في الواجهةقانون المال و الأعمالمقالات قانونية

 الازدواجية في التأطير ـ المدني بجانب الصرفي ـ جزئية تضامن المدينين نموذجا  – الرايف يوسف

 الازدواجية في التأطير ـ المدني بجانب الصرفي ـ جزئية تضامن المدينين نموذجا

الرايف  يوسف

طالب باحث بسلك الماستر بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية عين الشق ـ جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء ـ ماستر القانون المدني والأعمال ـ تخصص قانون الأعمال

المؤهل العلمي: حاصل على شهادة الإجازة في الدراسات الأساسية تخصص العلوم القانونية برحاب كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية عين الشق ـ جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، برسم السنة الجامعية 2025/2024

Family name: Raif

First name: Youssef

Position: Master’s student at the Faculty of Legal, Economic, and Social Sciences, Ain Chock, Hassan II University, Casablanca, Master’s in Civil Law and Business, specializing Business law

Academic qualifications: Bachelor’s degree in basic studies, specializing in legal sciences, from the Faculty of Legal, Economic, and Social Sciences, Ain Chock, Hassan II University, Casablanca, for the 2024/2025 academic year

ملخص المقال باللغة العربية: العلاقة التعاقدية التي يدور في حلقتها مدين ودائن أو عدة من المدينين تكون الأولوية في العناية للدائن لكي يستوفي حقه بطريقة أمنة بعيدة عن مطبات المطالبة اللاودية، أمر كان يقتضي إفراد أحكام قانونية إن صح القول شبه استثنائية، وهنا بدأ التأطير لما يعرف بأوصاف الالتزام الني فيها أوتي بالالتزام التضامني تحديدا التضامن بين المدينين أو التضامن السلبي، غير أن هكذا مقتضى لم يقتصر على شق مدني صرف بل أدمج في ظل القانون 15.95 عموما والكتاب الثالث منه خصوصا المتعلق بالأوراق التجارية.

الكلمات المفتاحية: التضامن المدني ـ التضامن الصرفي ـ المدين ـ الدائن ـ أوصاف الالتزام

Summary of the Article in English:

The contractual relationship revolving around a debtor and a creditor, or a plurality of debtors, places primary emphasis on protecting the creditor in order to ensure the secure satisfaction of their claim, from the uncertainties and pitfalls of amicable recovery procedures. This concern required the establishment of legal rules that may be described as quasi-exceptional in nature. Within this context emerged the legal characterization of obligations, notably joint and several liability, and more specifically solidarity among debtors (passive solidarity).

However, this legal mechanism was not confined to the field of purely civil law. It was also incorporated into commercial legislation, particularly under Law No. 15.95, and more specifically in Book III thereof, which governs negotiable instruments. Through this integration, solidarity acquired a commercial (or negotiable) dimension alongside its civil foundation, thereby reinforcing creditor protection and enhancing legal security in commercial transactions.

Keywords: Civil solidarity – Commercial (negotiable) solidarity – Debtor – Creditor – Characteristics of obligations

مقدمة:

في خضم كل علاقة قانونية توجد مقتضيات تنضوي وتقبل التطبيق عليها، أمر من اللازم أن توجد وتحيط به أحكام قانونية تؤطرها وتضبطها، وفي شق ظهير الالتزامات والعقود[1] وإذ ما عدنا لنص الفصل [2]107 وما يليه، وجدنا أوصافا تلحق بالرابطة العقدية، فيها تتجلى تلك التي تلحق أطراف الالتزام ويبقى على رأسها الالتزام التضامني.

ففي كل علاقة عقدية إلى وداخلها يبحث الدائن عن سبل عديدة وناجعة لتأمين حقه كي لا يدخل في متاهات المقاضاة والمطالبة الغير رضائية، ووصف التضامن لا يقتصر على العلاقة العقدية ذات الصبغة المدنية بل تمتد في حكمها إلى تلك ذات الصبغة التجارية، تضامن جعله المشرع مفترضا داخل الحقل التجاري بنص المادة 335 من القانون 15.95[3]، فتأمين حق الدائن التجاري وتوفير السيولة له بكافة أنواعها، البنكية وما إلى ذلك أمر فيه تجسد أولى الأولويات.

غير أن جزئية القانون الصرفي في ظل القانون التجاري تقتضي فيه المأمورية مناقشة التضامن عبر مقارنتها بنظيرتها المدنية، فخصوصية الورقة التجارية اقتضت وجود أحكام لا تقبل الانطباق إلى عليها لأمر أساسي ألا وهو الحقل التجاري الذي تنضوي فيه، مع مراعاة ما يأتي في شق الشيك الذي فيه تكون الخصوصية على مستوى مقتضى معين.

ولما كان الوصف الذي يلحق الالتزام تبلور وظهر مع النص المدني، فإن ذلك لا يجعلها حصرا عليه وحسب وبه تمتد أحكامها للشق التجاري والورقة التجارية وبما أن التضامن هو موضوع الحديث فإنه سينصب عليه الأمر لمقاربة أي منها الذي يحظى عبرهما سواء المدينون المتضامنون أو الدائن المستفيد من قوة تعزز مركزه القانوني وتكرس له حماية شبه متكاملة.

وللإحاطة بهذا الأمر سيتم الاعتماد على التصميم التالي:

المطلب الأول: الأحكام التي تؤطر وجود التضامن بين المدينين من الناحية القانونية

المطلب الثاني: الشق المتصل بزوال الصفة السلبية عن المدينين

المطلب الأول: الأحكام التي تؤطر وجود التضامن بين المدينين من الناحية القانونية

كل مقتضى معمول به وجاري النفاذ إلا ويكون له مبدئيا إطار قانوني يحكمه وينظم كل المقتضيات التي تجري حوله، وذات الأمر ينطبق على التضامن بين المدينين، الأمر الذي سيدفع في هذا المطلب للتطرق للمصدر الذي ينشأ منه التضامن سواء الصرفي أو المدني وذلك في إطار الفقرة الأولى على أن يعرج في الفقرة الثانية للحديث عن الأحكام الخاصة بالتمسك بالدفوع بين طبيعة التضامن الأول والثاني.

الفقرة الأولى: المصدر الذي به ينشأ التضامن بين المدينين

التضامن بين المدينين لا تقتصر صورته فقط على شق المعاملات ذات الطبيعة المدنية بل تتوزع بين التقسيمين الرئيسيين والمتمثلان في المدني والتجاري، وعلى هذا المنوال سيتم الاحتكام في الحديث عن المصدر الذي به ينشأ التضامن بين المدينين على الشق المدني (أولا) ثم على الشق الصرفي (ثانيا)

أولا: مصادر التضامن بين المدينين وفق ظهير الالتزامات والعقود

جاء الذكر بهذا الصدد على نص المادة [4]164 التي فيها تم تعداد مصادر نشوء التضامن بين المدينين والذي فيه لا يكون حكم الافتراض قائما، فالمشرع عدد المصادر في ثلاث، الحديث عنها سيكون كالتالي:

  • القانون كمصدر للتضامن بين المدينين: كثيرا ما يقوم التضامن بين المدينين بمقتضى نص في القانون، وفي هذه الحالة يجب التقيد بالنص وعدم القياس عليه لأن ما جاء به القانون أتى حصرا لا مكنة للتوسع فيه[5].

ومن الحالات التي توجب التضامن بين المدينين والتي أتى عليه نص قانونا، نجد المادة 99[6] من ذات الظهير وذلك بالنسبة للمسؤولية التقصيرية في حال وقوع الضرر من قبل أشخاص متعددين دون تمييز بينهم بمن كان بصفة المحرض أو الشريك أو الفاعل الأصلي.

كذلك الشأن في نص الفصل 912 من ذات الظهير والتي تعلق بأن التضامن يقوم بين الوكلاء المتعددين إذا حدث الضرر للموكل بتدليسهم أو بخطاهم المشترك …. إلى أخر الفصل.

ونص القانون هذا واجب لتعلقه بالمصلحة العامة وضرورة الموازنة التي تطفو في هذا الشأن.

  • طبيعة المعاملة كمصدر للتضامن بين المدينين:

وهنا يأتي الإبراز الحقيقي لحكم مجاور لنص القانون، فقد يلتزم عدة أشخاص بإنجاز عمل لفائدة الأغيار متضامنين فيما بينهم لإنجازه لصالح دائنهم، فطبيعة المعاملة تحتم إيقاع حكم التضامن ولو لم يتم الاتفاق عليها، لأن الالتزام يقتضي ذلك والحكم ينشأ ضمنيا حولها.

  • الإرادة الخاصة بالأطراف المتعاقدة: أو كما عبر عنها المشرع بنص الفصل 164 السالف الذكر بالسند المنشئ، بمعنى أن يعبر الأطراف عن إيقاع هذا التضامن ورضوخهم لحكمه طوعا، كمن يبيع سيارة لشخصين مناصفة فيما بينهما ويشترط في عقد البيع أو في عقد منفصل تال لعقد البيع تضامن المشترين في الوفاء بالثمن.

غير أن هاته الصورة تجانبها واحدة أخرى إذ قد ينشأ التضامن بمقتضى إرادة منفردة كوعد بجائزة موجه من قبل عدة أشخاص على وجه التضامن فيما بينهم لمن يعثر على شيء ضائع أو يقوم بأي عمل أخر[7].

وعلى أساس أن التضامن في الشق المدني غير مفترض فإن الاتفاق عليه ينبغي أن يكون بطريقة واضحة لا لبس فيها ولا أي غموض[8] وفي هذا الأمر فإنه لأجل نشأة التضامن اتفاقيا يقتضي الأمر أن يكون هذا الاتفاق[9]:

  • تعبير إرادي صحيح ولا لبس فيه يقتضي إيقاع حكم التضامن على المعاملة
  • إثبات الاتفاق موضوع التضامن بشكل لا ينشأ أي نزاع مستقبلي
  • وجوب تعدد الروابط بين المدينين والدائن
  • التزام كافة المدينين بتأدية الدين ذاته

ثانيا: مصدر التضامن الصرفي وفق أحكام الكتاب الثالث من مدونة التجارة:

يعد التضامن الصرفي من مبادئ القانون الصرفي التي فيها يتم الاعتماد لأجل تمكين الحامل من الحصول على قيمتها في تاريخ الاستحقاق.

والمقصود به هو التزام جميع الموقعين على الورقة التجارية من ساحبين وقابلين ومظهرين وضامنين احتياطيين بالوفاء بمبلغها على وجه التضامن للحامل[10].

وعلى عكس ما أتى عليه القول بالنسبة للتضامن المدني بين المدينين فإنه بخصوص الشق الصرفي فإنه مفترض وهذا ما يضفي عليه صبغة خاصة بها يمكن القول على أن هنالك تأمين شبه متكامل لحامل الورقة التجارية.

فالوفاء بقيمة الورقة التجارية ليس أمرا هينا خصوصا وأنه في حياة الورقة التجارية تتخللها روابط قانونية متشابكة بعضها ينتج عن التظهير والبعض الأخر عن باقي ما يمكن أن يقوم والذي أتى عليه الذكر في ظل مدونة التجارة.

ويستمد التضامن الصرفي شرعيته القانونية من خلال نص المادة 201[11] من القانون 15.95 الذي تنبع منه خصوصية لا يتماشى فيها بتاتا مع الحكم التأطيري له في ظل ظهير الالتزامات والعقود.

ففي ظل المادة 201 نجد أن المشرع تماشى في نسق منسجم مع المادة 335 من ذات القانون، فخصوصية المعاملة اقتضت إعادة ضبط هذا المبدأ بشكل يلائم الورقة التجارية مع باقي المبادئ الأخرى التي تقوم عليها، كالكفاية الذاتية، تجريد وغير ذلك من المبادئ المتعارف عليها.

وفي ظل هذا الجرد لمصادر التضامن بين المدينين في جانبيه المدني والصرفي يتضح وبإجلال أن التضامن الصرفي أقوى في ظل هذا المقتضى عن التضامن بين المدينين المدني، فجعله مفترضا أقوى وبكثير من جعله قائما بناء على ثلاث حالات إن لم نكن أمامها في رابطة عقدية معينة اندثر هذا الحكم وسارت العلاقة غير قائمة بضمانات كافية لصالح الدائن صاحب الحق.

الفقرة الثانية: الأحكام الخاصة بالتمسك بالدفوع في شق التضامن السلبي

أمر بارز الأهمية ومن الضروري أن يأتي عليه النقاش لأن الحكم الذي وضعه المشرع في ظل ظهير الالتزامات والعقود مختلف أساسا عن ذلك النابع في ظل الأوراق التجارية.

فبالنسبة للتمسك بالدفوع وفق ظهير الالتزامات والعقود نجد نص المادة 168 الذي أتى فيه “لكل مدين متضامن أن يتمسك بالدفوع الشخصية الخاصة به وبالدفوع المشتركة بين المدينين المتضامنين جميعا. ولا يسوغ له أن يتمسك بالدفوع الشخصية المحضة المتعلقة بواحد أو أكثر من المدينين معه”

فعبر هذا النص يتبين أن الدفوع التي يحق للمدين المتضامن أن يتسمك بها هي تلك الخاصة به وحده أو التي يشترك فيها مع باقي المدينين المتضامنين جميعا، فهكذا يسوغ له أن يتمسك بالشرط إن كان موجودا أو بالأجل إن كان متاحا وله الحق كذلك في أن يتسمك بعيوب الإرادة التي قد تكون قامت عندما نشأ التزامه هذا أو في حالة كونه ناقصا للأهلية.

أما من جهة الدفوع المشتركة فإنه يتبلور مثالها في الحالة التي تكون فيها تلك التي ترتبط بكون الالتزام في أصله باطل وحتى في كونه قابل للإبطال فإنه يسوغ لكل مدين يرجع عليه الدائن أن يتمسك بهاته القابلية للإبطال[12] .

ومن جهة ثانية فإن المدين المتضامن لا يسوغ له أن يتمسك بتلك الدفوع التي لا صلة له بها والتي تخص غيره باعتبار أن هذا المنع نبع من النص القانوني ولو كان في ذلك مكنة للمنفعة له إلا أنه لا يسوغ له ذلك، فمثلا إن كان التزام أحد المدينين معلق على شرط أو مربوط بأجل وما شابه ذلك فإن المدين المتضامن الأخر لا يحق له ذلك أي لا يحق له التمسك بهذا الدفع بتاتا، بحيث يبقى قاصرا على صاحبه لوحده إن شاء فعل وإن شاء ترك[13].

أما بخصوص التمسك بالدفوع في إطار القانون الصرفي فنجد أن هذا الأخير يتكامل نوعا ما مع مبدأ استقلال التوقيعات فعلى عكس تطبيقاته في الشق المدني نظرا لعدم الملائمة فإن الحكم في تطهير تلك الدفوع أولا بأول كلما ظهرت الورقة لحامل جديد وطالما أن هذا الأخير حسن النية ولا يعلم بما يشوب العلاقة السابقة من عيوب والتي لم يكن هو طرفا فيها مع استثناء تلك المتعلقة بالأهلية والتزوير[14].

” فالنظر إلى إيجابيات هذه القاعدة بالنسبة لحامل الكمبيالة حسن النية، يتضح أنها توفر مجموعة من الضمانات التي لا يستطيع القانون المدني توفيرها للدائن فوفقا للطرق التقليدية للتداول في قانون الالتزامات والعقود وخاصة ما يتعلق بالحوالة نجد أن المحال له لا يستطيع أن يحصل على أكثر من الحقوق التي كان يتوفر عليها المحيل وهو ما يؤدي تبعا لذلك إلى أن المحال عليه يستطيع أن يتمسك في مواجهة المحال له بكل الدفوع التي كان بإمكانه إثارتها ضد المحيل.

وأمام عجز الحوالة كطريق للتداول عن توفير الحماية للمحال له من جهة، و عدم انسجامها مع القانون الصرفي من جهة أخرى، فإن اللجوء إلى العمل بقاعدة عدم التمسك بالدفوع كانت أكبر ضمانة يمكن منحها لحامل الكمبيالة حسن النية حتى لا يفاجأ بأي دفع بعد حصوله على الكمبيالة وتملكها وهو ما يزيد حقوق الحامل قوة ومناعة طالما أن حقه لن يتأثر بالدفوع الناشئة عن العلاقات الشخصية التي تربط الموقعين السابقين على الكمبيالة وهو ما يعني أن الحامل يتجنب البحث عن طبيعة وشرعية العلاقات السابقة، ولما كانت الإشارة سابقا أن قاعدة عدم التمسك بالدفوع تكملها قاعدة صرفية أخرى يطلق عليها مبدأ استقلال التوقيعات والتي مفادها أن كل من وقع على الكمبيالة سواء كان ساحبا أو مسحوبا عليه أو ضامنا احتياطيا أو غيرهم يعتبر توقيعه على الكمبيالة مستقلا عن باقي التوقيعات الأخرى وعليه فإذا كان التزام أحد الموقعين عن الكمبيالة باطلا بسبب انعدام الأهلية أو وجود عيب من عيوب الرضا أو عدم مشروعية السبب أو غيرها من أسباب بطلان التزام الموقع على الكمبيالة فإن ذلك لا يطال باقي التزامات الموقعين الآخرين والتي تبقى صحيحة لأن كل التزام من الالتزامات السابقة يبقى مستقلا عن التزام البقية وهو ما يعطي لقاعدة عدم التمسك مفعولها وأهميتها[15] “.

وعلى العموم فإن هاته القاعدة تشكل بروزا لقوة المدينين المتضامنين الصرفيين دون غيرهم من ذوي العلاقة التعاقدية المدنية وفق ما تم بيانه.

المطلب الثاني: الشق المتصل بزوال الصفة السلبية عن المدينين

سيرتبط الحديث في هذا الشق عن نقطتين رئيسيتين تتعلق الأولى برجوع الدائن على أحد المدينين المتضامنين لأجل استيفاء حقه الثابت في الورقة التجارية وذلك في فقرة أولى، على أن يعرج الحديث في الشق الثاني عن رجوع المدين المتضامن والموفي على بقية المدينين الأخرين.

جاء في الفصل 169 من ظهير الالتزامات والعقود ما يلي “الوفاء والوفاء بمقابل وإيداع الشيء المستحق والمقاصة الواقعة بين أحد المدينين والدائن تبرئ ذمة جميع المدينين الأخرين” فبموجب هذا الفصل يتبين أنه لأي مدين المكنة لإبراء بقية المدينين المتضامين معه مادام أن محل الالتزام هو واحد بالنسبة لهم جميعا، والدائن في هذا الصدد لا يحق له الرفض كما لا يستطيع أن يصر على المدين في ألا يوفيه إلا حصته في الدين عندما يكون المدين راغبا في تأدية الدين كله[16].

على أنه في الحالة التي يوفي أحد المدينين المتضامنين حصته في الدين فقط وذلك بموافقة الدائن فإنه يسوغ للأخير أن يرجع على البقية ببقية الدين لأن له موجب في ذلك.

ورجوع الدائن على البقية ينبغي أن يأتي بتراتبية ولا يباشر إطلاقا بطريقة عشوائية وفق هوى ورغبة الدائن، وذلك في إطار احترام التراتبية التي بها تعددت روابط المديونية بين المدينين وأضحوا بموجبها متضامنين فيما بينهم.

أما في شق الرجوع على المتضامنين صرفيا، فإنه باستطلاع نص المادة 201 في فقرتها الثانية، فإن المشرع يلاحظ أنه كرسا حكما مضرا بالمدينين إذ إن صح القول همه الوحيد في ذلك هو استيفاء مبلغ الورقة التجارية لا غير، فبنصه على ” … دون أن يكون ملزما باتباع الترتيب الذي صدر به التزامهم …” يشير وبطريقة واضحة إلى أنه كرس حكمة قيمة في تمديد وتمطيط الحماية لحامل الورقة التجارية دون مراعاة لخصوصية الطبيعة الائتمانية التي يدور في فلكها المدينون المتضامنون صرفيا.

الفقرة الثانية: رجوع المدين الموفي على بقية المدينين المتضامنين

إذ ما عدنا للمادة [17]179 من ظهير الالتزامات والعقود وجدنا بأنه يقر قاعدة تجزئة الدين بين المدينين أي أن المدين الذي أدى الدين ليس من حقه مطالبة المدين الأخر بكامل الدين بل عليه تجزئة القيمة المؤداة وفق النصيب الخاص به، وهذا الأمر يكرس حماية نوعية لبقية المدينين غير أنه يثقل كاهل المدين الذي أدى الدين كاملا بحيث ينبغي عليه المطالبة بطريقة تعددية جزئية، قيمة الجزء فيها تتحدد بالنسبة الأصلية للالتزام المدين في الدين الأصلي.

وبمعنى أكثر إيضاحا أن المدينين في علاقتهم مع بعضهم البعض لا يقوم من جهتهم التضامن فلكل منهم حق الرجوع على البقية بنسبة حصتهم فقط.

وحق الرجوع هذا يثبت للمدين إذا وفى الدين فعلا أو قضى الدين نحو الدائن بطريقة تقوم مقام الوفاء كما جاء على لسان الفصل 179 من ظهير الالتزامات والعقود.

أما من جهة القانون الصرفي وعلى سبيل المثال أحكام الكمبيالة نجد حكم المادة [18]202 التي أتت لربما بنوع أكثر من الدقة والوضوح إذ عبرها تم تحديد ليس من عليه حق الرجوع بل بماذا تتم المطالبة في الرجوع، والتي تمثلت كالتالي:

  • مبلغ الكمبيالة التي لم توف مع فوائد الاتفاقية إن كانت مشروطة
  • الفوائد بالسعر القانوني محسوبة من يوم الاستحقاق
  • مصاريف الاحتجاج والإخطارات وغيرها من المصاريف

فالمشرع يقر حكما مخالفا يحترم الخصوصية في هكذا علاقة صرفية بحيث تم إقرار حكم ضمني بأن الرجوع سيكون لا محال على الذين كانوا متضامنين مع المدين الموفي وأن العبرة في تدخل النص القانوني والتحديد هو تحديد ما تجوز به المطالبة وليس ما هو من البديهيات كحال الفصل 179 من ظهير الالتزامات والعقود.

وفي هذا الشق يتفوق الإطار القانوني الصرفي عن نظيره المدني وتظهر مكامن حسن التأطير لحلقة المدينين في الصورة السلبية.

خــــــاتــــــمــــــــة:

في خضم ما مر في هاته الدراسة يظهر وبإجلال أن الجزم بأن التضامن المدني أقوى من التضامن الصرفي بشكل قطعي لا يستوي والمنطق القانوني من شيء، بحيث أن كلا النوعين من التضامن يكون الحكم فيهما لصالح المدينين من جانب ومن جانب أخر يضر به فتميل الموازين للنوع الأخر من التضامن، وهذا إن دل فإنه يدل على انعدام صفة الجزم بغلبة الشق على الأمر مما يقتضي الإبراز على ذات الأحكام لأنها واجب وضرورة وليست فقط إطنابا وحشوا زائدا.

لائـــحــــة الــــمـــــراجــــــع:

أولا: الــــــكــــــتـــــــب:

  • أحمد شكري السباعي، الوسيط في الأوراق التجارية، دراسة معمقة في قانون التجارة المغربي الجديد وفي اتفاقية جنيف للقانون الموحد واتفاقية الأمم المتحدة للسفاتج (الكمبيالات) الدولية والسندات الإذنية الدولية والقانون المقارن، الجزء الأول، في أليات وأدوات الائتمان “الكمبيالة والسند لأمر “، الطبعة الأولى 1998، دون ذكر دار النشر
  • مأمون الكزبري، نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي، الجزء الثاني، أوصاف الالتزام وانتقاله وانقضاؤه، منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الثالثة 2023
  • محمد مومن، الوجيز في أحكام وسائل الأداء والائتمان في القانون المغربي، دراسة لأحكام الكمبيالة والخصم، الشيك، والبطاقات البنكية، الطبعة الأولى 2020، مكتبة المعرفة مراكش

ثانيا: الــــمــــقالات:

  • التضامن والتضامم في القانون المغربي، دون ذكر اسم الكاتب، مقال منشور عبر الرابط https://www.elkanounia.com/2021/01/article.html
  • سعيد الزعيم، قاعدة عدم التمسك بالدفوع، مقال قانوني منشور على الرابط التالي: https://zidni3ilma.arabepro.com/t228-topic
  • نشأة التضامن بين المدينين، دون ذكر اسم الكاتب، مقال منشور على الرابط التالي https://www.da5ira.com/2016/05/blog-post_23.html
  1. ظهير 9 رمضان 1331 الموافق ل (12 غشت 1913) التعلق بظهير الالتزامات والعقود، الجريدة الرسمية النسخة الفرنسية عدد 46، ص: 78
  2. جاء الفصل 107 من ظهير الالتزامات والعقود معنونا تحت مسمى ” القسم الثاني: أوصاف الالتزام ”
  3. القانون 15.95 المتعلق بمدونة التجارة، ظهير شريف رقم 1.96.83 صادر في 15 ربيع الأول 1417 (فاتح أغسطس 1996)، الجريدة الرسمية عدد 4418 بتاريخ 19 جمادى الأولى 1417 (3 أكتوبر 1997) ص: 2187
  4. تنص المادة 164 على ما يلي: “التضامن بين المدينين لا يفترض، ويلزم أن ينتج صراحة عن السند المنشئ للالتزام أو من القانون أو أن يكون النتيجة الحتمية لطبيعة المعاملة”
  5. مأمون الكزبري، نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي، الجزء الثاني، أوصاف الالتزام وانتقاله وانقضاؤه، منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الثالثة 2023، ص: 151
  6. نصت المادة 99 على ما يلي: “إذا وقع الضرر من أشخاص متعددين عملوا متواطئين، كان كل منهم مسؤولا بالتضامن عن النتائج، دون تمييز بين من كان منهم محرضا أو شريكا أو فاعلا أصليا”.
  7. مأمون الكزبري، م.س، ص: 153
  8. التضامن والتضامم في القانون المغربي، دون ذكر اسم الكاتب، مقال منشور عبر الرابط التالي https://www.elkanounia.com/2021/01/article.html اضطلع عليه بتاريخ، 3.1.2026 على الساعة: 17:52
  9. نشأة التضامن بين المدينين، دون ذكر اسم الكاتب، مقال منشور على موقع https://www.da5ira.com/2016/05/blog-post_23.html اضطلع عليه بتاريخ، 3.1.2026 على الساعة: 17:55
  10. أحمد شكري السباعي، الوسيط في الأوراق التجارية، دراسة معمقة في قانون التجارة المغربي الجديد وفي اتفاقية جنيف للقانون الموحد واتفاقية الأمم المتحدة للسفاتج (الكمبيالات) الدولية والسندات الإذنية الدولية والقانون المقارن، الجزء الأول، في أليات وأدوات الائتمان “الكمبيالة والسند لأمر “، الطبعة الأولى 1998، دون ذكر دار النشر، ص: 32
  11. تنص المادة 201 من مدونة التجارة على ما يلي: “يسأل جميع الساحبين للكمبيالة والقابلين لها والمظهرين والضامنين الاحتياطيين على وده التضامن نحو الحامل. يحق للحامل أن يوجه الدعوى ضد جميع هؤلاء الأشخاص فرادى أو جماعة دون أن يكون ملزما باتباع الترتيب الذي صدر به التزامهم.

    ويتمتع بالحق نفسه كل موقع للكمبيالة أدى مبلغها.

    ولا تمنع الدعوى المقامة على أحد الملتزمين من إقامة الدعوى تجاه الأخرين ولو كانوا لا حقين لمن أقيمت عليه الدعوى أولا”.

  12. مأمون الكزبري، م.س، ص: 160 و161
  13. نفس المرجع ونفس الصفحة
  14. محمد مومن، الوجيز في أحكام وسائل الأداء والائتمان في القانون المغربي، دراسة لأحكام الكمبيالة والخصم، الشيك، والبطاقات البنكية، الطبعة الأولى 2020، مكتبة المعرفة مراكش، ص: 15
  15. سعيد الزعيم، قاعدة عدم التمسك بالدفوع، مقال قانوني منشور على الرابط التالي: https://zidni3ilma.arabepro.com/t228-topic اضطلع عليه يوم: 3.1.2026، على الساعة: 18:22 بدون تصرف
  16. مأمون الكزبري، م.س، ص: 162
  17. تنص المادة 179 من ظهير الالتزامات والعقود على ما يلي: “الالتزام المتعاقد عليه تضامنيا تجاه الدائن ينقسم بقوة القانون بين المدينين.المدين المتضامن الذي يؤدي الدين كاملا، أو الذي يترتب على وقوع المقاصة بينه وبين الدائن انقضاء الدين بتمامه، لا يحق له الرجوع على الأخرين إلا بقدر حصة كل منهم في الدين.

    وإذا كان أحد المدينين المتضامنين معسرا أو غائبا، قسمت حصته في الدين بين كل المدينين الآخرين الموجودين والمليئي الذمة مع حفظ حق هؤلاء في الرجوع على من دفعوا عنه حصته. هذا كله ما لم يوجد شرط يقضي بخلافه”.

  18. تنص المادة 202 على ما يلي: ” يجوز لحامل الكمبيالة مطالبة من له حق الرجوع عليه بما يليأولا: مبلغ الكمبيالة التي لم تقبل أو لم توف مع فوائد الاتفاقية إن كانت مشروطة

    ثانيا: الفوائد بالسعر القانوني محسوبة من يوم الاستحقاق

    ثالثا: مصاريف الاحتجاج والإخطارات وغيرها من المصاريف.

    وإذا وقعت المطالبة قبل تاريخ الاستحقاق فيجب إجراء خصم من مبلغ الكمبيالة. ويحسب من الخصم بحسب سعر الخصم الرسمي في تاريخ وقوع الرجوع بالمكان الذي يقع فيه موطن الحامل”.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى