفتها التفسيرية.
المطلب الثالث: الإلزام العملي للدوريات وإشكالية المشروعية.
المبحث الثالث: الرقابة القضائية والفقهية على الدوريات وحدود مشروعيتها.
المطلب الأول: موقف القضاء الإداري من الدوريات.
المطلب الثاني: موقف الفقه القانوني من توسع دور الدوريات.
المطلب الثالث: آفاق ضبط استعمال الدوريات وتعزيز مشروعيتها في المجال الترابي.
المبحث الأول: الإطار المفاهيمي والقانوني للدوريات في النظام القانوني المغربي.
يقتضي تناول موضوع الدوريات الإدارية، في ارتباطه بمبدأ هرمية القواعد القانونية، الانطلاق أولًا من ضبطٍ دقيقٍ للمفاهيم المستعملة في التحليل، تفاديًا لكل خلطٍ منهجي بين القاعدة القانونية الملزمة، من جهة، والآليات الإدارية الداخلية التي تعتمدها الإدارة في تدبير المرافق العمومية، من جهة أخرى. ذلك أن غياب التمييز المفاهيمي الدقيق قد يؤدي، في كثير من الأحيان، إلى إضفاء طابع قانوني ملزم على أدوات إدارية لا ترقى، من حيث طبيعتها ووظيفتها، إلى مرتبة القاعدة القانونية، الأمر الذي ينعكس سلبًا على مبدأ المشروعية، ويُسهم في إرباك وضوح النظام القانوني واستقرار بنيانه المعياري.
ومن جهة أخرى، يُلاحظ أن الدوريات الإدارية في المغرب لا تحظى بتعريف قانوني صريح على مستوى النصوص التشريعية، إذ يقتصر التعاطي معها على إشارات وتحليلات ضمنية، ما يترك للممارس والباحث هامشًا واسعًا لفهم طبيعة هذه الأدوات ووظيفتها داخل النظام القانوني. وقد أكدت بعض الدراسات، مثل مقال الأستاذ محمد أمين بنعبد الله، على ضرورة التمييز بين الدوريات الداخلية، التي تُعتبر أدوات تنظيمية أو إدارية، وبين القواعد القانونية الملزمة، مؤكدًا أن الاعتماد على الدوريات وحدها لا يمكن أن يُسند إلزامية قانونية إلا إذا تمت ترجمتها إلى قرارات أو نصوص تنظيمية رسمية7.
كما أن العلاقة بين الدوريات ومبدأ هرمية القواعد القانونية تستدعي فهم أن الدوريات تقع في مرتبة أدوات توجيهية داخلية، أي أنها أدوات إدارية لتنفيذ السياسة العامة وليست مصدرًا للقانون بنفسه. ومن ثم، فإن أي إدعاء بوجود قاعدة قانونية ملزمة منسوبة مباشرة للدوريات دون نص تشريعي صريح يمثل انحرافًا منهجيًا يمكن أن يمس وضوح النظام القانوني، ويضعف مبدأ المشروعية الذي يضمن سلامة سير الإدارة وحقوق الأفراد.
وفي هذا السياق، تبرز ضرورة تمييز الدوريات عن باقي أدوات العمل الإداري، كالمناشير والمذكرات والتعليمات، من حيث طبيعتها ووظيفتها وآثارها القانونية. فالدورية، في أصلها، تُعد وسيلة داخلية لتوجيه المرؤوسين وتوحيد العمل الإداري، ولا يُفترض أن تُنشئ قواعد عامة أو التزامات جديدة، بخلاف القرارات الإدارية التنظيمية التي تصدر في إطار السلطة التنظيمية المخولة قانونًا للإدارة. كما أن الإدارة غالبًا ما تخلط بين الدوريات وأدوات أخرى، ومن بينها المنشورات، التي يختلط استخدامها مع وثائق إدارية كثيرة تُستعمل في التواصل الداخلي، سواء بين مصالح الإدارة المركزية نفسها أو بينها وبين مصالحها الخارجية، ومنها التعليمات والتوجيهات ومذكرات المصلحة وغيرها، مما يبرز الحاجة إلى تمييز دقيق بين الأدوات المختلفة لضمان وضوح دور كل واحدة في البناء القانوني. كمثال، قد يعتقد بعض الموظفين أن الالتزام يأتي مباشرة من الدورية أو المنشور، في حين أن القوة الإلزامية الرسمية تستند فقط إلى نص أو قرار تنظيمي. ويشكل هذا التمييز مدخلًا أساسيًا لفهم حدود الدوريات وموقعها داخل البناء القانوني، قبل الانتقال إلى تحليل مدى احترامها لمبدأ هرمية القواعد القانونية في الممارسة العملية8.
المطلب الأول: مفهوم الدوريات وطبيعتها القانونية.
تُعدّ الدوريات الإدارية من بين الأدوات التي تعتمدها الإدارة العمومية في تنظيم سير العمل داخل أجهزتها، وتوحيد أساليب تطبيق النصوص القانونية والتنظيمية. ويُعرّفها الفقه الإداري باعتبارها أعمالًا إدارية داخلية9 تصدر عن سلطة رئاسية بقصد توجيه المرؤوسين وشرح كيفية تنفيذ القوانين والأنظمة، دون أن يكون هدفها إنشاء قواعد قانونية جديدة أو تعديل مضمون القواعد القائمة. ومن ثمّ، فإن الدورية تستمد وجودها ووظيفتها من النص القانوني أو التنظيمي الذي تُفسّره، ولا يمكن اعتبارها مصدرًا مستقلًا للقاعدة القانونية.
وانطلاقًا من وظيفتها، يميز الفقه بين عدة أنواع من الدوريات؛ فهناك الدوريات التفسيرية التي تقتصر على شرح النصوص القانونية والتنظيمية القائمة وتوضيح كيفية تطبيقها، دون إضافة أو تعديل، وهي التي تنسجم أكثر مع مبدأ المشروعية. في المقابل، تظهر أحيانًا دوريات ذات طابع تنظيمي تتضمن مقتضيات عامة ومجردة من شأنها إحداث التزامات جديدة أو فرض مساطر غير منصوص عليها قانونًا، وهو ما يجعلها محل إشكال من زاوية احترام مبدأ هرمية القواعد القانونية. وإلى جانب ذلك، توجد الدوريات التوجيهية التي تهدف أساسًا إلى توحيد الممارسة الإدارية وتنظيم العمل الداخلي، دون أن تمس بالمراكز القانونية أو تُنشئ آثارًا قانونية ملزمة.10
رغم اختلاف التسميات بين الدوريات والمناشير والمذكرات والتعليمات الإدارية، فإن هذه الأدوات تتسم بطبيعة داخلية موجهة أساسًا إلى الموظفين والمصالح الإدارية، دون مخاطبة العموم مباشرة. وتكمن وظيفتها في تنظيم سير العمل الإداري وضمان تطبيق السياسات العمومية بما يحقق الانسجام والاتساق داخل المرافق العمومية، مع الحفاظ على وضوح التعليمات وتوحيد التوجهات الإدارية. وهذه الأدوات، عادةً، لا تُنشر في الجريدة الرسمية، ومن ثم لا تكتسب، من حيث الأصل، قوة إلزامية قانونية. غير أن تجاوز هذه الأدوات لوظيفتها التفسيرية أو التوضيحية والتوجيهية إلى إحداث أثر قانوني يمس حقوقًا أو التزامات محددة للمخاطبين بها، كما هو الحال عند تحديد واجبات أو إجراءات ملزمة للموظفين، قد يترتب عليه اكتسابها طبيعة إلزامية داخليًا، وربما آثار قانونية خارجية إذا ترتب عنها التزامات محسوسة على المخاطبين.
وتتجلى الخصائص العامة للدورية في طابعها الداخلي، وكونها غير منشورة، وموجّهة إلى المخاطب الإداري داخل الجهاز الإداري، فضلًا عن ارتباط مشروعيتها بمدى احترامها للنصوص القانونية والتنظيمية الأعلى منها. وبذلك، تظل الدورية أداة تنظيمية داخلية يقتصر دورها على التفسير والتوجيه، ويظل أي خروج لها عن هذا الإطار مساسًا بمبدأ المشروعية وهرمية القواعد القانونية.
المطلب الثاني: مبدأ هرمية القوانين في النظام القانوني المغربي.
يُعدّ مبدأ هرمية القوانين أحد الدعائم الجوهرية التي يقوم عليها النظام القانوني المغربي، باعتباره تجسيدًا عمليًا لمبدأ سمو القاعدة القانونية وخضوع جميع السلطات العمومية، تشريعية كانت أو تنفيذية أو قضائية، لأحكام القانون. ويهدف هذا المبدأ إلى ضمان انسجام المنظومة القانونية ووحدتها، ومنع التضارب بين النصوص، من خلال إخضاع كل قاعدة قانونية لرقابة القاعدة الأعلى منها مرتبة. وقد كرس دستور 2011 هذا المبدأ بشكل صريح، حين نص على أن القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، وأن الجميع، أشخاصًا ذاتيين أو اعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية، ملزمون بالامتثال له، وهو ما يؤسس لشرعية النظام القانوني برمته 11
ويترتب عن هذا الأساس الدستوري اعتماد تدرج هرمي للقواعد القانونية داخل النظام القانوني المغربي، يتربع فيه الدستور على قمة الهرم باعتباره المرجع الأعلى الذي تستمد منه باقي القواعد مشروعيتها. وتليه المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي يصادق عليها المغرب طبقًا للفصل 55 من الدستور، شريطة ملاءمتها مع أحكامه، ثم القوانين التنظيمية التي تشكل إطارًا قانونيًا خاصًا لتنظيم السلطات والمؤسسات الدستورية والجماعات الترابية، وتليها القوانين العادية الصادرة عن السلطة التشريعية. وفي مرتبة أدنى، تأتي المراسيم التنظيمية التي تصدرها السلطة التنفيذية في إطار ممارسة اختصاصها التنظيمي، ثم القرارات التنظيمية التي تصدرها السلطات الإدارية المركزية أو اللاممركزة لتنفيذ القوانين والمراسيم. ويقتضي هذا التدرج أن تظل كل قاعدة أدنى منسجمة في مضمونها مع القواعد الأعلى، وألا تتجاوز حدودها الموضوعية أو الشكلية، تحت طائلة عدم المشروعية 12
وفي هذا الإطار، تحتل قرارات الجماعات الترابية موقعًا محددًا داخل هذا البناء الهرمي، باعتبارها تصدر عن هيئات منتخبة تمارس اختصاصاتها في إطار القوانين التنظيمية المؤطرة لها. ورغم ما أقره دستور 2011 من مبدأ التدبير الحر، فإن ممارسة هذا المبدأ لا تعني الانفلات من مبدأ المشروعية13، إذ تظل قرارات الجماعات الترابية، سواء كانت تنظيمية أو فردية، خاضعة لاحترام القوانين والمراسيم والنصوص التنظيمية الأعلى منها، كما تبقى محل رقابة القضاء الإداري الذي يملك سلطة إلغائها متى ثبت تعارضها مع قاعدة قانونية أسمى. ويعكس ذلك أن اللامركزية الترابية، مهما اتسع مجالها، تظل محكومة بمنطق الدولة الموحدة وباحترام التراتبية القانونية 14
ومن جهة أخرى، يطرح مبدأ هرمية القوانين إشكالية دقيقة تتعلق بـ حدود تدخل السلطة التنفيذية في تفسير النصوص القانونية. فبينما يُعد التفسير الإداري ضرورة عملية لتمكين الإدارة من تنفيذ القوانين وضمان توحيد تطبيقها، فإن هذا الدور يظل مقيدًا بعدم المساس باختصاص المشرّع أو تعديل مضمون القاعدة القانونية. وعليه، لا يجوز للإدارة، عبر الدوريات أو المناشير، أن تستعيض عن النص التشريعي أو التنظيمي بنصوص موازية تفرض التزامات جديدة أو تُقيد حقوقًا مقررة قانونًا، لأن في ذلك مساسًا صريحًا بمبدأ سمو القانون وخرقًا لهرمية القواعد القانونية. ومن ثم، يشكل احترام هذه الحدود معيارًا أساسيًا للتمييز بين التفسير الإداري المشروع والانحراف في استعمال السلطة التنظيمية.
المطلب الثالث: الموقع النظري للدوريات ضمن هرمية القواعد القانونية.
يثير تحديد الموقع النظري للدوريات الإدارية داخل هرمية القواعد القانونية إشكالًا مركزيًا في الفقه الإداري، يتعلق بمدى إمكانية اعتبار هذه الدوريات مصدرًا من مصادر المشروعية، أو مجرد أداة تنفيذية داخلية تفتقد للقيمة القانونية المستقلة. وقد استقر الفقه الإداري، المغربي والمقارن، على أن مصادر المشروعية تنحصر في القواعد القانونية المكتوبة، المتمثلة في الدستور، والمعاهدات الدولية المصادق عليها، والقوانين، ثم النصوص التنظيمية الصادرة عن السلطة التنفيذية في إطار اختصاصها، دون أن تشمل الأعمال الإدارية الداخلية، وفي مقدمتها الدوريات، التي لا تتوفر على الخصائص الجوهرية للقاعدة القانونية، من حيث العمومية والتجريد والقوة الإلزامية العامة 15
وفي هذا الإطار، يلاحظ أن الدوريات تغيب تمامًا عن التدرج الرسمي للقواعد القانونية المعتمد في النظام القانوني المغربي، سواء على المستوى الدستوري أو التشريعي. فالدستور، وهو المرجع الأعلى، لا يدرجها ضمن أصناف القواعد القانونية، كما أن القوانين التنظيمية والعادية لا تمنحها أي قيمة معيارية مستقلة. ويؤكد هذا الغياب أن الدوريات لا تشكل حلقة ضمن السلم الهرمي للقواعد القانونية، بل تظل خارج هذا البناء، ولا تستمد مشروعيتها إلا من كونها مرتبطة بنص قانوني أو تنظيمي أعلى تسعى إلى تفسيره أو توضيح كيفية تطبيقه 16
وانطلاقًا من ذلك، تُعدّ الدوريات، من الناحية النظرية، أداة إدارية داخلية تصدر في إطار السلطة الرئاسية، وتهدف إلى تنظيم العمل داخل المرفق العام وتوجيه المرؤوسين، دون أن ترقى إلى مرتبة القاعدة القانونية الملزمة. فهي لا تخاطب العموم، ولا تُنشر في الجريدة الرسمية، ولا تُنشئ، من حيث الأصل، حقوقًا أو التزامات قانونية تجاه الغير. ويترتب عن هذا الوصف أن الدورية لا يمكن الاحتجاج بها كمصدر مستقل للمشروعية، ولا يجوز للإدارة أن تستند إليها لتبرير قرارات تمس بالمراكز القانونية للأفراد أو الهيئات، ما لم تكن مجرد ترجمة أمينة لمقتضيات قانونية أو تنظيمية قائمة.
ويُعزّز هذا التحديد النظري ما ذهب إليه جانب من الفقه المعاصر، الذي نبّه إلى أن خطورة الدوريات لا تكمن في طبيعتها الداخلية في حد ذاتها، وإنما في تحولها، بفعل الممارسة الإدارية، إلى أدوات ذات وظيفة تنظيمية فعلية عندما تتضمن توجيهات آمرة أو قواعد عامة تُفرض على الإدارات دون سند تشريعي أو تنظيمي صريح، وهو ما يجعلها تمارس دورًا معياريًا غير معلن يمس بشكل غير مباشر بمبدأ هرمية القواعد القانونية17
وفي هذا السياق، يؤكد الفقه الإداري المغربي، من خلال التحليل الذي قدمه محمد أمين بنعبد الله للطبيعة القانونية للدورية، أن هذه الأخيرة تظل عملاً إداريًا داخليًا لا يجوز أن تُرتّب آثارًا قانونية مستقلة عن النصوص القانونية أو التنظيمية التي تُفَسِّرها، ولا يمكن الاحتجاج بها متى تجاوزت وظيفة التوضيح إلى فرض التزامات أو تقييد أوضاع قانونية لم ينص عليها المشرّع أو السلطة التنظيمية المختصة، معتبراً أن أي خروج عن هذا الإطار يُشكل مساسًا صريحًا بمبدأ المشروعية وبقاعدة تدرج القواعد القانونية.18
خلال الممارسة العملية، يتضح أن الدوريات الإدارية، رغم كونها أدوات توجيهية داخلية، غالبًا ما تتجاوز موقعها الطبيعي، خصوصًا في القطاعات ذات التدخل الإداري المكثف كالجماعات الترابية. فالتكرار المستمر لهذه الدوريات وطبيعة صياغتها يجعلها أحيانًا ذات أثر إلزامي فعلي، إذ تُفرض بمقتضاها مساطر أو قيود لم ينص عليها القانون صراحة. يمكن اعتبار هذا الوضع بمثابة ما يُعرف بـ”التشريع الإداري غير المعلن19“، وهو يشكل انحرافًا عن مبدأ هرمية القواعد القانونية، حيث تصبح قاعدة أدنى أو وثيقة إدارية داخلية قادرة على حل محل قاعدة قانونية أعلى دون سند دستوري أو تشريعي. ومن هذا المنطلق، يظهر أن تجاوز الدوريات لموقعها الطبيعي يشكل خطرًا على مبدأ المشروعية ويبرز الدور الحاسم للقضاء الإداري في ضبط هذه الانزلاقات وحماية الشرعية القانونية.
المبحث الثاني: دوريات وزارة الداخلية الموجهة إلى الجماعات الترابية بين التفسير الإداري المشروع وتجاوز مبدأ هرمية القواعد القانونية.
تتمتع الجماعات الترابية في النظام الدستوري المغربي بوضعية قانونية خاصة، قوامها الجمع بين الطابع اللامركزي ومبدأ وحدة الدولة، وهو ما يجعلها خاضعة لإطار قانوني دقيق تؤطره القوانين التنظيمية الصادرة تنفيذًا لأحكام دستور 2011. فرغم ما أقره الدستور من مبدأ التدبير الحر، فإن ممارسة الجماعات الترابية لاختصاصاتها تظل محكومة باحترام القواعد القانونية الأعلى منها مرتبة، سواء تعلق الأمر بالقوانين التنظيمية أو بالقوانين العادية أو بالنصوص التنظيمية الصادرة عن السلطة التنفيذية، فضلًا عن خضوع أعمالها لمراقبة القضاء الإداري في إطار مبدأ المشروعية 20
وفي هذا السياق، تبرز وزارة الداخلية باعتبارها الفاعل المركزي في تأطير عمل الجماعات الترابية، سواء من خلال ممارسة المراقبة الإدارية أو عبر مواكبة تنزيل القوانين التنظيمية. وقد أدى هذا الدور إلى كثافة ملحوظة في إصدار الدوريات الموجهة إلى المجالس الترابية ومصالحها، بهدف توحيد الممارسة الإدارية، وتفسير المقتضيات القانونية الجديدة، وتجاوز الصعوبات التطبيقية التي تطرحها النصوص التنظيمية. غير أن تعدد هذه الدوريات وتوسع نطاقها يثير تساؤلات قانونية دقيقة حول حدود وظيفتها التفسيرية، ومدى احترامها لمبدأ هرمية القواعد القانونية، خاصة عندما تتحول من مجرد توجيه إداري إلى أداة ذات أثر إلزامي فعلي تمس باختصاصات الجماعات الترابية أو تُحدث التزامات غير منصوص عليها تشريعياً.
ومن ثم، يشكل هذا الواقع مدخلًا لتحليل التمييز بين التفسير الإداري المشروع الذي يندرج في إطار تنفيذ القوانين، والتجاوز عن مبدأ هرمية القواعد القانونية عندما تتجاوز الدوريات حدودها النظرية، وهو ما يقتضي الوقوف على طبيعة هذه الدوريات، وأسباب كثافتها، وآثارها القانونية على عمل الجماعات الترابية.
المطلب الأول: الدوريات الموجهة للجماعات الترابية كآلية للتوضيح والتفسير الإداري.
تندرج الدوريات الصادرة عن وزارة الداخلية والموجّهة إلى الجماعات الترابية، من حيث الأصل، ضمن آليات التفسير الإداري المشروع التي تعتمدها الإدارة المركزية لمواكبة تنزيل النصوص القانونية والتنظيمية المؤطرة للتدبير الترابي. وتتمثل الغاية المعلنة من إصدار هذه الدوريات في تسهيل فهم المقتضيات القانونية الجديدة، وتوضيح كيفية تطبيقها عمليًا من طرف المجالس الترابية ومصالحها الإدارية، خاصة في ظل الطابع التقني والمعقّد الذي يميز عددًا من القوانين التنظيمية، وما يرتبط بها من مراسيم تطبيقية. ومن ثمّ، تُقدَّم هذه الدوريات باعتبارها وسيلة مساعدة على تنفيذ القانون، لا أداة بديلة عنه أو موازية له.
وفي هذا الإطار، تؤدي الدوريات الموجهة إلى الجماعات الترابية دورًا مهمًا في توحيد الممارسة الإدارية على المستوى الوطني، إذ تسعى إلى الحد من التفاوت في تأويل النصوص القانونية بين مختلف الجماعات أو بين المصالح اللاممركزة، بما يضمن قدرًا من الانسجام في تدبير الشأن المحلي. فغياب التوجيه المركزي قد يؤدي إلى تعدد القراءات القانونية، وهو ما ينعكس سلبًا على مبدأ المساواة بين الجماعات الترابية وعلى استقرار المعاملات الإدارية. ومن هنا، تُقدَّم الدورية كأداة لتوحيد الفهم القانوني داخل الإدارة الترابية، في احترام للإطار التشريعي والتنظيمي القائم.
كما تضطلع الدوريات بوظيفة أساسية تتمثل في تفسير الغموض التشريعي الذي قد يكتنف بعض المقتضيات القانونية، سواء تعلق الأمر بتحديد نطاق الاختصاصات الذاتية أو المشتركة للجماعات الترابية او تلك المنقولة اليها من طرف الدولة، أو بضبط المساطر الواجب اتباعها في مجالات دقيقة كالتدبير المالي، أو إعداد الميزانيات، أو اتخاذ القرارات التنظيمية المحلية. ففي هذه الحالات، تتدخل الإدارة المركزية لتقديم قراءة تفسيرية للنص، تهدف إلى تسهيل تطبيقه وتفادي التأويلات المتناقضة، شريطة أن يظل هذا التفسير في حدود النص القانوني وألا يتجاوزه إلى إضافة شروط أو التزامات جديدة.
ويضاف إلى ذلك دور الدوريات في ضمان حسن تطبيق القوانين التنظيمية، من خلال ربطها بالمراسيم والنصوص التنظيمية الصادرة تنفيذًا لها، وتوضيح العلاقة بين مختلف المستويات القانونية المؤطرة للتدبير الترابي. إذ تسعى بعض الدوريات إلى بيان كيفية التوفيق بين مقتضيات القانون التنظيمي والنصوص التنظيمية المكملة له، بما يسمح بتنزيل متناسق للقانون في الواقع العملي، ويُجنب الجماعات الترابية الوقوع في أخطاء إجرائية أو قانونية قد تعرض قراراتها للإلغاء القضائي21.
وتتجلى الوظيفة التفسيرية المشروعة لهذه الدوريات بوضوح في الحالات التي تكتفي فيها الإدارة بـ شرح مقتضيات قانونية قائمة أو تفسير مواد واردة في مراسيم تطبيقية، دون أن تُحدِث أي تعديل في مضمونها أو توسّع في نطاقها. ومن أمثلة ذلك الدوريات التي تشرح كيفية إعداد الميزانيات المحلية طبقًا لمقتضيات القوانين التنظيمية، أو تلك التي توضح مساطر المصادقة على بعض المقررات الجماعية استنادًا إلى نصوص تنظيمية صريحة. ففي هذه الحالات، تظل الدورية أداة تفسير وتوجيه داخلي، لا تُنشئ أثرًا قانونيًا مستقلًا، وتنسجم مع مبدأ المشروعية واحترام هرمية القواعد القانونية.
غير أن سلامة هذا الدور تبقى رهينة باحترام الدورية لحدودها الوظيفية، إذ إن أي خروج عن إطار التفسير والتوضيح من شأنه أن يُحوّلها من آلية مساعدة على تنفيذ القانون إلى أداة ذات طابع إلزامي فعلي، وهو ما يطرح إشكالات قانونية سيتم تناولها في المطلب الموالي.
المطلب الثاني: تجاوز الدوريات لوظيفتها التفسيرية.
إذا كانت الدوريات الإدارية تُقدَّم، من حيث الأصل، كوسيلة تقنية لمساعدة الإدارة على تفسير النصوص القانونية والتنظيمية وتوحيد أساليب تطبيقها، فإن الواقع العملي يُبرز بوضوح أن هذه الأداة قد تعرف، في عدد من الحالات، انحرافًا عن وظيفتها التفسيرية، لتتحول إلى وسيلة لإنتاج قواعد سلوكية ملزمة دون المرور عبر القنوات الدستورية والتشريعية المقررة. ويظهر هذا الانحراف أساسًا من خلال الانتقال التدريجي من مجرد شرح النصوص إلى إحداث التزامات جديدة أو فرض مساطر إجرائية إضافية لا تستند إلى أي مقتضى تشريعي أو تنظيمي صريح، وهو ما يشكل مساسًا مباشرًا بمبدأ المشروعية وخرقًا لمبدأ هرمية القواعد القانونية22
ويتجلى هذا التحول بوضوح في بعض الدوريات الموجهة إلى الجماعات الترابية بأصنافها الثلاث، حيث يتم إدراج توجيهات تفصيلية تُفرض على المجالس الترابية ومصالحها الإدارية باعتبارها شروطًا لازمة لصحة القرارات أو لقبول الملفات أو لممارسة بعض الاختصاصات. ففي مثل هذه الحالات، لا تكتفي الدورية بتفسير النص القانوني أو بيان كيفية تطبيقه، بل تتدخل لإعادة تنظيم المجال القانوني ذاته، من خلال إضافة مقتضيات لم ينص عليها المشرّع، أو من خلال تضييق نطاق الاختصاصات التي خولتها القوانين التنظيمية التي تخص الجماعات الترابية. ويؤدي هذا الأسلوب إلى خلق التزامات واقعية جديدة تُمارَس في الحياة الإدارية اليومية، دون أن يكون لها سند قانوني واضح، وهو ما يجعل الدورية أقرب إلى قرار تنظيمي مقنّع منها إلى مجرد عمل تفسيري.
ومن أخطر مظاهر هذا الانحراف ما يتمثل في تقييد اختصاصات الجماعات الترابية تحت غطاء التوجيه الإداري. فبدل أن تُمارس الجماعات اختصاصاتها الذاتية في إطار القوانين التنظيمية وبحرية تقديرية، تجد نفسها مقيدة بسلسلة من الدوريات التي تُحدّد لها، بشكل دقيق، كيفية اتخاذ القرار، أو مضمون المقررات، أو ترتيب الأولويات، مما يؤدي إلى تقليص هامش الاجتهاد المحلي، وإلى تحويل مبدأ التدبير الحر إلى مجرد مبدأ شكلي. كما يظهر خرق هرمية القوانين أيضًا من خلال تعديل مضمون القاعدة القانونية بشكل غير مباشر، حين يُعاد تفسير النص القانوني على نحو يُغيّر مقصده أو يوسّع من نطاق القيود التي يفرضها، دون أن يصدر أي تعديل تشريعي رسمي.
ويعزّز الفقه المقارن هذا التشخيص، حيث أظهرت دراسات حديثة أن الدوريات الإدارية قد تتحول، خاصة في سياقات الأزمات والاستثناء، إلى أدوات ذات وظيفة معيارية فعلية، تُستعمل لفرض قواعد والتزامات عامة خارج الإطار التشريعي والتنظيمي المعتاد. وفي هذا السياق، بيّن Alessandro Cattellani، من خلال تحليله للدوريات الصادرة خلال جائحة كوفيد-19، أن الإدارة لجأت إلى التعليمات الإدارية باعتبارها بديلاً عمليًا للتشريع، وهو ما أفرز إشكالات جدية على مستوى احترام مبدأ الشرعية وتدرج القواعد القانونية، بالنظر إلى ما تولّده هذه الدوريات من آثار إلزامية واقعية دون سند قانوني صريح.23
ويزداد هذا الوضع تعقيدًا حين تتحول الدوريات إلى أداة لفرض الأمر الواقع الإداري، حيث تكتسب قوة إلزامية عملية ناتجة عن طبيعة العلاقة العمودية بين الإدارة المركزية والجماعات الترابية. فالإلزام هنا لا ينبع من القيمة القانونية للدورية، بل من واقع إداري يتسم بعدم تكافؤ مراكز القوة، وبخشية الجماعات الترابية من تعطيل مصالحها أو رفض التأشير على مقرراتها أو إثارة مسؤولياتها الإدارية والمالية. وبهذا المعنى، يتشكل نوع من “الإلزام الإداري الواقعي” الذي ينافس الإلزام القانوني، ويجعل من الدورية قاعدة سلوكية واجبة التطبيق بحكم الواقع، لا بحكم القانون.
وتترتب عن هذا الانحراف آثار خطيرة على مستوى النظام القانوني، إذ يؤدي إلى إضعاف دور المشرّع، وإلى توسيع غير مشروع لاختصاص السلطة التنفيذية، كما يُهدد مبدأ الأمن القانوني من خلال خلق قواعد غير واضحة المصدر وغير خاضعة لآليات النشر والرقابة المقررة للقاعدة القانونية. ومن ثمّ، فإن استمرار هذا الوضع يفتح المجال أمام تضخم السلطة التنظيمية للإدارة على حساب القواعد التشريعية، وهو ما يفرض تدخل القضاء الإداري للتمييز بين التفسير المشروع والإنشاء غير المشروع، وإعادة ضبط حدود استعمال الدوريات بما يضمن احترام مبدأ المشروعية وهرمية القواعد القانونية.
المطلب الثالث: الإلزام العملي للدوريات وإشكالية المشروعية.
يثير تطبيق الدوريات الإدارية في الواقع العملي، رغم ضعف سندها القانوني، إشكالًا جوهريًا يتعلق بمصدر إلزامها وحدود مشروعيتها. فبالرغم من أن الدوريات، من حيث طبيعتها القانونية، لا تُعد قواعد ملزمة للغير ولا تندرج ضمن مصادر المشروعية، فإنها تُطبَّق فعليًا داخل الإدارة الترابية وكأنها قواعد واجبة الاحترام. ويُفسَّر هذا الواقع بعدة عوامل، في مقدمتها حاجة الإدارة إلى توحيد الممارسة الإدارية وضمان الانسجام في تطبيق النصوص، إضافة إلى التخوف من تعدد التأويلات القانونية وما قد يترتب عنه من تضارب في القرارات المحلية. غير أن هذه الاعتبارات العملية، على أهميتها، لا يمكن أن تُبرر إضفاء قوة إلزامية واقعية على أدوات تفتقر إلى السند التشريعي أو التنظيمي الصريح.
وتتجلى هذه الإشكالية بشكل أوضح عند تحليل علاقة السلطة الرئاسية بالإدارة الترابية، حيث تظل الجماعات الترابية، رغم تمتعها بالشخصية المعنوية والاستقلال الإداري والمالي، مرتبطة بعلاقات عمودية مع السلطة المركزية، تمارس من خلالها هذه الأخيرة أدوار التوجيه والمواكبة والمراقبة. وفي هذا الإطار، تكتسب الدوريات قوة تنفيذية عملية نابعة من موقع الجهة المصدرة لها، وليس من قيمتها القانونية. فامتثال الجماعات الترابية لمضامين هذه الدوريات غالبًا ما يكون مدفوعًا بالخشية من تعطيل التأشير على المقررات، أو إثارة المسؤولية الإدارية أو المالية، أو التعرض لملاحظات أجهزة المراقبة، وهو ما يجعل العلاقة الرئاسية عاملًا حاسمًا في تكريس الإلزام العملي للدورية.
ويؤدي هذا الوضع إلى خلط واضح بين الإلزام الإداري والإلزام القانوني، حيث يتم التعامل مع الدورية باعتبارها قاعدة ملزمة بحكم الواقع، رغم أنها لا تستوفي شروط القاعدة القانونية من حيث المصدر أو الشكل أو النشر. فالإلزام الإداري، في هذه الحالة، ينبع من موازين القوة داخل الجهاز الإداري ومن منطق الامتثال للتوجيهات الرئاسية، في حين أن الإلزام القانوني يفترض وجود نص قانوني أو تنظيمي صادر وفق المساطر الدستورية المحددة. ويُعد هذا الخلط من أخطر مظاهر المساس بمبدأ المشروعية، لأنه يسمح بإنتاج قواعد فعلية خارج الإطار القانوني الرسمي، ويُضعف دور القانون كمصدر وحيد للإلزام.
وتنعكس هذه الممارسة سلبًا على عدة مبادئ دستورية وتنظيمية، في مقدمتها مبدأ التدبير الحر، الذي يفترض تمكين الجماعات الترابية من هامش حقيقي لاتخاذ القرار في حدود القانون. كما يؤدي الإلزام العملي للدوريات إلى تقويض استقلالية القرار المحلي، حين تُفرَض توجيهات تفصيلية تُحدّد مضمون القرارات ومساطر اتخاذها، دون سند تشريعي. ويُضاف إلى ذلك المساس بـ الأمن القانوني للجماعات الترابية، إذ تُصبح القواعد المطبقة غير واضحة المصدر وغير مستقرة، وقابلة للتغيير بتغير التوجيهات الإدارية، مما يخلق حالة من عدم اليقين القانوني ويُضعف الثقة في الإطار القانوني المؤطر للتدبير المحلي.
ومن ثمّ، فإن معالجة إشكالية الإلزام العملي للدوريات تقتضي إعادة التمييز الصارم بين ما هو توجيه إداري مشروع وما هو إلزام قانوني، وتعزيز دور القضاء الإداري في ضبط حدود مشروعية الدوريات، بما يضمن احترام هرمية القواعد القانونية وحماية مبادئ التدبير الحر والأمن القانوني داخل الجماعات الترابية.
المبحث الثالث: الرقابة القضائية والفقهية على الدوريات وحدود مشروعيتها.
يُعدّ القضاء الإداري الآلية الأساسية لضمان احترام مبدأ المشروعية داخل النظام القانوني المغربي24، باعتباره الجهة المختصة بمراقبة تصرفات الإدارة والتحقق من مدى مطابقتها للقواعد القانونية الأعلى منها مرتبة. وتكتسي هذه الرقابة أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بالدوريات الإدارية، بالنظر إلى طبيعتها الإشكالية التي تتأرجح بين كونها أعمالًا داخلية غير قابلة للطعن، وبين تحولها، في بعض الحالات، إلى أدوات ذات أثر قانوني فعلي تمس بالمراكز القانونية للأفراد أو الهيئات، وهو ما يستدعي تدخل القاضي الإداري لحماية سمو القانون ومنع انحراف الإدارة عن اختصاصاتها.
وفي هذا السياق، يضطلع القضاء الإداري بدور محوري في ضبط حدود مشروعية الدوريات، من خلال التمييز بين الدوريات التي تقتصر على التفسير والتوجيه الداخلي، وتلك التي تتجاوز هذا الإطار لتُنشئ التزامات جديدة أو تُقيد حقوقًا مقررة قانونًا. وقد أسهم هذا الدور القضائي في تكريس مبدأ خضوع الإدارة، بجميع أعمالها، لرقابة المشروعية، ومنع استعمال الدوريات كوسيلة للالتفاف على القواعد التشريعية والتنظيمية أو لتوسيع غير مشروع لاختصاص السلطة التنفيذية. وبذلك، يشكل تدخل القضاء الإداري ضمانة أساسية لحماية هرمية القواعد القانونية وصون التوازن بين مقتضيات الفعالية الإدارية واحترام الشرعية القانونية 25
المطلب الأول: موقف القضاء الإداري من الدوريات.
اضطلع القضاء الإداري المغربي بدور محوري في ضبط الطبيعة القانونية للدوريات الإدارية وتحديد حدود مشروعيتها، في ظل الإشكالات العملية التي أفرزها توسّع الإدارة في استعمال هذه الأداة. وقد انطلق القاضي الإداري من مبدأ أساسي مفاده أن العبرة ليست بتسمية العمل الإداري، وإنما بمضمونه وآثاره القانونية، وهو ما مكّنه من التمييز بين الدوريات التي تظل في إطار التفسير والتوجيه الداخلي، وتلك التي تتجاوز هذا الإطار لتؤدي وظيفة تنظيمية فعلية. فالدورية التفسيرية، في نظر القضاء، تقتصر على شرح النصوص القانونية والتنظيمية وتوضيح كيفية تطبيقها، دون أن تضيف مقتضيات جديدة أو تُعدّل مضمون القاعدة القانونية، وتظل بالتالي عملاً داخليًا غير قابل للطعن.
في المقابل، اعتبر القضاء الإداري أن ما يُسمّى بـ الدورية التنظيمية “المقنّعة “يشكل انحرافًا عن الوظيفة الأصلية للدورية، متى تضمّنت مقتضيات عامة ومجردة من شأنها إحداث التزامات جديدة أو فرض مساطر غير منصوص عليها قانونًا. ففي هذه الحالة، لا يعود الأمر متعلقًا بتفسير النص، بل بإعادة تنظيم المجال القانوني خارج الإطار الذي حدده المشرّع أو السلطة التنظيمية المختصة. وقد تعامل القاضي الإداري مع هذا النوع من الدوريات باعتباره قرارًا إداريًا تنظيميًا يخضع لرقابة المشروعية، حمايةً لمبدأ هرمية القواعد القانونية ومنعًا للإدارة من الالتفاف على القواعد الدستورية المنظمة لاختصاصات السلطات.
وفي هذا الإطار، عزّز الفقه القضائي المغربي هذا التوجه من خلال تحليل الاجتهادات الصادرة عن المجلس الاعلى، حيث بيّن محمد أمين بنعبد الله، في تعليقه على قرار الغرفة الإدارية بالمجلس الاعلى الصادر بتاريخ 5 يونيو 2003، في قضية الجماعة الحضرية لعين السبع ضد مصدق حبيبة. أن الدورية التي تتجاوز مجرد تفسير النصوص إلى فرض مقتضيات جديدة أو تعديل شروط تطبيقها، تفقد طبيعتها كعمل داخلي، وتُعامل كقرار إداري قابل للطعن، مؤكّدًا أن الاحتجاج بدورية لا تستند إلى أساس تنظيمي صريح يُعد إخلالًا بمبدأ المشروعية وتجاوزًا لقاعدة تدرج القواعد القانونية26
ويجد هذا التوجه القضائي ما يدعمه في الفقه المقارن الحديث، حيث بيّن أحمد بن سليمان الفراج أن القضاء الإداري لم يعد يتعامل مع المنشورات الإدارية باعتبارها أعمالًا داخلية محصّنة من الرقابة، بل أصبح يُخضعها للفحص القضائي متى ترتب عنها أثر قانوني أو مست بالمراكز القانونية، معتبرًا أن معيار الأثر القانوني يظل الفيصل في تحديد طبيعتها القانونية وقابليتها للطعن، ضمانًا لاحترام مبدأ المشروعية وتدرج القواعد القانونية 27
وانطلاقًا من هذا التمييز، أقرّ القضاء الإداري قابلية الدوريات للطعن بالإلغاء كلما تجاوزت طبيعتها الداخلية وأحدثت آثارًا قانونية ملموسة. فالدورية التي تُفرض بموجبها إجراءات إلزامية، أو تُقيَّد بها حرية الإدارات العمومية في اتخاذ القرار، أو تُربط بها آثار قانونية تمس بالمراكز القانونية للأفراد أو الهيئات، لا يمكن اعتبارها مجرد عمل تحضيري أو توجيهي. وقد شدد القاضي الإداري في هذا السياق على أن حماية المشروعية تقتضي إخضاع مثل هذه الدوريات للرقابة القضائية، حتى لا تتحول إلى مصدر غير معلن للقواعد القانونية، يُمارس خارج الضمانات الشكلية والموضوعية التي تحيط بالعمل التشريعي والتنظيمي.
ولتكريس هذا التوجه، اعتمد القضاء الإداري معايير دقيقة لتحديد ما إذا كانت الدورية قابلة للطعن بالإلغاء، وفي مقدمتها معيار إحداث أثر قانوني. فمتى ترتب عن الدورية أثر مباشر أو غير مباشر في الوضعية القانونية للمخاطبين بها، سواء من خلال فرض التزامات، أو تقييد حقوق، أو التأثير في شروط ممارسة اختصاص قانوني، فإنها تفقد صفتها كعمل داخلي وتصبح قرارًا إداريًا بالمعنى القانوني. كما اعتمد القضاء معيار المساس بالمراكز القانونية، الذي يقوم على فحص ما إذا كانت الدورية تؤثر في حقوق مكتسبة أو أوضاع قانونية مستقرة، وهو معيار يسمح بتوسيع نطاق الحماية القضائية ضد كل أشكال التنظيم الإداري غير المشروع.28
ويُبرز هذا الاجتهاد القضائي أن القضاء الإداري لم يكتفِ بدور سلبي يقتصر على مراقبة الشكل، بل اضطلع بدور فعّال في حماية مبدأ المشروعية وتراتبية القواعد القانونية، من خلال إعادة تصنيف بعض الدوريات وفق آثارها الحقيقية، وليس وفق تسميتها الإدارية. وبذلك، أسهم القضاء في الحد من تضخم السلطة التنظيمية للإدارة، وفي صون اختصاصات الجماعات الترابية، ومنع إخضاعها لتوجيهات إدارية تتجاوز النصوص القانونية المؤطرة لها. ويُعد هذا التوجه القضائي ضمانة أساسية للحفاظ على التوازن بين مقتضيات الفعالية الإدارية واحترام الشرعية القانونية داخل دولة القانون.
المطلب الثاني: موقف الفقه القانوني من توسع دور الدوريات.
أثار توسّع الإدارة في استعمال الدوريات الإدارية نقاشًا فقهيًا واسعًا، انقسم فيه الفقه القانوني بين اتجاهٍ ناقدٍ يعتبر هذا التوسع مساسًا بأسس الشرعية القانونية، واتجاهٍ مدافعٍ يرى في الدوريات أداة عملية لا غنى عنها لضمان حسن سير الإدارة ومواكبة تعقيد النصوص القانونية. ويعكس هذا النقاش التوتر القائم بين متطلبات دولة القانون من جهة، وضرورة الفعالية الإدارية من جهة أخرى.
فمن جهة أولى، وجّه جانب مهم من الفقه انتقادات حادة لتضخم دور الدوريات، معتبرًا أن هذا المسار يُفضي إلى تغوّل الإدارة على حساب السلطتين التشريعية والتنظيمية. ويرى هذا الاتجاه أن الإدارة، حين تلجأ إلى إصدار دوريات تتضمن قواعد عامة أو التزامات جديدة، فإنها تمارس نوعًا من “التشريع الإداري غير المعلن”، خارج الضوابط الدستورية المرتبطة بإنتاج القاعدة القانونية. ويُعد هذا السلوك، في نظر الفقه الناقد، التفافًا غير مباشر على البرلمان، لأنه يسمح للإدارة بتعديل أو تقييد مضمون النصوص التشريعية دون المرور عبر مسطرة التشريع، بما يحمله ذلك من مخاطر على مبدأ الفصل بين السلط وعلى سمو القانون 29
ويذهب هذا الاتجاه إلى أن خطورة الدوريات لا تكمن فقط في مضمونها، بل في طبيعة الإلزام العملي الذي تفرضه، إذ تتحول، بفعل الممارسة الإدارية، إلى قواعد واجبة التطبيق رغم غياب سندها القانوني. وهو ما يؤدي، حسب الفقه الناقد، إلى إضعاف مبدأ الأمن القانوني، وخلق حالة من عدم الوضوح بشأن القواعد الحاكمة للتصرف الإداري، ويُكرّس منطق السلطة بدل منطق القانون.
في مقابل ذلك، يدافع اتجاه فقهي آخر عن الدوريات، معتبرًا إياها ضرورة عملية تفرضها طبيعة العمل الإداري وتعقّد المنظومة القانونية الحديثة. فتكاثر النصوص التشريعية والتنظيمية، وتعدد مجالات تدخل الإدارة، يفرضان، في نظر هذا الاتجاه، اعتماد أدوات تفسيرية وتوجيهية تُمكّن من توحيد الفهم الإداري للنصوص وتجاوز صعوبات التطبيق. ويرى هذا الاتجاه أن إلغاء الدوريات أو التضييق المفرط على استعمالها قد يؤدي إلى شلل إداري، وإلى تباين خطير في الممارسات بين الإدارات، بما يُضر بمبدأ المساواة وبحسن سير المرافق العمومية 30
غير أن هذا الدفاع لا يُفهم، في التصور الفقهي المتوازن، على أنه تبرير مطلق لتوسّع الدوريات، بل مشروط باحترامها الصارم لوظيفتها التفسيرية وعدم تحولها إلى أداة إنشاء قانوني. ومن هنا، يتبلور النقاش الفقهي حول المعادلة الدقيقة بين الفعالية الإدارية واحترام الشرعية القانونية، حيث يدعو عدد من الفقهاء إلى اعتماد مقاربة وسطية تُقرّ بأهمية الدوريات كوسيلة تنظيمية داخلية، مع إخضاعها في الوقت نفسه لرقابة قضائية فعالة تمنع انحرافها عن حدودها المشروعة.
ويُبرز هذا النقاش أن الإشكال لا يكمن في وجود الدوريات في حد ذاتها، بل في توسّع نطاقها ومضمونها، وفي غياب ضوابط واضحة تحكم إصدارها واستعمالها. ومن ثمّ، فإن الحل، من منظور فقهي، لا يمر عبر إلغاء الدوريات، وإنما عبر ترشيدها، وربط مشروعيتها بمدى احترامها لهرمية القواعد القانونية، وتكريس دور القضاء الإداري كضامن للتوازن بين مقتضيات الفعالية الإدارية وحماية الشرعية القانونية.
المطلب الثالث: آفاق ضبط استعمال الدوريات وتعزيز مشروعيتها في المجال الترابي.
تُبرز الإشكالات العملية المرتبطة بتوسع استعمال الدوريات الإدارية في المجال الترابي الحاجة الملحّة إلى ضبط قانوني ومؤسساتي يضمن التوفيق بين متطلبات الفعالية الإدارية واحترام مبدأ المشروعية وهرمية القواعد القانونية. فالإشكال، كما بيّنته التجربة العملية والاجتهادات القضائية والفقهية، لا يكمن في وجود الدوريات في حد ذاتها، وإنما في غياب ضوابط دقيقة تحكم إصدارها ومضمونها وآثارها. ومن ثمّ، يقتضي إصلاح هذا الوضع اعتماد مقاربة شمولية تقوم على ترشيد إصدار الدوريات وحصر وظيفتها في التفسير دون الإنشاء، مع تعزيز آليات الرقابة القضائية والإدارية.
وتتمثل الخطوة الأولى في ترشيد إصدار الدوريات، من خلال الحد من تكاثرها وتفادي تداخلها أو تكرارها، خاصة في المجالات التي تخضع لتأطير تشريعي وتنظيمي دقيق، كاختصاصات الجماعات الترابية ومساطر اتخاذ القرار المحلي. ويستوجب هذا الترشيد اعتماد سياسة تنظيمية واضحة داخل الإدارة المركزية، تقوم على تقييم الحاجة الفعلية لإصدار الدورية، وربطها بوجود غموض تشريعي حقيقي أو صعوبة تطبيقية مؤكدة، بدل استعمالها كأداة دائمة للتدخل في العمل المحلي. كما يقتضي هذا التوجه حصر الدوريات في وظيفة التفسير والتوضيح، ومنع استعمالها كوسيلة لإحداث قواعد جديدة أو فرض مساطر لم ينص عليها القانون، احترامًا لاختصاص المشرّع والسلطة التنظيمية في إنتاج القاعدة القانونية.
وفي هذا الإطار، يطرح الفقه ضرورة اعتماد ضوابط شكلية وموضوعية لإصدار الدوريات، من شأنها الحد من انحرافها عن وظيفتها الأصلية. ومن بين هذه الضوابط، التأكيد على وضوح الصياغة وتجنّب العبارات الفضفاضة أو الآمرة التي توحي بالإلزام القانوني، إضافة إلى الإشارة الصريحة إلى النص القانوني أو التنظيمي المؤسس للدورية، بما يسمح بتحديد نطاقها بدقة وربطها مباشرة بالقاعدة الأعلى منها. كما يُعد منع فرض أي التزامات جديدة أو تقييد اختصاصات الجماعات الترابية شرطًا جوهريًا لمشروعية الدورية، لأن أي خروج عن هذا المبدأ يُحوّلها إلى قرار تنظيمي مقنّع يخرق مبدأ هرمية القوانين 31
ولا يكتمل ضبط استعمال الدوريات في المجال الترابي دون تعزيز دور القضاء الإداري والرقابة الإدارية. فالقضاء الإداري يظل الضامن الأساسي لاحترام مبدأ المشروعية، من خلال إخضاع الدوريات التي تُحدث آثارًا قانونية لرقابة الإلغاء، والتمييز الصارم بين التفسير المشروع والإنشاء غير المشروع. كما يقتضي الأمر تفعيل آليات الرقابة الإدارية الداخلية، سواء على مستوى المفتشيات العامة أو أجهزة المراقبة، من أجل تقييم مدى احترام الدوريات للحدود القانونية المرسومة لها، ومنع تحولها إلى أدوات لإعادة مركزية القرار المحلي أو تقويض مبدأ التدبير الحر. ويُسهم هذا التوجه في تعزيز الأمن القانوني للجماعات الترابية، وترسيخ الثقة في الإطار القانوني المنظم للتدبير المحلي، وتحقيق التوازن بين مقتضيات حسن سير الإدارة واحترام دولة القانون.
خاتمة
خلص هذا المقال إلى أن الدوريات الإدارية، رغم أهميتها العملية في تيسير العمل الإداري وتوحيد الممارسة داخل الإدارة العمومية، تظل أدوات داخلية ذات وظيفة تفسيرية وتوجيهية، لا ترقى، من حيث طبيعتها القانونية، إلى مرتبة القاعدة القانونية الملزمة. فهي لا تُعد مصدرًا من مصادر المشروعية، ولا يمكن أن تستمد قوتها الإلزامية إلا في حدود ارتباطها بالنصوص القانونية والتنظيمية الأعلى منها، ودون أن تتجاوز مضمونها أو تُعدّل نطاقها.
وقد بيّن التحليل أن الإشكال لا يكمن في وجود الدوريات في حد ذاته، بل في توسع استعمالها خارج إطارها الوظيفي المشروع، خاصة عندما تتحول إلى وسيلة لإحداث التزامات جديدة أو فرض مساطر غير منصوص عليها قانونًا، أو عندما تُستعمل لتقييد اختصاصات الجماعات الترابية بأصنافها الثلاث المقررة بموجب القوانين التنظيمية. وفي هذه الحالة، تشكل الدورية مساسًا صريحًا بمبدأ هرمية القواعد القانونية، وانحرافًا عن مبدأ المشروعية الذي يقتضي خضوع جميع تصرفات الإدارة للقانون.
كما أبرز المقال أن الإلزام العملي للدوريات، الناتج عن طبيعة العلاقة الرئاسية بين الإدارة المركزية واصناف الجماعات الترابية، يخلق خلطًا غير مشروع بين الإلزام الإداري والإلزام القانوني، وهو ما ينعكس سلبًا على مبدأ التدبير الحر، ويُضعف استقلالية القرار المحلي، ويُهدد الأمن القانوني للجماعات الترابية. وقد شكّل تدخل القضاء الإداري، في هذا السياق، آلية أساسية لضبط هذا التجاوز، من خلال إخضاع الدوريات ذات الأثر القانوني لرقابة المشروعية، والتمييز بين التفسير المشروع والتنظيم المقنّع.
وانطلاقًا من هذه الخلاصات، يدعو هذا المقال إلى احترام صارم لهرمية القوانين وإعادة الاعتبار لمبدأ المشروعية باعتباره حجر الزاوية في دولة القانون، من خلال ترشيد إصدار الدوريات وحصرها في نطاق التفسير دون الإنشاء، مع تعزيز دور القضاء والرقابة الإدارية في مراقبة مضمونها وآثارها. كما يفتح الموضوع أفقًا بحثيًا واعدًا حول إصلاح العلاقة بين الإدارة المركزية والجماعات الترابية، بما يضمن توازنًا بين متطلبات الفعالية الإدارية واحترام استقلالية التدبير المحلي، في إطار وحدة الدولة وسيادة القانون.
ويجدر بالذكر أن هذا البحث ما زال في صدد الاشتغال عليه ضمن أطروحة أوسع، يتم من خلالها دراسة دوريات وزارة الداخلية والممارسات الإدارية في ضوء مبدأ هرمية القوانين في النظام القانوني المغربي، مع اعتماد منهجية تجمع بين التحليل القانوني والنقد التطبيقي.
لائحة المراجع.
أولًا: النصوص الدستورية والتشريعية
دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر، بتاريخ 30 يوليوز 2011.
القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية، المنشورة بتاريخ 20 رمضان 1436 (7 يوليوز 2015)، الجريدة الرسمية عدد 6380.
ثانيًا: المؤلفات (الكتب)
المصباحي مصطفى، القانون الإداري المغربي، الجزء الأول: التنظيم الإداري، الطبعة الأولى، 2019.
Chapus, René, Droit administratif général, Tome I, 15e édition, Montchrestien, Paris, 2001.
كريم لحرش، القانون الإداري المغربي، الطبعة الرابعة، مطبعة الرشاد سطات، 2020.
ثالثًا: المقالات والدراسات العلمية
أشركي، محمد، «المجال التنظيمي المستقل: شيء من الحقيقة وشيء من الوهم»، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية (REMALD)، عدد 22، يناير–مارس1998.
محمد أمين بنعبد الله، «الطبيعة القانونية للدورية»، تعليق على قرار الغرفة الإدارية بالمجلس الاعلى بتاريخ 5 يونيو 2003، الجماعة الحضرية عين السبع ضد مصدق حبيبة.
أحمد رابحي، «التعليمات والمنشورات الإدارية بين الطبيعة الضمنية الداخلية والوظيفة التنظيمية»، مجلة الفقه والقانون، عدد 64، 2018.
أحمد بن سليمان الفراج، «التنظيم القانوني للمنشورات الإدارية في المملكة العربية السعودية»، مجلة العلوم الشرعية، جامعة القصيم، 2022.
عصام كوثري، ” هندسة القواعد القانونية وترابيتها “، مجلة القانون والاعمال الدولية، 21 مارس 2018.
- [1] الفصل 6 من الدستور المغربي لسنة 2011 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1 .11 .91 بتاريخ 29 يوليوز 2011، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر، بتاريخ 30 يوليوز 2011، ص، 3621.
- [2] المصطفى المصباحي، القانون الإداري المغربي، الجزء الأول: التنظيم الإداري، الطبعة الأولى، 2019، ص 45-48.
- [3] يقصد بالجماعات الترابية للمملكة، وفق الفصل 135 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الجهات والعمالات والاقاليم والجماعات، باعتبارها أشخاصا اعتبارية خاضعة للقانون العام، تدبر شؤونها بكيفية ديمقراطية.
- [4] المقصود هنا بالإدارة المركزية هي وزارة الداخلية التي تقوم بدور المراقبة الإدارية على الجماعات الترابية.
- [5] القصد هنا ب ” الالزام الإداري ” وفق سياق المقال ان الالتزامات الإدارية التي قد تلزم الجماعات الترابية نتيجة دوريات وزارة الداخلية الموجهة اليها.
- [6] المصطفى المصباحي، القانون الإداري المغربي، الجزء الأول: التنظيم الإداري، مرجع سابق، ص 50-52.
- [7] يراجع في هذا الاتجاه: محمد أمين بنعبد الله، «الطبيعة القانونية للدورية»، تعليق على قرار الغرفة الإدارية بالمجلس الاعلى الصادر بتاريخ 5 يونيو 2003، في قضية الجماعة الحضرية لعين السبع ضد مصدق حبيبة. (المقال باللغة الفرنسية)
- [8] محمد بوجيدة، النظام القانوني للمنشور الإداري ومكانته في التدرج الهرمي للنصوص، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 131، 2016، ص. 13-14.
- [9] محمد أمين بنعبد الله، «الطبيعة القانونية للدورية»، مرجع سابق.
- [10] المصطفى المصباحي، القانون الإداري المغربي، الجزء الأول: التنظيم الإداري، مرجع سابق، ص 56.
- [11] دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر، بتاريخ 30 يوليوز 2011، الفصل 6.
- [12] محمد أشركي، المجال التنظيمي المستقل: شيء من الحقيقة وشيء من الوهم، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية (REMALD)، عدد 22، يناير–مارس 1998، ص 23–27.
- [13] المقصود بالمشروعية هو ان تخضع الدولة بهيئاتها وافرادها جميعهم لأحكام القانون وان لا تخرج عن حدوده.
- [14] عصام كوثري، ” هندسة القواعد القانونية وترابيتها “، مجلة القانون والاعمال الدولية، 21 مارس 2018، تم الاطلاع عليه بتاريخ 17 يناير 2026. https://www.droitetentreprise.com
- [15] René Chapus, Droit administratif général, Tome I, 15e édition, Montchrestien, Paris, 2001, pp. 458–460.
- [16] محمد أشركي، المجال التنظيمي المستقل: شيء من الحقيقة وشيء من الوهم، مرجع سابق، ص 24–26.
- [17] أحمد رابحي، «التعليمات والمنشورات الإدارية بين الطبيعة الضمنية الداخلية والوظيفة التنظيمية»، مجلة الفقه والقانون، عدد 64، 2018، ص 41-42.
- [18] محمد أمين بنعبد الله، «الطبيعة القانونية للدورية»، تعليق على قرار الغرفة الإدارية بالمجلس الاعلى الصادر بتاريخ 5 يونيو 2003، في قضية الجماعة الحضرية لعين السبع ضد مصدق حبيبة. (المقال منشور باللغة الفرنسية)
- [19] “التشريع الإداري غير المعلن” مصطلح شخصي، ويشير إلى الدوريات أو التعليمات الإدارية التي تتجاوز وظيفتها التوجيهية الداخلية لتصبح ذات أثر عملي ملزم، مما قد يمس بمبدأ هرمية القواعد القانونية والمشروعية.
- [20] يراجع في هذا الاتجاه: القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات: المواد 80–111 (ممارسة الاختصاصات)، 112–115 (مراقبة المشروعية). القانون التنظيمي رقم 112.14 المتعلق بالعمالات والأقاليم: المواد 78–105 (ممارسة الاختصاصات)، 106–110 (مراقبة المشروعية). القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات: المواد 77–91 (ممارسة الاختصاصات)، 118–123 (مراقبة المشروعية (.
- [21] محمد أشركي، المجال التنظيمي المستقل: شيء من الحقيقة وشيء من الوهم، مرجع سابق، ص 26.
- [22] René Chapus, Droit administratif général, Tome I, p. 462–468.
- [23] Alessandro Cattellani, “Le circolari della pubblica amministrazione quali fonti normative: riflessioni a partire dall’emergenza Covid-19”, Rivista di Scienze dell’Amministrazione, 2021. (مقال أكاديمي إيطالي يتناول دور المناشير والتعليمات الإدارية خلال حالة طوارئ الوبائية) تم الاطلاع عليه ضمن منشور المجلة يوم 17 يناير 2026 على الساعة الثانية زاولا.)
- [24] كريم لحرش، القانون الإداري المغربي، الطبعة الرابعة، مطبعة الرشاد سطات، 2020، راجع قسم القضاء الإداري المغربي ومبدأ المشروعية.
- [25] كريم لحرش، القانون الإداري المغربي، الطبعة الرابعة، مطبعة الرشاد سطات، 2020، مرجع نفسه.
- [26] محمد أمين بنعبد الله، «الطبيعة القانونية للدورية»، تعليق على قرار الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى، مرجع سابق.
- [27] أحمد بن سليمان الفراج، «التنظيم القانوني للمنشورات الإدارية في المملكة العربية السعودية»، مجلة العلوم الشرعية، جامعة القصيم، 2022.
- [28] René Chapus, Droit administratif général, Tome I, p. 470–476.
- [29] محمد أشركي، المجال التنظيمي المستقل: شيء من الحقيقة وشيء من الوهم، مرجع سابق، ص 28.
- [30] René Chapus, Droit administratif général, Tome I, 15e édition, Montchrestien, Paris, 2001, pp. 455
- [31] محمد أشركي، المجال التنظيمي المستقل: شيء من الحقيقة وشيء من الوهم، مرجع سابق، ص 31.
- [32] – وزارة التجهيز والماء، معطيات رسمية حول التساقطات والواردات المائية، جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس المستشارين، 20 يناير 2026.
- [33] – https://www.maadialna.ma/ar/tfwq-almdl-alsnwy-alady-bnsbt-24-tsaqtat-mtryt-wthljyt-mhmt-trf-almkhzwn-almayy-balmghrb تاريخ الزيارة: 11 فبراير 2026
- [34] – وزارة التجهيز والماء، وضعية السدود إلى غاية 14 فبراير 2026، https://www.maadialna.ma/ar/
- [35] – عرض وزير التجهيز والماء بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بتاريخ 30 ماي 2023، مذكور بتقرير مجموعة العمل المكلفة بتقييم السياسة المائية، مجلس النواب، الرباط، ص 25.
- [36] – وزارة التجهيز والماء، برنامج تعلية السدود الكبرى، بيانات رسمية 2025–2026. https://www.maadialna.ma/ar/blght-nsbt-alashghal-bh-69 تاريخ الزيارة: 12 فبراير 2026
- [37] – وزارة التجهير والنقل: https://www.maadialna.ma/ar/bsbb-astmrar-aljfaf-wartfa-altlb
- [38] – المرجع نفسه.
- [39] – L’Institut Royal des Etudes stratégiques (IRES, 2022) << Quel avenir de l'eau au Maroc ? RAPPORT DE SYNTHESE DES TRAVAUX DE LA JOURNEE SCIENTIFIQUE DU 17 MARS 2022
- [40] – ادريس الحفيظ، أثر التغيرات المناخية على الموارد المائية بحوض ملوية، مقال منشور في المؤلف الجماعي، الموارد الطبيعية بالمغرب التشخيص، الاستغلال و اليات الحماية، مطبعة قرطبة وجدة، ص.28
- [41] – تقرير مجموعة العمل الموضوعاتية المكلفة بتقييم السياسة المائية، الولاية التشريعية العادية عشر 2021-2026 السنة التشريعية الثانية 2022-2023 دورة أبريل 2023، ص 38
- [42] – ظهير شريف رقم 1.16.113 صادر في 6 ذي القعدة 1437 (10 أغسطس 2016) بتنفيذ القانون رقم 36.15 المتعلق بالماء.(نُشر في الجريدة الرسمية عدد 6494 بتاريخ 25 أغسطس 2016) المادة 2.
- [43] – World Bank, Beyond Scarcity: Water Security in the Middle East and North Africa, 2018.
- [44] – وزارة التجهيز والماء، معطيات رسمية حول توزيع استعمالات الموارد المائية. https://www.maadialna.ma/ar/hdhh-tfasyl-atkhadh-6-tdabyr-asasyt-llaqtsad-ly-alma-fy-alqta-alflahy-bbladna
- [45] – FAO, Water Scarcity and Agriculture in MENA Region, 2019.
- [46] – المندوبية السامية للتخطيط، تقارير النمو الاقتصادي والمواسم الفلاحية.
- [47] – تقارير وزارة الداخلية حول تدبير مخاطر الفيضانات.
- [48] – تقارير وزارة الداخلية حول تدبير مخاطر الفيضانات.
- [49] – البنك الدولي، تقارير الأمن المائي بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا https://www.worldbank.org/en/topic/water/publication/beyond-scarcity-water-security-in-the-middle-east-and-north-africa?
- [50] – جواد الخرازي، حكامة تدبير الموارد المائية بالمغرب نحو إرساء نموذج تنموي في خدمة حقوق الإنسان، مجلة شؤون استراتيجية، العدد 18، يونيو، 2024، ص 366.
- [51] – كميحي محمد، بوبرية عبد الواحد، البزوي جواد، المشاريع المائية الكبرى بالمغرب: تحليل واستشراف، مجلة الدراسات القانونية والمجالية والتنموية، عدد خاص بأعمال المؤتمر الدولي في موضوع: مستقبل المياه بدول جنوب المتوسط بين تحدي الندرة وحكامة التدبير، ص 95. والموقع الرسمي لوزارة التجهيز والماء، -المنصة الرقمية لوزارة التجهيز والماء https://www.maadialna.ma/ar
- [52] – تقرير مجموعة العمل المكلفة بتقييم السياسة المائية، ص 30.
- [53] – محمد ضريف، تحديات ندرة الماء في المغرب في ضوء أطروحة” مأساة المشترك”، مجلة المستقبل العربي، العدد 560، ص 108
- [54] – كميحي محمد، بوبرية عبد الواحد، البزوي جواد، المشاريع المائية الكبرى بالمغرب: تحليل واستشراف،.مرجع سابق، ص 97.
- [55] – تقرير تقييم السياسة المائية، مرجع سابق، ص.
- [56] – محمد أما خير، توحل السدود وإشكالية تعبئة المياه السطحية حالة سد يوسف بن تاشفين، مجلة الدراسات القانونية والمجالية والتنموية، عدد خاص بأعمال المؤتمر الدولي في موضوع: مستقبل المياه بدول جنوب المتوسط بين تحدي الندرة وحكامة التدبير، ص 245
- [57] – محمد القلوشي، إسماعيل بوكلبة، إشكالية التغيرات المناخية وتداعياتها على الأمن المائي ورهانات تحقيق الحكامة المائية بالمغرب، مجلة ابن خلدون للدراسات والأبحاث || المجلد 5 || العدد 3 || 01-03-2015، ص 562، وزارة التجهيز والماء، https://maadialna.ma/ar/tbkhr-almyah-bwtyrt-asr-
- [58] – المغرب يعتزم بناء 155 سداً جديداً خلال الثلاث سنوات المقبلة لتعزيز الأمن المائي https://maadialna.ma/ar/almghrb-ytbny-astratyjyt-tlyt-alsdwd-alkbry
- [59] – هيني محمد، نادية الديب، الرفيق محمد، الموارد المائية والتغيرات المناخية بالمغرب: تحديات التكيف وتدابير التخفيف “حوض ورغة أنموذجا”مجلة الدراسات القانونية والمجالية والتنموية، عدد خاص بأعمال المؤتمر الدولي في موضوع: مستقبل المياه بدول جنوب المتوسط بين تحدي الندرة وحكامة التدبير، ص 30.
- [60] – البرنامج الوطني للتطهير السائل ومعالجة المياه العادمة (PNA)، وزارة الداخلية ووزارة البيئةhttps://environnement.gov.ma/ar/eau-ar/112-theme/eau
- [61] – المرجع نفسه.
- [62] – – إدريس الحافيظ، الموارد المائية بالمغرب، الإمكانات والتدبير والتحديات، الطبعة الثانية،2021م، ص 603.
- [63] – – ابراهيم سودي، التقرير الوطني حول الثمين المياه عبر التقليدية التعزيز العرض وإجراءات التكيف مع التغيرات المناخية في المناطق القاحلة حالة المغرب، صندوق الأمم المتحدة للأغنية والزراعة.
- [64] – تقرير مجموعة العمل المكلفة بتقييم السياسة المائية، مرجع سابق، ص 18.
- [65] – عبد الكبير المجدوبي، الأمن المائي في المغرب بين التحديات المطروحة والجهود المبذولة، Journal of the Geopolitics and Geostrategic Intelligence, Vol. 5, No Ipp 24-34 Nov2024 ص 37.
- [66] – قانون الماء 36.15، ومقتضيات تدبير الملك العمومي المائي.
- [67] – المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO)، State of the Climate 2024: Update for COP29، جنيف، 2024، ص. 3.
- [68] – تقرير تقييم السياسة المائية، مرجع سابق، ص 25.





