القانون الدولي و العلوم السياسيةفي الواجهةمقالات قانونية

التوازنات السياسية بالمغرب: السياقات التاريخية، وآفاق الانتخابات التشريعية لسنة 2026 الدكتور : محمد دحاني

التوازنات السياسية بالمغرب: السياقات التاريخية، وآفاق الانتخابات التشريعية لسنة 2026

Political balances in Morocco: Historical contexts and prospects for the 2026 legislative elections

الدكتور : محمد دحاني

دكتور في القانون العام والعلوم السياسية

كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال – الرباط

هذا البحث منشور في مجلة القانون والأعمال الدولية الإصدار رقم 60 الخاص بشهر أكتوبر/ نونبر 2025
رابط تسجيل الاصدار في DOI


https://doi.org/10.63585/EJTM3163

للنشر و الاستعلام
mforki22@gmail.com
الواتساب 00212687407665

التوازنات السياسية بالمغرب: السياقات التاريخية، وآفاق الانتخابات التشريعية لسنة 2026

Political balances in Morocco: Historical contexts and prospects for the 2026 legislative elections

الدكتور : محمد دحاني

دكتور في القانون العام والعلوم السياسية

كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال – الرباط

ملخص:

يطرح البحث في حقيقة ما جرى خلال السنوات الأولى لاستقلال المغرب، العديد من الإشكالات والصعوبات، لا سيما في ظل الروايات المتضاربة، والتي لا يمكن قراءتها بعيدا عن واقع ومواقع أصحابها، ما بين موقع السلطة ومنافعها، أو موقع المعارضة وأثمانها.

إلا ان الشيء المشترك بين مختلف الروايات، اتفاقها على تمكن المؤسسة الملكية إلى حد بعيد من تطويع مختلف الفاعلين السياسيين، ويرجع ذلك إلى فكرة ومبدأ التوازن المتحكم فيه. ويمكن القول بأن رؤية المؤسسة الملكية للتوازن تقوم على أن القوة توقف القوة داخل المشهد السياسي والحزبي والمؤسساتي.

فتعدد اللاعبين على اختلاف قوتهم مسألة محمودة، شريطة ألا تتجاوز قوة أحدهم مجموع قوى باقي اللاعبين، وفقط حينما يختل هذا التوازن لصالح أي كان “موالي أم منافس”، تشرع أدوات المؤسسة الملكية في الاشتغال من أجل إعادة ضبط التوازن، بالشكل الذي يضمن وجود قوة وحيدة “المؤسسة الملكية” تهيمن على المشهد السياسي والمجتمعي.

الكلمات المفاتيح: الأحزاب السياسية – المؤسسة الملكية – التوازنات السياسية – الصراع حول السلطة.

Abstract:

Research into what actually happened during the early years of Morocco’s independence raises many questions and difficulties, particularly in light of conflicting accounts that cannot be read separately from the reality and positions of those involved, whether they were in power and benefited from it, or in opposition and paid the price.

However, what the various interpretations have in common is their agreement that the monarchy was largely able to co-opt the various political actors, thanks to the idea and principle of controlled balance. It can be said that the monarchy’s vision of balance is based on the idea that power checks power within the political, party, and institutional spheres.

The multiplicity of players with varying degrees of power is a welcome development, provided that the power of any one player does not exceed the combined power of the other players. Only when this balance is disrupted in favor of any one player, whether a loyalist or a rival, the tools of the royal institution begin to work to restore the balance, in a way that ensures the existence of a single power, the “royal institution,” which dominates the political and social scene.

Keywords : monarchy– political parties – political balances –struggle for power.

المقدمة:

لَِإن كانت لحظات النضال السياسي السلمي أو أوقات الكفاح المسلح ضد المحتل الفرنسي وأعوانه، تمثل لحظات التحام واتحاد بين العرش والشعب ونخبة قيادات “الحركة الوطنية”، فقد أدت سياقات “استقلال المغرب” سنة 1956،[1] إلى إشعال فتيل الخلافات والصراعات السياسية والأمنية بين المؤسسة الملكية وأحزاب الحركة الوطنية، والتي ما زال المغرب يعيش تبعاتها ومخلفاتها إلى الآن.

وأمام هذا الوضع وجدت المؤسسة الملكية نفسها أمام العديد من القوى والتيارات السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتصارعة حول السلطة والمتصارعة داخليا فيما بينها، لتستغل مبدأ الاجماع على العرش العلوي على الأقل في السنوات الأولى لما بعد الاستقلال من أجل تعزيز مكانتها ونفوذه، انطلاقا من فكرة التوازن بين القوى، حتى لا يخلو المجال أمام قوة واحدة لتهيمن على باقي القوى، باستثناء المؤسسة الملكية.

وستحاول هذه الورقة تقديم قراءة تحليلية لدور المؤسسة الملكية في ضبط التوازنات السياسية ما قبل وما بعد 2011، مع استشراف توجهاتها في أفق الانتخابات التشريعية المقبلة لسنة 2026، في سياقات الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الراهن.

وتظهر أهمية هذه الورقة وراهنيتها، ارتباطا بالنقاش السياسي والانتخابي الدائر حاليا، ونحن على أبواب سنة انتخابية، فضلا عما تمت مراكمته في الأربع سنوات من الولاية الحكومية الحالية من نوع من اللاتوازن داخل المشهد السياسي والانتخابي وطنيا ومحليا، فهل ستكرس انتخابات 2026 هذا الوضع؟ أم أن هناك مؤشرات تدفع الى الاعتقاد باحتمال حدوث تغيير ما على مستوى الخريطة السياسية والانتخابية ما بعد انتخابات 2026؟

من هنا يبرز السؤال المحوري لهذه الدراسة، فإلى أي حد شكلت مسالة إسقاط إسلامي العدالة والتنمية من المشاركة في الحكومة، سببا يستحق تكلفة تشكيل خريطة سياسية مختلة بشكل واضح، كما أنتجتها انتخابات 2021؟ وهل كلفة هذا التحول سياسيا واجتماعيا واقتصاديا أصبحت عبئا على الدولة ومؤسساتها؟

وسنحاول الإجابة على هذه الإشكالية اعتمادا على كل من المنهج التاريخي والمنهج التحليلي النقدي، فضلا عن المنهج الوظيفي البنيوي، ولكل منها زواياه الخاصة التي تقتضي طبيعة الموضوع اللجوء إليها، قصد الإحاطة بمختلف جوانبه وحيثياته.

ونعتمد في تناول هذا الموضوع على التقسيم الثنائي، فنعالج في المبحث الأول سياقات سعي المؤسسة الملكية لإحداث التوازن داخل المشهد السياسي وأدواتها في ذلك، في مغرب ما بعد الاستقلال. أما المبحث الثاني فسيخصص لمناقشة صياغة التوازنات السياسية بالمغرب ما بعد دستور 2011، وذلك في أفق استشراف الخريطة السياسية والانتخابية للانتخابات التشريعية لسنة 2026.

المبحث الأول: التوازنات السياسية في مغرب ما بعد الاستقلال.

تشكل اللحظات التأسيسية في تاريخ الأمم لحظات فارقة في تحديد ملامح مستقبلها، ومن بين أبرز هذه اللحظات، الإطاحة بأنظمة سياسية سواء عبر ثورات أو انتفاضات أو انقلابات عسكرية، أو عبر تحقيق الاستقلال وطرد المحتل سلميا أو بقوة السلاح.

والمغرب أمة كباقي الأمم، عاش تلك اللحظة إبان نيله استقلاله السياسي من المحتل الفرنسي، فكان لمنهجية عمل وتحركات مختلف مراكز القوى والتأثير الميداني “المؤسسة الملكية والأحزاب السياسية والأعيان وعملاء فرنسا، فضلا عن بقايا الوجود الفرنسي بالمغرب”، بالغ الأثر في تشكيل نمط الحكم وطبيعته، بل ورسمت حدود أدوار كل الفاعلين، تحت سلطة وهيمنة المؤسسة الملكية.

إن هيمنة المؤسسة الملكية على المشهد السياسي بالمغرب منذ السنوات الأولى يعود لأسباب عدة، فإلى جانب ما تمتعت به من شرعيات دينية وتاريخية ونضالية، فقد كان لقدرة المؤسسة الملكية على إدارة التحالفات وضبط التوازنات داخل المشهدين الأمني والسياسي، بالغ الأثر في ذلك.

وما سَنُعنى به في هذا المبحث، هو قدرتها على ضبط وتشكيل توازنات داخل المشهد الحزبي والسياسي، بحيث نستعرض السياقات والظروف التي دفعت المؤسسة الملكية إلى التفكير بضرورة وجود توازن ما على مستوى المشهد السياسي والحزبي من خلال المطلب الأول. أما المطلب الثاني، فنعالج من خلاله محاولة صناعة هذا التوازن إذا لم يكن متوفر، أو على الأقل الدفع به أو توجيه أطرافه.

المطلب الأول: سياقات السعي نحو تحقيق التوازن.

كما سبقت الإشارة إلى ذلك، عرف المغرب ما بعد الاستقلال سنوات وعقود من الصراع بين العديد من القوى السياسية، التي استهدفت إما الحفاظ على مكتسباتها التي راكمتها زمن الاحتلال الفرنسي “الأعيان والمتعاونين مع الاحتلال”، وأخرى تسعى إلى تقوية نفوذها وتعزيز سلطانها “المؤسسة الملكية”، وثالثة حاولت أن تجد لها موطن قدم في المغرب المستقل، وأن يكون لها نصيب من منافع الحكم والسلطة، بل إن بعضا من هذه الفئة الثالثة “الأحزاب السياسية وفي مقدمتها حزب الاستقلال”، كانت ترى أن ذلك لن يتأتى إلا بإقصاء أو تهميش الطرفين الأول والثاني.

وقد شكل تحديد طبيعة النظام السياسي ومؤسساته، فضلا عن أدوار مختلف هياكله، أهم حلقات هذا الصراع “الفقرة الأولى”، الذي كان لتحركات أعوان الاحتلال وتحالفاتهم نتائج لا يمكن تجاهل تأثيرها في تأجيجه “الفقرة الثانية”.

الفقرة الأولى: الصراع حول تحديد شكل النظام السياسي.

منذ اللحظات الأولى للاستقلال، طغى الخلاف بين مختلف الأطراف حول شكل نظام الحكم وطريقة إدارة الدولة ومؤسساتها، وهذا يمكن استنتاجه من النقاش الذي واكب تشكيل الحكومة الأولى، فضلا عن الصراع الذي عرفه المجلس الوطني الاستشاري. [2]

وهكذا برزت رغبة المؤسسة الملكية ولاسيما من خلال ولي العهد “المولى الحسن” آنذاك في تكريس سلطة الملك وتعزيز صلاحياته السياسية والدينية والتنفيذية، استنادا إلى تاريخ الحكم السلطاني بالمغرب، وأيضا بالعودة إلى المشروعية النضالية للمؤسسة الملكية ودورها المحوري في تحقيق الاستقلال، فضلا عن شرعيتها الدينية والمجتمعية.[3]

بالمقابل كانت تراود نخب الحركة الوطنية أفكار لتقاسم السلطة مع المؤسسة الملكية او حتى تقزيم أدوارها، فشركاء النضال هم شركاء “كعكة الاستقلال” على أقل تقدير.

حيث كانت تصورات أحزاب الحركة الوطنية ولا سيما حزب الاستقلال، تنطلق من ضرورة إقامة ملكية دستورية مقيدة بأدوار شرفية، في حين تضطلع الأحزاب السياسية بأدوار طلائعية في إدارة البلاد، وأن حضور الأحزاب في هذا السياق يجب أن يتلاءم مع قوتها وشعبيتها ومشروعيتها الجماهيرية، ويستدل على ذلك بشيء مما جاء على لسان المهدي بنبركة في كتاب الاختيار الثوري حينما قال: “لم يكن من المتيسر في حدود هذا التقرير أن أقوم بتحليل نقدي شامل لحركة التحرير الوطني في المغرب، … أو لشرح الأسباب الموضوعية والذاتية التي جعلت القيادة السياسية –للبلاد– تفلت من أيدينا، بينما كنا الأغلبية الساحقة في البلاد…”.[4]

هذا الصراع يقرأه البعض على أنه جاء نتيجة سوء فهم بين المولى الحسن وبعض قيادات الحركة الوطنية وأعضاء جيش التحرير، بإيعاز من بعض رجال الاحتلال الفرنسي، وذلك للحفاظ على موضع قدم في المغرب الجديد. وهذا ما يفسر الإبقاء على القوات الفرنسية إلى ما بعد إعلان استقلال المغرب. وهناك قراءة تقول بأن بقاء القوات الفرنسية هو نتيجة لهذا الصراع وليس سببا له، بفعل تخوف الملك من سطوة حزب الاستقلال وقوة جيش التحرير، خاصة في ضل وجود جيش ملكي فتي وفي طور التشكل، وغير قادر على المواجهة في حالة اضطرت المؤسسة الملكية للدفاع عن وجودها بقوة السلاح.

هذا دون أن نتعرض للأجهزة الأمنية الفرنسية التي استمر عملها بالمغرب، رغم اعلان الاستقلال، بل إن المؤسسات الأمنية المشكلة حديثا اعتمدت في كثير من الأحيان على مغاربة سبق لهم وأن خدموا في القوات الأمنية والعسكرية للمحتل، فضلا عن وجود شبكة قوية من القواد والأعيان ذات حظوة وسطوة محليا، انتقل ولاؤها للمؤسسة الملكية بعد الاستقلال، من أجل تفادي أي خطوات للاستئصال، تقودها قيادات الحركة الوطنية.

في مثل هذه الأجواء والظروف السياسية، سعت المؤسسة الملكية بما توافر لها من شرعية تاريخية ودينية ونضالية إلى تحقيق نوع من التوازن الأمني والسياسي، الأول بالإبقاء على الوجود الفرنسي ولا سيما أجهزتها الأمنية، والثاني محاولة إحداث نوع من التوازن السياسي اعتمادا على الأعيان والنخب القروية التي كانت مستهدفة من قبل الحركة الوطنية. وبالتالي وجدت هذا الأخير في التحالف مع المؤسسة الملكية مدخلا لحماية نفسها.

وهذا ما يفسر تردد ثم احجام المؤسسة الملكية نهائيا عن كل المبادرات التي كانت تدفع باتجاهها بعض القيادات الحكومية من أحزاب الحركة الوطنية، التي كانت ترمي إلى محاسبة واستئصال كل النخب المركزية والمحلية التي سبق لها أن تحالفت مع الاحتلال ضد أعضاء المقاومة والأحزاب الوطنية،[5] بل وصل بها الأمر الى تأييد قيام المحتل بنفي السلطان محمد الخامس وأسرته، ومباركة تعيين سلطان جديد للمغاربة ومبايعته، وعلى رأسهم باشا مراكش آنذاك التهامي الكلاوي.

إن إدراك المؤسسة الملكية لأهمية عدم ترك المجال السياسي والأمني فارغا للتنظيمات الحزبية والسياسية للحركة الوطنية وجيش التحرير، هو ما طبع فكرة أهمية تحقيق التوازن بين القوى السياسية والحزبية، حتى يسهل ضبطها والتحكم بها. وقد تم تكريس هذه الفكرة، مع ما عرفه المغرب من انقلابات عسكرية، كادت أن تودي بحياة الملك وأسرته وتنهي حكم العلويين بالمغرب، وخاصة الانقلاب الذي قاده الجنرال أوفقير، أحد أقرب المقربين من الملك آنذاك. والذي يعتبر ممن سبق لهم أن خدموا في صفوف مؤسسات الاحتلال الفرنسي الأمنية بالمغرب.

فقد شكلت لحظة الانقلاب مناسبة للمؤسسة الملكية للإدراك بأن تركيز القوة في جانب واحد، يمكن أن يشكل خطرا على بقاء المؤسسة الملكية واستمرار حكمها، حتى وإن كان ذلك الجانب يعلن الولاء المطلق للمؤسسة الملكية ويلهج به في كل وقت وحين. ففرط القوة والسيطرة يمكن أن تدفع بصاحبها لمحاولة استكشاف غايات وطموحات جديدة، والتاريخ يشهد بالعديد من التجارب في هذا الإطار.

ومن ذلك ما وقع لأسرة البرامكة خلال حكم الدولة العباسية، حيث حظيت هذه الأسرة بمكانة متميزة وسامية في إدارة شؤون الخلافة في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد، حيث بلغ نفوذهم أن أضحو يتدخلوا في أمور بيت الخلافة “ولاية العهد”، بل هناك من الروايات التاريخية التي تقول بسعيهم إلى الخلافة والإطاحة بحكم هارون الرشيد، الذي لم يتورع عن قتل جعفر ابن يحي البرمكي، الذي كان أقرب المقربين منه، ليقوم بعدها بتصفية نفوذ البرامكة من جميع هياكل ومفاصل الدولة بشكل نهائي.[6]

من هنا تبدو مسألة تحقيق التوازن بين الفاعلين السياسيين والمجتمعين وحتى الأمنيين والعسكريين، مسألة جوهرية للحفاظ على الملك واستمرار الدولة، وهذا ما يبدو أن الملك الراحل الحسن الثاني وخليفته الملك محمد السادس، بذلا قدر جهدهما لتحقيقه والحفاظ عليه.

ومن ذلك نذكر مثلا، ما وقع بعد أحداث 16 ماي 2003، حيث كانت هناك دعوات للمؤسسة الملكية وبعضها من المحيط الملكي، من أجل تحميل حزب العدالة والتنمية المسؤولية الأخلاقية، ودعوته إلى حل الحزب وجناحه الدعوي المتمثل في حركة التوحيد والإصلاح. غير أن الحكمة الملكية اقتضت ألا يتم التجاوب مع تلك المطالب، مما سيعنيه من إقصاء لفاعل سياسي له وزنه داخل المشهد السياسي، الشيء الذي يمكن أن يخل بذلك التوازن المطلوب.

وذلك في صلة بكون انتقال إسلامي المغرب من العمل الجمعوي والدعوي إلى الفعل الحزبي والسياسي، كان تحت رعاية الدولة ومؤسساتها الأمنية،[7] بهدف تحقيق نوع من التوازن داخل المشهد الحزبي إزاء القوى اليسارية والماركسية المتشددة، وفي نفس الوقت محاولة لتطبيع مؤسسات الدولة والمشهد السياسي مع وجود تيار سياسي جديد له وزنه وله شرعيته، يعمل وفقا للآليات الديمقراطية التي يتيحها النظامين السياسي والدستوري.

الفقرة الثانية: دور بقايا المحتل الفرنسي “القوة الثالثة”[8].

تشكل هذه الفقرة مناسبة سانحة لمناقشة حقيقة ما جرى في مفاوضات حصول المغرب على الاستقلال، ولا سيما تشكيلة الوفد ومضامين المفاوضات، وهل شكلت هذه المفاوضات أولى أدوات الاحتلال الفرنسي لخلق البلبة والريبة بين مختلف القوى الحية المقاومة من جهة والقوى التقليدية من جهة أخرى، والتي من شأنها أن تحفظ للاحتلال على موضع قدم، داخل مختلف البنى السياسية والاقتصادية والثقافية.

أيضا، مناقشة مدى اعتبار أن استقلال المغرب المؤرخ في 18 نونبر 1956، هو التاريخ الحقيقي لاستقلال المغرب، خاصة في ظل استمرار وجود قوات الاحتلال الفرنسي بالأراضي المغربي إلى ما بعد هذا التاريخ. فلماذا تم الإبقاء عليها، وما غاية الاحتلال من وراء ذلك؟ مع العلم أن المقاومة كانت تتوفر على “جيش التحرير” الذي كان قادرا على تسلم إدارة الأمور الأمنية والعسكرية.

يضاف إلى ذلك بأن الاحتلال الفرنسي لا يتصور أن يمنح المغرب استقلاله هكذا وبدون أثمان، ودون أي محاولة لتحصين أعوانه الساهرين على حماية مصالحه. هكذا، عمل الاحتلال الفرنسي من أجل ضمان مراعاة مصالحه ومصالح أعوانه، قبل أن يُقدِم على الاعتراف باستقلال المغرب.

وقبل الخوض في تشكيلة الوفد الذي حضر أو شارك في مفوضات إكس ليبان، لا بد من الإشارة إلى أن تحديد مكان التفاوض داخل الأراضي الفرنسية، يثير الكثير من الريبة والشك في مجمل هذه المفاوضات ونتائجها.

وعلى سبيل المثال، فالمفاوضات التي جمعت الولايات المتحدة الأمريكية والجبهة الوطنية لتحرير جنوب فيتنام “الفيتكونج”، احتضنتها باريس. أما المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وحركة طالبان الأفغانية، جرت بالدوحة عاصمة دولة قطر، وغير ذلك كثير. فمن المفروض أن تتم المفاوضات بين أطراف متصارعة ومتحاربة، على أرض محايدة.

من هنا يمكن القول إن عدم الحرص على إجراء مفاوضات الاستقلال على أرض محايدة، شكل عامل مساعد للاحتلال على إدارة المفاوضات ومخرجاتها، بما يتلاءم مع مصالحها وأطماعها، ومن ذلك محاولة التلاعب في تشكيلة الوفد، بحيث حاول الاحتلال الفرنسي إشراك ممثلين عن القواد الموالين لها وعلى رأسهم الباشا التهامي الكلاوي.

من هنا ننتقل إلى تشكيلة الوفد المغربي، والذي تحكمت فيها سلطات الاحتلال الفرنسي، حيث جائت تركيبة الوفد المغربي المفاوض مكونة من 37 شخصية،[9] وهو عدد كبير بالنسبة لحركة تحرر وطني تسعى إلى تحقيق الاستقلال من محتل غاصب للأرض بقوة السلاح. والعديد من المصادر التاريخية تكاد تجمع على أن الوفد المغربي كان غير منسجم ومشتت، بل إن البعض يذهب إلى القول بأن عدد مهم من أعضاء الوفد كانوا من الموالين لسلطات الاحتلال الفرنسي، وممن بايعوا محمد بنعرفة كسلطان على المغرب بعد عزل الملك محمد الخامس ونفيه خارج أرض الوطن.

وإلى جانب هؤلاء ممن يوصفون بالوجهاء والأعيان، ضم الوفد ممثلين عن أحزاب الحركة الوطنية، على رأسهم قيادات حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال، في مقابل وفد فرنسي مكون من خمسة أشخاص، يرأسهم رئيس الحكومة الفرنسية ووزيري الخارجية والدفاع.

إن الظروف المحيطة بالمفاوضات إن صح القول بكونها مفاوضات، تسائل أحزاب الحركة الوطنية، كيف ارتضت هذه القيادات الحزبية والنضالية، أن تحضر لهكذا مفاوضات، لا تتوفر فيها أبسط الشروط للتفاوض؟ ربما هذا ما دفع البعض لنعث المشاركين فيها بالخيانة، كالمفكر المغربي المهدي المنجرة والمقاوم محمد بن عبد الكريم الخطابي.[10]

فعوض أن تستغل قيادات الحركة الوطنية الوضعية السياسية والعسكري لفرنسا، التي كانت تعاني في جبهات متعددة ولا سيما في تونس والجزائر، فضلا عن انتكاساتها في الحرب الهند الصينية من أجل فرض شروطها، اختار الوفد المغربي بما فيه ممثلي ما يسمى بأحزاب الحركة الوطنية الاستمرار في مفاوضات فاقدة لكل شروط التفاوض السيادي.

هكذا تمكنت فرنسا من التحكم في مخرجات المفاوضات، بما يخدم مصالحها ويقزم أدوار الفعل التحرري المقاوم ولا سيما على المستوى الميداني، لصالح أعوانها الساهرين على حماية مصالحها الاقتصادية والثقافية.

ويمكن اعتبار هذه المفاوضات نقطة الانطلاق لتأسيس ما عرف بعدها بالقوة الثالثة، فقبول أعضاء وقيادات الحركة الوطنية، بالجلوس جنبا إلى جنب مع الوجهاء والقياد رؤساء المناطق الموالين لفرنسا على طاولة الحوار، ولو بشكل غير مباشر. هو اعتراف بشرعية هؤلاء الوجهاء والأعيان، في إدارة شؤون المغرب ما بعد الاستقلال.

هذه القوة التي ضمنت بقائها ورعاية مصالحها، بل توجيه تاريخ المغرب المستقل بعيدا عما كانت تطمح له الأمة من تحرر وانعتاق من المحتل الفرنسي، كان نتيجة الخط السياسي الذي حاول حزب الاستقلال أن يرسمه لنفسه، بإعلانه أنه يمثل الشرعية الوحيدة للحراك المقاوم وأنه الحزب الأحق بالنصيب الأوفر من مقاعد الحكومة الأولى،[11] وما شكله ذلك من تهديد لمصالح أطراف أخرى، على رأسها المؤسسة الملكية وما عرف آنذاك بالقوة الثالثة، دفعهما للتحالف من أجل محاولة الحد من قوة الحزب وطموحاته السلطوية.

ونشير هنا إلى أن عبد الهادي بوطالب أحد قيادات حزب الشورى والاستقلال الحاضرين لمؤتمر إيكس ليبان، صرح في إحدى شهاداته، بأن “الوطنيين” رفضوا الجلوس إلى جانب عملاء فرنسا المستدعين إلى المؤتمر، مما اضطر الفرنسيين للجلوس مع كل طرف بشكل منفرد، وأن هذا المؤتمر انتهى قبل ان ينعقد. فضلا عن تصوير المؤتمر من وجهة المحتل الفرنسي، كمحاولة للوساطة بين الموالين للسلطان المنفي محمد الخامس والموالين للسلطان المنصب محمد بن عرفة.[12]

السؤال الذي يطرح نفسه بشكل تلقائي، ماهي الغاية التي كان يطمح لها وفد الحركة الوطنية من هذا المؤتمر، الذي لم ينعقد حسب الشهادة المذكورة، وكيف سمح لفرنسا بأن تتحكم في زمان ومكان المؤتمر، وأن تتحكم أيضا في الوفد المشارك؟ ثم لماذا لم ينسحب وفد الحركة الوطنية من المؤتمر، الذي دام عشرة أيام؟ فلا يمكن تصور انعقاد مؤتمر لمدة عشرة أيام، دون أن ينعقد.

إن كلام عبد الهادي بوطالب يبقى محل تشكيك، خاصة بالنظر إلى شهادات ومواقف عدد من الشخصيات التي عاصرت تلك الفترة، التي عارضت المؤتمر وعارضة مخرجاته كالمهدي بنبركة “مشارك في المؤتمر” والفقيه البصري، فضلا عن أبرز قيادات جيش التحرير،[13] والتي وصلت بالبعض إلى وصفها بالخيانة العظمى للمغرب كما سبقت الإشارة إلى ذلك.

بل إن بعض القيادات الوطنية التاريخية اعتبرت أن تصفيت جيش التحرير سواء في الشمال أو الجنوب، كانت من بين نتائج هذا المؤتمر، حيث قام الاحتلال الفرنسي بتليين بعض مواقفه من الحركة الوطنية ومطالبها، في مقابل إلقاء سلاح جيش التحرير، وهذا بالفعل ما تم تنفيذه على مدار السنوات الموالية.[14]

المطلب الثاني: أدوات تحقيق التوازن.

في كتابه أمير المؤمنين والنخبة السياسية بالمغرب، فصًل جون واتربوري في الأدوات التي استندت إليها المؤسسة الملكية، في تطويع الفاعل الحزبي وضبط المشهد السياسي،[15] غير أننا هنا سنحاول التركيز على عنصرين أساسيين، يمكن القول بأنهما ما زالا يمثلان أهم تلك الأدوات.

هكذا سنحاول التركيز في البداية على دور الأعيان أو ما يسمى بالنخب التقليدية من خلال “الفقرة الأولى”، ثم نتطرق إلى استغلال المؤسسة الملكية لمبدأ التعددية الحزبية في تمييع المشروعية الحزبية في “الفقرة الثانية”.

الفقرة الأولى: الأعيان، أدوات السلطة لإحداث التوازن الانتخابي.

شكل الأعيان أو ما يعرف بالنخب التقليدية، ولا سيما على المستوى القروي، أدوات جد فعالة على مستوى بسط النفوذ وإدارة الأوضاع، والأعيان هم عبارة عن رجال الإدارة “القواد وأعوانهم” وبعض كبار الفلاحين والوجهاء، الذين تحكمهم نظرة برغماتية في علاقتهم بالقائمين على الحكم المركزي.

ولما كانت الحركة الوطنية ترفع شعار التصفية السياسية والمحاسبة المالية في وجه كل النخب التي كانت متعاونة مع الاحتلال الفرنسي، وخاصة أولئك الذي قاموا بمبايعة محمد بنعرفة كسلطان على المغرب، بعد نفي الأسرة الملكية. فإن هذه القوى المتعاظمة النفوذ وصاحبة الجاه والمال، كانت تبحث لنفسها عن موضع ما في توازنات المغرب الجديد، بما يحفظ لها مكانتها وموقعها الاقتصادي والاجتماعي.

ونشير هنا إلى أن قيادات الحركة الوطنية، حاولت في بداية الاستقلال دفع محمد الخامس إلى إصدار قرارات بإعفاء ومحاسبة الخونة وعملاء فرنسا وفي مقدمتهم عناصر من هذه النخب، إلا أن الملك لم يقدم على ذلك، ارتباطا بالتوجسات التي كانت تراود الملك وولي عهده، بكون الأحزاب الوطنية وعلى رأسها حزب الاستقلال راغبون في الاستفراد بالمؤسسة الملكية، لتنفيذ أجندتها في حكم المغرب، وإقصاء المؤسسة الملكية أو بمنحها أدوار هامشية.

وقد التقطت المؤسسة الملكية هذه الإشارات، فعملت على إقامة تحالف مع هذه النخب، من أجل تقويض نفوذ أحزاب الحركة الوطنية وقياداتها، وبالتالي تسخير نفوذها ومقدراتها لصالح مشروع المؤسسة الملكية، من أجل تكريس حكمها المنفرد للمغرب، في مقابل ضمان قيام المؤسسة الملكية، بحماية مصالح هذه النخب ورعايتها.[16]

فالحكم “الفردي” الذي أسسه الحسن الثني ابتداء من سنة 1962 مع أول دستور،[17] لا يمكن القول بأنه فردي حقا، بل إن أي حكم مهما بلغت درجة سطوته وقوته، لا بد له من فئات اجتماعية واقتصادية حاملة له وتدافع عنه، ليدافع عنها.

هكذا استطاعت المؤسسة الملكية استغلال هذا الوضع ولو بشكل غير مباشر، من خلال العمل على تنظيم هذه النخب، وتعزيز حضورها سياسيا وانتخابيا عبر هيئات وإطارات سياسية وحزبية،[18] تمكنت من تحقيق حضور وازن على مستوى مقاعد مجالس النواب المتعاقبة، رغم الملاحظات المتعلقة بمستوى نزاهة وشفافية العمليات الانتخابية.

الشيء الذي أصبحت معه النخب التقليدية، فاعلا أساسيا في تشكيل وإدارة المشهد السياسي والانتخابي، وأضحى لها حضور وازن على المستوى الحكومي. مما مكنها من ضمان حماية مصالحها، في مقابل إقصاء وتقزيم أحزاب الحركة الوطنية وقياداتها، وخاصة حزب الاستقلال وحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.

الفقرة الثانية: التعددية الحزبية بين الحقيقة والصورية.

شكلت مسألة التعددية الحزبية والسياسية أحد أهم المداخل التي ارتكزت عليها المؤسسة الملكية من أجل ضمان تفرد نفوذها وتعزيز موقعها، وذلك بالعمل على تفتيت قوة الخصوم، خاصة أولئك الذين رأوا في أن نفوذهم وقوتهم التنظيمية والجماهيرية وتاريخهم النضالي يمنحهم مشروعية لتقاسم السلطة مع المؤسسة الملكية، بل يمكن القول مشروعية الحكم المنفرد للمغرب اعتمادا على نظام الحزب الوحيد.

والحديث هنا يرتبط أساسا بحزب الاستقلال وقياداته، التي رأت بأن لها من المشروعية السياسية والشعبية والنضالية التي تؤهلها لقيادة المغرب، بفضل أدوارها في مقاومة الاحتلال وما قدمته من تضحيات في سبيل ذلك. فضلا عن كونه الحزب السياسي الأقوى تنظيما وجماهيريا، لا سيما من خلال علاقة الحزب بجيش التحرير، حيث اعتبر الجيش بمثابة جزء من الحزب، مما يجعلهما القوتان الأكثر حضورا في مواجهة قوة ونفوذ المؤسسة الملكية.[19]

هكذا، ومنذ مفاوضات إكس ليبان والحكومة الأولى برئاسة مبارك البكاي، عمل كل من الاحتلال الفرنسي وبعده المؤسسة الملكية كل فيما يخصه، على محاولة تقليص تمثيلية حزب الاستقلال.[20] وذلك في إطار السعي الى تكريس فكرة أن تمثيلية الأمة المغربية، شيء أكبر من حزب الاستقلال. وبأنه لا يمكن بحال من الأحوال اعتباره ممثلها الشرعي الوحيد.

حيث تم تشكيل جميع الحكومات المغربية الموالية للاستقلال بشكل ائتلافي باستثناء الحكومة الثالثة،[21] لتتم دسترة مبدأ التعددية الحزبية داخل الوثيقة الدستورية من خلال دستور سنة 1962، وحضر نظام الحزب الوحيد.[22]

وأمام القوة الانتخابية لحزبي الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، والذي كان من شأنها أن تحيل التعددية الحزبية إلى تعددية افتراضية. أمام واقع وجود قوة حزبية وانتخابية، تكتسح مختلف مؤسسات وهياكل النظام السياسي والدستوري.

ما دفع بالمؤسسة الملكية إلى محاولة تشجيع تأسيس كيانات حزبية عبر تجميع قوة الأعيان الانتخابية، فضلا عن الممارسات التي ميزت العمليات الانتخابية من انتهاكات وممارسات قلصت من مستويات نزاهتها، من أجل كبح تمدد نفوذ أحزاب الحركة الوطنية.

فضلا عن ذلك، ولضمان الإضعاف والتحجيم، لم يتم الاكتفاء بتلك الكيانات الحزبية “الإدارية”، بل يتم العمل على دعم التناقضات داخل البنية التنظيمية للأحزاب السياسية، عبر استغلال ضعف الآليات الديمقراطية الداخلية للأحزاب، والانحباس التنظيمي، من أجل دفع العديد من الفئات والقيادات المتطلعة لموقع المسؤولية الحزبية إلى الانشقاق وخلق كيانات حزبية جديدة، تضعف الحزب الأم أكثر مما تحققه لنفسها من مكاسب سياسية أو انتخابية.[23]

المبحث الثاني: التوازنات السياسية في مغرب ما بعد دستور 2011.

إن قدرة المؤسسة الملكية في بناء نظام سياسي تحتل فيه مكانة سامية بالنسب لباقي الفاعلين، باعتبارها سلطة فوق السلطات، ودسترة هذا النموذج في الحكم عبر مختلف الدساتير المتعاقبة بالمغرب منذ دستور 1962، وإلى غاية 1996، رغم كل ما واجهته هذه المؤسسة من تحديات ورهانات، كادت في أحيان كثير تعصف بنفوذها، بل بوجدها، يعود بشكل أساسي إلى ضمان عنصر التوازن داخل المشهد السياسي والأمني.

فكلما اختل هذا التوازن لصالح أي قوة، كيفما كانت سياسية أو أمنية، إلا وتعرضت المؤسسة الملكية للخطر، وهذا ما أضحت المؤسسة الملكية تعيه جيدا. وبالتالي، فهي تحاول التأقلم والتكيف مع الظروف والمستجدات، لكن تضع في نصب عينهيا وغايتها الأساسية، أن الظروف التي يمكن أن تلعب لصالح فاعل سياسي ما، هي نفسها يمكن استثمارها لتقوية باقي الفاعلين ومن منطلقات عدة، من أجل الحفاظ على التوازن. وحتى إن لم يكن ذلك التوازن حقيقي، فليس هناك ما يمنع من أن يكون صوريا في أسوء الحالات.

وهكذا، سارعت المؤسسة الملكية للتفاعل بدى في أول الأمر أنه إيجابي، من أجل الاستجابة لبعض المطالب السياسية والحقوقية التي رفعت خلال تظاهرات 20 فبراير وما تلاها، عبر الشروع في إصلاحات دستورية، واكبتها قرارات على مستوى التعينات، وذلك من أجل امتصاص غضب الشارع.

وقد كان الجميع تقريبا موقنا من أن الانتخابات التي ستلي دستور 2011، ستعرف تصدر حزب العدالة والتنمية لنتائجها، مما دفع القصر إلى تقبل وجود التيار الإسلامي ليس في الحكومة فقط، بل في قيادتها أيضا. لا سيما في ظل وجود الفصل 47 من الدستور، الذي يلزم الملك بضرورة تعيين رئيس الحكومة من الحزب السياسي المتصدر لنتائج الانتخابات التشريعية. ولربما جاءت المناسبة التي سيقدم فيها إسلامي العدالة والتنمية الخدمة التي تم إدماجهم من أجلها ضمن المشهد السياسي والانتخابي، والمتمثلة أساسا في احتواء حراك العشرين من فبراير.[24]

انطلاقا من ذلك، سنحاول من خلال هذا المبحث، تقديم قراءة تحليلية لما يمكن أن نسميه محاولات إعادة ضبط المشهد السياسي والانتخابي، من أجل كبح المد الإصلاحي المرتكز على قوة وسياقات المد الاحتجاجي للعشرين من فبراير وما بعدها، وذلك في المطلب الأول. على أن نخصص المطلب الثاني، لقراءة تكتيكات السلطة لإعادة خريطة المشهد السياسي إلى مرابعه الأول، والمقصود هنا حالة الاستقرار السياسي والتوازن الانتخابي القائمة قبل 9 مارس 2011.

المطلب الأول: أولوية كبح نفوذ حزب العدالة والتنمية.

رغم التحليلات والقراءات التي اعتبرت أن وصول حزب العدالة التنمية إلى التدبير الحكومي، كان ورقة بيد السلطة لجأت إليها من أجل التخفيف من حجم الاحتقان السياسي والغضب الشعبي، فإن السلطة بنفسها لا يمكن القول بأنها كانت راضية عن هذا الوضع، “الذي فرض عليها”، من أجل كبح المد الاحتجاجي، الذي عصف بزعماء وأنظمة سياسية غارقة في الاستبداد والتسلط، كان آخرها النظام السوري.

وقد كان على النظام السياسي المغربي ولا سيما مراكز النفوذ التي تقهقرت شيء ما، دون أن تفقد عناصر قوتها ونفوذها، أن تتأقلم مع وجود التيار الإسلامي في قيادة الحكومة، والانتظار إلى أول انتخابات تشريعية عادية موالية، حتى تتم الإطاحة بحزب العدالة والتنمية من صدارة المشهد الانتخابي، ومنه صدارة المشهد السياسي والحكومي.

وعليه، سنحاول قراءة وتحليل بعض المؤشرات والأحداث التي تدعم فكرة هذه الرغبة، في سياق الانتخابات التشريعية لسنة 2016 الفقرة الأولى، ثم في الفقرة الثانية نتعرض لسياقات الانتخابات التشريعية لسنة 2021، التي شهدت تدهورا انتخابيا واضحا لحزب العدالة والتنمية.

الفقرة الأولى: انتخابات 2016، المحاولة الأولى.

لا بد في بداية هذه الفقرة، من الإشارة إلى أن الإطاحة بحكومة العدالة والتنمية الأولى كانت ممكنة، وذلك بعد أقل من سنتين من تاريخ تشكيل الحكومة، على إثر ما أقدم عليه حزب الاستقلال في يوليوز من سنة 2013 من تقديم استقالة أربع من أصل خمس وزراء له في الحكومة.[25] كنتيجة لتدهور العلاقة بين حزب الاستقلال وحزب العدالة والتنمية، ابتداء من انتخاب السيد حميد شباط على رأس الأمانة العام لحزب الاستقلال خلفا لعباس الفاسي.[26]

غير أن السلطة لم تشأ أن تنهي هذه التجربة بعد أقل من سنتين من بدايتها، وهو ما كان سيقود إلى إشعال فتيل الاحتجاجات الشعبية من جديد، وتزكية الأصوات التي رفضت مخرجات خطاب 9 مارس ودستور 2011. بل اختارت أن تستدعي أحد الأحزاب الأكثر قربا من السلطة “حزب التجمع الوطني للأحرار”، من أجل ملأ الفراغ الذي تركه حزب الاستقلال.

ويمكن القول بأن من أدخل الأحرار حكومة عبد الإله بنكيران، هو نفسه من أخرج وزراء حزب الاستقلال. والغاية ليست إسقاط الحكومة أو الإطاحة ببنكيران وحزبه من رأس الحكومة أو من التدبير الحكومي. بل يمكن الجزم بأن الغاية كانت إرسال رسائل إلى قيادات العدالة والتنمية، بأن الفضل في عدم سقوط الحكومة يعود للسلطة في المقام الأول. وبالتالي، فاستمرار الحكومة صار أكثر ارتهانا لإرادة السلطة، وهو ما يقود إلى رهن إرادة الحكومة وكبح أي مد إصلاحي، يمكن أن يمس بمراكز القوة والنفوذ السياسي والاقتصادي داخل النظام السياسي المغربي.

هذه العلاقة غير الودية للسلطة بحزب العدالة والتنمية وحكومته، كان لها أن تنتهي من وجهة نظر أطراف في السلطة، غير أنه يجب أن يتم انهاؤها بشكل طبيعي، من خلال مخرجات صناديق الاقتراع. فكانت لحظة الانتخابات التشريعية لسنة 2016، اللحظة المناسبة لإنهاء الوجود الحكومي لحزب العدالة والتنمية.

حيث تم الدفع بحزب الأصالة والمعاصرة كفرس رهان لتحدي العدالة والتنمية انتخابيا “أولا”، غير أنه بعد فشله في ذلك، تم اللجوء إلى ورقة التحالفات الحكومية من أجل كسر التحالف الحكومي بين العدالة والتنمية وحزب الاستقلال وحزب التقدم والاشتراكية “ثانيا”.

أولا: الرهان على حزب الاصالة والمعاصرة.

شكلت نشأة حزب الأصالة والمعاصرة “سنة 2008” وسياقاته تذكيرا بممارسات السلطة وأدوارها في رسم وتشكيل الخريطة السياسية، ابتغاء تحقيق نوع من التوازن على غرار سياقات تأسيس كل من “جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستوري وحزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الاتحاد الدستوري”. غير أن التوازن هنا جاء برغبة السلطة في مواجهة تزايد المد الشعبي والمجتمعي للحركات الأصولية[27] ذات المرجعية الدينية، وعلى رأسها حزب العدالة والتنمية.

هذا المد الذي أصبح واضحا انتخابيا، من خلال انتقال حزب العدالة والتنمية من المركز الثالث في انتخابات 2002 ب 42 مقعد، إلى المركز الثاني في انتخابات 2007 ب 46 مقعد.[28]

ورغم احتلاله مراكز متقدمة، فقد ظل حزب العدالة والتنمية خارج الإتلافات الحكومية، والذي وإن كان هذا الغياب مقبولا نسبيا في عهد حكومة إدريس جطو سنة “2002”. فإن تغييب الحزب عن حكومة عباس الفاسي “2007” يبقى مثيرا للتساؤلات، خاصة بالنظر إلى التقارب الواضح بين حزبي الاستقلال وحزب العدالة والتنمية، أيديولوجيا على الأقل.

فضلا عن مواجهة هذا المد، فوجود أحد أقرب المقربين من الملك ضمن قيادات هذا الحزب السياسي “السيد فؤاد عالي الهمة”، شكل إشارات واضحة للفاعل السياسي والحزبي بكونه حزب مقرب من دوائر السلطة وعلى رأسها المؤسسة الملكية، كما أن الخطاب “الحداثي” للحزب الجديد “الأصالة والمعاصرة” أعلن بصراحة العداء للإسلاميين وجعل منهم خصومه الأساسيين.[29]

ورغم أن أحداث العشرين من فبراير 2011 وما بعدها قلصت من قوة الحزب وامتداده الانتخابي، غير أنها لم تقضي عليه بشكل نهائي. فرغم انسحاب “فؤاد عالي الهمة من الحزب” استطاع الحزب التكيف والتأقلم مع تلك الظروف في انتظار اللحظة الانتخابات الموالية.

هكذا شكلت الانتخابات التشريعية لسنة 2016، اللحظة الأكثر شحنا من حيث الخطاب السياسي والتعبئة الانتخابية في مغرب القرن الواحد والعشرين، بحيث احتدم الصراع الانتخابي بشكل قوي بين حزبي العدالة والتنمية بقيادة أمينه العام عبد الإله بنكيران، وبين حزب الأصالة والمعاصرة بقيادة أمينه العام إلياس العماري، ومن خلفهما تيارات مجتمعية ومصالح اقتصادية وسلطوية متعارضة.[30]

ومن أكثر اللحظات تأريخا لهذا الصراع، ما عرف إعلاميا بمسيرة “ولد زروال”،[31] وهذه التسمية جاءت لاعتبارين، الأول نتيجة وجود تعبئة ساهمت فيها عناصر من السلطة وبتمويل من بعض الأعيان دون أن تتبنى أي جهة حزبية أو هيئة مدنية لهذه المسيرة، والاعتبار الثاني، تداول اسم “ولد زروال” من قبل بعض المشاركين، على أساس كونه من قام بدعوتهم للمشاركة في هذه المسيرة، بدعوى الاحتجاج ضد أخونة الدولة.

غير أن عدد كبير من المشاركين كانوا ذوي مستوى ثقافي ومعرفي ووعي اجتماعي محدود نسبيا، كما أن من بينهم من جاء اعتقادا منهم أن الأمر يتعلق بقضية الصحراء المغربية، أو أن هذه المسيرة هي ضد التطرف والإرهاب.

وقد ساهم قيام وزارة الداخلية بالسماح للمسيرة، رغم كونها لم ترخص لها، فهي لم تمنعها في نفس الأن، ساهم في توجيه مسؤولية هذه المسيرة إلى مصالح وزارة الداخلية، خاصة في ظل الحضور القوي لأعوان السلطة في تنظيمها والتعبئة لها.[32]

وقد جاءت النتائج النهائية لهذه الانتخابات مرة أخرى لصالح العدالة والتنمية بعدد مقاعد قياسي بلغ 125، في مقابل 102 مقعد لصالح الاصالة والمعاصرة، وهذا شكل في نظر الكثير من الباحثين والمهتمين هزيمة ولو مؤقتة للمشروع السياسي الراغب في إقصاء العدالة والتنمية من التدبير الحكومي.

هذه الهزيمة المؤقتة، دفعت باتجاه تفعيل أدوات وتكتيكات أخرى، الغاية منها إقصاء العدالة والتنمية أو الحد من تمدد حضوره داخل المؤسسات التمثيلية، ولما لا استهداف وحدة الحزب، وخلق نوع من النقاش أو البلبلة داخل أروقة الحزب، من شأنها أن تمس وحدته وتضعفه. إن لم يكن ساعتها، فأكيد أن أثر الضعف سيظهر لاحقا.

ثانيا: دور التحالفات الحزبية البعدية.

رغم أن الصراع الانتخابي الرئيسي خلال تشريعيات سنة 2016 جرى بين كل من حزب العدالة والتنمية وحزب الاصالة والمعاصرة، فإن ذات الانتخابات عرفت تشكيل تحالف ضم ثماني أحزاب سياسية بقيادة حزب التجمع الوطني للأحرار وأمينه العام صلاح الدين مزوار، الذي كان يسعى إلى تجاوز الثنائية القطبية، وتوسيع دائرة التنافس السياسي والانتخابي.

غير أنه بمجرد إعلان النتائج انفض هذا التحالف، ومن تم أعلن الأمين العام لحزب التجمع الوطني للأحرار تقديم استقالته، اعترافا منه بمسؤوليته عن الهزيمة الانتخابية، وتراجع عدد مقاعد الحزب من 54 خلال انتخابات نونبر 2011 “المرتبة الثالثة” إلى 37 خلال انتخابات 2016 “المرتبة الرابعة”[33].

وإن كانت تأثير هذا التحالف الحزبي القبلي على مستوى التنافس الانتخابي جد محدود، وذلك بعد بروز قطبين انتخابيان/ هما العدالة والتنمية بـ 125 مقعد، وحزب الأصالة والمعاصرة بـ 102 مقعد. فإن التحالفات الحزبية البعدية سيكون لها التأثير الأكبر في إعادة رسم خريطة المشهد الحزبي والسياسي والحكومي.

فالتوازن السياسي بين مجموع القوى السياسية والحزبية الذي لم يتحقق من خلال صناديق الاقتراع، يمكن تحقيقه عبر وسائل بديلة. وذلك عبر استغلال عدم تمكن حزب واحد أو تحالف حزبي وسياسي واضح المعالم من تحقيق أغلبية المقاعد، ومن ثم التأثير في عملية تشكيل التحالف الحكومي، بالتأثير على التحالفات الحزبية البعدية.

فلطالما شكلت التعددية الحزبية مدخلا أساسيا من مداخل تحقيق التوازن السياسي والحزبي بين مختلف القوى السياسية والحزبية بالمغرب، وقد كان للقطبية الحزبية أو الثنائية الحزبية في حال استمرارها وتكريسها، أن تجعل التعددية الحزبية مجرد تعددية صورية، في ظل وجود كتلتين انتخابيتين واضحتين، مع وجود أحزاب صغرى ذات تمثيلية ضعيفة وضعيفة جدا.

هكذا شكل تحالف حزبي بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية لسنة 2016 مكون من أربع أحزاب سياسية “حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الاتحاد الدستوري وحزب الحركة الشعبية وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية”، بقيادة عزيز أخنوش وزير الفلاحة في حكومة بنكيران الأولى والأمين العام الجديد لحزب التجمع الوطني للأحرار.

وقد خاض هذا التحالف الحزبي مشاورات تشكيل الحكومة الثانية لبنكيران، متمسكا بمطلبين أساسين، أولاها المشاركة الجماعية في الحكومة الجديدة، والتشديد على ضرورة حضور حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في هذه الحكومة. وثانيها رفض مشاركة حزب الاستقلال، ولا سيما مشاركة أمينه العام السيد حميد شباط.

هذا ما اعتبره رئيس الحكومة المكلف بمثابة محاولة للتحكم في تشكيل الحكومة وفرض وجهات نظر يرفضها رئيس الحكومة المكلف، ولا سيما رفضه مشاركة الاتحاد الاشتراكي وتمسكه بمشاركة حزب الاستقلال في الحكومة المقبلة.

ورئيس الحكومة المكلف هنا، كان أمام خياران واضحان، إما التمسك بموقفه وانتظار تراجع الطرف الأخر، نتيجة ما يمكن أن يشكله ضغط المؤسسة الملكية التي أكدت على ضرورة التعجيل بتشكيل الحكومة. دون استبعاد احتمال قيام المؤسسة الملكية بإعفاء عبد الاله بنكيران وتقديم قراءة ثانية للفصل 47 من الدستور من أجل تجاوز “البلوكاج”. والخيار الثاني، هو قبول شروط التحالف الحزبي بقيادة أخنوش، ما كان سيعني وجود حكومة برأسين، مما سيساهم في رهن القرارات الحكومية بتوجهات التحالف الحزبي الرباعي، ما كان سيضعف رئيس الحكومة الأصلي ويحد من صلاحياته.

وقد اختارت المؤسسة الملكية ان تقوم بإعفاء رئيس الحكومة المكلف “عبد الإله بنكيران” وتعويضه بالشخصية الثانية من نفس الحزب “سعد الدين العثماني”، نظرا لكون الفصل 47 من الدستور، ترك المجال مفتوح للمؤسسة الملكية لاختيار رئيس الحكومة من الحزب المتصدر لنتائج الانتخابات، والذي ليس بالضرورة أن يكون رئيس الحزب أو أمينه العام أو كاتبه الأول.[34]

والملاحظ أنه وبمجرد تكليف الملك للسيد سعد الدين العثماني بتشكيل الحكومي، قبل هذا الأخير بكل ما رفضه سلفه، ما قد يُحمل على أن المشكل لم يكن في حزب العدالة والتنمية، بقدر ما كان في شخصية عبد الإله بنكيران. حيث تم تشكيل حكومة سعد الدين العثماني بمشاركة التحالف الحزبي بقيادة عزيز أخنوش، ورفض مشاركة حزب الاستقلال.

لقد كانت مهمة إنهاء مرحلة العدالة والتنمية في التدبير الحكومي، مسألة حيوية بالنسبة للنظام السياسي، لا سيما بعد تنامي قوة الحزب خلال الانتخابات المحلية لسنة 2015 والانتخابات التشريعية لسنة 2016.

وبعد ما شهده حزب العدالة والتنمية منذ قرار الملك إعفاء عبد الإله بنكيران من تشكيل حكومته الثانية، من انقسامات وانسحابات، ومشاكل تنظيمية، فضلا عن الضعف البين لسعد الدين العثماني كرئيس للحكومة. جاءت الانتخابات التشريعية لسنة 2021، كمناسبة لإغلاق قوس حكومات العدالة والتنمية، ولو مؤقا على الأقل، في انتظار مآلات القوة والضعف داخل المشهد الحزبي والسياسي.

الفقرة الثانية: انتخابات 2021، نهاية مرحلة الإسلاميين.

شكلت نتائج الانتخابات التشريعية لسنة 2021 لدى أغلب المتتبعين مفاجأة كبيرة، فالحزب السياسي الذي حاز على 125 مقعد انتخابي سنة 2016، لم يتمكن من حصد سوى 12 مقعد خلال انتخابات 2021.

وإن كان البعض يقرأ هذه الحصيلة، كنتيجة لسياسة التصويت العقابي، فالمنطق يأبى ذلك، لاسيما إذا علمنا أن الحزب السياسي الذي تصدر هذه الانتخابات أي حزب التجمع الوطني للأحرار، كان شريك العدالة والتنمية في التدبير الحكومي منذ سنة 2013، وبالتالي يفترض في التصويت العقابي أن يشمل الجميع، أو على الأقل الأحزاب السياسية الأكثر تأثيرا في الفعل الحكومي، وحزب التجمع الوطني للأحرار كان من أبرزها. مما يثير الكثير من التساؤلات حول حقيقة ما جرى خلال هذه الانتخابات.

وقد شكل الرهان على حزب التجمع الوطني للأحرار بزعامة أحد أثرى رجال المال والأعمال بالمغرب ووزير الفلاحة منذ 2007[35] “عزيز أخنوش” من قبل مراكز النفوذ والتأثير داخل النظام السياسية المغربي، أحد أدوات إنهاء تواجد حزب العدالة والتنمية في التدبير الحكومي “أولا”. فضلا عن محاولة التأثير في مخرجات العملية الانتخابية، عبر تعديل وإعادة صياغة بعض مقتضيات المنظومة القانونية المنظمة لمختلف العمليات الانتخابية “ثانيا”.

أولا: الرهان على حزب التجمع الوطني للأحرار.

أثارت مشاركة عزيز أخنوش كوزير للفلاحة في حكومة عبد الإله بنكيران الأولى العديد من التساؤلات، لا سيما تلك المتعلقة بمدى جدية هذه الحكومة في محاربة الفساد والاستبداد[36] “الشعار الذي رفعه حزب العدالة والتنمية في الحملة الانتخابية” والتي يشكل القطع مع رموز التدبير الماضي أحد أوجهها.

غير أن البعض رأي في إشراك عزيز أخنوش في حكومة عبد الاله بنكيران، بمثابة رسالة مهادنة وطمأنة اتجاه كل من المؤسسة الملكية وعالم رجال المال والأعمال، هذا إذا كان قرار الاشراك قرار طوعي لرئيس الحكومة.

وقد أكدت مجريات الاحداث أن هذا الاستوزار، بقدر ما شكل انقاذا للحياة السياسية لعزيز أخنوش، بقدر ما اعتبر الحدث الذي شكل بداية إعادة تموضع أحد أدوات الكبح الداخلي لبنكيران وحكومة العدالة والتنمية.

فرغم مساهمة حزب التجمع الوطني للأحرار في إنقاذ الحكومة الأولى لعبد الإله بنكيران، من خلال تعويض انسحاب حزب الاستقلال، إلا أن هذا التعويض جاء كما سبقت الإشارة إلى ذلك، باعتباره رسالة إلى رئيس الحكومة وحزبه، بأن مسألة استقرار واستمرار الحكومة، بيد الجهات التي تقف وراء انسحاب الحزب الأول ودخول الحزب الثاني. وهذا التلاعب بالقرار السياسي والحزبي الداخلي، يسائل بقوة مسألة استقلال القرار الحزبي بالمغرب؟

وقد انطلق الرهان على حزب التجمع الوطني للأحرار منذ الانتخابات التشريعية لسنة 2016، باعتباره ورقة ثانية إلى جانب ورقة الأصالة والمعاصرة، وذلك من خلال محاولة التجمع الوطني للأحرار تشكيل تحالف حزبي قبلي لمحاولة إعادة التوازن داخل المشهد الانتخابي. لكن، وأمام عدم تمكن كلا الحزبين من التأثير على تصدر العدالة والتنمية أو على الأقل الحد من تمدده. كان الاختيار الثاني، القائم على أساس السعي نحو تحقيق توازن سياسي يعالج اختلال التوازن الانتخابي، وذلك من خلال عملية إدارة التحالفات الحزبية لما بعد إعلان النتائج النهائية.

وبالنظر لكيفيات تشكيل حكومة العدالة والتنمية الثانية، وخاصة خضوع رئيس الحكومة سعد الدين العثماني لجميع شروط التحالف الرباعي بقيادة عزيز أخنوش، فقد ساد انطباع بوجود حكومة برئيسين، عزيز أخنوش أحدهما.

وهذا ما ذهب بأغلب المتتبعين إلى الاعتقاد بأن وصول عزيز أخنوش لرئاسة الحكومة المقبلة مسألة وقت ليس إلا، لا سيما في علاقة بما عرفه حزب العدالة والتنمية من تفكك وتصدع داخلي. فضلا عن العديد من القرارات الحكومية التي حملت توقيع الحزب، دون أن تكون قاعدته التنظيمية وحاضنته الشعبية راضية عنها. الشيء الذي دفع هذه القاعدة للعزوف عن أي مساهمة تنظيمية داخل هياكل الحزب، فضلا عن العزوف عن التصويت لصالح مرشحي الحزب خلال الانتخابات التشريعية والمحلية لسنة 2021، عقابا للحزب ولقياداته التي تولت شؤون الحزب بعد الإطاحة بعبد الإله بنكيران.

وقد تحقق هذا السيناريو فعليا خلال مجريات العمليات الانتخابية خلال سنة 2021 حيث تصدر حزب التجمع الوطني للأحرار نتيجة هذه الانتخابات، غير أن مستوى تراجع حزب العدالة والتنمية شكل مفاجأة قوية لخصوم الحزب قبل حلفائه وأعضاءه.

وهنا لا يسعني إلا أن أقول بأن هذا التراجع لا يمكن ربطه أبدا بأي شكل من الأشكال ببعض الممارسات المألوفة في المشهد الانتخابي المغربي، كعمليات شراء الأصوات وتقديم والوعود الانتخابية النفعية والهدايا وإلى ما هنالك، وهذا الجزم يرتبط بكون نفس هذه الممارسات طبعت الانتخابات المحلية والتشريعية التي جرت على التوالي خلال سنتي 2015 و2016، دون أن تتمكن من هزيمة الحزب.

إن تخلي القاعدة الانتخابية لحزب للعدالة والتنمية عن القيادة الجديدة، ترجم في عزوفها عن التصويت دون أن تقدم صوتها لصالح أي حزب أخر، فعقاب هذه القاعدة للحزب وقيادته تمثلت في العزوف الانتخابي، وهذا ما يفسر تلك النتائج غير المفهومة، حسب تعبير بيان حزب العدالة والتنمية عشية إعلان نتائج الانتخابات التشريعية.[37]

ولعل هذا البيان يشكل التعبير الأوضح عن الانفصال الذي حصل بين قيادة الحزب وقاعدته، نتيجة انشغال القيادة بالتدبير الحكومي والمحلي، وابتعادها عن العمل التنظيمي داخل هياكل الحزب، والأهم فقدان عنصر الانصات والقدرة على إدراك مواقف الحاضنة الشعبية للحزب، اعتقادا منها بأن تلك الكتلة الانتخابية ستصوت للحزب تحت أي ظرف.

ثانيا: الإطار القانوني، مدخل لإعادة ضبط المشهد الانتخابي.

شكلت المراجعات والتعديلات التشريعية المتعلقة بالمنظومة القانونية الخاصة بتنظيم الانتخابات المحلية والتشريعية، التي باشرتها حكومة سعد الدين العثماني بقيادة وزارة الداخلية، أحد الأسباب المساعدة التي ساهمت ولو بشكل محدود في تحقيق الصدارة لحزب التجمع الوطني للأحرار، وهي أحد الأسباب التي ارتكز عليها بيان حزب العدالة والتنمية في تبرير وتفسير ما تحصل عليه الحزب من نتائج خلال الانتخابات التشريعية والمحلية لسنة 2021.

من الواضح أن رغبة صناع القرار الانتخابي، ولا سيما على مستوى وزارة الداخلية كانت تحدوهم الرغبة في بناء نظام انتخابي يقلص من تمدد نفوذ أي حزب سياسي ولا سيما العدالة والتنمية، الذي حقق أرقاما غير مسبوقة في تاريخ المسار الانتخابي سواء محليا أو تشريعيا.

فبعد خطاب عقلنة المشهد الحزبي والدفع باتجاه تشكيل أقطاب سياسية واضحة، الذي أكدت عليه المؤسسة الملكية في أكثر من خطاب،[38] والذي واكبته العديد من الإصلاحات الانتخابية على رأسها اعتماد النظام اللائحي على أساس التمثيل النسب. فظلا عن إقرار نظام العتبة كإجراء يهدف إلى بناء مؤسسات منتخبة قوية، انطلاقا من تحالفات حزبية واضحة ومتماسكة، ويحارب بلقنة المجالس المنتخبة. وهذا ما كان طور التشكل خاصة خلال الانتخابات التشريعية لسنة 2016، ببروز “قطب ديمقراطي يتزعمه العدالة والتنمية ويضم حزب الاستقلال والتقدم والاشتراكية” وقطب يمكن تسميته بـ “قطب الأحزاب الإدارية يتزعمه الأصالة والمعاصرة ويضم التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري”، أصبح الخطاب السياسي الرائج خلال فترات التحضير للانتخابات التشريعية لسنة 2021، يتمحور حول تهديد القطبية الحزبية للنموذج التعددي وللتعايش السياسي، بل الدفاع عن أحقية الأحزاب المجهرية في التمثيل البرلماني والترابي.

وقد تمت ترجمت هذا الخطاب الجديد بشكل عملي من خلال العديد من الإجراءات والتدابير التشريعية التي ترنو إلى تعزيز تمثيلية الأحزاب السياسية داخل المشهد البرلماني، وبعبارة أخرى بلقنة المشهد الانتخابي والبرلماني. ومن بين هذه التدابير، إعادة النظر في القاسم الانتخابي ومراجعة النسبة الخاصة بنظام العتبة.

وكقراءة لهذا التحول على مستوى الخطاب السياسي والفعل الإجرائي على المستوى التشريعي، يمكن القول بضرورة ربط تحرك الفاعل السياسي المركزي وأدواته، برهان تحقيق التوازن السياسي والانتخابي بين مختلف القوى السياسية والحزبية، مع الحرص على وجود قدر معين من المشروعية التمثيلية والشعبية للمؤسسات المنتخبة.

وذلك ما بين السعي نحو تقوية المشهد الحزبي خلال المرحلة الأولى من حكم الملك محمد السادس، على اعتبار أن الأحزاب السياسية كآليات للوساطة السياسية داخل النظام السياسي. أبانت عن ضعف بين، خاصة خلال حكومتي إدريس جطو وعباس الفاسي، ما قد يشكل اخلال باستقرار وتوازن النظام السياسي والاجتماعي ككل. وبين الرغبة “غير المعلنة” في إنهاء حالة التقاطب الحزبي الواضح خلال انتخابات 2016، على اعتبار ما يشكل هذا التقاطب من تهديد للنموذج التعددي من جهة، وعلى قدرة النظام السياسي على إدارة التوازنات السياسية، في المراحل الموالية للإصلاح الدستوري لسنة 2011.

المطلب الثاني: إعادة ضبط توازنات المشهد السياسي في افق انتخابات 2026.

بين الفينة والأخرى تروج داخل المشهد السياسي المغربي بعض العبارات والمصطلحات التي تعبر بشكل أو بأخر على وضعية سياسية معينة. هكذا ومنذ تشكيل حزب الأصالة والمعاصرة بعد اندماج عدد من الأحزاب السياسية. ظهر مصطلح التحكم،[39] كتعبير سياسي عن الإرادة الفردية لجهة سلطوية في ضبط وتوجيه الفعل السياسي والاقتصادي والثقافي. غير أنه وبعد الانتخابات التشريعية لسنة 2021، وتشكيل تحالف حكومي ومحلي على مستوى مجالس الجهات بين ثلاث أحزاب سياسية، برز إلى الوجود على مستوى النقاش السياسي مصطلح “التغول”،[40] وهو قريب شيء ما من مفهوم التحكم، غير أنه يبقى أكثر ارتباطا بتغول الأغلبية على الأقلية داخل مختلف المؤسسات التمثيلية، مما يشكل إقصاء منهجيا لباقي الأحزاب السياسية، ويساهم في تعطيل كل أدوات الفعل السياسي للأقلية المعارضة من داخل المؤسسات المنتخبة.

وقد كشفت الممارسة الحكومية والبرلمانية خلال مدة الولاية الحكومية والتشريعية الحالية، على العديد من أوجه هذا “التغول”، من قبيل استناد الحكومة على أغلبيتها لتمرير كافة قراراتها ومشاريعها، دون النظر إلى موقف أو مقترحات الأقلية المعارضة. ومن ذلك أيضا، التأثير على تفعيل أدوات العمل البرلماني من قبل اللجان الموضوعاتية ولجان التحقيق النيابية، فضلا عن أدوات أخرى على غرار تقليص عدد جلسات المسائلة الشهرية لرئيس الحكومة حول السياسات العامة.

ومن شأن هذا “التغول” الذي امتد إلى الجانب الاقتصادي، لا سيما في صلة بتنازع المصالح الواضح، بين منصب رئيس الحكومة وعدد من الوزراء، وبين عدد من المشاريع والتدابير الضريبية، على غرار تخفيض الضريبة على الشركات الكبرى من 35 إلى 20 في المائة، وصفقة تحلية مياه البحر على مستوى الدار البيضاء وغيرها، وتخفيض رسوم استيراد بعض الأدوية.[41] أن يحدث نوع من اللاتوازن داخل المجال الاقتصادي، ما يحد من جهود بناء نموذج اقتصادي وتنموي تنافسي، يرتكز على قيم ومبادئ المبادرة الحرة والمنافسة الشريفة وحيادة الإدارة.

إن هذا الوضع، خلق تفاوت واضح في القوة داخل المشهد السياسي نتيجة “زواج المال بالحكومة”، وبالتالي التأثير على عنصر التوازن داخل المشهد السياسي والحزبي والاقتصادي، وهذا ما دفع بالبعض إلى القول بإمكانية تغول حكومة عزيز أخنوش حتى على بعض المؤسسات الدستورية، كالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ومجلس المنافسة والمندوبية السامية للتخطيط والمجلس الأعلى للحسابات. حيث عرفت أغلب هذه المؤسسات قرارات بإعفاء رؤسائها وتعيين أخرين، مما اعتبر استجابة ملكية لانتقادات حكومة أخنوش للتقارير الصادرة عن هذه المؤسسات.

ورغم ذلك، وفي إطار حرص النظام السياسي المغربي وعلى رأسه المؤسسة الملكية على ضرورة الحفاظ على التوازن داخل المشهد الحزبي والسياسي، حتى لو كان ذلك على حساب أحزاب موالية للسلطة، يمكن قراءة بعض القرارات الملكية كإشارات لمحاولة إعادة تشكيل المشهد السياسي والانتخابي في أفق الانتخابات التشريعية لسنة 2026 “الفقرة الثانية”، وهذا التوجه ربما يرتبط أيضا بالتكلفة السياسية والاقتصادية والتمثيلية لقيادة حزب التجمع الوطني للأحرار للحكومة، بالنظر لمجموعة من المعطيات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية “الفقرة الأولى”.

الفقرة الأولى: ارتفاع التكلفة الاقتصادية والسياسية.

إن التفوق العددي الواضح للأغلبية الحكومية برلمانيا وفي كلا المجلسين، فضلا عن طبيعة العلاقة الودية نسبيا بين أحزاب التحالف الحكومي الثلاث مع السلطة ودوائرها، وخاصة حزبي التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة، شكلت عوامل دفعت بالحكومة للانفراد بالعديد من السياسات والتدابير العمومية. وهذا السلوك كانت له نتائج وتكلفة على مستوى الوضع السياسي والحقوقي “ثانيا”، إلى جانب إنعكاسات اقتصادية واجتماعية “أولا”.

أولا: الكلفة الاقتصادية لحكومة رجال الأعمال.

منذ تشكيل حكومة السيد عزيز أخنوش، أثير تساؤل جوهري حول وضعية تضارب المصالح، لرئيس الحكومة، وما هي التأثيرات والانعكاسات المحتملة لهذا التضارب على الوضعية الاقتصادية، ولا سيما في اتصال مباشر مع مستوى تنافسية القطاعات الاقتصادية، وخاصة تلك التي لها صلة بمجال اشتغال المجموعة الاقتصادية التي يمتلك رئيس الحكومة النصيب الأوفر من أسهمها؟

يضاف إلى ذلك، وضعية عدد من الوزراء السابقين والحالين، إزاء عدد من المشاريع الاستراتيجية، والتدابير الضريبية والجمركية، التي وحسب عدد كبير من الملاحظين والمراقبين، كانت بمثابة هدايا ضريبية لعدد من رجال المال والأعمال المقربين من الحكومة ورئيسها.

ومن ذلك، ما تم تداوله من قبل رئيس مجموعة نيابية بمجلس النواب، حول إقرار تعديلات على مستوى الرسوم الجمركية، همت تخفيض سعر رسوم استيراد عدد من الأدوية، وذلك بعد أشهر قليلة من قيام عدد من المقربين من رئيس الحكومة وحزبه بشراء شركات لاستيراد الأدوية. وهذا القرار سيؤثر حسب نفس المصدر على عدد من مقاولات الصناعة الدوائية التي تنتج هذه الأدوية محليا، ما يعني مزيد من الضغط على الميزان التجاري، وإفلاس مقاولات وطنية مع تسريح العاملين بها.[42]

وتشكل صفقة تحلية مياه البحر أحد أبرز الشواهد على وقوع رئيس الحكومة ومجموعته الاقتصادية في حالة تضارب للمصالح صريح وواضح. حيث نال تحالف شركات يضم شركتين مملوكتين جزئيا لرئيس الحكومة هذه الصفقة، كنتيجة لتقديمه أقل سعر، والمحدد في 4.8 درهم للمتر مكعب، مقابل سعر 6.2 درهم للمتر مكعب لتحالف الشركات المنافسة.[43]

ويُرجع عدد من المهتمين السعر الوارد في عرض شركة رئيس الحكومة، إلى علم رئيس الحكومة المسبق، بكون هذا المشروع سيستفيد من الدعم العمومي، باعتباره أحد المشاريع الاستراتيجية، وهي المعلومة التي ربما غابت عن باقي المنافسين، وهذا يشكل استغلال للسلطة واستغلال للنفود وتضارب واضح للمصالح، وفقا لنص وروح الفصل 36 من الدستور الذي يؤكد على ما يلي: ” يعاقب القانون على المخالفات المتعلقة بحالات تنازع المصالح، وعلى استغلال التسريبات المخلة بالتنافس النزيه، وكل مخالفة ذات طابع مالي …”.[44]

وما يزكي هذا الطرح، هو قيام الحكومة بإخراج أنظمة الدعم الخاصة بالمشاريع الاستراتيجية والمقاولات الكبرى، في حين أن برامج الدعم العمومي الواردة في القانون الإطار الخاص بتحفيز الاستثمار المتعلقة بالمقاولات الصغرى والمتوسطة والاستثمارات الترابية،[45] لا زالت لم تخرج إلى حيز الوجود بعد. هذا ما دفع بالمجلس الأعلى للحسابات للتصريح بأن هذا التأخير، لا يساهم في تحقيق الأهداف المعلنة من قبل الدولة ومؤسساتها ذات الصلة بتحفيز وتشجيع الاستثمار.[46] ولا سيما ما ورد في الخطاب الملكي من السعي إلى تحقيق 550 مليار درهم كاستثمارات “الثلثان من نصيب القطاع الخاص” وإحداث حوالي 500 ألف منصب شغل.[47]

وإلى جانب ذلك شهدت معدلات البطالة ولا سيما في صفوف الشباب ارتفاع ملحوظا بالمقارنة مع الفترات السابقة، وجاء الإعلان عن ذلك في تصريحات للمندوب السامي للتخطيط “شكيب بنموسى” خلال تقديم معطيات حول الإحصاء العام للسكان والسكنى 2024، حيث صرح بارتفاع معدل البطالة من 16.2 إلى 21.3 في المائة،[48] وهي أرقام تعاكس تمام ما يتم التصريح به من قبل الحكومة وأعضائها.

ويواكب ارتفاع معدل البطالة بتدني مستوى معدلات النمو الاقتصادي، حيث سجل المغرب نسبة نمو في حدود 1.5 في المائة سنة 2022 لترتفع إلى 3.4 في المائة سنة 2023 لتنخفض من جديد سنة 2024 عند 2.6 في المائة،[49] وهذه الأرقام تبقى دون الطموحات الحكومية الواردة ضمن البرنامج الحكومي، والهادفة إلى تحقيق معدل نسبة نمو في حدود 4 في المائة على مدار خمس سنوات.[50] ونسب النمو المتدنية هاته، تفسر بشكل جلي وواضح الارتفاع الملاحظ في معدل البطالة.

ويضاف إلى ذلك موجة الغلاء التي عرفها المغرب نتيجة ارتفاع أسعار العديد من المنتجات الاستهلاكية ولاسيما السلع الأساسية والمنتجات الطاقية، ما ساهم في ارتفاع نسب التضخم التي بلغت 6.6 في المائة خلال سنة 2022، و6.1 في المائة خلال سنة 2023،[51] بعد أن كانت لا تتجاوز 1.5 في المائة برسم سنة 2021.[52]

ورغم بعض القراءات التي ربطت بين نسب التضخم المرتفعة والسياقات الخارجية، بشكل يحيل على أن الامر يتعلق بتضخم مستورد،[53] نتيجة ارتفاع أسعار المواد الأولية في السوق الدولية ولاسيما المواد الطاقية وأسعار الحبوب نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية، فإن العوامل الداخلية تبقى حاضرة وبقوة.

فهذا التحليل انتهت صلاحيته بمجرد عودة الأسعار الدولية إلى سياقات ما قبل الحرب، لا سيما بعد رفع منظمة أوبك انتاجها من النفط، وقدرة الدولة الروسية على تصريف منتجاتها النفطية بطرق سرية، لا سيما للصين والهند، فضلا عن التوصل لاتفاق الحبوب برعاية تركيا، من أجل تأمين عملية تزويد الأسواق الدولية بالحبوب.

هذا ما يجعل مواصلة التضخم خلال النصف الأخير من سنة 2022 ;سنة 2023، مرتبط أكثر بسياقات محلية، نتيجة وجود مراكز نفوذ ريعية للتحكم في الأسعار، ووجود توافقات بين الفاعلين الاقتصادين للحفاظ على مستويات مرتفعة من الأسعار، لا تنسجم مع تطورات الأسعار على المستوى الدولي. وخاصة بالنسبة لأسعار الطاقة “الغازوال والبنزين”.[54] وهي المنتجات التي لها تأثير قوي على مختلف سلاسل الإنتاج والتوزيع. والى جانب ذلك، وجود سلسلة من الوسطاء “الشناقة” يستهدفون التحكم في أسعار شراء وبيع المنتجات، لا سيما المنتجات الفلاحية والغذائية على مستوى أسواق الجملة، في ظل فراغ قانوني وضعف مستويات الرقابة والتتبع الحكومية.

هذا ما كان له نتائج سلبية واضحة على القدرة الشرائية لفئات واسعة وشرائح عريضة من المجتمع المغربي، خاصة ذوي الدخل المحدود. هكذا جاء في تقارير رسمية عديدة، إقرار بارتفاع نسبة الأسرة غير القادرة على الادخار، وأن موجات الغلاء والتضخم دفعت الأسر الى استنفاد احتياطاتها ومدخراتها. وهي أرقام تبعت برسائل مقلقة بخصوص قدرة الأسر على تحمل تكلفت المعيشة، مما قد يكون له آثار اجتماعية سلبية تهدد الاستقرار الأسري والاجتماعي.

هكذا تقلصت ثقة الاسر في تحسن مستوى معيشتها خلال “الفصل الثالث من سنة 2024″، حيث ارتفعت نسبة الأسر التي صرحت بتدهور معيشتها خلال أخر 12 شهرا إلى 80.6 في المائة،[55] عوض 59.4 في المائة ثلاث سنوات قبل ذلك “الفصل الثالث من سنة 2021”.[56]

ثانيا: الكلفة السياسية لحكومة عزيز أخنوش.

إن للوضع الاقتصادي والاجتماعي، آثار وتكلفة سياسية واجتماعية، في علاقة مؤسسات السلطة بعموم المواطنين، والناتج “الوضع” أساسا عن مستوى أداء النموذج الاقتصادي من حيث انتاج الثروة وتوزيعها. الذي يعرف اختلالات عميقة ومركبة، ترتبط أساسا بطبيعة النموذج الاقتصادي والتنموي القائم أساسا على اقتصاد الريع والمصالح المحمية، والمتميز بضعف التنافسية ومحدودية الشفافية والنزاهة. فضلا عن ارتباط هذا الريع بمراكز قوة ونفوذ تدافع عنه من مختلف المستويات السياسية والحزبية والإعلامية.[57]

ورغم أن هذا الوضع ليس وليد اليوم بل هو نتاج مسار تراكمي لعقود، إلا أن الآمال التي حملها “الربيع المغربي” والطموحات التي رافقت الإصلاح الدستوري لسنة 2011، والإصلاحات القانونية والحقوقية التي رافقة الحكومة الأولى ما بعد دستور 2011، تعرضت لانتكاسات متتالية منذ مجيء حكومة عزيز أخنوش.

وتمثلت أولى هذه الانتكاسات في سحب مشروع القانون المتعلق بتعديل القانون الجنائي، والهادف إلى تجريم ومحاصرة الاثراء غير المشروع. فضلا عن تعطيل العديد من النصوص الدستورية، ولا سيما تلك المتعلقة بتضارب المصالح واستغلال النفوذ والسلطةـ

يضاف إلى ذلك تعطيل عمل اللجنة الوطنية لمحاربة الفساد وتقليص الميزانية المخصصة للهيأة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة، وحرمان جمعيات المجتمع المدني من حق التبليغ عن جرائم الفساد المالي ضمن مشروع القانون المتعلق بالمسطرة الجنائية. فضلا عما تشهده حرية الصحافة والتعبير من مضايقات، سواء ما تعلق بالمشاكل التي يتخبط فيها المجلس الوطني للصحافة أو ما يتصل بمتابعة الصحافيين من خلال القانون الجنائي، أو ما أشار له تقرير مراسلون بلا حدود[58] من سعي حثيث للسيطرة على الخط التحريري للعديد من الصحف “المستقلة” عبر آليات الاستشهار الخاص أو العمومي.

وفي ظل مناخ سياسي وحقوقي متوتر، يرافقه ضعف على مستوى إطلاع الأحزاب السياسية بأدوار الوساطة داخل النظام السياسي، ولا سيما من خلال التعبير عن تطلعات وطموحات المواطنين وطرحها للنقاش السياسي داخل المؤسسات السياسية. فإن انخفاض منسوب الثقة في قدرة النظام السياسي ومؤسساته على التفاعل الإيجابي مع انشغالات المواطنين، ستتفاقم.

ويرافق ذلك ضعف واضح على مستوى القدرات التواصلية لرئيس الحكومة من جهة، وقدرته على التفاعل مع القضايا الآنية التي تحض باهتمام المواطنين وممثليهم داخل المؤسسة التشريعية. وهذا ما يمكن ملاحظته من خلال عدم احترام رئيس الحكومة لدورية وانتظام عقد جلسات المسائلة الشهرية لرئيس الحكومة، على خلاف ما اعتاد عليه المغاربة خلال الولايتين الحكوميتين السابقتين.

كل هذه العوامل أدت إلى تدني مستويات شعبية الحكومة ورئيسها. وهذا التدني في منسوب الثقة يبقى مرتبطا بمسألتين جوهرتين غاية في الأهمية. أولاهما تتعلق بتدهور القطيع الوطني بشكل كبير رغم اشراف رئيس الحكومة الحالي على قطاع الفلاحة لأكثر من 15 سنة، مما حرم المغاربة من إحياء شعيرة الذبح بعيد الأضحى لسنة 1446. أما العامل الثاني، وهي شبهة تضارب وتنازع المصالح بين موقع رئيس الحكومة ومالك أحد أكبر المجموعات الاقتصادية بالمغرب، سواء فيما يتصل بصفقة تحلية مياه البحر أو فيما يتعلق باستفادة شركته من وضع مهيمن على سوق المحروقات والغاز بالمغرب، أو فيما يتعلق بالإجراءات الضريبية والجمركية.

الفقرة الثانية: مؤشرات حول مسارات إعادة رسم المشهد الحزبي والسياسي.

لابد من الإشارة إلى أنه، وإلى وقت جد قريب كانت مجمل القراءات تذهب في اتجاه تأكيد رغبة الدوائر العليا من السلطة بالمغرب في استمرار رئيس الحكومة في موقعه الحالي لما بعد انتخابات 2026. بل إن بعض التحليلات تحدثت عن تمدد نفوذ رئيس الحكومة “عزيز أخنوش” لمستويات عليا من السلطة، لا سيما بعد القرارات التي اتخذتها المؤسسة الملكية التي همت تغيير رؤساء العديد من المؤسسات الدستورية، كالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ومجلس المنافسة والمندوبية السامية للتخطيط والهيأة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة.[59]

غير أنه مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026، يمكن استشعار تَغيُر ما، حصل في موقف المؤسسة الملكية من رئيس الحكومة الحالي، هذا الموقف الذي يمكن استنتاجه من خلال العديد من الإشارات والمواقف الملكية.

أولا: مؤشرات عامة.

أولى هذه المؤشرات تتجلى في إعلان المؤسسة الملكية إلغاء إقامة شعيرة ذبح الأضاحي بعيد الأضحى لسنة 1446 هـ،[60] ما يمثل إقرارا ملكيا بفشل برنامج المخطط الأخضر والمشرف عليه “عزيز أخنوش” في الحفاظ على تجديد القطيع الوطني في مستويات مقبولة، رغم إنفاق ما يقارب 14 مليار دولار أمريكي على هذا المخطط.

والاهم من ذلك هو منح صلاحية الاشراف على برنامج إحصاء وإعادة تشكيل القطيع الوطني لوزارة الداخلية ومصالحها الترابية عوض الوزارة المكلفة بقطاع الفلاحة. وذلك لسببان أساسيان، أولهما ارتباط هذه العملية بانتقادات فاعلين حزبيين وسياسيين تشكك في منهجية هذه العملية وفي احتمال استغلالها انتخابيا من قبل رئيس الحكومة وحزبه، وثانيهما عدم رضى المؤسسة الملكية على طريقة اشتغال وزارة الفلاحة والقائمين عليها منذ أكثر من عقد ونصف من الزمن، والتي كانت من نتائجها حرمان المغاربة من إقامة شعيرة الذبح.

من المؤشرات المهمة أيضا، الإقرار الضمني للملك بمشروعية الاحتجاجات الشعبية “احتجاجات أيت بوكماز” لا سيما حينما تحدث في خطاب العرش عن المغرب الذي يسير بسرعتين، مع توجيه الحكومة وبالضبط وزارة الداخلية، الى العمل على إعداد جيل جديد من برامج التنمية المندمجة قصد معالجة الإشكاليات والفوارق المجالية.[61]

أما رئيس الحكومة فرغم تفهمه لمطالب ساكنة أيت بوكماز، غير أنه اختار التركيز أكثر على اتهام أطراف سياسية بعينها بدعوى تسيس هذه الاحتجاجات. بل ذهب به الأمر إلى تهديد رئيس الجماعة الترابية لأيت بوكماز،[62] باعتباره القائد والمحرك لهذه الاحتجاجات، في حين صرح رئيس الجماعة المذكور بأن دوره كان يقتصر فقط على تأطير الاحتجاجات، لضمان عدم انحرافها بما لا يهدد الأمن والسلم الاجتماعي المحلي.

ثانيا: مؤشرات خاصة.

انطلاقا من تلك الإشارات الملكية العامة، بدأت تحليلات تطفو على ساحة النقاش السياسي والمجتمعي. تطرح مسألة ضعف الثقة بين المؤسسة الملكية ورئيس الحكومة، ولا سيما قدرته على إدارة ومعالجة مجموعة من الملفات ذات الطابع السياسي والحقوقي.

غير أن هذه التحليلات أصبح له زخم أكبر بالنظر إلى عدد من الخطوات والتدابير ذات الطابع السياسي والتنموي، ففضلا عن استبعاد رئيس الحكومة من الاشراف على الجيل الجديد من مشاريع التنمية المندمجة كما سبقت الإشارة إلى ذلك، شكل استبعاد رئيس الحكومة من الاشراف على المشاورات المواكبة لانتخابات 2026، على خلاف رئيسي الحكومتين السابقان، رسالة قوية لعموم المواطنين ولباقي الفاعلين الحزبيين والسياسيين، من شأنها أن تبعث الأمل بالتغير، وبالقطع مع كل القراءات السابقة التي كانت تذهب في اتجاه دعم أخنوش من أجل ولاية ثانية على رأس الحكومة.

وهذه القراءة تستقي مصداقيتها من مستوى المعرفة بالعقل المخزني، الذي لا طالما يبحث عن خلق التوازن داخل المشهد السياسي والحزبي، حتى لو كان على حساب من يعتقد أنهم موالين أو محسوبون عليه، فاستمرار أخنوش على رأس حكومة ثانية، قد يساهم في تعزيز نفوذه داخل مختلف مفاصل الدولة وهياكلها، ولا سيما ما يعرف بالدولة العميقة. وبالتالي يمكن أن يشكل ذلك تهديدا على موازين القوى داخل المشهد السياسي، كما يمكن أن يؤثر بشكل أكبر على المشهد التعددي في الحياة السياسية.

أيضا من شأن الرسائل والاشارات الملكية أن تدفع في اتجاه منح الأمل في التغير للأجيال المقبلة، وتشجيع المشاركة السياسية بخلق جو تنافسي، يمنح للعملية الانتخابية حركية وحيوية ما، من أجل تنشيط الحراك السياسي والنقاش المجتمعي حول الانتخابات وأهمية المشاركة، وهو ما سيكون غائب في حال الترويج أو دعم فكرة استمرار رئيس الحكومة عزيز أخنوش لولاية ثانية.

الخاتمة:

إن نظام الحكم في المغرب بصيغته الحالية يعتمد بشكل جوهري في استمراره واستقراره على مسألة وجود قوى متنافسة ومتوازنة، والنظام هنا يعمل على استدامة هذه القوى واستدامة توازنها، فلا يتدخل إلا حينما يرى بأن تغيرات جوهرية يمكن أن تخل بهذا التوازن، وتدخله هنا، لا يرتبط بموالي أو منافس، بقدر ما ترتبط بضرورة الحفاظ على توازن في القوة، لأن هذا التوازن هو ما يضمن للنظام ومؤسساته الاستمرار والتفوق على باقي مراكز القوة الانتخابية والسياسية وحتى الاقتصادية.

ولتحقيق هذا التوازن وضمان استقراره، ترتكز تدخلات مؤسسات الحكم على العديد من الأدوات، منها ما هو موضوعي يرتبط بطبيعة الواقع السياسي وما يتم تكريسه من سمو الشرعيات الدينية والتاريخية على باقي عناصر الشرعية الأخرى، ومنها ما يتصل بطبيعة البنية الحزبية المركبة والمفككة، الغارقة في الصراعات الداخلية، والفاقدة لأي برنامج أو مشروع مجتمعي متميز ومستقل.

هذا، وأن تميز النظام السياسي المغربي بنمط تواصل يقوم على الإشارات والرموز غير الواضحة، والتي تحتمل قراءات وتأويلات متباينة، يطرح على المتتبع والباحث في الحقل السياسي، صعوبات في قراءات وتحليل حركية النظام السياسي وتوجهاته. ما يجعل تحليلاته قد لا تلامس جوهر ما يجري التحضير له. لا سيما بخصوص مدى وجود دعم ما، لاستمرار رئيس الحكومة الحالي عزيز أخنوش على رأس حكومة 2026. خاصة إذا ما كان كل ما سبقت الإشارة إليه مجرد بعث أمل غير واقعي في التغير، فقط من أجل تشجيع المشاركة الانتخابية، دون تحقيق أي تغيير جوهري في نمط ممارسة السلطة أو منهجية المشاركة فيها.

  • لائحة المراجع:
  • الكتب.

المهدي بنبركة، الاختيار الثوري في المغرب، دار الطليعة، الطبعة الأولى، أكتوبر 1966.

إسماعيل بن عمر بن كثير عماد الدين أبو الفداء، البداية والنهاية، الجزء العاشر، طبعة خاصة بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر، دار ابن كثير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، سنة 2015.

جون واتربوري، أمير المؤمنين، الملكية والنخبة السياسية المغربية، ترجمة عبد الغني أبو العزم ومن معه، منشورات مؤسسة الغني، دار أبي رقراق-الرباط، الطبعة الثالثة، سنة 2013.

محمد الرضواني، التنمية السياسية في المغرب: تشكل السلطة التنفيذية وممارستها من سنة 1956 إلى سنة 2000، سلسلة بدائل قانونية وسياسية، العدد 2، مطبعة المعارف الجديدة-الرباط، الطبعة الثانية، 2019.

عبد الهادي بوطالب، نصف قرن من السياسة، حوار حاتم البطيوي، سلسلة شرفات، العدد 6، طباعة وتوزيع دار أبي رقراق للطباعة والنشر.

محمد لخواجة، من مخاض الاستقلال إلى أحداث الريف 1958-1959، دار أبي رقراق للطباعة والنشر – الرباط، طبعة 2021.

  • مقالات.

عثمان بناني، محمد بن عبد الكريم الخطابي ومسألة استقلال المغرب، مجلة أمل، المجلد 3، العدد 8.

محمد الساسي، الملكية والأحزاب السياسية، ضمن مؤلف جماعي تحت عنوان: التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية في المغرب، منشورات مؤسسة فريدريش إبرت، الطبعة الأولى، دجنبر 2022.

محمد الكوخي، الإسلاميون المغاربة وفشل الانتقال لما بعد الحركة الإسلاميةـ قراءة في مخرجات المؤتمر الثامن لحزب العدالة والتنمية، تقارير مركز الجزيرة للدراسات، فبراير 2018.

محمد ضريف، تحولات الإسلاميين المغاربة، ضمن مؤلف جماعي تحت عنوان: التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية في المغرب، منشورات مؤسسة فريدريش إبرت، الطبعة الأولى، دجنبر 2022.

  • نصوص دستورية وقانونية.

الدستور المغربي لسنة 2011 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 27 من شعبان 1432 الموافق لـ 29 يوليو 2011. تم نشر هذا النص الدستوري في الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر بتاريخ 28 شعبان 1432 (30 يوليو 2011).

ظهير شريف صادر في 19 دجنبر 1962 بتنفيذ الدستور، ج.ر.ع 2616 مكرر، بتاريخ 19 دجنبر 1962.

ظهير شريف رقم 1.56.179 يؤسس بمقتضاه مجلس وطني استشاري لدى جلالة الملك، ج.ر.ع 2286 بتاريخ 17 غشت 1957.

قانون إطار رقم 03.22 بمثابة ميثاق الاستثمار، صادر بتنفيده الظهير الشريف رقم 1.22.76 في 9 ديسمبر 2022، ج.ر.ع 7151 بتاريخ 12 ديسمبر 2022.

  • تقارير ووثائق.

الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش لسنة 2025.

الرسالة الملكية السامية الموجهة للشعب المغربي يهيب فيها الشعب المغربي بعدم ذبح أضحية العيد، والمؤرخة في 26 فبراير 2025.

بلاغ الديوان الملكي المؤرخ في 24 مارس 2025.

الإحصاء العام للسكان والسكنى 2024: الخصائص الديمغرافية والاجتماعية والاقتصادية للسكان، مذكرة حول النتائج الرئيسية، دجنبر 2024.

عرص السيدة الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات أمام البرلمان حول أعمال المحاكم المالية برسم سنتي 2023 و2024.

تقرير المجلس الأعلى للحسابات برسم سنتي 2023 و2024، الجريدة الرسمية عدد 7360 مكرر، بتاريخ 13 ديسمبر 2021.

مذكرة إخبارية للمندوبية السامية للتخطيط، نتائج بحث الظرفية لدى الأسر، الفصل الثالث من سنة 2024.

تقرير السنوي لبنك المغرب برسم السنة المالية 2023.

الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة الدورة الأولى من السنة التشريعية الثانية من الولاية الحكومية الحادية عشر، مؤخ في 14 أكتوبر 2022.

رأي مجلس المنافسة حول الارتفاع الكبير في أسعار المواد الخام والمواد الأولية في السوق العالمية، وتداعياته على السير التنافسي للأسواق الوطنية حالة المحروقات (الغازوال والبنزين)، الصادر في 31 غشت 2022 تحت عدد ر/3/22.

مذكرة إخبارية للمندوبية السامية للتخطيط، نتائج بحث الظرفية لدى الأسر، الفصل الثالث من سنة 2021.

لجنة النموذج التنموي الجديد، التقرير العام، ابريل 2021.

تقرير السنوي لبنك المغرب برسم السنة المالية 2021.

التقرير السنوي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي برسم سنة 2021، نقاط اليقظة، المحور الاقتصادي، صدمة التضخم المسجلة مؤخرا والقدرة الشرائية.

البرنامج الحكومي للولاية التشريعية 2021-2026، أكتوبر 2021.

بلاغ الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، الصادر بتاريخ 9 شتنبر 2021.

بلاغ اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال المؤرخ في 8 يوليوز 2013.

البرنامج الانتخابي لحزب العدالة والتنمية لاقتراع 25 نونبر 2011، الموقع الإلكتروني لحزب العدالة والتنمية pjd.ma، تاريخ زيارة الموقع 22 غشت 2025، على الساعة 22:45.

الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش المؤرخ في 30 يوليوز 2005.

الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية الأولى للسنة التشريعية 2004-2005، بتاريخ 8 أكتوبر 2004.

تقرير مراسلون بلا حدود: أخنوش يستخدم قوته المالية للتأثير على الصحافة المغربية ووهبي كثَّف متابعاته للصحافيين مع اقتراب الانتخابات، منشور بالموقع جريدة الصحيفة الإلكترونية www.assahifa.com، بتاريخ 2 ماي 2025، تاريخ زيارة الموقع 21 غشت 2025 على الساعة 14:08.

بلاغ الديوان الملكي بشأن إعفاء عبد الإله بنكيران من مهمة تشكيل الحكومة، الصادر بتاريخ 15 مارس 2017.

  • مواقع إلكترونية.

موسوعة الجزيرة، https://www.aljazeera.net/encyclopedia.

الموقع الالكتروني لمركز مالكوم كير-كارينيغي carnegieendowment.org.

الموسوعة الحرة “ويكيبيديا”، ar.wikipedia.org.

موقع وزارة الداخلية الالكتروني الخاص بالانتخابات www.elections.ma.

  1. – تجدر الإشارة إلى أنه رغم إعلان الاستقلال المغرب سنة 1956، فقد استمر تواجد قوات الاحتلال الفرنسي بالأراضي المغربي إلى حدود سنة 1962.
  2. – ظهير شريف رقم 1.56.179 يؤسس بمقتضاه مجلس وطني استشاري لدى جلالة الملك، ج.ر.ع 2286 بتاريخ 17 غشت 1957، ص 1386.
  3. – محمد الرضواني، التنمية السياسية في المغرب: تشكل السلطة التنفيذية وممارستها من سنة 1956 إلى سنة 2000، سلسلة بدائل قانونية وسياسية، العدد 2، مطبعة المعارف الجديدة-الرباط، الطبعة الثانية، 2019، ص 23و22.
  4. – المهدي بنبركة، الاختيار الثوري في المغرب، دار الطليعة، الطبعة الأولى، أكتوبر 1966، ص 6.
  5. – محمد لخواجة، من مخاض الاستقلال إلى أحداث الريف 1958-1959، دار أبي رقراق للطباعة والنشر – الرباط، طبعة 2021، ص 106.
  6. – إسماعيل بن عمر بن كثير عماد الدين أبو الفداء، البداية والنهاية، الجزء العاشر، طبعة خاصة بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر، دار ابن كثير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، سنة 2015، ص 463.
  7. – محمد ضريف، تحولات الإسلاميين المغاربة، ضمن مؤلف جماعي تحت عنوان: التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية في المغرب، منشورات مؤسسة فريدريش إبرت، الطبعة الأولى، دجنبر 2022، ص 60.
  8. – محمد لخواجة، مرجع سابق، ص 89.
  9. – رشيد بنعمر، محاضرات حول تاريخ المقاومة والحركة الوطنية بالمغرب 1912-1956، مسلك التاريخ والحضارة، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة مولاي إسماعيل، السنة الجامعية 2019-2020، ص 60.
  10. – عثمان بناني، محمد بن عبد الكريم الخطابي ومسألة استقلال المغرب، مجلة أمل، المجلد 3، العدد 8، ص 145.
  11. – جون واتربوري، أمير المؤمنين، الملكية والنخبة السياسية المغربية، ترجمة عبد الغني أبو العزم ومن معه، منشورات مؤسسة الغني، دار أبي رقراق-الرباط، الطبعة الثالثة، سنة 2013، ص 97 وص 98.
  12. – عبد الهادي بوطالب، نصف قرن من السياسة، حوار حاتم البطيوي، سلسلة شرفات، العدد 6، طباعة وتوزيع دار أبي رقراق للطباعة والنشر، ص 49 وص 50.
  13. – إيكس ليبان، موسوعة الجزيرة، https://www.aljazeera.net/encyclopedia، تاريخ النشر 6 فبراير 2016، تاريخ زيارة الموقع 28 غشت 2025.
  14. – محمد لخواجة، مرجع سابق، ص 72.
  15. – جون واتربوري، مرجع سابق، ص 367.
  16. – محمد لخواجة، مرجع سابق، ص 105.
  17. – ظهير شريف صادر في 19 دجنبر 1962 بتنفيذ الدستور، ج.ر.ع 2616 مكرر، بتاريخ 19 دجنبر 1962، ص 2993.
  18. – جون واتربوري، مرجع سابق، ص 341.
  19. – محمد لخواجة، مرجع سابق، ص 101.
  20. – تعيين 10 أعضاء من حزب الاستقلال ضمن تشكيلت المجلس الوطني الاستشاري من أصل 76 عضوا.

    – الفصل الثالث من ظهير شريف رقم 1.56.179 يؤسس بمقتضاه مجلس وطني استشاري لدى جلالة الملك.

  21. – محمد لخواجة، مرجع سابق، ص 87.
  22. – الفصل 3 من دستور سنة 1962.
  23. – محمد الساسي، الملكية والأحزاب السياسية، ضمن مؤلف جماعي تحت عنوان: التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية في المغرب، منشورات مؤسسة فريدريش إبرت، الطبعة الأولى، دجنبر 2022، ص 70.
  24. – محمد ضريف، مرجع سابق، ص 58.
  25. – بلاغ اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال المؤرخ في 8 يوليوز 2013.
  26. – تم خلال المؤتمر الوطني السادس عشر لحزب الاستقلال انتخاب الأستاذ حميد شباط أمينا عاما للحزب بتاريخ 23 شتنبر 2012.
  27. – عبد الفتاح نعوم، حزب الاصالة يواجه الضغوط، الموقع الالكتروني لمركز مالكوم كير-كارينيغي carnegieendowment.org، تاريخ النشر في 8 سبتمبر 2017، تاريخ زيارة الموقع 28 غشت 2025 على الساعة 20:57.
  28. -النتائج التشريعية المغربية 2007، الموسوعة الحرة “ويكيبيديا”، ar.wikipedia.org تاريخ زيارة الموقع 26 غشت 2025، على الساعة 21:12.
  29. – عبد الفتاح نعوم، مرجع سابق.
  30. – محمد الكوخي، الإسلاميون المغاربة وفشل الانتقال لما بعد الحركة الإسلاميةـ قراءة في مخرجات المؤتمر الثامن لحزب العدالة والتنمية، تقارير مركز الجزيرة للدراسات، فبراير 2018، ص 6.
  31. – أحد أعيان منطقة دكالة، إقليم سيدي بنور، ونائب برلماني عن حزب الأصالة والمعاصرة برسم الدائرة الانتخابية لسيدي بنور لولايات تشريعية عدة.
  32. – محمد الكوخي، مرجع سابق، ص 6.
  33. – موقع وزارة الداخلية الالكتروني الخاص بالانتخابات www.elections.ma، تاريخ زيارة الموقع 28 غشت 2025 الساعة 21:28.
  34. – بلاغ الديوان الملكي بشأن إعفاء عبد الإله بنكيران من مهمة تشكيل الحكومة، الصادر بتاريخ 15 مارس 2017.
  35. – البرنامج الانتخابي لحزب العدالة والتنمية لاقتراع 25 نونبر 2011، الموقع الإلكتروني لحزب العدالة والتنمية pjd.ma، تاريخ زيارة الموقع 22 غشت 2025، على الساعة 22:45.
  36. – بلاغ الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، الصادر بتاريخ 9 شتنبر 2021.
  37. – الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية الأولى للسنة التشريعية 2004-2005، بتاريخ 8 أكتوبر 2004.

    – الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش المؤرخ في 30 يوليوز 2005.

  38. – موقع لكم الاخباري: بنكيران: “التحكم” هو فلسفة وأفراد يتغيرون يسعون إلى ضبط الناس بالقمع والمال والمناصب، lakome2.com، تاريخ النشر 1 أكتوبر 2016، زيارة الموقع 26 غشت 2025.

  39. – موقع صوت المغرب the voice، خبر بعنوان: لشكر، نعاني من تغول ثلاثي واستفراد بالقرار السياسي، thevoice.ma، تاريخ النشر 15 ديسمبر 2023، تاريخ تصفح الموقع 22 غشت 2025 على الساعة 12:18.
  40. – تصريح السيد عبد الله بوانو رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية بمجلس النواب، في لقاء على قناة “المهدوي مدير نشر صحيفة بديل انفو” على اليوتيوب، من الدقيقة 26:05 إلى الدقيقة 26:16، منشور في دجنبر 2024.

    – تصريحات الدكتور أقصبي في لقاء مع قناة فبراير تيفي fabrayer tv على اليوتيب ابتداء من الدقيقة 30:22، منشور في دجنبر 2024.

  41. – تصريح السيد عبد الله بوانو رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية بمجلس النواب، في لقاء على قناة “المهدوي مدير نشر صحيفة بديل انفو” على اليوتيوب، من الدقيقة 26:05 إلى الدقيقة 28:40، منشور في دجنبر 2024.
  42. – المرجع السابق.
  43. – الفقرة الأولى من الفصل 36 من الدستور المغربي لسنة 2011.
  44. – قانون إطار رقم 03.22 بمثابة ميثاق الاستثمار، صادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.22.76 في 9 ديسمبر 2022، ج.ر.ع 7151 بتاريخ 12 ديسمبر 2022، ص 7900.
  45. – تقرير المجلس الأعلى للحسابات برسم سنتي 2023 و2024، الجريدة الرسمية عدد 7360 مكرر، بتاريخ 13 ديسمبر 2021، ص 9392.
  46. – الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة الدورة الأولى من السنة التشريعية الثانية من الولاية الحكومية الحادية عشر، مؤخ في 14 أكتوبر 2022.
  47. – الإحصاء العام للسكان والسكنى 2024: الخصائص الديمغرافية والاجتماعية والاقتصادية للسكان، مذكرة حول النتائج الرئيسية، دجنبر 2024، ص 17.
  48. – عرص السيدة الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات أمام البرلمان حول أعمال المحاكم المالية برسم سنتي 2023 و2024، ص 2.
  49. – البرنامج الحكومي للولاية التشريعية 2021-2026، أكتوبر 2021، ص 24.
  50. – تقرير السنوي لبنك المغرب برسم السنة المالية 2023، ص 62.
  51. – تقرير السنوي لبنك المغرب برسم السنة المالية 2021، ص 65.
  52. – التقرير السنوي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي برسم سنة 2021، نقاط اليقظة، المحور الاقتصادي، صدمة التضخم المسجلة مؤخرا والقدرة الشرائية، ص 64.
  53. – للمزيد أنظر: رأي مجلس المنافسة حول الارتفاع الكبير في أسعار المواد الخام والمواد الأولية في السوق العالمية، وتداعياته على السير التنافسي للأسواق الوطنية حالة المحروقات (الغازوال والبنزين)، الصادر في 31 غشت 2022 تحت عدد ر/3/22.
  54. – مذكرة إخبارية للمندوبية السامية للتخطيط، نتائج بحث الظرفية لدى الأسر، الفصل الثالث من سنة 2024.
  55. – مذكرة إخبارية للمندوبية السامية للتخطيط، نتائج بحث الظرفية لدى الأسر، الفصل الثالث من سنة 2021.
  56. – لجنة النموذج التنموي الجديد، التقرير العام، ابريل 2021، ص 30.
  57. – تقرير بعنوان: مراسلون بلا حدود: أخنوش يستخدم قوته المالية للتأثير على الصحافة المغربية ووهبي كثَّف متابعاته للصحافيين مع اقتراب الانتخابات، منشور بالموقع جريدة الصحيفة الإلكترونية www.assahifa.com، بتاريخ 2 ماي 2025، تاريخ زيارة الموقع 21 غشت 2025 على الساعة 14:08.
  58. – بلاغ الديوان الملكي المؤرخ في 24 مارس 2025، بخصوص تعيين عدد من مسؤولي المؤسسات الدستورية ” رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، ورئيس الهيأة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، ووسيط المملكة”
  59. – الرسالة الملكية السامية الموجهة للشعب المغربي يهيب فيها الشعب المغربي بعدم ذبح أضحية العيد، والمؤرخة في 26 فبراير 2025.
  60. – الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش لسنة 2025.
  61. – تصريح رئيس الحكومة خلال الجلسة العمومية للأسئلة الشفهية الشهرية الموجهة إلى رئيس الحكومة حول السياسة العامة التي خصص لها موضوع “الحصيلة الاقتصادية والمالية وأثرها على دينامية الاستثمار والتشغيل”، المنعقدة بتاريخ 15 يوليوز 2025.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى