بحوث قانونيةفي الواجهةمقالات قانونية

الإطار القانوني لتدخل الفاعلين في مجال الإعاقة بالمغرب

 

يونس مليح

باحث بسلك الدكتوراه بجامعة محمد الخامس بالرباط

بطبيعة الحال عندما نتحدث عن ذوي الاحتياجات الخاصة ببلادنا، فإننا نتحدث عن العلاقة الثلاثية التي تربط مختلف الفاعلين والمتدخلين في هذا الشق المرتبط بذوي الاحتياجات الخاصة، الذي يوجد على رأسه الدولة التي تعمل من جهتها من خلال تشريعاتها ونظمها القانونية على بلورة نموذج للحقوق التي تحترم وترعى ذوي الاحتياجات الخاصة في إطار المعاهدات والاتفاقيات الدولية وفي إطار تضمين جل ذلك في نص الدستور المغربي والقوانين المصاحبة، والطرف الثاني هو منظمات المجتمع المدني التي تشتغل هي الأخرى ضمن هذا الإطار القانوني المنظم فلا يمكن لها أن تخرج عنه أو أن تلعب أدوارها إلا في إطار القوانين والنظم التي سبق ذكرها، والحلقة الأخيرة التي يدور حولها جل هذا الموضوع هو ذوي الاحتياجات الخاصة، فهذه الفئة  تنتظر الكثير من وراء هذين المتدخلين أي الدولة ومنظمات المجتمع المدني لكي تندمج بصورة سلسة وإيجابية في الحياة اليومية.

فمن المؤكد أن ما قطعته المملكة المغربية منذ الاستقلال إلى الآن في مجال إرساء دعائم دولة المؤسسات، مكن المغرب من التوفر على مختلف البنيات والآليات التي تؤشر على نضج الجانب المؤسساتي لدولة الحق والقانون، وهو الشرط الضروري والفضاء الأساسي لكل حداثة ولكل ممارسة ديمقراطية، في إطار دولة الحق والقانون.

فكيف استطاع إذن كل من الإطار الحقوقي الكوني والوطني أن يؤطر ويحمي فئة ذوي الاحتياجات الخاصة؟

أولا: الإطار الحقوقي الكوني لحماية ذوي الإحتياجات الخاصة

لقد صادقت المملكة المغربية على جل الاتفاقيات والعهود الدولية وبروتوكولات ملحقة بها، وما فتئت مؤسسات الدولة تعبر علانية وباستمرار عن إرادتها في استكمال انخراط المملكة في منظومة حقوق الإنسان الكونية، وترجمت إرادتها هاته بالتنصيص عليها في الدستور، وجعلت الاتفاقيات الدولية، كما صادقت عليها المملكة، وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو، فور نشرها، على التشريعات الوطنية، والعمل على ملائمة هذه التشريعات، مع ما تتطلبه تلك المصادقة وفق ما ورد في الفقرتين 3و4 من تصدير دستور المملكة.

ومن منطلق كون الأطفال في وضعية إعاقة يتمتعون بصفة المواطنة أولا، وهو أطفال ثانيا، وفي وضعية إعاقة ثالثا، لذلك تنطبق عليهم حقوق وواجبات المواطنة الكاملة، خاصة تلك الواردة في الدستور المغربي (المواد 31 و32 و34 و35)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (المواد 3 و13 و14)، والاتفاقية الدولية لحقوق الطفل (المادة 23 بصفة خاصة)، بالإضافة إلى الحقوق الواردة في المواد 1 و2 و24 من الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة والبروتوكول الملحق بها والتي صادق عليهما المغرب في 8 أبريل 2009.

ففي ما يخص النقطة المرتبطة بالعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتي صادق عليها المغرب في 3 ماي 1979 ودخلت حيز التنفيذ وطنيا في 3 غشت 1979،  إذ يهدف هذا العهد إلى ضرورة اعتراف الدول وتضمينها في قوانين البلدان بأن البشر أحرار ومتحررين من الخوف والفاقة، هو سبيل تهيئة الظروف الضرورية لتمكين كل إنسان من التمتع بحقوقه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأيضا ضمان ولوجية الجميع إلى التعليم عن طريق بسط المجانية للجميع. وهو الامر الذي تم التأسيس له وتضمينه في المواد الواضحة أمامكم المادة 3 و13 و14 من هذا العهد الدولي الذي صادق عليه المغرب وهو طرف فيه منذ سنوات عديدة.

زيادة على أن المملكة صادقت على  الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، والرامية إلى ضمان حقوق الطفل وتأمين هذه الحقوق وإعمالها في مختلف المستويات الضامنة لتمتع الطفل بحياة كاملة وكريمة، وتيسر اندماجه في المجالات الاجتماعية والاقتصادية بفعالية وكرامة وضمان لحقه في المساواة وتكافؤ الفرص.  فقد تبنى المغرب من خلال هذه الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل الاعتراف بحقوق الأطفال في وضعية إعاقة المنصوص عليها في المادة 23 والتي تؤكد وجوب تمتع هذه الفئة من أطفال المغرب بالكرامة والرعاية الخاصة وتيسير المشاركة الفعلية في المجتمع، وتقديم الخدمات الملائمة مع ظروف الطفل وحالته وشروطه الموضوعية الاقتصادية والاجتماعية. زيادة على أن هذه المادة نصت على ضمان إمكانية حصول الطفل في وضعية إعاقة على التعليم والتدريب والرعاية الصحية وخدمات إعادة التأهيل.

بالإضافة إلى أن المغرب صادق على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة والبروتوكول الاختياري الملحق بها في 14 أبريل 2009، بحيث تشكل هذه الاتفاقية ميثاقا كونيا لحقوق الإنسان، ملزما للدول الأعضاء عند المصادقة عليه، ويتعين عل هذه الدول أن تقوم باحترام وحمابة هذه الحقوق وأن تضع قيد التنفيذ التدابير المنصوص عليها في الاتفاقية، كما تدعو إلى احترام المبادئ الأساسية المتمثلة في الكرامة والاستقلالية الفردية وعدم التميز والمشاركة التامة والكاملة واحترام مبدأ الاختلاف.

إذن كان هذا الشق الأول المتعلق بالإطار الكوني المرتبط بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب والتي ينوي من ورائها رفع الحيف والضرر الذي يمس فئة ذوي الاحتياجات الخاصة ببلادنا. ننتقل إذن للشق الثاني من هذا الموضوع المرتبط أساسا بالإطار الحقوقي الوطني الحامي لفئة ذوي الاحتياجات الخاصة.

ثانيا: الإطار الحقوقي الوطني لحماية ذوي الإحتياجات الخاصة

عندما نتحدث عن الجانب القانوني المؤطر لفئة ذوي الاحتياجات الخاصة فإننا أوطوماتيكيا نتحدث عن دستور بلادنا وما أفرد له من فصول تخص هذه الفئة، خصوصا وأن دستور 2011 جاء بفصل كامل عن الحقوق والحريات بالإضافة إلى تنصيصه على هيئات ومجالس مؤطرة سواء للفئة التي متكلم عليها اليوم في هذه الندوة كهيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز ، أو لمنظمات المجتمع المدني والشباب التي خصها الدستور بأن نص على دسترة المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي.

فقد شهدت المملكة المغربي تطورا نوعيا في المجال الحقوقي لفائدة جميع فئات المجتمع منذ بداية التسعينات، في ظل تحولات دولية جديدة وما استجد معها من تحديات ورهانات على عدة مستويات. كما دخل المغرب في مسارات قطاعية متعددة من أجل إعمال حقوق الإنسان وحمايتها، عبر مسلسل تدريجي متنوع الأشكال والمجالات، على المستويات الدستورية والتشريعية والسياسية والقانونية والتربوية لحماية حقوق الإنسان والنهوض بثقافتها، ومن ضمنها ما يتعلق بحقوق الأطفال في وضعية إعاقة. وهكذا تم التنصيص في بنود ومواد الدستور المغربي على ضمان استفادة كافة المواطنين، بما فيهم الأشخاص في وضعية إعاقة من كل الضمانات والحقوق التي تم إقرارها في المادة 31.

أما فيما يخص خطة التنمية المستدامة 2015/2030 لمنظمة لأمم المتحدة UN، والتي تتضمن 17 هدفا للتنمية من أجل تحويل عالمنا، 17 هدفا لخطة التنمية المستدامة لعام 2030، التي اعتمدها قادة العالم في أيلول/سبتمبر 2015 في قمة أممية تاريخية.  وستعمل البلدان خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة — واضعة نصب أعينها هذه الأهداف الجديدة التي تنطبق عالميا على الجميع — على حشد الجهود للقضاء على الفقر بجميع أشكاله ومكافحة عدم المساواة ومعالجة تغير المناخ، مع كفالة اشتمال الجميع بتلك الجهود. وفي ما يتعلق بذوي الاحتياجات الخاصة فقد تم تضمين هذه الفئة في الخطة من خلال ذكر مجموعة من النقط من بينها:

  • ضمان التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة للجميع؛
  • القضاء على التفاوت بين الجنسين في التعليم وضمان تكافؤ فرص الوصول إلى جميع مستويات التعليم والتدريب المهني للفئات الضعيفة، بما في ذلك الأشخاص ذوي الإعاقة؛
  • بناء المرافق التعليمية التي تراعي الفروق بين الجنسين والإعاقة.

في الشق المتعلق بالقانون الإطار رقم 97.13 المتعلق بحماية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة الذي تم استصدراه سنة 2016، فهو يهدف إلى تطوير الترسانة القانونية الوطنية في مجال الإعاقة في توافق تام مع مقتضيات الدستور وفي احترام لمبادئ الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وقد تميز مسار إعداده باعتماد مقاربة تشاركية حيث ساهمت مختلف القطاعات الحكومية وكذا جمعيات الأشخاص في وضعية إعاقة في بلورة مقتضياته، كما اعتمدت في إعداده على مبادئ حقوق الإنسان وعلى المفهوم الجديد للإعاقة باعتبارها نتاج تفاعل لوضعية الشخص والمحيط. وقد تضمن مجموعة من المواد الهامة والأساسية التي تهم ذوي الاحتياجات الخاصة نذكر منها:

  • المادة 11: لا يمكن أن تشكل الإعاقة مانعا من الحق في التربية والتعليم والتكوين؛
  • المادة 12: المراكز المتخصصة جزء من المنظومة التعليمية؛

فيما يتعلق بالرؤية الإستراتيجية لإصلاح التعليم 2015/2030 ، التي جاء بها تقرير المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، والذي تضمن ضرورة تأمين الحق في ولوج التربية والتكوين للأشخاص في وضعية إعاقة، أو في وضعيات خاصة، حيث يعتبر المجلس أن كسب هذا الرهان يقع في صميم الإنصاف والعدالة الاجتماعية، لذلك يدعو الدولة، لاسيما السلطات الحكومية المكلفة بالتربية والتكوين بواجبها تجاه الأشخاص في وضعية إعاقة، في ضمان الحق في التعليم والتكوين الجيدين ضمن مختلف مكونات المدرسة، من خلال مخطط عمل يتضمن ما يلي:

  • إدماج الأطفال المعاقين في المدارس لإنهاء وضعية الإقصاء والتمييز؛
  • تربية وتكوين الأشخاص في وضعية إعاقة، أو في وضعيات خاصة؛
  • إدماج محاربة التمثلات السلبية والصور النمطية عن الإعاقة.

وحتى لا ننسى في نهاية هذه المقال الإشارة إلى أنه جاء في محور  من محاور  خطة العمل الوطنية في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان 2018-2021، حول حماية الحقوق الفئوية والنهوض بها تضمين حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة والهادفة بالأساس إلى تفعيل المخطط الوطني للنهوض بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة 2017-2021، وترسيخ المقاربة الحقوقية في معالجة قضايا الأشخاص في وضعية إعاقة، ومناهضة التمييز المبني على الإعاقة لضمان إنصاف ا أشخاص في وضعية إعاقة، زيادة على تيسير تمتع الأشخاص في وضعية إعاقة بكافة حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في إطار الولوج الشامل.

اظهر المزيد

AFKIR Mohamed

باحث في قانون الأعمال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock