القانون الاداريفي الواجهةمقالات قانونية

دور القضاء الإداري في حل المنازعات المتعلقة بالاستثمار – أسامة المجاوي

دور القضاء الإداري في حل المنازعات المتعلقة بالاستثمار

“The Role of Administrative Courts in Resolving Investment-Related Disputes”

أسامة المجاوي. طالب باحث بسلك الماستر

Oussama elmejjaoui. Master’s student

Master droit administratif et politiques publiques

جامعة عبد المالك السعدي كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية تطوان

ملخص المقال باللغة العربية:

“على اعتبار ان منازعات الاستثمار من أبرز المنازعات التي تُعرض على أنظار المحاكم الإدارية فإن هذا المقال تناول بعض الجوانب التي يتدخل فيها القضاء الإداري لتسوية المنازعات ذات الطاب الاستثماري وذلك بالتركيز على كل من دعوى الإلغاء التي تستهدف الطعن في القرارات الإدارية غير المشروعة، سعيًا لإبطالها واستبعادها من النظام القانوني، حفاظًا على مبدأ المشروعية وضمانًا لحقوق الأفراد، او من خلال دعوى التعويض التي تمنح للقاضي الإداري صلاحيات أوسع تمكنه من الفصل الشامل في جوهر النزاع المعروض أمامه.”

Summary of the article in English:

“Considering that investment disputes are among the most prominent cases brought before administrative courts, this article examines certain areas in which administrative justice intervenes to resolve investment-related disputes. It focuses on both the annulment action, which aims to challenge unlawful administrative decisions in order to nullify them and remove them from the legal system, thereby upholding the principle of legality and protecting individual rights, and the compensation action, which grants the administrative judge broader powers to issue comprehensive rulings on the substance of the dispute before them.”

 

يُعد الاستثمار أحد الركائز الأساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدول المعاصرة، إذ يسهم في خلق فرص العمل، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز النمو الاقتصادي المستدام. ولما كانت الدولة تضطلع بدور محوري في تنظيم النشاط الاستثماري من خلال منح التراخيص، وإقرار الإعفاءات الضريبية، وإبرام العقود الإدارية، وتوفير البنية التحتية، فقد يؤدي تدخلها أحيانًا إلى نشوء منازعات متعددة مع المستثمرين، سواء بشأن القرارات الإدارية المنظمة للاستثمار، أو العقود المبرمة بين الطرفين، أو المسؤولية عن الأضرار الناجمة عن أعمال الإدارة.

وفي هذا السياق، برزت أهمية القضاء الإداري بوصفه الضامن لتحقيق التوازن بين مقتضيات المصلحة العامة، وحقوق المستثمرين في بيئة قانونية مستقرة وعادلة. فالقضاء الإداري يؤدي دورًا مزدوجًا؛ من جهة يمارس رقابة صارمة على تصرفات الإدارة لضمان التزامها بمبدأ المشروعية وعدم تجاوز حدود سلطاتها أو التعسف في استعمالها، ومن جهة أخرى يوفر آليات قضائية لحماية الحقوق المكتسبة للمستثمرين وجبر الأضرار التي قد تلحق بهم جراء القرارات أو الممارسات الإدارية غير المشروعة.

وفي المغرب فقد صدر القانون رقم 90.41[1] المحدث بموجبه محاكم إدارية في إطار جهود الدولة لتعزيز الرقابة القضائية على أعمال الإدارة وضمان حماية حقوق الأفراد في مواجهة السلطة الإدارية. وقد جاء هذا القانون استجابة للحاجة إلى تطوير منظومة القضاء الإداري التي كانت تعاني من محدودية الاختصاصات وعدم التحديد الواضح للآليات القضائية المتاحة للمتقاضين. ومن أبرز ما أرساه القانون 90.41 هو توسيع اختصاصات المحاكم الإدارية لتشمل الرقابة على مشروعية القرارات الإدارية والعقود، وضمان الفصل في المنازعات التي تكون الدولة طرفا فيها بوصفها سلطة عامة.

وفي هذا السياق أضحت منازعات الاستثمار من أبرز المنازعات التي تُعرض على أنظار المحاكم الإدارية، بالنظر إلى تعدد تدخلات الإدارة في هذا المجال وتأثير قراراتها وأعمالها على المراكز القانونية للمستثمرين. وقد استدعى هذا الواقع إرساء قضاء إداري مختص وقادر على البت في هذه النزاعات بما يضمن احترام مبدأ المشروعية وتحقيق التوازن بين متطلبات المصلحة العامة وحماية حقوق المستثمرين.

ومن خلال هذه العناصر، تبرز الإشكالية الرئيسية التالية

أي يتجلى دور القضاء الإداري في حل المنازعات المتعلقة بالاستثمار؟

ولمحاولة مقاربة هذه الإشكالية سيتم اعتماد المنهج التحليلي من خلال تحليل مقتضيات القوانين وخاصة القانون 90.41 من مختلف الجوانب.

وانطلاقا من إشكالية الموضوع سيتم تقسيم هذه الدراسة الى محورين:

المحور الأول: دعوى الإلغاء ورقابة مشروعية القرارات الإدارية المتعلقة بالاستثمار.

المحور الثاني: دعوى القضاء الشامل في المنازعات الإدارية ذات الصلة بالاستثمار.

المحور الأول: دعوى الإلغاء ورقابة مشروعية القرارات الإدارية المتعلقة بالاستثمار

تُعدّ القرارات الإدارية[2] من أهم الوسائل التي تعتمدها الإدارة في تنظيم مجال الاستثمار وتوجيهه، لما لها من أثر مباشر على المراكز القانونية للمستثمرين، سواء تعلق الأمر بمنح التراخيص أو سحبها، أو بفرض التزامات وشروط تمس حرية الاستثمار. غير أن اتساع السلطة التقديرية للإدارة في هذا المجال قد يفتح المجال أحيانًا لممارسات تتسم بالتعسف أو مخالفة مبدأ المشروعية، وهو ما قد ينعكس سلبًا على مناخ الاستثمار ويقوض الثقة في الإدارة.

وقد نص دستور [3]2011 في الفقرة الثانية من الفصل (118) ان كل قرار اتخذ في المجال الإداري، سواء كان تنظيميا أو فرديا، يُمكن الطعن فيه أمام الهيئة القضائية الإدارية المختصة.

وفي هذا الإطار، تبرز دعوى الإلغاء كآلية قضائية أساسية لمراقبة مشروعية القرارات الإدارية، باعتبارها وسيلة فعالة تمكّن المستثمر من الطعن في القرارات غير المشروعة التي تمس حقوقه أو مصالحه، وتسهم في تكريس خضوع الإدارة للقانون.

ويمكن تعريف دعوى الإلغاء بأنها الدعوى التي يرفعها أحد الأفراد إلى الجهة القضائية المختصة يطلب منها إلغاء القرار الإداري غير المشروع، وتتميز دعوى الإلغاء بالطبيعة الموضوعية او العينية.

فدعوى الإلغاء اذن، لا يخاصم فيها السلطة الإدارية ذاتها، بل يخاصم فيها القرار الإداري الغير مشروع، كما انها لا تستهدف حماية المصلحة الشخصية لرافع الدعوى في حد ذاتها بل تستهدف في الأساس حماية مبدأ المشروعية والنظام القانوني السائد في الدولة[4].

تجدر الإشارة ان طلب الإلغاء بسبب تجاوز السلطة يجب ان يكون مصحوبا بنسخة من القرار الإداري المطلوب إلغاؤه، وإذا سبقه تقديم تظلم إداري يتعين أن يصحب طلب الإلغاء أيضا بنسخة من القرار الصادر برفض التظلم أو بنسخة من وثيقة تشهد بإيداع التظلم إن كان رفضه ضمنيا[5].

كما نصت المادة 22 من القانون 90.41 انه يعفي طلب الإلغاء بسبب تجاوز السلطة من أداء الرسم القضائي، ويجب أن تقدم طلبات إلغاء القرارات الصادرة عن السلطات الإدارية بسبب تجاوز السلطة داخل أجل ستين يوما يبتدئ من نشر أو تبليغ القرار المطلوب إلغاؤه إلى المعني بالأمر[6].

ولا يقبل الطلب الهادف إلى إلغاء قرارات إدارية إذا كان في وسع المعنيين بالأمر أن يطالبوا بما يدعونه من حقوق بطريق الطعن العادي أمام القضاء الشامل.

وانطلاقاً من هذه الضوابط الإجرائية التي تؤطر دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة، فإن دور القضاء الإداري لا يقتصر على التحقق من احترام الآجال والشروط الشكلية لقبول الدعوى فحسب، بل يمتد أساساً إلى فحص مدى مشروعية القرار الإداري في جوهره. وهنا يبرز مفهوم عيوب المشروعية باعتبارها الأساس القانوني الذي يستند إليه القاضي الإداري للحكم بإلغاء القرار المطعون فيه، إذ من خلالها يتم تقييم ما إذا كانت الإدارة قد التزمت بحدود الاختصاص واحترمت القواعد الشكلية والموضوعية والغاية التي رسمها القانون، أم شاب قرارها أحد الأوجه التي تجعله مخالفاً لمبدأ سيادة القانون.

وفي هذا السياق نجد ان المشرع قد نص على ان “كل قرار إداري صدر من جهة غير مختصة أو لعيب في شكله أو لانحراف في السلطة أو لانعدام التعليل أو المخالفة القانون يشكل تجاوزا في استعمال السلطة، يحق للمتضرر الطعن فيه أمام الجهة القضائية الإدارية المختصة”[7]

وبالتالي نجد ان المشرع قد حدد عيوب الشرعية والتي يمكن من خلالها الطعن بالإلغاء ضد أي قرار إداري، ويمكن عرض أوجه الإلغاء التي تعتبر بمثابة اركان للقرار الإداري، بطريقة تميز بين عيوب المشروعية الخارجية وعيوب المشروعية الداخلية التي قد تشوب القرار الإداري.

بالنسبة لعيوب الشرعية الخارجية فيتعلق الامر بركني الاختصاص والشكل.

  • الاختصاص؛

يمكن تعريف الاختصاص بأنه السلطة أو الصلاحية القانونية التي يتمتع بها مصدر القرار في إصدار قراره في الحدود الموضوعية والمكانية والزمنية التي يعينها القانون. وبالتالي يقوم ركن الاختصاص على أساس صدور القرار الإداري عن الشخص المختص قانونا بإصداره لا من أي شخص آخر، وذلك طبقا لمبدأ التخصص،

يعد عيب عدم الاختصاص العيب الوحيد المتعلق بالنظام العام والذي يمكن للقاضي إثارته تلقائيا حتى ولو لم يثره الخصوم، ويتخذ عدم الاختصاص عدة صور، فقد يكون بسيطا إذا كان واقعا فيما بين السلطات الإدارية المختلفة، ويسمى حينئذ اعتداء على الاختصاص أو تجاوزا للاختصاص، وقد يكون عيب عدم الاختصاص جسيما فيسمى غصبا للسلطة.

  • الشكل؛

الأصل في القرارات الإدارية، أن رجل الإدارة المختص غير مقيد بشكل معين في إصدارها، وعليه فقد يرد القرار كتابة كما قد يرد، شفاهة، بل قد يصدر القرار بالإشارة، كالإشارات التي يصدرها شرطي المرور لسائقي السيارات أثناء تنظيمه للمرور.

غير أن المشرع قد يفرض على الإدارة إفراغ إرادتها في شكل معين ووفق إجراءات معينة، فإذا خالفت الإدارة هذا الشكل أو تلك الإجراءات يكون قرارها غير مشروع ومعيبا بعيب الشكل، وعلى هذا الأساس يمكن تعريف عيب الشكل بأنه عدم احترام القواعد الإجرائية أو الشكلية المحددة لإصدار القرارات الإدارية المنصوص عليها في القوانين المختلفة[8].

اما بالنسبة لعيوب المشروعية الداخلية فإن مراقبة القرار من طرف قاضي الإلغاء، تنصب على كل من ركن المحل والغاية والسبب.

  • عيب مخالفة القانون:

يعتبر هذا العيب أهم أوجه الإلغاء وأكثرها تطبيقا، ورقابة القضاء فيما يتعلق بمخالفة القانون هي رقابة موضوعية تستهدف التحقق من مدى مطابقة محل القرار الإداري لأحكام القانون أو عدم مطابقته لها.

وينتقد البعض وبحق عبارة مخالفة القانون ويعتبرها تسمية غير موفقة لأنها تدل على معنى عام، بحيث لو أخذ به على إطلاقه لشمل جميع أوجه الإلغاء وتضمن جميع صور المخالفة للقانون، بحيث تناسب جميع أنواع العيوب التي تشوب القرار الإداري، فعيب عدم الاختصاص يعتبر مخالفة للقواعد القانونية المتصلة بالاختصاص، وعيب الشكل هو مخالفة لقواعد القانون المتعلقة بالشكل والإجراءات، إلخ. ولذلك يتجه الفقه والقضاء إلى المعنى الضيق لعبارة مخالفة القانون التي تدل على مخالفة القواعد القانونية أيا كان مصدرها، سواء كانت مكتوبة، أو غير مكتوبة وبعبارة أوضح يكون القرار الإداري مشوبا بعيب مخالفة القانون، إذا كان مخالفا لأحد مصادر المشروعية[9]

  • عيب الغاية: الانحراف في استعمال السلطة:

يرتبط عيب الانحراف في استعمال السلطة بعنصر الغاية (أو الهدف) التي يسعى رجل الإدارة الى تحقيقها.

ويتميز عن باقي العيوب الأخرى التي تشوب القرارات الإدارية، بكونه عيب دقيق ليس من السهولة اكتشافه، لأنه يرتبط بنية رجل الإدارة مصدر القرار وببواعثه النفسية الخفية التي تتمثل في الفكرة المتأثرة بها والتي تولد لديه رغبة وتصرفا معينا، وعليه فإنه من القواعد المسلم بها في فقه القانون الإداري، أن رجل الإدارة ليس حرا في اختيار الغاية من تصرفاته فعليه أن يلتزم بالأهداف التي حددها القانون.

  • عيب السبب

يعرف السبب أنه الحالة الواقعية أو القانونية التي تسبق القرار وتدفع الإدارة إلى إصداره، فقيام رجل الإدارة بممارسة اختصاصاته يجب أن تتم في حدود القانون وبقصد تحقيق الصالح العام، ومن ثم يلزم أن يستند رجل الإدارة في كل ما يصدره من قرارات إلى أسباب واقعية تبيح له ذلك وتجعل تدخله مبررا ومشروعا.

وإذا كانت عيوب المشروعية تشكل الأساس القانوني الذي تُبنى عليه دعوى الإلغاء، فإن الأهمية العملية لهذه الدعوى تتجلى بشكل خاص في مجال الاستثمار، حيث تكتسي هذه الدعوى أهمية بالغة في مراقبة مشروعية الرخص التي تمنحها الإدارة، باعتبارها من أهم القرارات المؤثرة على إنجاز المشاريع الاستثمارية، إذ يترتب على رفضها أو سحبها أو فرض قيود غير مشروعة بشأنها المساس بحرية الاستثمار واستقرار المعاملات، الأمر الذي يبرر لجوء المستثمر إلى القضاء الإداري للطعن فيها كلما شابها عيب من عيوب المشروعية.

وفي هذا السياق، يحق للمستثمر الطعن بدعوى الإلغاء في مجموعة من الرخص التي تمنحها الإدارة، من أبرزها رخص التعمير (كرخصة البناء، ورخصة التجزئة…)، متى صدر قرار برفضها أو سحبها دون سند قانوني، أو في خرق لمقتضيات النصوص المنظمة لها. كما تشمل هذه الرقابة الرخص ذات الطابع البيئي، وعلى رأسها الموافقة على دراسة التأثير على البيئة[10] المنصوص عليها في القانون رقم 12.03[11]، حيث يمكن الطعن في قرارات الإدارة التي ترفض المصادقة على الدراسة، أو التي تمنح الترخيص للمشروع دون احترام المسطرة القانونية، أو بناءً على تعليل غير مشروع.

ولا يقتصر مجال الطعن بدعوى الإلغاء على هذه الرخص فحسب، بل يمتد كذلك إلى رخص الاستغلال (الصناعية، التجارية، السياحية أو المنجمية)، متى ثبت أن الإدارة استعملت سلطتها التقديرية بشكل تعسفي أو منحرف، أو أصدرت قرارها في غياب سبب قانوني صحيح. وهكذا، تشكل دعوى الإلغاء وسيلة قانونية فعالة تُمكّن المستثمرين من مواجهة القرارات الإدارية غير المشروعة، وتضمن تحقيق التوازن بين سلطة الإدارة في تنظيم الاستثمار وضرورة حماية حقوق المستثمرين، بما يُعزز الثقة في المناخ الاستثماري ويكرس مبدأ المشروعية.

وإن كانت دعوى الإلغاء تعتبر من أهم الوسائل التي يراقب بها القضاء السلطة الإدارية، فإن هذه الوسيلة قد لا تكفي لحماية حقوق أفراد حماية كاملة فدعوى الإلغاء وإن كانت تؤدي إلى إلغاء القرارات الإدارية الغير المشروعة، فإنها لا تكفل تغطية ما يترتب على بقاء تلك القرارات فترة من الزمن. كما قد تنفذ الإدارة قراراتها بالرغم من إقامة دعوى الإلغاء وفي هذه الحالة لا يكفي إلغاء القرار الإداري المعيب بل ينبغي أيضا تعويض الأفراد عما أصابهم من ضرر نتيجة هذا التنفيذ. وإلى جانب ذلك كله، فإن قضاء الإلغاء كوسيلة لمراقبة القرارات الإدارية لا يتناول أعمال الإدارة المادية وهو المجال الذي يستقل به قضاء التعويض.

الفقرة الثانية: دعوى القضاء الشامل في المنازعات الإدارية ذات الصلة بالاستثمار.

تُعتبر دعوى القضاء الشامل (دعوى التعويض) من أبرز الآليات القضائية في منظومة القضاء الإداري، حيث تخول القاضي صلاحيات موسعة تمكنه من الفصل الشامل في جوهر النزاع المعروض أمامه. ولا تقف هذه الدعوى عند حدود الرقابة على مشروعية القرارات الإدارية فحسب، بل تمتد لتشمل سلطة تعديل تلك القرارات، وإصدار أوامر ملزمة للإدارة، فضلاً عن الحكم بالتعويضات المالية جبراً للأضرار المترتبة.

ويمكن تعريف دعوى التعويض بأنها تلك الدعوى التي يرفعها الشخص المتضرر ضد قرار غير مشروع اتخذته السلطة الإدارية، وبعبارة أخرى هي دعوى مسؤولية الإدارة عن أعمالها الضارة بالأشخاص، وتجدر الإشارة انه فيما مضى كانت مسؤولية الدولة عن اعمالها الضارة غير مقررة ذلك ان مبدأ المسؤولية يتعارض مع مبدا السيادة المطلقة، حيث يرجع الفضل في إقرار هذه المسؤولية الى حكم بلانكو blanco الصادر عن محكمة التنازع الفرنسية في (08 فبراير 1873).

وفي المغرب فقد اقر المشرع مسؤولية الدولة عن اعمالها الضارة بمقتضى الفصلين [12]79 و [13]80 من ظهير الالتزامات والعقود[14].

ويتضح من خلال الفصلين ان مسؤولية الدولة لا تقوم على الخطأ فقط، بل يمكن أن تترتب بدون خطأ كذلك، عندما يتعلق الأمر بما تقتضيه ظروف وملابسات تستوجب مساهمة الدولة في تحمل الأعباء العامة.

إذا كانت مسؤولية الدولة قد شملت معظم الأنشطة الصادرة عن السلطة الإدارية، فإن هناك بعض الأنشطة الصادرة عن الدولة لا تخضع لقواعد المسؤولية الإدارية، بحيث لا تخضع لرقابة القضاء إلغاء وتعويضا وهي التي يطلق عليها أعمال السيادة والأعمال الصادرة عن السلطتين التشريعية والقضائية[15]

يستند القضاء الشامل إلى أساس تشريعي صريح يتمثل في المادة 8 من القانون رقم 41.90 المحدث للمحاكم الإدارية، إذ لم يقتصر المشرّع من خلالها على إسناد مهمة مراقبة مشروعية القرارات الإدارية إلى القاضي الإداري، بل عمد إلى توسيع دائرة اختصاصه لتشمل البت في دعاوى التعويض عن الأضرار الناجمة عن نشاط أشخاص القانون العام[16]، والنزاعات المتعلقة بالعقود الإدارية ونزع الملكية من اجل المنفعة العامة، فضلاً عن سائر المنازعات التي تكون الإدارة طرفًا فيها. ويعكس هذا التوسيع إرادة تشريعية واضحة في إقرار قضاء ذو طبيعة شاملة يتجاوز منطق الإلغاء إلى الحسم في جوهر النزاع وآثاره القانونية.

وفي هذا السياق تُمثل منازعات العقود الإدارية المتعلقة بالاستثمار ميدانًا رئيسيًا لتطبيق دعوى القضاء الشامل. حيث ان الرابطة التعاقدية بين الإدارة والمستثمر تتجاوز مجرد تبادل الالتزامات، لتطرح مسائل قانونية شائكة ترتبط بالحفاظ على توازن العقد، وضمان ثبات التعاملات، وصون الحقوق المكتسبة للمستثمر.

وتعتبر العقود الإدارية من قبيل الاعمال القانونية التي تصدر من جانبين، هما الإدارة والمتعاقد معها، بحيث يتولد عن اتفاقهما عقود تحدد حقوقهما والتزاماتهما[17].

ويُعد القضاء الشامل آلية محورية في فض منازعات المستثمرين المرتبطة بالعقود الإدارية، لما يتيحه من صلاحيات واسعة للقاضي الإداري تمكّنه من الفصل في جوهر النزاع التعاقدي وليس الاكتفاء بمراقبة مشروعية تصرفات الإدارة. فبموجب هذه الدعوى، يختص القاضي بالنظر في مدى احترام الإدارة لالتزاماتها التعاقدية تجاه المستثمر، كما يملك سلطة تفسير بنود العقد، وتحديد المسؤوليات، والحكم بالتعويض عن الأضرار الناتجة عن الإخلال أو عن القرارات الانفرادية التي تمس التوازن المالي للعقد. ويساهم هذا الدور في توفير ضمانات قضائية فعالة لحماية المستثمر، وتعزيز الثقة في البيئة التعاقدية، دون المساس بامتيازات الإدارة المرتبطة بتحقيق المصلحة العامة واستمرارية المرفق العام.

وارتباط بذلك تُعد الصفقات العمومية الصورة الأكثر شيوعًا للعقود الإدارية، إذ تمثل الإطار التعاقدي الذي تعتمد عليه الإدارة لإنجاز الأشغال واقتناء التوريدات وتقديم الخدمات المرتبطة بتسيير المرافق العمومية.

ويتجلى دور القاضي الإداري في حل نزاعات المستثمرين المتعاقدين مع الإدارة من خلال تكريسه لحق المتعاقد في التعويض عن إخلال الإدارة بالتزاماتها في عقد الصفقة، ثم من خلال إعادته للتوازن المالي للعقد.

بالنسبة لإخلال الإدارة بالتزاماتها في عقد الصفقة فقد تخل الإدارة ببعض التزاماتها المفروض عليها في عقد الصفقة العمومية أو في النصوص القانونية المنظمة لها، كما قد تسيء استعمال امتيازاتها الاستثنائية التي تتمتع بها، وهو ما يجعل المتعاقد مع الإدارة مستحقا للتعويض بما يتناسب والضرر الذي أصابه والخسارة التي لحقته دون إغفال للكسب المتوقع الذي لحقه بشرط أن يكون هذا الضرر على درجة كبيرة من الأهمية وناتجا مباشرة عن خطأ الإدارة.

ويمثل إعادة التوازن المالي لعقود الصفقات العمومية أبرز الآليات القانونية التي تكفل حماية حقوق المتعاقد مع الإدارة وضمان استمرارية تنفيذ العقد مع مراعاة المصلحة العامة. فالأصل أن تُنفذ الصفقة وفق التوازن المالي الذي تم الاتفاق عليه، غير أن هذا التوازن قد يختل نتيجة ممارسات الإدارة لامتيازاتها، كالتعديل الانفرادي لبنود العقد أو إصدار أوامر خدمة تزيد الأعباء على المستثمر، أو بسبب ظروف استثنائية غير متوقعة تؤثر على كلفة التنفيذ. وفي هذه الحالات، يتدخل القضاء الإداري، ضمن نطاق القضاء الشامل، لإعادة التوازن المالي للعقد، سواء من خلال الحكم بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بالمستثمر، أو عبر اعتماد آليات تصحيحية تضمن ألا يتحمل المستثمر أعباء تتجاوز ما تم الاتفاق عليه، بما يحفظ حقوق الأطراف ويضمن استمرار المرفق العام.

وبالتالي تعتبر الصفقات العمومية من أكثر المجالات عرضة للمنازعات، نظراً لما تنطوي عليه من رهانات مالية واستثمارية كبرى وتداخل بين اعتبارات المصلحة العامة وحقوق المتعاقدين مع الإدارة. وإذا كان القضاء الشامل، يشكل الإطار الطبيعي للفصل في هذه النزاعات، فإن طبيعة بعض الإشكالات المرتبطة بالصفقات العمومية تفرض تدخلاً قضائياً عاجلاً لا يحتمل انتظار مساطر التقاضي العادية. وهنا يبرز دور القضاء الاستعجالي كآلية مكملة، تروم توفير حماية قضائية وقتية وفعالة تكبح الخطر المحدق، وتحول دون وقوع أضرار يصعب تداركها لاحقاً.

بالإضافة الى ذلك نجد ان تدخل القضاء الإداري من خلال دعوى التعويض لا يقتصر على الإطار التعاقدي المحض، بل يمتد إلى مجالات أخرى تمس الاستثمار بشكل غير مباشر، وفي مقدمتها نزع الملكية من أجل المنفعة العامة.

إن نزع ملكية العقارات كلا أو بعضا أو ملكية الحقوق العينية العقارية لا يجوز الحكم به إلا إذا أعلنت المنفعة العامة، ولا يمكن إجراؤه إلا طبق الكيفيات المقررة في القانون مع مراعاة الاستثناءات المدخلة عليه كلا أو بعضا بموجب تشريعات خاصة[18].

وبالنسبة ل مسطرة نزع الملكية من اجل المنفعة العامة تمر من مجموعة من المراحل على الشكل التالي؛

  • المرحلة التمهيدية.
  • دراسة جدوى مشروع نزع الملكية.
  • اختيار الوعاء العقاري الذي سيخصص للمنفعة العامة.
  • المرحلة الإدارية.
  • الاعلان عن المنفعة العامة
  • مشروع مقرر التخلي
  • البحث الإداري
  • تحديد ثمن العقارات أو الحقوق العينية المنزوعة ملكيتها
  • إيداع التعويض المقترح من طرف اللجنة
  • الاتفاق بالتراضي على نقل الملكية أو على الحيازة
  • نقل الملكية
  • أداء التعويض المقترح من طرف اللجنة
  • المرحلة القضائية
  • دعوى الإذن بالحيازة
  • دعوى نقل الملكية
  • أداء أو إيداع التعويضات النهائية بعد صدور الحكم بنقل الملكية مقرر التخلي.

وعلى العموم فسلطة الإدارة في نزع الملكية، رغم مشروعيتها، تظل سلطة استثنائية تخضع لرقابة قضائية دقيقة تحول دون التعسف أو الانحراف في استعمالها، وبذلك يتجلى دور القضاء أولاً في الرقابة على مشروعية قرارات نزع الملكية، من خلال التحقق من توافر شرط المنفعة العامة، واحترام المسطرة القانونية، ومطابقة القرار لأهدافه الحقيقية. وتكتسي هذه الرقابة أهمية خاصة بالنسبة للمستثمر، إذ قد يؤدي نزع الملكية إلى حرمانه من العقار اللازم لإنجاز مشروعه أو تعطيل استثماره، مما يبرر لجوؤه إلى القضاء للطعن في القرار أو المطالبة بآثاره القانونية. كما يضطلع القضاء بدور أساسي في تحديد التعويض العادل والمنصف عن نزع الملكية، باعتباره الضمانة الجوهرية لحماية حق الملكية والاستثمار.

وإذا كان نزع الملكية من أجل المنفعة العامة يشكل الإطار القانوني المشروع الذي يخول للإدارة المساس بحق الملكية الخاصة، شريطة احترام الضوابط الإجرائية والموضوعية المقررة قانوناً، فإن الواقع العملي يكشف أحياناً عن ممارسات إدارية تخرج عن هذا الإطار، سواء بإهمال المسطرة القانونية أو بتنفيذ النزع قبل استكمال إجراءاته الجوهرية. ففي مثل هذه الحالات، لا نكون بصدد نزع ملكية مشروع، بل أمام اعتداء مادي[19] تمارسه الإدارة، يتمثل في التنفيذ الفعلي والمباشر لأعمالها دون الالتزام بالشروط التي حددها القانون أي دون سند قانوني أو بتنفيذ قرار معدوم.

انطلاقا من ذلك يتجلى دور القضاء لشامل في التصدي للاعتداء المادي وإزالة آثاره، حيث يملك القاضي الإداري سلطة الأمر بوقف الفعل المعتدي وإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه متى أمكن ذلك، كإلزام الإدارة برفع يدها عن عقار مستولى عليه أو إزالة الأشغال المنجزة دون سند قانوني، كما يتمثل هذا الدور في جبر الضرر الناتج عن الاعتداء المادي، من خلال تقرير مسؤولية الإدارة والحكم بتعويض المتضرر عن الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت به، خاصة عندما يؤثر الاعتداء على مشروع استثماري أو يحول دون استغلال الملك موضوع الاستثمار. فالقاضي هنا لا يكتفي بإقرار الخطأ، بل يعالج نتائجه العملية والمالية.

وخلاصةً لما سبق، يتبين أن الاختصاصات القضائية للقضاء الإداري في حل نزاعات الاستثمار تتأسس على ازدواج آليات الحماية القضائية التي يتيحها، والمتمثلة أساساً في دعوى الإلغاء ودعوى القضاء الشامل. فالأولى تمكّن القاضي الإداري من بسط رقابته على مشروعية القرارات الإدارية المتصلة بالاستثمار، بما يضمن احترام مبدأ الشرعية ويحدّ من التعسف الإداري، بينما تتيح الثانية معالجة النزاع في شموليته، من خلال الفصل في الحقوق والالتزامات، والحكم بالتعويض، وإعادة التوازن المالي، وتسوية الآثار القانونية والمالية المترتبة عن التصرفات الإدارية والعقود الاستثمارية.

خاتمة

وختاما يمكن القول ان القضاء الإداري يلعب دورًا حيويًا في تحقيق التوازن بين حماية المصلحة العامة وضمان حقوق المستثمرين، إذ يمثل الضامن الأساسي لشرعية القرارات الإدارية والالتزامات الناشئة عن العقود الإدارية. فمن خلال دعوى الإلغاء، يتيح القضاء للطرف المتضرر الطعن في القرارات الإدارية غير المشروعة التي قد تعرقل النشاط الاستثماري، بينما توفر دعوى القضاء الشامل وسيلة للفصل في النزاعات المتعلقة بالعقود الإدارية، بما يشمل تعديل شروط العقود ومنح التعويض عن الأضرار الناتجة عن إخلال الإدارة بالتزاماتها. كما تلعب الدعاوى المستعجلة دورًا وقائيًا في حماية الاستثمارات من التعسف الإداري وضمان استمرارية المشاريع الاقتصادية.

وعلى الرغم من الدور الفاعل الذي يضطلع به القضاء الإداري، فإن فعاليته قد تتأثر بعدة عوامل مثل بطء المساطر القضائية، وتعقيد الإجراءات، وضعف آليات التنفيذ، وقلة التخصص في بعض القضايا الاستثمارية المعقدة. لذلك، يظل تطوير الاجتهاد القضائي، وضمان استقلالية وكفاءة القضاء الإداري، وتعزيز الإجراءات القانونية، أمرًا أساسيًا لضمان بيئة استثمارية مستقرة ومواتية، تعكس الثقة في المنظومة القانونية وتشجع على جلب الاستثمارات المحلية والأجنبية.

  1. ظهير شريف رقم 1.91.225 صادر في 22 من ربيع الأول 1414 (10) سبتمبر 1993) بتنفيذ القانون رقم 41.90 المحدث بموجبه محاكم إدارية. المنشور بالجريدة الرسمية عدد 4227 بتاريخ 18 جمادى الأولى 1414 (3 نوفمبر 1993)، ص 2168
  2. يمكن تعريف القرار الإداري على أنه عمل قانوني نهائي صادر بالإدارة المنفردة والملزمة الإدارة، بما لها من سلطة بمقتضى القوانين والأنظمة، بقصد إنشاء أو تعديل أو إلغاء حق أو التزام قانوني معين متى كان ذلك ممكنا أو جائزا قانونا وابتغاء المصلحة العامة
  3. ظهير شريف رقم 1.11.91 صادر في 27 من شعبان 1432 (29 يوليو 2011) بتنفيذ نص الدستور الصادر في الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر بتاريخ 28 شعبان 1432 (30 يوليو 2011) الصادر بالجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر بتاريخ 30 يوليوز 2011
  4. محمد الاعرج، القانون الإداري المغربي، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، (سلسلة مواضيع الساعة) عدد 106، 2019 ص662.
  5. المادة 21 من القانون 90.41 المحدث بموجبه محاكم إدارية.
  6. الفقرة الأولى من المادة 23 من القانون 90.41 المحدث بموجبه محاكم إدارية.
  7. المادة 20 من القانون 90.41 المحدث بموجبه محاكم إدارية.
  8. محمد الاعرج، القانون الإداري المغربي، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية. مرجع سابق ص 692
  9. محمد الاعرج، القانون الإداري المغربي، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية. مرجع سابق ص693
  10. تم تعريفها في المادة 1 من القانون 12.03 بانها ” دراسة قبلية تمكن من تقييم الآثار المباشرة وغير المباشرة التي يمكن أن تلحق البيئة على الأمد القصير والمتوسط والبعيد نتيجة إنجاز المشاريع الاقتصادية والتنموية وتشييد التجهيزات الأساسية وتحديد التدابير الكفيلة بإزالة التأثيرات السلبية أو التخفيف منها أو تعويضها بما يساعد على تحسين الآثار الإيجابية للمشروع على البيئة
  11. ظهير شريف رقم 1.03.60 صادر في 10 ربيع الأول 1424 (12 ماي 2003) بتنفيذ القانون رقم 12.03 المتعلق بدراسات التأثير على البيئة.
  12. ورد في الفصل “79الدولة والبلديات مسؤولة عن الأضرار الناتجة مباشرة عن تسيير إدارتها وعن الأخطاء المصلحية لمستخدميها.”
  13. الفصل 80 نص على انه ” مستخدمو الدولة والبلديات مسؤولون شخصيا عن الأضرار الناتجة عن تدليسهم أو عن الأخطاء الجسيمة الواقعة منهم في أداء وظائفهم.

    ولا تجوز مطالبة الدولة والبلديات بسبب هذه الأضرار، إلا عند إعسار الموظفين المسؤولين عنها

  14. قانون الالتزامات والعقود. ظهير 9 رمضان 1331 (12 اغسطس1913).
  15. محمد الاعرج، القانون الإداري المغربي، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية. مرجع سابق ص 703
  16. ماعدى الاضرار التي تسببها في الطريق العام مركبات أي كان نوعها يملكها شخص من اشخاص القانون العام. (المادة08 من القانون 41.9)
  17. محمد الاعرج. نظام العقود الإدارية والصفقات العمومية وفق قرارات واحكام القضاء الإداري المغربي. منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية (سلسلة مؤلفات واعمال جامعية) العدد88 الطبعة الثالثة 2011 الصفحة 16
  18. المادة الأولى من ظهير شريف رقم 1.81.254 صادر في 11 من رجب 1402 (6) مايو (1982) بتنفيذ القانون رقم 7.81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة وبالاحتلال المؤقت
  19. عرف القضاء المغربي واقعة الاعتداء المادي على أنه ” كل تصرف متسم بعدم مشروعية اعمال الادارة بمناسبة ممارسة وظيفتها خارج أي سند قانوني ماس بحق الملكية أو حرية أساسية “.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى