اتفاق التحكيم في المعاملة البنكية الباحث: خالد بوالهوى
اتفاق التحكيم في المعاملة البنكية
الباحث: خالد بوالهوى
طالب باحث في صف الدكتوراه كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية جامعة القاضي عياض بمراكش.
هذا البحث منشور في مجلة القانون والأعمال الدولية الإصدار رقم 61 الخاص بشهر دجنبر 2025
رابط تسجيل الاصدار في DOI
https://doi.org/10.63585/COPW7495
للنشر و الاستعلام
mforki22@gmail.com
الواتساب 00212687407665

اتفاق التحكيم في المعاملة البنكية
الباحث: خالد بوالهوى
طالب باحث في صف الدكتوراه كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية جامعة القاضي عياض بمراكش.
ملخص:
يتناول هذا الموضوع اتفاق التحكيم في المعاملة البنكية هذه الأخيرة تشمل مجموعة من الأنشطة المالية التي تتم بين الأفراد أو الكيانات المالية، وتتمثل في تقديم الخدمات البنكية مثل فتح الحسابات، إيداع الأموال، سحب الأموال، تقديم القروض، وإصدار بطاقات الائتمان، تخضع هذه المعاملات لقوانين وأنظمة محددة تهدف إلى حماية حقوق العملاء وضمان سلامة النظام المالي. هذه المعاملات قد تثور بشأنها العديد من المنازعات وعلى اعتبار أن الحياة التجارية تقوم على عنصر السرعة وتبعا لذلك فإن التحكيم البنكي يعد السبيل الأنسب لفض هاته المنازعات الناجمة عن المعاملات البنكية.
Arbitration agreement in banking transaction.
Researcher: Khalid Boulhawa
PhD student at the Faculty of Legal, Economic, and Social Sciences, Cadi Ayyad University, Marrakech
Abstract
This topic addresses the arbitration agreement in banking transactions. These transactions encompass a range of financial activities conducted between individuals or financial entities, including providing banking services such as opening accounts, depositing funds, withdrawing money, granting loans, and issuing credit cards. These activities are subject to specific laws and regulations aimed at protecting customer rights and ensuring the safety of the financial system. Numerous disputes may arise from these transactions, and given that commercial life relies on speed, banking arbitration is considered the most suitable means to resolve disputes arising from banking transactions.
مقدمة:
لا مراء على أن العمل البنكي الذي يتم يوميا وعلى مدار الساعة فيما بين البنوك من جهة والعملاء من جهة أخرى يعتبر متنوع الأصول ومتشعب الجوانب ومختلف الأهداف، موسوم بالطابع التقني، هذا التشعب والتنوع يجعله عرضة للخلافات بين أطراف العملية البنكية، وقد لا يتم التوصل لحلول ودية مرضية للأطراف. ومن المعلوم أنه عند حدوث الاختلاف وحدوث المنازعات بين الأطراف، يتم عادة اللجوء للجهات القضائية ممثلة في المحاكم للفصل في النزاع. وكما نعلم فإن السلطة القضائية، تعتبر من أهم السلطات في الدولة الحديثة التي يمنحها الدستور الاختصاص المستقل والولاية القانونية للنظر في المنازعات كلها التي تحدث بين الأطراف في معاملاتهم وتعاملاتهم كافة.
والسلطة القضائية المستقلة تعتبر من أهم دعائم الدولة الحديثة لتحقيق العدالة وسيادة القانون، لذا يلجأ لردهاتها أصحاب الحقوق كافة للمطالبة بحقوقهم، وعليهم إثبات هذه الحقوق أمام القضاء، وتقديم البينة التي تثبت ذلك الادعاء.
ولكن نظرا للعديد من الأسباب أصبح اللجوء للمحاكم القضائية يشكل هاجسا وربما أرقا، خاصة وأن فترة التقاضي أمام المحاكم تأخذ وقتا طويلا، وهذا قد يضر بمصالح البنوك ويعرضها للخسائر المتكررة بسبب فقدان السيولة، أو ربما لأسباب أخرى من بينها البحث عن السرية التجارية، والحرص على عدم كشف المنازعات مع الزبائن، خاصة وأن الجلسات بالمحاكم علنية ومفتوحة أمام الجميع، أو بسبب الطبيعة الفنية التخصصية للمنازعات البنكية التي قد لا تستوعبها ردهات المحاكم إلا بعد الاستعانة بالخبراء.
ولكل تلك الأسباب فقد ظهرت الحاجة الماسة والملحة للبحث عن البدائل الأخرى لتسوية المنازعات بعيدا عن القضاء وساحات المحاكم القضائية، شريطة أن تكون البدائل المطروقة مناسبة ومقبولة. لذلك بدأت البنوك تطرق أبواب التحكيم، حيت اتضح من مجمل الإحصائيات المتوفرة حاليا أن نسبة اللجوء للتحكيم لتسوية النزاعات في زيادة مطردة ومتصاعدة، مما يدل على نجاح المنحى وسلامة اللجوء للتحكيم كبديل لتسوية المنازعات التي قد تنجم بين الأطراف.
ولقد ظهر من الممارسة الفعلية وجود العديد من المسوغات التي قادت أصحاب الحقوق والمنازعات للجوء إلى التحكيم، منها أن القرارات النهائية من هيئة التحكيم تصدر في فترة وجيزة ومقبولة، وكذلك فإن هيئة التحكيم يتم تعيينها في الأغلب من متخصصين لديهم علم بالمسائل الفنية المرتبطة بالنزاع، كما يتم أيضا في التحكيم الحفاظ على السرية التامة التي تبعد النزاع عن أعين المنافسين.
إضافة لهذا فهناك العديد من الأسباب الأخرى المشجعة للتحكيم، كتلك التي يحددها الأطراف بأنفسهم مثل اختيار القانون الواجب التطبيق على النزاع، ومكان التحكيم ولغته وغيره من الشروط الخاصة التي يتفق عليها الأطراف وفق ما يرونه مناسبا.
إن هذه المعطيات كافة قد قادت بدورها إلى جعل أبواب التحكيم مشرعة أمام الجميع كواحد من أهم البدائل المتوفرة للفصل في النزاع، لذا بدأ التحكيم وظل في استمرار وفي تطور مقبول يهدف في نهاية المطاف للوصول للعدالة الناجزة في تسوية المنازعات بين الأطراف، وتسوية المنازعات يقود إلى حسن التعامل، مما يؤدي إلى توسيع العلاقات التجارية بين الأطراف مما جعل البنوك الآن تلجأ للتحكيم.
وتجدر الإشارة أن المشرع المغربي لم يكرس هذا النظام كبديل لتسوية النزاعات البنكية، لا في القانون 12-103 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها، ولا في باب العقود البنكية بمدونة التجارة، بل اكتفى بالإشارة إليه من خلال المادة الخامسة من قانون إحداث المحاكم التجارية.
ويشكل القانون 17-95 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية الإطار العام للتحكيم في المنازعات البنكية، ويعد اتفاق التحكيم البنكي اللبنة والبوابة الأولى لولوج العملية التحكيمية في المعاملة البنكية.
ومن خلال ما سبق ذكره يمكن صياغة الإشكالية التالية:
ماهي تقنيات صياغة اتفاق التحكيم في المنازعات البنكية شروطه وآثاره؟ وماهي خصوصيات اتفاق التحكيم في المعاملات البنكية؟
وللإحاطة بمضامين الموضوع، سنعتمد الخطة التالية:
المطلب الأول: أركان اتفاق التحكيم في المعاملة البنكية
المطلب الثاني: آثار اتفاق التحكيم في المعاملة البنكية
المطلب الأول: أركان وشروط اتفاق التحكيم في المعاملة البنكية
إن اتفاق التحكيم البنكي، اتفاق بين طرفين على اللجوء للتحكيم بغية فض النزاعات التي نشأت بالفعل أو التي من الممكن أن تنشا مستقبلا فيما بينهم، بخصوص علاقة قانونية موضوعها عمل بنكي. وذلك يستوجب وجود تراض عن إرادة صحيحة، كما أنه لا بد من أن يكون محله موجودا أو ممكنا، وله سبب مشروع، فضلا عن شروط صحته والتي تتمثل بأهلية الشخص الذي يبرمه للتصرف بالحق موضوع النزاع، وقابلية النزاع في الخضوع للتحكيم فضلا عن وجوب أن يكون اتفاق التحكيم مكتوبا.
الفقرة الأولى: أركان اتفاق التحكيم في المعاملة البنكية
الرضا:
يستلزم لانعقاد اتفاق التحكيم البنكي تراضي طرفيه، شأنه في ذلك شأن أي عقد آخر وذلك بصدور إيجاب من أحدهما ليصادفه قبول من الآخر، ويكون ذلك عن إرادة خالية من عيوب الرضا، فضلا عن تطابق الإيجاب والقبول في اللجوء إلى التحكيم بقصد حسم النزاعات التي نشأت أو التي من الممكن أن تنشأ بينهما مستقبلا[1].
إذ لابد من وجود التراضي أو ما يسمى بالإرادة العليا المشتركة لطرفي الاتفاق وبوجود تلك الإرادة يتحقق التراضي، فالرضا ركن لا يقوم الاتفاق من دونه وأن التعبير عن التراضي قد يكون صراحة لفضا أو كتابة أو بالإشارة المعهودة، أو بأي طريق لا يدع مجالا للشك في تراضي الأطراف، كما يمكن أن يكون التعبير عن الرضا ضمنيا في حال اطراد الأطراف على إدراج اتفاق التحكيم في معاملاتهم، كما في حالة إبرام شخصين لعقد من العقود دون أن ينص على شرط التحكيم في ثناياه، فهنا يجوز القول بوجود اتفاق ضمني على التحكيم بسبب طبيعة العمل بين الأطراف في نفس المجال واطرادهم على إدراج شرط التحكيم في عقودهم لفض المنازعات التي من الممكن أن تنشأ بينهم، أو تجديد العقد وعدم النص على شرط التحكيم سهوا من أطراف العقد[2].
وأن الرضا في اتفاق التحكيم البنكي لا يفترض، إذ لا بد من انصراف إرادة الطرفين إلى الركون للتحكيم لفض منازعاتهم بعيدا عن القضاء الوطني المختص بنظر المنازعة[3]، وهذا ما أكدته محكمة النقض المصرية في أحد أحكامها الحديثة بقولها: “… اتفاق التحكيم شرطا كان أم مشارطة، هو عقد حقيقي له سائر شروط وأركان العقود عموما، والتراضي ركن لا يقوم بدونه اتفاق التحكيم، وجوهره تقابل إرادتين متطابقتين للطرفين الراغبين في اتخاذ التحكيم سبيلا لتسوية منازعاتهم، بعيدا عن قضاء الدولة صاحب الولاية العامة في نظر كافة المنازعات أيا كان نوعها وأيا كان أطرافها، فإذا عبر أحد الطرفين إيجابا عن رغبته في تسوية النزاع عن طريق التحكيم، فيلزم أن يكون قبول الطرف الآخر باتا ومنتجا في إحداث آثاره، حتى يمكن القول بوجود تطابق حقيقي بين إيجاب وقبول طرفي التحكيم على نحولا يتطرق إليه أي شك أو احتمال أو جدل. ويتحقق التراضي على شرط التحكيم، بالمفاوضات التي تدور بين الطرفين حول بنود العقد الأصيل وشروطه ومن بينها شرط التحكيم –باعتباره عقدا مستقلا داخل العقد الأصيل -وإثبات التراضي على ذلك كتابة والتوقيع عليه منهما… الخ[4].
المحل:
لكل التزام محل ينصب عليه، ومحل الالتزام هو ما يلتزم به المدين، ويكون التزام المدين إما القيام بعمل أو بالامتناع عن القيام بعمل، أو نقل حق عيني[5].وفي ذلك أشار المشرع المغربي إلى أنه من بين الأركان اللازمة لصحة الالتزامات الناشئة عن التعبير عن الإرادة المحل، أو بما عبر عنه بشيء محقق يصلح لأن يكون محلا للالتزام[6].
ومحل اتفاق التحكيم هو موضوع المنازعات التي يشملها ذلك الاتفاق أو التي ينص على فضها عن طريق التحكيم، وفي حال كان الاتفاق على التحكيم بصورة شرط في العقد، فإن الأطراف وفي أغلب الأحيان لا يشيرون إلى موضوع معين في اتفاقهم، كأن يقال إن جميع الخلافات التي من الممكن أن تنشأ عن تنفيذ العقد تحل عن طريق التحكيم، أما في حالة الاتفاق على حل نزاع قائم بينهم (مشارطة تحكيم) ففي هذه الحالة فإن موضوع النزاع يكون واضحا ومن الممكن أن يحدد بدقة، أومن دون تفصيل.
وتجدر الإشارة إلى أن التشريعات المقارنة أوجبت أن يحدد موضوع اتفاق التحكيم شرطا كان أم مشارطة، فبالنسبة للشرط يجب على الأقل تقدير تحديد العقد الذي سيخضع للتحكيم، أما المشارطة فلابد من تحديد النزاع باعتباره قائم بين الأطراف وإلا فإن مصير الاتفاق يكون البطلان، وهذا ما نص عليه المشرع المغربي في الفقرة الأولى من المادة 5 من القانون 17-95 والتي جاء فيها:” يجب أن يتضمن عقد التحكيم، تحت طائلة البطلان، تحديد موضوع النزاع…”.
ولقد قضت محكمة النقض في مصر في ذلك، باقتصار ولاية المحكمين على ما انصرفت إليه إرادة المحتكمين، وفي حال تجاوزت هيئة التحكيم ذلك، فإن قضائها سيكون حينها على غير المحل الذي وجد من أجله الاتفاق، وإن الاختصاص الأصيل سيكون حينها لقضاء الدولة[7].إذن لا بد لحسن صياغة اتفاق التحكيم البنكي، شرطا كان أم مشارطة من تحديد العقد محل النزاع فيشرط التحكيم، وتحديد المنازعات التي سيخضعها الأطراف للتحكيم في مشارطة التحكيم، وذلك باعتبار أن اللجوء إلى التحكيم يعد خروجا عن الأصل وهو الخضوع للقضاء المختص في الدولة، مما يستدعي تحديد المسائل التي سيخضعها أطراف لاتفاق للتحكيم ومن ثم يحدد وفقا لذلك نطاق سلطة المحكم للفصل في النزاع.
وفي إطار العمل البنكي نقترح على البنوك اعتماد شروط التحكيم بدل عقود التحكيم لأن العمليات البنكية التي تقوم بها البنوك تتصف بالدوام والاستمرارية ومن الأفضل لها أن تعمل على إدراج شروط التحكيم في جميع عقودها وبشكل نموذجي لحل أي نزاع ينشأ بينها وبين المتعاملين معها، على أن تلجأ في كل مرة إلى إبرام عقود تحكيم مع ما يتطلب ذلك من جهد ووقت ضائع
السبب:
إن اتفاق التحكيم البنكي ليكون صحيحا، فإنه لابد من أن يكون له سبب مشروع وإلا كان باطلا، وباعتبار اتفاق التحكيم عقد كسائر العقود فإنه لابد من أن يكون له سبب مشروع ولو لم يذكر في الاتفاق، والسبب الظاهر في أي اتفاق تحكيمي هو رغبة أطراف ذلك الاتفاق في حسم النزاعات القائمة أو التي من المحتمل قيامها عن طريق التحكيم[8].
وهو سبب مشروع باعتبار أن التحكيم وسيلة أتاح المشرع للأشخاص اللجوء إليه لفض منازعاتهم، ما لم يقم دليل على خلاف ذلك، ولم تشر غالبية التشريعات للسبب، وبذلك تطبق بشأنه القواعد العامة[9].
وتطبيقا لما تقدم فإنه يكفي مجرد اتفاق الأطراف على اللجوء للتحكيم البنكي فيكون ظاهر الإرادة أن سبب اتفاقهم على التحكيم يكمن في رغبتهم بالخضوع إلى قضاء التحكيم دون قضاء الدولة ما لم يثبت الطرف المدعي خلاف ذلك.
الفقرة الثانية: شروط صحة اتفاق التحكيم في المعاملة البنكية
تنقسم شروط اتفاق التحكيم البنكي إلى شروط موضوعية، تتمثل في الأهلية وقابلية النزاع البنكي في الخضوع للتحكيم، وشروط شكلية تتمثل بالكتابة وهذا ما سنبينه تباعا:
أولا: الشروط الموضوعية
1-الأهلية:
إن مجرد تراضي أطراف اتفاق التحكيم البنك والعميل لا يكفي لإبرامه، إذ يجب أن يصدر ممن يتمتع بالأهلية اللازمة للتصرف بالحق محل النزاع، وأن مسألة تمتع أطراف اتفاق التحكيم البنكي بالأهلية اللازمة لإبرامه يتوقف عليها صحة أو بطلان ذلك الاتفاق، ومن الممكن أن تثار تلك المسألة عند طلب تنفيذ القرار التحكيمي أو أثناء رفع دعوى أمام القضاء عن نزاع يوجد بشأنه اتفاق تحكيمي، لذا لا بد من تحديد الأهلية اللازمة لإبرام اتفاق التحكيم البنكي، سواء بالنسبة للشخص الذاتي أو الاعتباري. وذلك بأن اتفاق التحكيم البنكي من الممكن أن يبرم بين شخص ذاتي وآخر اعتباري أو بين شخصين اعتباريين، إذ لا بد من أن يكون البنك طرفا في ذلك الاتفاق وذلك بأن المشرع المغربي يقرر لفائدة البنوك احتكار القيام بالعديد من العمليات البنكية ويضع جزاءات على مخالفة هذا الحضر.
ولقد نص المشرع المغربي في المادة 14 من القانون الجديد 17-95المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية على أنه:” يجوز لجميع الأشخاص من ذوي الأهلية الكاملة، سواء كانوا ذاتيين أو اعتباريين، أن يبرموا اتفاق تحكيم لتسوية النزاعات الناشئة عن الحقوق التي يملكون حق التصرف فيها. ضمن الحدود ووفق الإجراءات والمساطر المنصوص عليها في هذا القانون، مع التقييد بمقتضيات الظهير الشريف الصادر في 9 رمضان 1331 (13 أغسطس 1913) بمثابة قانون الالتزامات والعقود، كما تم تغييره وتتميمه، ولا سيما الفصل 62 منه.”
كما نص المشرع المصري في قانون التحكيم المصري على أنه لا يجوز للشخص سواء كان طبيعيا أو اعتباريا أن يبرم اتفاق تحكيمي ما لم يكن أهلا للتصرف في حقوقه[10].
وتأسيسا على ما سبق نجد أن الأهلية اللازمة لإبرام اتفاق التحكيم البنكي هي أهلية الشخص للتصرف في الحق محل النزاع، سواء كان شخصا ذاتيا أو اعتباريا، وبصياغة أخرى، فإن الأهلية اللازمة هنا هي أهلية أداء وهي أهلية الشخص لمباشرة التصرفات القانونية على وجه يعتد به.
وفيما يخص الشخص الذاتي، فإن الأصل أن كل شخص أهل للتعاقد، ما لم يحد القانون من أهليته أو يقرر انعدامها، وذلك ما لم يعرتيه عارض من عوارض الأهلية[11]أوعيب من عيوب الإرادة وهي الغلط والإكراه والتدليس والغبن[12]وسن الرشد في القانون المغربي ثمانية عشر سنة شمسية كاملة[13].
وبالنسبة للشخص الاعتباري، وبالرجوع لمقتضيات المادة 14 أعلاه نلاحظ بأنها قد أشارت إلى أنه يجوز لجميع الأشخاص من ذوي الأهلية الكاملة، سواء كانوا ذاتيين أو اعتباريين، أن يبرموا اتفاق تحكيم لتسوية النزاعات الناشئة عن الحقوق التي يملكون حق التصرف فيها.
وفيما إذا كان أحد أطراف اتفاق التحكيم أجنبيا، فإن النظم القانونية على مستوى العالم انقسمت إلى اتجاهين لتحديد أهليته إذ يتخذ الاتجاه الأول جنسية الشخص الأجنبي كضابط إسناد لتحديد أهليته، وهذا هو اتجاه الدول ذات النظم اللاتينية، متمثلة بالأخص بالقانون الفرنسي، وغالب النظم القانونية العربية ومن ضمنها القانون المغربي، بينما يعتمد الاتجاه الثاني موطن الشخص كمعيار لتحديد أهليته، كما هو الحال في النظم الأنكلوسكسونية متمثلة بالقانونين الإنكليزي والأمريكي.
وبالرجوع إلى قاعدة التنازع في القانون المغربي، نرى بأن القانون الواجب التطبيق فيما يخص أهلية الشخص الذاتي الأجنبي، هو قانون الدولة التي ينتمي إليها بجنسيته ولكن ذلك الحكم لا يجري على إطلاقه، ففي حال كان الأجنبي ناقص الأهلية وأبرم عقدا يدور حول تصرف مالي في المغرب وترتبت أثاره فيه، وكان نقص أهليته راجع إلى سبب لا يسهل على الطرف الآخر تبينه، فإنه يعتبر حينها كامل الأهلية بصدد ذلك التصرف.
وبالنسبة لأهلية الشخص الاعتباري، فإننا سنفصل القول في ذلك بالنسبة للبنك من جهة، والشخص الاعتباري من جهة أخرى، وسبب ذلك أن القانون فرض شروطا معينة ليكون البنك معتمدا لممارسة العمل البنكي، مما يستتبع إمكانية إبرامه لاتفاق تحكيم بنكي باستيفائه لتلك الشروط. وبالنسبة للأهلية اللازمة للبنك وفقا للقانون 12-103 المتعلق بمؤسسات الائتمان، فإن الدخول إلى المهنة البنكية يتوقف على ضرورة الحصول على اعتماد يسلمه والي بنك المغرب بعد استطلاع رأي لجنة مؤسسات الائتمان، وفي ذلك تنص المادة 34 من القانون السالف الذكر على أنه يجب على كل شخص اعتباري يعتبر مؤسسة ائتمان حسب مدلول المادة الأولى أعلاه، أن يكون قبل مزاولته نشاطه في المغرب معتمدا سلفا من لدن والي بنك المغرب بعد استطلاع رأي لجنة مؤسسات الائتمان، ولقد نصت المادة 35 من القانون الآنف الذكر على أنه لا يجوز أن تؤسس مؤسسات الائتمان الموجودة مقارها الاجتماعية بالمغرب إلا في شكل شركة مساهمة ذات رأس مال ثابت أو تعاونية ذات رأس مال متغير باستثناء المؤسسات التي حدد لها القانون نظاما خاصا.
وفيما يخص فروع البنوك الأجنبية، لم يحدد القانون اتخاذها شكلا معينا لغرض منح الترخيص لكنه أوجب ضرورة إرفاق الطلب برأي سلطة بلد المنشأ المؤهلة لإبداء مثل هذا الرأي[14] فضلا على ضرورة رصد مخصصات مستخدمة بالفعل في المغرب يعادل مبلغها على الأقل رأس المال الأدنى[15].
إذن وفقا لما تقدم وعلى المستوى الوطني، لا يكفي مجرد اتخاذ البنك شكل شركة مساهمة ليكون أهلا لإبرام اتفاق التحكيم، إذ يجب أن يحصل على ترخيص من بنك المغرب لممارسة الأعمال البنكية، مما يستتبع إمكانية إبرام من يمثله اتفاق تحكيم بنكي إذ لا بد من أن يكون له ممثل عن إرادته، ويكون المدير العام هو الشخص المخول بإبرام اتفاق التحكيم وذلك وفقا لعقد الشركة أو بموجب عقد أو اتفاق لاحق، وحسب الأحوال يكون على الشخص المفوض بالتوقيع المحافظة على مصلحة الشركة[16].
2-قابلية النزاع البنكي للتحكيم:
يتمثل التزام الأطراف في اتفاق التحكيم البنكي باللجوء إلى التحكيم دون قضاء الدولة، ومحل ذلك الالتزام عقد بنكي، مما يستتبع وجوب أن يكون ذلك المحل مما يجوز فيه الصلح. والتساؤل الذي يثار بهذه المناسبة هو مدى قابلية هذه النزاعات في الخضوع للتحكيم؟
وللإجابة على هذا التساؤل، فالتحكيم لا يجوز إلا في المسائل التي تقبل الصلح، وبالرجوع إلى قواعد ق.ل.ع التي نظمت الصلح، يتبين أنها أشارت إلى أن الصلح لا يجوز في المسائل المتعلقة بالنظام العام أو الآداب، لكنه يسوغ الصلح على المنافع المالية التي تترتب على مسألة تتعلق بالحالة الشخصية أو على المنافع التي تنشأ من الجريمة. فالمشرع المغربي لم يعرف النظام العام، شأنه في ذلك شأن أغلب القوانين، واكتفى بالنص على بعض المسائل التي تعتبر أحكامها من النظام العام، مما لا يجوز معه الاتفاق على مخالفتها كما في الأحكام التي تتعلق بالأحوال الشخصية فيما يخص الميراث والأهلية وغيرها.
ويتبين من فحوى الفصل 1100 من ق.ل.ع أن المشرع يقصد بالمسائل المتعلقة بالنظام العام سواء فيما يخص الحالة الشخصية لتعلقها بالحلال والحرام والأهلية مما لا يجوز التصالح عليها، وفيما يخص الجرائم لتعلق الأحكام الخاصة بها بمصلحة عليا من مصالح المجتمع، وأنه أجاز التصالح على الحقوق المالية التي من الممكن أن تترتب عليها.
ويقصد بالنظام العام بصورة عامة بأنه مجموعة القواعد القانونية التي يكون الغاية منها تحقيق المصالح العامة على أصعدة مختلفة قد تكون اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية لتعلقها بالمصلحة العليا التي تسمو على مصلحة الأفراد مما يوجب عليهم مراعاتها ومن ثم لا يجوز لهم الاتفاق على مخالفتها[17].يتبين لنا من خلال التعريف السابق أن فكرة النظام العام فكرة مرنة عصية على التحديد، وهي فكرة قد تسود على أصعدة مختلفة قد تكون سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، كما أن ما يعتبر من النظام العام في بلد ما قد لا يعتبر كذلك في بلد غيره، أضف إلى ذلك إن ما يعد من النظام العام في زمان معين قد لا يعد كذلك في زمان مضى أو في المستقبل ضمن حدود بلد الواحد.
إذن بناء على ما تقدم يتبين لنا أن النظام العام يمثل القيم العليا في مجتمع ما سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، وهو بذلك يختلف عن مفهوم القواعد الآمرة التي يقصد بها القواعد القانونية التي يجب على الأشخاص احترامها، مما يستتبع عدم جواز الاتفاق على مخالفتها أو الاتفاق على استبعادها. وإذا ما كانت القواعد التي تحكم العمليات البنكية في القانون التجاري تسعى لتنظيم علاقة قانونية بين الأشخاص ولا يمتد أثرها إلى الصالح العام، فإننا نرى أن لا ضير من استبعادها ما دامت لا تتعلق بالنظام العام.
وبناء على ما تقدم نخلص إلى أنه لا ضير في إمكانية اتفاق الأطراف على إخضاع منازعاتهم بخصوص عقد بنكي إلى التحكيم لعدم تعلقها بالنظام العام، وذلك بأن العمل البنكي حق مالي يجوز التصالح عليه، وباعتبار أن هيئة التحكيم لن تهمل تطبيق القواعد التي تتعلق بالنظام العام عند الفصل بالنزاع.
ثانيا: الشروط الشكلية
أشارت المادة 3 من القانون 17-95 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية بأن اتفاق التحكيم لا يثبت إلا كتابة، حيث نصت على ما يلي:” يجب أن يبرم اتفاق التحكيم كتابة، إما بعقد رسمي أو عرفي وإما بمحضر يحرر أمام الهيئة التحكيمية المعينة، أو بأي وسيلة أخرى يتفق عليها الأطراف.
يعتبر اتفاق التحكيم مبرما كتابة إذا ورد في وثيقة موقعة من لدن الأطراف أو في رسائل متبادلة أو برقيات أو أي وسيلة أخرى من وسائل الاتصال المكتوبة، أو بموجب رسائل إلكترونية معدة وفقا للنصوص القانونية الجاري بها العمل، أو بتبادل مذكرات الأطراف أو الدفاع التي يدفع فيها أحدهم أمام الهيئة التحكيمية، بوجود اتفاق تحكيم دون أن ينازعه الطرف الآخر في ذلك.
ويعد في حكم اتفاق التحكيم المبرم. كل إحالة صريحة في عقد مكتوب إلى أحكام عقد نموذجي أو اتفاقية دولية، أو إلى أي وثيقة أخرى تتضمن شرطا تحكيميا، إذا كانت هذه الإحالة واضحة في اعتبار هذا الشرط جزءا من العقد”.
ولقد انقسمت التشريعات من حيث اعتبار الكتابة شرط لإثبات اتفاق التحكيم أم شرطا للانعقاد، وهكذا فالمشرع المغربي اعتبر كتابة اتفاق التحكيم شرط للانعقاد حيث نص على وجوب إبرام اتفاق التحكيم كتابة، كما أنه أخد بالتوجه الحديث، حيث وسع دائرة الكتابة التي تعتبر صحيحة لإبرام اتفاق التحكيم وذلك ما نستشفه من خلال مقتضيات الفقرة الثانية من المادة الثالثة أعلاه، بل واعتبر كل إحالة صريحة في عقد مكتوب إلى أحكام عقد نموذجي أو اتفاقية دولية بمثابة اتفاق التحكيم وذلك من خلال مقتضبات الفقرة الثالثة من المادة 3 الآنفة الذكر.
ومن تم فإنه لا يجوز في المعاملات البنكية أن يتفق البنك مع عميله شفويا بل يجب أن يكون اتفاق التحكيم مكتوب وبشكل لا لبس فيه، فالمحكمة عند تفسير اتفاق التحكيم تلتزم الحيطة والحذر وتفسر تفسيرا ضيقا، حيث تفسر الشك لصالح عدم اللجوء إلى التحكيم. وهذا ما أكده المجلس الأعلى من خلال نقض قرار استئنافي منح الصيغة التنفيذية لقرار تحكيمي بناء على شرط تحكيمي وارد على وثيقة غير مقبولة ولا موقعة من الطرفين، إذ جاء فيه:” حيث أن المطلوب لا ينازع في العقد المؤرخ في 22/01/1980 الموقع من طرفه الذي يثبت فتح حساب جار لدى الطالب، وهذا العقد تضمن في فقرته ما قبل الأخيرة بندا مفاده موافقة طرفيه على إسناد الاختصاص لمحاكم الدار البيضاء، والطاعن تمسك بهذا الدفع أمام محكمة الاستئناف إلا أنها ردته بعلة أن بنك الوفاء بإعداده للمطبوع ووضعه رهن إشارة زبنائه كانت رغبتهم منصرفة إلى التقاضي في حالة نشوب نزاع مع زبنائه بواسطة التحكيم، وإن المطبوعات الصادرة عن البنك تعتبر إيجابا منه للزبناء متى تضمنت عناصر التعاقد تفصيلا، ويكون رضا الزبون قائما بمجرد الموافقة على النموذج الذي يحرره البنك وأن المستأنف عليه بسلوكه مسطرة التحكيم يكون قد استجابت لإرادة من القرار ذو طابع عام غير موقع عليه من الطرفين، ولا يصمد في الإثبات أمام العقد الخاص المؤرخ في 22/01/1980 المبرم بين الطالب والمطلوب، وغير المنازع فيه بمقبول والذي أسند الاختصاص فيما ينشب بين طرفيه لمحاكم الدار البيضاء ولم تتحدث مقتضياته على التحكيم المعتبر شريعة المتعاقدين وهي بمنحاها تكون قد أولت العقد الصريح العبارة والذي يمنع الفصل 461 من قانون الالتزامات والعقود تأويله، فخرقت مقتضيات الفصلين 232 و 461 من ق.ل.ع وبنت قرارها على أساس غير سليم وعرضته للنقض”.
كما أنه يجب حسب مقتضيات المادة 55 أن يودع أصل الحكم التحكيمي مصحوبا بنسخة من اتفاق التحكيم، بكتابة ضبط المحكمة المختصة، وبموجب ذلك نرى أنه لا مناص من كتابة الاتفاق.
ولقد نص كذلك المشرع المصري في قانون التحكيم المصري على وجوب أن يكون اتفاق التحكيم مكتوبا وإلا طاله البطلان، كما بين الكيفية التي يمكن من خلالها إفراغ الشكل الكتابي، وذلك بأن يكون بصورة محرر موقع من قبل الأطراف أو بشكل رسائل أو برقيات أو أي من وسائل الاتصال المكتوبة[18]. وبتلك المثابة تكون الكتابة شرطا لصحة الاتفاق لا لإثباته ولا تتطلب الرسمية.
كما أشار المشرع الفرنسي في المادة 1443 من قانون الإجراءات المدنية الفرنسي إلى مسألة الشكل في التحكيم الداخلي إذ أوجب أن يكون اتفاق التحكيم مكتوبا، سواء كان مدرجا في العقد أو في مستند يحيل إليه وإلا كان الاتفاق باطلا[19]. كما أوجب في المادة 1447من نفس القانون على وجوب أن يكون شرط التحكيم ثابتا بالكتابة وإلا طاله البطلان.[20]
كما أشار قانون التحكيم الإنكليزي إلى كتابة اتفاق التحكيم، وذلك في المادة 5 منه بفقراتها الست ولم يستلزم توقيع الأطراف عليه أو أن تكون الكتابة بوسيلة معينة.
وبخصوص مسألة التوقيع أدلي برأيي الشخصي حول المسألة إذ أعتقد أن الكتابة وحدها بدون توقيع، فهي والعدم سواء، فشرط التحكيم هو الذي تجسده الإرادة في اللجوء إليه وبذلك فإنه يجب أن يكون موقعا من طرف من يواجه به الشرط.
وعلى مستوى الاتفاقيات الدولية، أكدت اتفاقية نيويورك 1958 الخاصة بالاعتراف بأحكام التحكيم الأجنبية وتنفيذها في الفقرة 1 من المادة الثانية على اعتراف الدول المتعاقدة باتفاق التحكيم المكتوب وبينت في الفقرة من نفس المادة بأن مصطلح الاتفاق المكتوب يشمل شرط التحكيم أو أي اتفاق تحكيمي موقع من أطرافه كتابة اتفاق التحكيم على ولو كان واردا في الرسائل أو البرقيات المتبادلة بينهم. وهذا ما تبتنه قواعد القانون النموذجي للتحكيم التجاري الدولي في المادة 7/2 إذ أوجبت أن يكون اتفاق التحكيم مكتوبا أيضا.
المطلب الثاني: آثار اتفاق التحكيم في المعاملة البنكية
يترتب على انعقاد اتفاق التحكيم البنكي آثارا إجرائية بالنسبة لأطرافه، وهو امتناعهم عن اللجوء إلى القضاء المختص أصلا بنظر خصومتهم وهذا هو الأثر السلبي لاتفاق التحكيم، كما يجلب هذا الاتفاق الاختصاص إلى قضاء اتفاقي اختاره الأطراف وهو قضاء التحكيم وهذا هو الأثر الايجابي لاتفاق التحكيم، وان اتفاق التحكيم كعقد له اثر نسبي وهو نطاق تأثيره إذ أن الأصل انه لا يمتد لغير أطرافه، لذا نقسم هذا المطلب إلى فقرتين، نناقش في الأولى الآثار الإجرائية لاتفاق التحكيم البنكي، ونبين في الثانية نطاق اتفاق التحكيم البنكي.
الفقرة الأولى: الآثار الإجرائية لاتفاق التحكيم
نتناول في هذه النقطة الآثار الإجرائية لاتفاق التحكيم البنكي والتي تتمثل في الأثر السلبي والإيجابي في اتفاق التحكيم وذلك على الشكل التالي:
أولا: الأثر السلبي لاتفاق التحكيم البنكي:
يقصد بالأثر السلبي (الأثر المانع) لاتفاق التحكيم، التزام أطرافه بعدم اللجوء إلى قضاء الدولة المختص أصلا بنظر خصومتهم، إذ لا يجوز لطرف من الأطراف اللجوء إلى القضاء بإرادة منفردة، وإنما يستلزم ذلك تنازل الطرف الآخر عن اتفاق التحكيم صراحة أو ضمنا، كما يتضمن هذا الأثر التزام قضاء الدولة بعدم نظر النزاع المطروح أمامه في حال دفع الطرف الذي أقيمت الدعوى بمواجهته بوجود اتفاق تحكيمي قبل الدخول في الدعوى[21].
يتبين مما سبق عرضه أن الأثر السلبي لاتفاق التحكيم البنكي يلزم الأطراف بمجرد اتفاقهم على اللجوء إلى التحكيم، وفي ذلك أشار المشرع المغربي في المادة 18 من القانون 17-95 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية إلى أنه:” عندما يعرض نزاع مطروح أمام هيئة تحكيمية استنادا إلى اتفاق تحكيم، على نظر إحدى المحاكم، وجب على هذه الأخيرة أن تصرح بعدم القبول إلى حين استنفاد مسطرة التحكيم أو إبطال اتفاق التحكيم.
إذا كان النزاع لم يعرض بعد على الهيئة التحكيمية، وجب أيضا على المحكمة المختصة أن تصرح بعدم القبول.
يتعين على المدعى عليه في كلتي الحالتين أن يدفع بذلك قبل كل دفاع في الجوهر، ولا يجوز للمحكمة المختصة أن تصرح تلقائيا بعدم القبول.”
نستشف من خلال مقتضيات المادة أعلاه عدم جواز رفع الدعوى من قبل الخصوم أمام القضاء في حال وجود اتفاق تحكيمي فيما بينهم، فالدفع بوجود اتفاق التحكيم هو دفع بعدم القبول، ذلك أن اتفاق التحكيم يترتب عليه نزول الخصوم عن الالتجاء إلى المحكمة المختصة أصلا بنظر النزاع، ومتى تنازل الخصوم بإرادتهم عن سلطة الالتجاء إلى القضاء، تكون الدعوى قد فقدت شرطا من شروط قبولها كما يمتنع على المحكمة قبولها.
والمحكمة لا يمكنها أن تثير الدفع بعدم القبول من تلقاء نفسها ففي حال قيام أحد الأطراف برفع دعوى بخصوص النزاع القائم بينهم دون اعتداد بشرط التحكيم، وعدم اعتراض الطرف الآخر من الجلسة الأولى، ففي هذه الحالة يعد شرط التحكيم لا غيا، وتستمر المحكمة المختصة بنظر الدعوى حيث يعتبر ذلك تراجعا ضمنيا عن الاتفاق.
وبخصوص ميعاد الإدلاء بالدفع بعدم القبول فقد نصت عليه الفقرة الثالثة من المادة 18 أعلاه حيث يتعين على المدعى عليه أن يدفع بذلك قبل كل دفاع في الجوهر، ولقد ذهب المجلس الأعلى محكمة النقض حاليا إلى اعتبار الدفع بوجود اتفاق التحكيم من الدفوع الشكلية التي يجب أن تثار قبل كل دفع أو دفاع في الجوهر إلا كانت غير مقبولة إذ اعتبر أن:” هذا الدفع لا يمكن إثارته لأول مرة أمام محكمة الاستئناف ما لم يتعلق الأمر بالنظام العام وما لم يكن الحكم صدر غيابيا في حق المتمسك به”.
وبالانفتاح على التشريعات المقارنة كما في قانون التحكيم المصري نلاحظ بأنه قد أشار إلى أن رفع الدعوى أمام القضاء ودفع المدعى عليه بوجود اتفاق التحكيم يوجب على المحكمة أن تحكم بعدم القبول، ولا يحول رفع الدعوى دون بدء إجراءات التحكيم أو الاستمرار فيها، بل ذهب إلى إمكانية إصدار الحكم التحكيمي حتى وإن أقيمت دعوى أمام القضاء العام حول نفس النزاع[22].وحسن ما فعل المشرع المصري، ذلك أنه أغلق باب المماطلة والتهرب على الخصوم في حال لجوئهم للقضاء بنية إطالة أمد النزاع، وهذا ما تتحقق معه الغاية المرجوة من اللجوء إلى التحكيم تحقيقا لسرعة الفصل في المنازعات[23].
كما أشار المشرع الفرنسي في قانون الإجراءات المدنية إلى أنه في حال رفع نزاع يوجد بشأنه اتفاق تحكيم إلى قضاء الدولة، لا يجوز للمحكمة أن تعلن عدم اختصاصها من تلقاء نفسها، وميز في ذلك بين حالتين: الأولى، إذا كان النزاع قد عرض على هيئة التحكيم فلا يكون حينها للمحكمة التأكد من صحة أو بطلان الاتفاق، والحالة الثانية إذا لم يكن النزاع معروضا على هيئة التحكيم فيكون حينها للمحكمة المختصة أن تنظر في صحة اتفاق التحكيم من عدمه وفي حال كان الاتفاق ظاهر البطلان ينعقد حينها الاختصاص لتلك المحكمة[24].
ونرى في الحكم الذي أورده المشرع الفرنسي فائدة تعضد من مزايا التحكيم، إذ أنه نص صراحة على تأكد المحكمة من صحة اتفاق التحكيم حماية للأطراف المختصمين، وذلك بأن لجوئهم للتحكيم عن اتفاق باطل قد يفضي إلى عدم الاعتراف أو إمكانية الطعن بقرار التحكيم عند طلب تذييله بالصيغة التنفيذية من الجهة المختصة، مما يؤدي إلى ضياع الوقت والجهد.
والجدير بالذكر أن اتفاق أطراف العقد البنكي على اللجوء للتحكيم لا يسلب القضاء ولاية النظر في موضوع الاتفاق بشكل دائم إذ يكون للأطراف خيار العدول عن اتفاقهم في اللجوء إلى التحكيم، كما يكون لهم اللجوء إلى القضاء للحكم في مسألة لم يخضعوها للتحكيم[25].
وتجدر الإشارة أيضا إلى أن ولاية القضاء لا تحجب بصورة مطلقة إذ يبقى للأطراف اللجوء إليه للفصل فيما لا يدخل ضمن اختصاص هيئة التحكيم من مواضيع، كما يكون للمحكمة المختصة دور في تشكيل الهيئة التحكيمية حال اختلاف الخصوم بصدد ذلك، والنظر في مسألة تجريح المحكم، ومن أوجه تدخل القضاء في سير عملية التحكيم أن للأطراف اللجوء للمحكمة المختصة في حال لم يفصل المحكمون في النزاع ضمن المدة المحددة فيكون لأطراف الاتفاق اللجوء للمحكمة لتمديد الأجل كما يكون للقضاء دور في إنهاء مهمة المحكم الذي تعذر عليه القيام بمهمته، بالإضافة إلى صلاحية القضاء بالبث في الأمور الاستعجالية والمؤقتة، تم للقضاء دور في إضفاء القوة التنفيذية على الحكم التحكيمي[26].
ثانيا: الأثر الإيجابي لاتفاق التحكيم البنكي:
إن الأثر الإيجابي لاتفاق التحكيم البنكي يتمثل في التزام أطرافه بعرض نزاعهم موضوع اتفاق التحكيم على هيئة التحكيم دون المحكمة المختصة بنظر ذلك النزاع[27]، للفصل فيه بحكم ملزم وبذلك فإنه لا بد من قضاء بديل يحل محله، وهو قضاء خاص اتفاقي يختاره الأطراف وثبوت الاختصاص لهذا القضاء (قضاء التحكيم) يبدأ باتخاذ الأطراف إجراءات التحكيم من شروع في تشكيل هيئة التحكيم وما يستتبعها من الاتفاق على الإجراءات الواجب اتباعها، ومباشرة الهيئة البت في وجود وصحة اتفاق التحكيم
ويعد الأثر الإيجابي لاتفاق التحكيم من المظاهر التي تميز هذا الاتفاق بوصفه عقد تنطبق عليه القواعد العامة كباقي العقود، إذ لا تترتب أي مسؤولية على مخالفة أحد الأطراف للاتفاق بلجوئه للقضاء، وإن كل ما على الطرف الآخر القيام به هو التمسك باتفاق التحكيم عن طريق الدفع بوجوده، ما دام اتفاقهم صحيحا ليجبر الطرف الآخر على اللجوء للتحكيم[28].
إن ثبوت الاختصاص لقضاء التحكيم، يفضي إلى ثبوت الاختصاص لهيئة التحكيم للبث في مدى اختصاصها بنظر النزاع الذي أبرم بخصوصه اتفاق التحكيم، أي اختصاص هيئة التحكيم بنظر اختصاصها أو مبدأ الاختصاص بالاختصاص (compétence de la compétence) وذلك أن من المتوقع أن يثير أحد أطراف اتفاق التحكيم رغبة منه في التنصل من التزاماته ولعرقلة إجراءات التحكيم مسألة عدم اختصاص هيئة التحكيم أو بطلان اتفاق التحكيم[29].
ونرى بأن المشرع المغربي عالج هذه المسألة، إذ نص في الفقرة الثانية من المادة 32 من القانون 17-95 على أنه:”…على الهيئة التحكيمية، قبل النظر في الموضوع أن تبث بأمر، إما تلقائيا أو بطلب من أحد الأطراف، في صحة أو حدود اختصاصها وفي صحة اتفاق التحكيم…”، والملاحظ أن المشرع قطع الطريق أمام البنك والعميل فيما قد يثيرانه من مسألة بطلان اتفاق التحكيم أو غموضه، رغبة منهما في التنصل من الالتزامات الناشئة عن اتفاق التحكيم وعرقلة تلك الإجراءات وعدم المشاركة فيها.
وهو نفس التوجه الذي سارت وأخذت به التشريعات المقارنة إذ نص عليه قانون التحكيم المصري في المادة22/1 حيث مكن لهيئة التحكيم الفصل في اختصاصها، وهو نفس الحكم الذي تناولته المادة 16/1 من قانون الأونسيترال النموذجي للتحكيم التجاري الدولي لسنة 1985.
نفس التوجه سار عليه المشرع الفرنسي في المادة 1465 من قانون الإجراءات المدنية، كما أقره المشرع الإنكليزي في المادة 30/1 من قانون التحكيم لسنة 1996. إلا انه مكن للأطراف من الاتفاق على خضوع مسالة الاختصاص للقضاء، وذلك حال اتفاقهم على عدم اختصاص هيئة التحكيم للنظر في اختصاصها.
الفقرة الثانية: نطاق اتفاق التحكيم البنكي
يقصد بنطاق اتفاق التحكيم، أثر ذلك الاتفاق من حيث الأشخاص أو بتعبير أخر نسبية الاتفاق من حيث الأشخاص، والمستقر عليه فقها وقضاء وتشريعا، أن اتفاق التحكيم على أي صورة كان لا يلزم إلا أطرافه[30]. وذلك أن اتفاق التحكيم يبقى استثناء على الأصل، وأنه وكما بينا عقد رضائي، فإن إرادة الأطراف هي التي توجده وتحدد نطاقه، مما يستتبع عدم إمكانية إلزام شخص بالتحكيم رغما عنه، وهذا هو الأثر النسبي لاتفاق التحكيم، الذي يفضي إلى عدم إمكانية الاحتجاج به إلا على الشخص الذي ارتضاه وقبل به، إذ أن اتفاق التحكيم لا يلزم غير أطرافه وهذا ما تقضي به القواعد العامة في القانون المدني إذ أن أثر العقد لا ينصرف إلا للمتعاقدين وخلفهم العام[31].
ومن الأمثلة على انتقال أثر اتفاق التحكيم البنكي إلى الخلف العام، نسوق حالة اتفاق البنك وعميله على الخضوع للتحكيم حول عقد الاعتماد للسحب على المكشوف[32](Overdraft)، إذ ينقضي هذا العقد بوفاة المستفيد أو انتهاء شخصيته إذا كان شخصا اعتباريا، ومع ذلك فإن أثر اتفاق التحكيم المبرم بين البنك وعميله المستفيد من الاعتماد ينتقل إلى الخلف العام.
كما قد يمتد اتفاق التحكيم البنكي إلى الخلف العام، في حال اندماج شركة موقعة على اتفاق التحكيم البنكي مع شركة أخرى إذ يمتد اتفاق التحكيم إلى الشركة الدامجة كونها خلفا عاما للشركة التي اندمجت معها[33].
وفيما يخص امتداد شرط التحكيم من الشركة التابعة إلى الشركة الأم أود في هذا الإطار الإشارة إلى نزاع مشهور طال لعدة سنوات، حيث أصدرت مؤخرا محكمة النقض بتاريخ 3 أكتوبر 2022، قرارا قضت فيه بنقض وإبطال القرار الصادر عن محكمة الاستئناف التجارية رقم 220 الصادر بتاريخ 2015/01/15 في الملف رقم 2013/8224/2669.
ملخص النزاع أن شركة اجنبية (شركتي فايف ف سي بي وكونستروكسيون وبروسيدي دي سيمانتري المغرب) سبق أن تعاقدت مع شركة “يينا اسمنت” (التابعة لمجموعة يينا هولدينغ) من اجل مشاريع بالمغرب. وبوجود نزاع بين الطرفين، لجأت الشركة الأجنبية لإعمال شرط التحكيم مع تمديد هذا الشرط للمجموعة وعدم قصره على الشركة المتعاقدة.
وقد أصدرت المحكمة الدولية للتحكيم التابعة للغرفة الدولية بباريس حكمها عدد ND/16815 المؤرخ في 21/9/2011 والقاضي بالحكم على شركة يينا اسمنت ومجموعة يينا هولدينغ، بأدائهما على وجه التضامن فيما بينهما للمدعتين مبلغ 19.487.200 اورو مع الفوائد بنسبة 5% ابتداء من 31/7/2009 إلى غاية أداء هذا المبلغ بكامله.
وعند تقديم الشركة الأجنبية طلب تذييل الحكم التحكيمي بالصيغة التنفيذية، أصدر رئيس المحكمة التجارية بالدار البيضاء الأمر رقم 3921 بتاريخ 28/12/2012 في الملف عدد 2426/1/2011 القاضي بما يلي:
1-نأمر بتخويل الاعتراف والصيغة التنفيذية للحكم التحكيمي الدولي عدد ND/16815المؤرخ في 21/9/2011 الصادر بجنيف عن المحكمة الدولية للتحكيم التابعة للغرفة الدولية بباريس في مواجهة المطلوبة الاولى شركة انا اسمنت.
2-نصرح برفض الطلب في مواجهة المطلوبة الثانية شركة يينا هولدينغ.
وان الشركة الأجنبية طعنت بالاستئناف في الأمر المذكور، فصدر القرار المشار إليه أعلاه والذي قضى باعتبار استئناف شركتي فايف ف سي بي وسي بي سي المغرب وإلغاء الأمر المستأنف فيما قضى به من رفض طلب في مواجهة شركة يينا هولدينغ والحكم من جديد بالأمر بتخويل الاعتراف والصيغة التنفيذية للحكم التحكيمي ND/16815 المؤرخ في 21/9/2011 الصادر بجنيف عن المحكمة الدولية للتحكيم التابعة للغرفة الدولية بباريس في مواجهة شركة اينا هولدينغ وتحميلها الصائر.
وقد أسست محكمة الاستئناف قرارها على تعليل من عشرات الصفحات مؤداه أن امتداد شرط التحكيم للغير الذي لم يكن طرفا في عقد التحكيم لا يخالف النظام العام المغربي.
وقد اعتبر القانونيون هذا القرار ثورة في مجال التحكيم بشكل يفتح مجالا واسعا لتطور هذه الممارسة في حل المنازعات.
لكننا نعتبر أن هذا القرار لن تكتب له الحياة، وذلك لأن هذا التوجه ستترتب عنه مسؤولية الدولة في النزاعات التحكيمية الكثيرة التي يكون طرفا لها مؤسسات عمومية أو شركات تابعة للقطاع العام، وقد سبق للعديد من المتقاضين أن طلبوا تمديد شرط التحكيم للدولة المغربية والحكم عليها تبعا لذلك بالأداء.
أما في العمليات البنكية ثلاثية الأطراف، فإننا سنبين الحالات التي من الممكن أن يثار بشأنها مسألة امتداد اتفاق التحكيم البنكي ومدى إلزام الغير به، حيت نصلت الضوء على خطاب الضمان بوصفه أحد العمليات البنكية الأكثر انتشارا في مجال التعاملات الدولية، وهو من العقود ثلاثية الأطراف وهم البنك مصدر خطاب الضامن والعميل (الآمر) والمستفيد من الخطاب. ومن المبادئ القانونية التي تميز خطاب الضامن، هو مبدأ استقلاله والذي بموجبه لا يجوز للبنك أن يتمسك بالدفوع التي للعميل في مواجهة المستفيد، فهو التزام أصيل بذمة البنك تجاه المستفيد لا يوقف تنفيذه أي اعتراض من قبل العميل[34].
وبتعدد العقود التي تنظم العلاقة بين أطرافه، إذ يوجد العقد الأساس ويقصد به العقد الأصلي المبرم بين العميل الآمر والمستفيد وهو العقد الذي أصدر خطاب الضامن بمناسبته وقد يكون عقد توريد أو أي عقد أخر حسب الأحوال، والذي يشترط فيه المستفيد من ضمن بنوده على العميل الآمر تقديم الأخير تعهد من البنك لضمان حسن تنفيذ ذلك العقد. كما يوجد عقد أو طلب إصدار خطاب الضمان الذي يبرم بين العميل الآمر والبنك تنظم فيه مسألة إصدار الخطاب ومدته ومقدار العمولات والتأمينات وغريها من الشروط اللازمة[35]. وبذلك يثار التساؤل حول مدى إمكانية الاحتجاج باتفاق التحكيم المبرم بين العميل والمستفيد في العقد الأساس وهو أمر ممكن حدوثه، وذلك في حال قام المستفيد بتقديم طلب للبنك لتسييل مبلغ خطاب الضمان، فيحتج العميل بوجود اتفاق تحكيم بينه وبين المستفيد، ليطالب البنك بعدم تنفيذ الطلب إلى حين البت في النزاع؟
يتفق الفقه على عدم إمكانية احتجاج العميل اتجاه البنك لإيقاف دفع مبلغ الخطاب للمستفيد وفقا للآراء التي سنعرضها:
يرى جانب من الفقه، بأن استقلال خطاب الضمان عن أي علاقة أخرى سواء بين العميل والمستفيد أو بين البنك وعميله، هي الأساس القانوني لعدم إمكانية الاحتجاج بشرط التحكيم الوارد بعقد الأساس في مواجهة المستفيد[36].
بينما ذهب جانب من الفقه وهو ما نؤيده إلى أن الأساس القانوني الذي يفضي إلى عدم إمكانية احتجاج العميل بشرط التحكيم الوارد في عقد الأساس، يستمد قوته من شرط التحكيم، إذ يرى هذا الجانب من الفقه بأن اتفاق التحكيم وكما أسلفنا الذكر بأنه تحكمه القواعد العامة التي تطبق على سائر العقود، وهي قاعدة الأثر النسبي للعقد، والتي بموجبها لا يمكن القول بامتداد اتفاق التحكيم إلى غير أطرافه، وهم كل من العميل الآمر والمستفيد، وذلك بأن الطرفان هما اللذان أبرما عقد الأساس المتضمن شرطا للتحكيم، ومن ثم لا يجوز للعميل التمسك بشرط التحكيم الذي عرض بموجبه نزاعهم بمناسبة عقد الأساس على هيئة التحكيم، مما يفضي إلى اعتبار أن البنك لم يكن طرفا في عقد الأساس وبالتالي لا يمكن الاحتجاج به في مواجهته[37].
خاتمة:
حاولنا من خلال هذه الدراسة تسليط الضوء على اتفاق التحكيم في المعاملة البنكية باعتبار التحكيم البنكي يعد من أهم الوسائل البديلة لفض المنازعات البنكية والذي يتلاءم وخصوصيات البيئة البنكية، فلا يخفى للعيان ما تلعبه المؤسسات البنكية في النسيج الاقتصادي سواء على الصعيد المحلي او الدولي.
فالمعاملات البنكية قد تنشأ عنها العديد من المنازعات، سواء فيما بين البنك والعملاء، أو فيما بين البنوك ومن المعلوم أن المحاكم او قضاء الدولة هو الطريق الطبيعي للفصل في المنازعات المتعلقة بالمعاملات البنكية، لكن ذلك يستلزم سلوك مساطر متعددة ومعقدة في بعض الأحيان، لذلك كان الهاجس البحث عن وسائل بديلة لحسم المنازعات المتعلقة بالمعاملات البنكية، وهنا يبرز دور التحكيم البنكي كآلية لفض هذه المنازعات.
ويشكل اتفاق التحكيم في المعاملات البنكية نقطة بداية عملية التحكيم لذا حاولنا الحديث عن كيفية صياغة هذا الاتفاق مرورا بأركانه وأبرز شروطه علاوة على مختلف الآثار القانونية الناتجة عنه.
إن أبرز ملاحظة يمكن ابداءها في هذا الصدد هو أنه رغم صدور القانون 08-05 الذي نسخ بالقانون 17-95 فلا الأول ولا الثاني قد أشار بشكل صريح الى التحكيم البنكي، بل وفي بادئ الأمر لم يصادف القبول فيما يتعلق بالمعاملات البنكية، لذا نقترح ضرورة التنصيص على مقتضيات متعلقة بكيفية تسوية المنازعات البنكية عن طريق الوسائل البديلة، أو تفريد إطار قانوني كمدونة خاصة بالوسائل البديلة لفض النزاعات حتى يتسنى تحديد أكثر لمختلف الشروط والإجراءات والاشكاليات.
لائحة المراجع:
الكتب:
– فوزي محمد سامي،” التحكيم التجاري الدولي”، دار الحكمة للطباعة والنشر، بغداد، سنة 1999.
– محمود السيد عمر التحيوي، الوسيلة الفنية لإعمال الأثر السلبي للاتفاق على التحكيم ونطاقه، منشأة المعارف، الإسكندرية، سنة 2003.
– عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء الأول، دار إحياء التراث العربي، بيروت لبنان، بدون ذكر سنة.
– عبد الرحمان الشرقاوي، القانون المدني، دراسة حديثة للنظرية العامة للالتزام في ضوء تأثرها بالمفاهيم الجديدة للقانون الاقتصادي، الجزء الأول مصادر الالتزام، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، الطبعة السادسة، سنة 2019.
– أكرم ياملكي، التحكيم التجاري، الطبعة الأولى، مكتبة زين الحقوقية، لبنان، سنة 2019.
– مصطفى صالح ناطق، نظام التحكيم التجاري في المؤسسات المالية المصرفية دراسة مقارنة، دار الفكر والقانون للنشر والتوزيع، مصر، طبعة 1، سنة 2019.
– زهير البشير، المدخل لدراسة القانون، المكتبة القانونية، بغداد، باقي المعلومات غير مذكورة.
– احمد إبراهيم عبد التواب، اتفاق التحكيم والدفوع المتعلقة به، دار الجامعة الجديدة، مصر، سنة 2009.
– احمد عبد الكريم سلامة، التحكيم في المعاملات المالية الوطنية والدولية، دار النهضة العربية، القاهرة، سنة 2016.
– حمد إبراهيم عبد التواب، الأثر الإيجابي والسلبي الاتفاق التحكيم، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، سنة 2016.
– درصاف الشبلي، مبدأ الاختصاص بالاختصاص في التحكيم الدولي، مجمع الأطرش للكتاب المختص، سنة 2021.
– احمد إبراهيم عبد التواب، اتفاق التحكيم مفهومه-أركانه وشروطه-نطاقه، دار النهضة العربية، القاهرة، بدون سنة نشر.
– فتحي والي، قانون التحكيم في النظرية والتطبيق، منشأة المعارف بالإسكندرية، الطبعة الأولى، مصر.
– علي البارودي ومحمد فريد العريني، القانون التجاري العقود التجارية والعمليات المصرفية وفقا لأحكام قانون التجارة المصري رقم 17 لسنة 1999، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية مصر، سنة 2001.
– هاني دويدار، العقود التجارية والعمليات المصرفية، دار الجامعة الجديدة، سنة 2013.
– سميحة القليوبي، الأسس القانونية للتحكيم التجاري الدولي وفقا للقانون رقم 27 لسنة 1994، دار النهضة العربية، سنة 2012.
– رضا السيد عبد الحميد، مسائل في التحكيم الكتاب الثاني، التحكيم في الكفالة وخطابات الضمان، دار النهضة العربية، بدون ذكر سنة النشر.
الأطاريح:
– مصطفى ناطق صالح، التحكيم التجاري في المؤسسات المالية دراسة مقارنة، أطروحة لنيل الدكتوراه، جامعة الموصل كلية الحقوق، السنة الجامعية 2017-2018.
المقالات:
– زيد سلام عباس العبدي، انعقاد اتفاق التحكيم المصرفي آثاره، مقال منشور في مجلة القانون والأعمال الدولية، ع 32، فبراير 2021.
– بوعبيد عباسي، مظاهر دعم القضاء للتحكيم التجاري الداخلي في القانون المغربي، مقال منشور بمجلة محاكمة، العدد 13، سنة 2017.
نحو عدالة اجرائية خاصة في مجال الأعمال – مقتضيات نظام مساطر صعوبات المقاولة نموذجا –
- فوزي محمد سامي،” التحكيم التجاري الدولي”، دار الحكمة للطباعة والنشر، بغداد، س 1999، ص 121. ↑
- مصطفى ناطق صالح، التحكيم التجاري في المؤسسات المالية دراسة مقارنة، أطروحة لنيل الدكتوراه، جامعة الموصل كلية الحقوق، السنة الجامعية 2017-2018، ص 112-111. ↑
- محمود السيد عمر التحيوي، الوسيلة الفنية لإعمال الأثر السلبي للاتفاق على التحكيم ونطاقه، منشأة المعارف، الإسكندرية، س 2003، ص282. ↑
- حكم محكمة النقض المصرية، الدوائر التجارية، الطعن رقم 2698 لسنة 86 قضائية، الصادر بجلسة 13/3/2018، منشور على موقع محكمة النقض المصرية على الرابط التاليhttps://www.cc.gov.eg/judgment_single?id=111379184&&ja=225087 تم الاطلاع عليه بتاريخ 21/03/2025 على الساعة 17:03. ↑
- عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء الأول، دار إحياء التراث العربي، بيروت لبنان، بدون ذكر سنة، ص 115. ↑
- عبد الرحمان الشرقاوي، القانون المدني، دراسة حديثة للنظرية العامة للالتزام في ضوء تأثرها بالمفاهيم الجديدة للقانون الاقتصادي، الجزء الأول مصادر الالتزام، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، الطبعة السادسة، سنة 2019، ص 175. ↑
- محكمة النقض المصرية، الطعن رقم 99 لسنة 11 قضائية، الدوائر التجارية-جلسة 2/9/2010، منشور على موقعها الالكتروني على الرابط التالي: https://www.cc.gov.eg/judgment_single?id=111131119&&ja=154520 تم الاطلاع عليه بتاريخ 21/03/2025 على الساعة 17:08. ↑
- أكرم ياملكي، التحكيم التجاري، الطبعة الأولى، مكتبة زين الحقوقية، لبنان، س 2019، ص65. ↑
- مصطفى صالح ناطق، نظام التحكيم التجاري في المؤسسات المالية المصرفية دراسة مقارنة، دار الفكر والقانون للنشر والتوزيع، مصر، ط 1، س 2019، ص 168. ↑
- المادة 11 من قانون التحكيم المصري. ↑
- وهي الجنون والعته والسفه، تناولها المشرع المغربي في المواد من 212-219 من مدونة الأسرة. ↑
- تناولها المشرع المغربي في قانون الالتزامات والعقود المغربي في الفصول من 39 إلى 56 ↑
- المادة 6 من مدونة الأسرة. ↑
- المادة 39 من القانون 12-103 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها. ↑
- الفقرة الأخيرة من المادة 36 من القانون 12-103 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها. ↑
- مصطفى صالح ناطق، نظام التحكيم التجاري في المؤسسات المالية المصرفية دراسة مقارنة، دار الفكر والقانون للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، مصر سنة 2019، ص 118. ↑
- زهير البشير، المدخل لدراسة القانون، المكتبة القانونية، بغداد، باقي المعلومات غير مذكورة، ص213. ↑
- تنص المادة 12 من قانون التحكيم المصري على ما يلي:” يجب أن يكون اتفاق التحكيم مكتوبا وإلا كان باطلا. ويكون اتفاق التحكيم مكتوبا إذا تضمنه محرر وقعه الطرفان أو إذا تضمنه ما تبادله الطرفان من رسائل أو برقيات أو غيرها من وسائل الاتصال المكتوبة.”. ↑
- Article 1443 « A peine de nullité, la convention d’arbitrage est écrite. Elle peut résulter d’un échange d’écrits ou d’un document auquel il est fait référence dans la convention principale ». ↑
- Article 1447 « Lorsqu’elle est nulle, la clause compromissoire est réputée non écrite ». ↑
- احمد إبراهيم عبد التواب، اتفاق التحكيم والدفوع المتعلقة به، دار الجامعة الجديدة، مصر، س 2009، ص146. ↑
- المادة 13/1 و2 من قانون التحكيم المصري ↑
- زيد سلام عباس العبدي، انعقاد اتفاق التحكيم المصرفي آثاره، مقال منشور في مجلة القانون والأعمال الدولية، ع 32، فبراير 2021، ص 352. ↑
- Article 1448 « Lorsqu’un litige relevant d’une convention d’arbitrage est porté devant une juridiction de l’Etat, celle-ci se déclare incompétente sauf si le tribunal arbitral n’est pas encore saisi et si la convention d’arbitrage est manifestement nulle ou manifestement inapplicable. La juridiction de l’Etat ne peut relever d’office son incompétence. Toute stipulation contraire au présent article est réputée non écrite ». ↑
- إن الملاحظة التي يمكن أن نستشفها من خلال قانون التحكيم والوساطة الاتفاقية وفي إطار تحديد مناطق الاشتباك والعلاقة بين القاضي الرسمي التابع للدولة وبين القاضي الخاص الذي هو ترجمة لسلطان الإرادة أي المحكم، فإنه لم يحدد بدقة مناطق الاشتباك بين القاضيين، فقاضي الدولة ليس فوق المحكم فكلا القاضيين هما في توازي مع بعضهما، إضافة إلى أن هذا القاضي قاض غير مسمى في قانون التحكيم والوساطة الاتفاقية بالمغرب على عكس المشرع الفرنسي الذي أطلق عليه تسمية القاضي المساند، لذلك كان بالإمكان تسمية هذا القاضي وعدم تركه مجهولا، تقليديا فالقاضي في جميع النصوص هو يحكم إلا في هذا القانون فله دوران رئيسيان دور رقابي صونا لسلطان إرادة الأطراف، ودور مساند لأطراف التحكيم ولهيئة التحكيم للوصول باتفاق التحكيم إلى بر الأمان. ↑
- بوعبيد عباسي، مظاهر دعم القضاء للتحكيم التجاري الداخلي في القانون المغربي، مقال منشور بمجلة محاكمة، العدد 13، س 2017، ص 61 إلى 77. ↑
- احمد عبد الكريم سلامة، التحكيم في المعاملات المالية الوطنية والدولية، دار النهضة العربية، القاهرة، سنة 2016، ص .1 ↑
- حمد إبراهيم عبد التواب، الأثر الإيجابي والسلبي الاتفاق التحكيم، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، سنة 2016، ص29. ↑
- درصاف الشبلي، مبدأ الاختصاص بالاختصاص في التحكيم الدولي، مجمع الأطرش للكتاب المختص، سنة 2021، ص 35. ↑
- احمد إبراهيم عبد التواب، اتفاق التحكيم مفهومه-أركانه وشروطه-نطاقه، دار النهضة العربية، القاهرة، بدون سنة نشر، ص 270. ↑
- فتحي والي، قانون التحكيم في النظرية والتطبيق، منشأة المعارف بالإسكندرية، الطبعة الأولى، مصر، ص 161. ↑
- السحب على المكشوف ميزة تقدمها البنوك والمؤسسات المالية مضافة اخط الائتمان، وتكون امتدادا له ويتم منحها عند وصول الحساب إلى الصفر، حيث تسمح هذه الميزة للعميل بمواصلة سحب الأموال عند نفاذ الأموال من حسابه، أو حاجته لأموال إضافية. ↑
- فتحي والي، التحكيم في النظرية والتطبيق، م. س، ص 164. ↑
- علي البارودي ومحمد فريد العريني، القانون التجاري العقود التجارية والعمليات المصرفية وفقا لأحكام قانون التجارة المصري رقم 17 لسنة 1999، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية مصر، س 2001، ص 349. ↑
- هاني دويدار، العقود التجارية والعمليات المصرفية، دار الجامعة الجديدة، سنة 2013، ص 275. ↑
- سميحة القليوبي، الأسس القانونية للتحكيم التجاري الدولي وفقا للقانون رقم 27 لسنة 1994، دار النهضة العربية، سنة 2012، ي 85. ↑
- رضا السيد عبد الحميد، مسائل في التحكيم الكتاب الثاني، التحكيم في الكفالة وخطابات الضمان، دار النهضة العربية، بدون ذكر سنة النشر، ص 86. ↑




