في الواجهةمقالات قانونية

أزمة الفكر العربي: خمس تحديات من أجل التجديد

أزمة الفكر العربي: خمس تحديات من أجل التجديد

*يونس مليح

يعرف العالم العربي في السنوات الأخيرة العديد من التقلبات والصراعات والحروب التي كان سببها الرئيس ما يطلق عليه بـ«الربيع العربي»، الذي أدى إلى تخريب العديد من الدول العربية وزج بها في حروب ما زالت لم تنته لحد اليوم، سواء في ليبيا أو سوريا أو العراق أو اليمن الذي لم يعد سعيدا بالمرة. فمنذ ذلك الحين، أصبح العالم ينظر إلى العالم العربي باستغراب واستهجان، فإلى جانب اتهامه بالإرهاب يبدو العالم العربي كما لو كان واقفًا متسمرا عند الألفية الأولى في طريقة تفكيره بمصالحه، وبالرغم من حصوله على كل الكماليات المادية التي يمتلكها العالم الغربي مع التفاوت ما بين البلدان العربية، تبقى الظاهرة الأكثر وضوحًا هي الافتقار إلى البنية التحتية الملائمة للتطور، وهي الافتقار إلى الأساسيات التي يرتكز عليها العالم الغربي في أنظمته، وفي تطور ديمقراطيته التي ضمنت الحقوق الأساسية لكل إنسان، من ضمان اجتماعي وصحي وتساوي فرص التعليم وسيادة القانون والعدالة والمساواة القائمة على احترام الكرامة الإنسانية للجميع. وتمثل مجموعها أساسيات التطور الغربي، بدلًا من المحسوبية والزبونية والفساد والقفز على القانون، وهي ظواهر غالبة في العالم العربي.

لهذا وجب تغيير نمط التفكير في المصالح التي تعتري الفكر العربي ككل، وهو ما يدفعنا إلى التساؤل حول كيفية إحداث نقلة نوعية في التفكير العربي، لإحداث التغيير المطلوب لتغيير الصورة القاتمة التي رسمها لنا هذا الغرب، والتي ساهمنا فيها بدون أن نعي خطورة وعواقب ما ساهمنا فيه.

تبدأ هذه التغييرات أولًا في ضرورة عدم الانسياق وراء العواطف والشعارات الرنانة التي تؤدي إلى مزيد من الحواجز والكراهية بيننا وبين العالم الذي ننتمي إليه ونعيش فيه؛ وكذلك الإقرار بفشل أو استحالة عمل ثورات عربية في ظل عقلية متحجرة غير قادرة على التجديد والاندماج مع عالم متغير، ومنعا لأي بعثرة أو تخريب للممتلكات الوطنية لأي بلد.

إلى جانب ضرورة إحداث تغيير جذري في الثقافة العربية التي استندت طيلة سنوات طويلة على السمع والطاعة والصبر، وتوقفت عند التاريخ الموروث الذي حمل الكثير من الفكر القمعي، الذي رضيناه بدون مناقشته أو فتح حوار صادق فيما إذا كان هذا الفكر الموروث يتناسب مع الظروف الحالية والعصية ويتناسب مع مصالحنا؛ زيادة على أنه يجب أن نكون صادقين مع أنفسنا أولًا، صادقين مع أنفسنا لكي نعرف ماهيتنا وما يجب أن نفعله وما دورنا في هذا العالم المتقلب، لكي نعرف مشاكلنا، لكي ندرك مدى التخلف والانحطاط الفكري الذي وصلنا إليه، لكي نعلم بأن كوارثنا هي من صنع أيدينا، وليس من صنع الآخرين، وطرح التساؤلات بخصوص هل نريد حقًا أن نتغير، أم نريد البقاء في نفس الصورة التاريخية التي تستهوينا والتي أطبقت على عقولنا؟ هل نريد حقا عصرنة وتحديث الفكر العربي؟

بطبيعة الحال فالأسئلة هي أول خطوة في مسار الإجابة، وهي الطريق لمعرفة ما ينتظرنا، ومن أجل بسط الخطوة الأولى في بحر الأمنيات، بحر نحلم معه بأن يكون هادئا، وأن نرى عالمنا العربي المتحول عالم كله سلم وسلام وانسجام، أفكاره عصرية حديثة، منتجة تضاهي بها جارتها الغربية في ظل العولمة، وفي ظل نظام عالمي لا يعرف الضعيف، الكلمة فيه للأقوى، ليس الأقوى بمعنى القوة، وإنما الأقوى على الصعيد الاقتصادي، الاجتماعي، السياسي وحتى الفكري. على أن يتلوها عدة خطوات تتكافل مع بعضها البعض تبعا لمسئولية كل طرف ودوره ومدى المسئولية التي يتحملها فيما وصل إليه الحال العربي، لذلك فكل واحد منا لابد له أن يتحمل المسؤوليات الملقاة على عاتقه.

التحدي الأول؛ الخطاب الديني

فمثلًا رجال الدين دورهم يكمن في مساعدة الآخرين على إحداث نقلة نوعية في تفكير الإنسان العربي، لما يتحملونه من مسؤولية بعد كل هذه السنين من الخطب النارية التي تشعل الأحاسيس وتلغي دور العقل، فتغيير الخطاب التقليدي الذي قادنا إلى الكثير من التعصب والانغلاق ورفض الحضارات الأخرى لاستنادها إلى العلمانية على اعتبار أن العالم كله مصيره أن يتحول إلى القيم الإسلامية، وتأكيد روح الدين التي اعترفت ببقية الأديان الأخرى وحرية العقيدة الداعية إلى المساواة ما بين مسئوليتنا عن أمننا وأمن المجتمع الدولي، واستعمال اللغة الإنسانية التي تنادي بالتسامح والرحمة، بدلًا من لغة شحن العواطف للقتال والعدوانية.

التحدي الثاني؛ التعليم

زيادة على تطوير التعليم والخروج به من التلقين إلى إعمال العقل بالحرية الفكرية، وأن تركز المناهج التعليمية على القواسم الإنسانية المشتركة، لتأكيد وتطوير العلاقة ما بين مصلحة الفرد التي تزداد وتستفيد من التطور الإنساني لمجتمعه، وأن نتوقف عن استخدام اللغة كوسيلة تحريض وتعميم فكري وإرهاب عقلي، بل فتح حوار حضاري يستند إلى إنسانيتنا كبشر للخروج من دائرة الحسابات الفردية إلى حساب مصلحة الدولة ثم مصلحة البلد وبعدها المصالح المشتركة للمنطقة العربية ثم مصالحنا مع العالم من حولنا.

التحدي الثالث؛ العدالة الاجتماعية

إضافة إلى مسئولية الأنظمة في إعادة حساباتها لخلق شيء من التوازن ما بين مصلحتها ومصلحة شعوبها وحقهم في ثرواتهم القومية، فليس من أصول الديانات تميزهم الكبير في الثروة في ذات الوقت الذي يرزح فيه المواطن تحت أعباء الحياة الكثيرة مع محدودية فرصه فيها، والتأكيد بأن مصالحهم الآن ترتبط بمدى تقدمهم في خطوات سريعة نحو التعددية والديمقراطية والشفافية، وأن الإنسان العربي عاجلًا أم آجلًا سينقلب عل فكرة الوراثة وتزييف الانتخابات.

التحدي الرابع؛ المثقف

فدور المثقفين العرب في الصدق مع الإنسان العربي بمدى إمكانياته وبمدى ترابط مصالحه مع البلدان الأخرى، ولكن أيضا بالحدود التي يتوقف عندها هذا الترابط لأولوية المصالح، ثم تكاملها، والخروج الطوعي للبعض من جيل المثقفين القدامى من المعركة الإعلامية للتقليل من حدة الاختلافات ولتجاوز مرحلة المد والجزر ما بين آراء المثقفين الجدد الذين ينتمون إلى عصر العولمة والانترنت وانفتاح بلدان العالم على بعضها البعض مما يزيد من القدرة على الحوار العقلاني القائم على المنطق، وليس على موروثات متجمدة، فاختلاف العصر يلزمنا الاعتراف بأن التاريخ سيضحى بعد فترة مجرد قصص تنتمي إلى الرومانسية وكثير من قصصه لا يمكن إثبات حقيقتها علميا.

التحدي الخامس؛ الإعلام

فدور الإعلام العربي في نشر ثقافة كونية جديدة للعالم العربي تنتمي إلى العصر تستعمل فيها لغة العقل لما يخدم مصلحة الإنسان العربي في ظل النظام العالمي الجديد، والابتعاد عن لغة الخطابة والشعارات وتأجيج الأحاسيس، فتح حوارات عن العولمة تبتدئ من أسبابها وضرورتها نظرا للارتباط العالمي وعدم وجود حواجز حدودية ونتائجها ومدى ما قد نستفيد منها وحدود هذه الاستفادة بصدق سواء كانت هذه النتائج إيجابية أم سلبية وليس بمجرد الصريخ، كل يحاول إثبات أن فكرته هي الأصح.

كل ما سبق والكثير الآخر يجب أن يتم تحليله بصدق وبشيء من التواضع والابتعاد عن الغرور الذي أصابنا منه الكثير إلى أن اعتقدنا بأن الله الذي حبانا بثروة معينة ميزنا عن بقية خلقه، وهو الخطأ الذي وقعنا فيه؛ لأننا كلنا من خلق الله وكلنا أحبابه.

*كاتب وباحث بسلك الدكتوراه بجامعة محمد الخامس بالرباط

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock