الدكتور مصطفى الفوركيفي الواجهةمقالات قانونية

الدكتور مصطفى الفوركي : مستجدات دخول قواعد الشفافية في القانون الأوروبي للذكاء الاصطناعي حيز التطبيق قراءة تحليلية في المادة 50 من اللائحة الأوروبية 2024/1689 وتعديلات “الأومنيبوس الرقمي للذكاء الاصطناعي”

 

 


>مستجدات دخول قواعد الشفافية في القانون الأوروبي للذكاء الاصطناعي حيز التطبيق
قراءة تحليلية في المادة 50 من اللائحة الأوروبية 2024/1689 وتعديلات “الأومنيبوس الرقمي للذكاء الاصطناعي”
الدكتور مصطفى الفوركي
مدير مجلة القانون والأعمال الدولية
رئيس المركز الدولي للدراسات القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية

>ملخص
بتاريخ 2 غشت 2026 دخلت التزامات الشفافية المنصوص عليها في المادة 50 من اللائحة الأوروبية بشأن الذكاء الاصطناعي (اللائحة 2024/1689) حيز التطبيق والإنفاذ الفعليين من قبل مكتب الذكاء الاصطناعي الأوروبي والسلطات الوطنية المختصة، لتصبح بذلك أول مجموعة قواعد أفقية وشاملة في العالم تُلزم مزودي أنظمة الذكاء الاصطناعي ومستعمليها بإخبار الأشخاص الطبيعيين متى كانوا يتفاعلون مع نظام ذكاء اصطناعي، ومتى كان المحتوى الذي يطّلعون عليه من إنتاج آلي أو تعديل آلي. ويسعى هذا البحث إلى الوقوف عند الأساس التشريعي لهذه الالتزامات ومكانتها ضمن الهندسة العامة للقانون، وتحليل مضمونها القانوني ونطاق تطبيقها واستثناءاتها، قبل أن يرصد أبرز المستجدات التفسيرية والتشريعية التي واكبت دخولها حيز النفاذ، وعلى رأسها التوجيهات الصادرة عن مكتب الذكاء الاصطناعي بتاريخ 20 يوليوز 2026، ومدونة الممارسات الطوعية بشأن شفافية المحتوى المولد آلياً، فضلاً عن التعديلات التي أدخلتها لائحة “الأومنيبوس الرقمي” (اللائحة 2026/1744) على الجدولة الزمنية العامة للقانون، وما استتبعها من منظومة رقابية وزجرية. ويخلص البحث إلى أن التشريع الأوروبي اختار، عبر هذا التمييز الزمني الدقيق، منح الأولوية لحماية المستهلك من الخداع الرقمي في مرحلة انتقالية تتسم بعدم اكتمال البنية التقنية والمعيارية اللازمة لتفعيل باقي مقتضيات القانون.
الكلمات المفتاحية: القانون الأوروبي للذكاء الاصطناعي، المادة 50، قواعد الشفافية، الأومنيبوس الرقمي، المحتوى المولد آلياً، الوسم الرقمي، الجزاءات الإدارية.

Abstract
On 2 August 2026, the transparency and information obligations set out in Article 50 of the EU Artificial Intelligence Act (Regulation (EU) 2024/1689) became generally applicable and enforceable by the AI Office and national competent authorities, making them the first horizontally applicable AI-transparency rules to take effect worldwide, independen

t of any high-risk classification. This article examines the legislative rationale of these obligations and their place within the Act’s overall architecture, analyses their legal content and scope, and reviews the interpretive guidelines adopted by the European Commission on 20 July 2026, the voluntary Code of Practice on Transparency of AI-Generated Content, and the amendments introduced by the Digital Omnibus on AI (Regulation (EU) 2026/1744), which postponed the high-risk AI system deadlines to December 2027/August 2028 while leaving the transparency timeline of Article 50 essentially untouched.

مقدمة

شكّلت اللائحة الأوروبية رقم 2024/1689 المتعلقة بوضع قواعد منسّقة بشأن الذكاء الاصطناعي (القانون الأوروبي للذكاء الاصطناعي)، والتي دخلت حيز النفاذ في فاتح غشت 2024، أول إطار تشريعي أفقي وشامل على المستوى العالمي ينظم منظومة الذكاء الاصطناعي وفق مقاربة قائمة على تدرج المخاطر. ولم يُوجب المشرع الأوروبي تطبيق مجمل مقتضيات هذه اللائحة دفعة واحدة، بل اعتمد آلية تطبيق مرحلي تمتد على عدة سنوات: فقد سرت الممارسات المحظورة والتزامات محو الأمية الرقمية اعتباراً من 2 فبراير 2025، تلتها التزامات مزودي نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة الغرض في 2 غشت 2025، على أن يُستكمل التطبيق الكامل بالتزامات الأنظمة عالية الخطورة في مرحلة لاحقة [9].
وفي هذا السياق التدريجي، برز تاريخ 2 غشت 2026 كموعد محوري كان من المفترض أصلاً أن يشهد سريان أهم مقتضيات القانون، أي تلك المتعلقة بالأنظمة عالية الخطورة. غير أن المسار التشريعي عرف تحولاً لافتاً بفعل اعتماد لائحة “الأومنيبوس الرقمي للذكاء الاصطناعي” التي أجّلت هذه الالتزامات إلى أجل لاحق، في حين أُبقي على قواعد الشفافية المنصوص عليها في المادة 50 من اللائحة الأم دون أي تأجيل، لتصبح بذلك أول مجموعة التزامات ذات طابع أفقي وشامل تدخل حيز التطبيق والإنفاذ الفعليين. وتكمن الإشكالية المحورية لهذا البحث في السؤال التالي: ما هي طبيعة الالتزامات القانونية التي فرضتها قواعد الشفافية بموجب المادة 50 من القانون الأوروبي للذكاء الاصطناعي، وما مكانتها ضمن الهندسة العامة لهذا القانون؟ وما هي أبرز المستجدات التشريعية والتفسيرية التي واكبت دخولها حيز التطبيق في 2 غشت 2026، في ظل التحولات التي أحدثتها لائحة الأومنيبوس الرقمي على الهندسة الزمنية العامة للقانون، وما هي آليات ضمان احترامها؟
وتتجلى أهمية الموضوع في كون قواعد الشفافية تمس بشكل مباشر وواسع النطاق كل مقاولة أو جهة تُشغّل أنظمة ذكاء اصطناعي موجهة للتفاعل مع الجمهور الأوروبي، بصرف النظر عن تصنيف هذا النظام كعالي الخطورة من عدمه، بل وتشمل حتى الأنظمة مفتوحة المصدر، مما يجعلها ذات أثر عملي فوري يستوجب المتابعة الدقيقة من لدن الباحثين والممارسين القانونيين، خصوصاً في الفضاءات الأكاديمية والقانونية غير الأوروبية التي تتطلع إلى استلهام أو مقارنة تجربتها التشريعية الوطنية بها. وسيعتمد هذا البحث المنهج التحليلي الوصفي، من خلال تفكيك النص القانوني للمادة 50 ومقارنته بالمستجدات التطبيقية والتفسيرية اللاحقة، وذلك وفق تصميم ثنائي: مبحث أول يتناول الإطار القانوني العام لالتزامات الشفافية أساساً ومضموناً ونطاقاً، ومبحث ثانٍ يرصد مستجدات دخولها حيز التطبيق في ضوء توجيهات المفوضية وتعديلات الأومنيبوس الرقمي، وصولاً إلى آليات الرقابة والجزاءات المصاحبة لها.

المبحث الأول : الإطار القانوني العام لالتزامات الشفافية: الأساس، المضمون، والنطاق

لا يمكن فهم التزامات الشفافية المنصوص عليها في المادة 50 من القانون الأوروبي للذكاء الاصطناعي فهماً سليماً ما لم تُوضع في سياقها التشريعي الأعم، ذلك أن المشرع الأوروبي لم يبتدع هذه الالتزامات من فراغ، وإنما بناها على أرضية فلسفية وتقنية تتقاطع فيها هواجس حماية المستهلك الرقمي بمنطق التقييس الصناعي الذي طبع عموم اللائحة. وسنحاول في هذا المبحث أن نقف عند هذه الأرضية التأسيسية أولاً، قبل أن نُفكك مضمون الالتزامات الأربعة التي أفرزتها المادة 50 تفكيكاً تحليلياً دقيقاً، ثم نختم بتحديد النطاق الشخصي والموضوعي لهذه الالتزامات وما يرد عليها من استثناءات، وذلك عبر ثلاثة مطالب متتابعة.

المطلب الأول: الأساس التشريعي لقواعد الشفافية ومكانتها ضمن الهندسة العامة للقانون

اختار المشرع الأوروبي، منذ الإعلان الأول عن مشروع القانون سنة 2021، أن يبني تنظيم الذكاء الاصطناعي على مقاربة تدرجية قوامها ربط كثافة الالتزام القانوني بحجم الخطر الذي يطرحه النظام موضوع التقنين، بحيث تتصاعد الالتزامات كلما اقتربنا من الأنظمة المصنفة عالية الخطورة، وصولاً إلى الحظر التام بالنسبة للممارسات التي اعتُبرت غير مقبولة إطلاقاً كالتلاعب السلوكي أو التصنيف الاجتماعي. غير أن هذه المقاربة التصنيفية، على وجاهتها المنهجية، لم تكن كافية وحدها لمعالجة نمط بعينه من المخاطر، وهو ذلك المرتبط بقدرة الذكاء الاصطناعي التوليدي على محو الحدود الفاصلة بين المحتوى البشري والمحتوى الاصطناعي، وبين التفاعل الإنساني والتفاعل الآلي. فمهما بلغت درجة “أمان” نظام دردشة آلي من الناحية التقنية البحتة، فإنه يظل يحمل في ذاته خطراً من نوع مختلف تماماً، هو خطر الخداع بالتمويه، الذي لا علاقة له بمدى دقة النظام أو موثوقيته، بل بمجرد كونه يحاكي التواصل الإنساني دون إفصاح.
من هنا فُهم اختيار المشرع الأوروبي إفراد المادة 50 بمنطق مستقل عن منطق التصنيف الرباعي للمخاطر (الممارسات المحظورة، الأنظمة عالية الخطورة، الأنظمة محدودة الخطورة، الأنظمة منعدمة الخطورة تقريباً)، إذ جاءت هذه المادة ضمن الفصل الرابع من اللائحة الموسوم بـ”التزامات الشفافية لبعض مزودي ومنشري أنظمة الذكاء الاصطناعي”، لا ضمن الفصل الثالث الخاص بالأنظمة عالية الخطورة. وهذا الموقع البنيوي ليس تفصيلاً شكلياً محضاً، بل هو خيار له دلالته العميقة: فهو يعني أن التزام الإفصاح يسري بصرف النظر عن مستوى الخطورة التقني للنظام، بل رهين فقط بطبيعة وظيفته التفاعلية أو التوليدية. ويمكن القول، من زاوية التحليل القانوني المقارن، إن هذا الاختيار التشريعي يستلهم منطقاً قريباً من مبدأ “الشفافية” الذي تكرسه اللائحة العامة لحماية المعطيات الشخصية في مادتيها 13 و14، حيث لا يُشترط لإعمال واجب الإعلام أن تكون المعالجة خطيرة، بل يكفي أن تكون معالجة لمعطيات شخصية بصرف النظر عن درجة حساسيتها.
ولا يفوتنا في هذا المقام أن نستحضر السياق الزمني لتطبيق القانون، ذلك أن التطبيق المرحلي الذي اعتمده المشرع الأوروبي جعل الممارسات المحظورة والتزامات محو الأمية الرقمية في مقدمة الأحكام النافذة اعتباراً من 2 فبراير 2025، تلتها التزامات مزودي نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة الغرض في 2 غشت 2025، على أن يكتمل التطبيق بالتزامات الأنظمة عالية الخطورة في مرحلة لاحقة كان يُفترض أن تبدأ في 2 غشت 2026 [1][9]. وقد جعل هذا التدرج الزمني من المادة 50 حلقة انتقالية حساسة بين مرحلتين، إذ إنها لم تكن ضمن الدفعة الأولى من الالتزامات النافذة في 2025، لكنها لم تُدرج أيضاً ضمن الالتزامات التي طالها التأجيل لاحقاً بفعل تعديلات الأومنيبوس الرقمي، بل ظلت مرتبطة بموعدها الأصلي، وهو ما سنعود إليه بتفصيل أوسع في المبحث الثاني.

المطلب الثاني: مضمون الالتزامات الأربعة للشفافية وتحليلها القانوني

تنتظم التزامات الشفافية المنصوص عليها في المادة 50 حول أربع صور تطبيقية متمايزة من حيث موضوعها، وإن اجتمعت جميعها حول علة واحدة هي حق الشخص الطبيعي في إدراك طبيعة ما يتفاعل معه أو يطّلع عليه. وسنتناول كل صورة على حدة مع إبراز الأساس المنطقي الكامن وراءها والملاحظات النقدية التي يثيرها تطبيقها العملي.
أ) الإفصاح عن الطبيعة الآلية للتفاعل المباشر
يُلزم الفقرة الأولى من المادة 50 مزودي الأنظمة المصممة للتفاعل المباشر مع الأشخاص الطبيعيين، وعلى رأسها أنظمة المحادثة الآلية والمساعدين الافتراضيين، بضمان إعلام المستخدم بأنه يتفاعل مع نظام ذكاء اصطناعي، ما لم يكن ذلك بيّناً من فوره وبداهة لشخص متوسط الاطلاع بالنظر إلى ظروف الاستعمال وسياقه [4]. ويكمن جوهر هذا الالتزام في حماية ما يسميه الفقه الأوروبي “الرضا المستنير بالتفاعل”، أي تمكين الفرد من تكييف سلوكه التواصلي تبعاً لمعرفته المسبقة بطبيعة محاوره، ذلك أن درجة الثقة والإفصاح التي يُبديها الإنسان في حواره مع إنسان آخر تختلف جوهرياً عما يُبديه في تعامله مع آلة، لا سيما في السياقات الحساسة كالاستشارات الصحية أو النفسية أو المالية.
ب) وسم المحتوى المولّد أو المُعدَّل آلياً
أما الفقرة الثانية من المادة 50 فتتناول التزاماً أكثر تعقيداً من الناحية التقنية، إذ تُلزم مزودي أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدية (نصوصاً كانت أو صوراً أو مقاطع صوتية أو فيديو) بضمان وسم المخرجات بعلامات قابلة للقراءة الآلية وقابلة للكشف تقنياً، بحيث يمكن التعرف على الطابع الاصطناعي للمحتوى دون الحاجة إلى تدخل بشري مباشر في كل مرة. وقد رافق الاتحاد الأوروبي هذا الالتزام بوضع مجموعة موحدة من الأيقونات البصرية يمكن اعتمادها اختيارياً لتيسير التعرف البشري المباشر على هذا المحتوى، إلى جانب الوسم التقني الخفي [3][4]. ويثير هذا الالتزام بالذات إشكالية تقنية جوهرية تتعلق بمدى ثبات هذه العلامات أمام عمليات التحويل والضغط والتحرير اللاحقة التي يخضع لها المحتوى الرقمي عادة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهي إشكالية لم يحسمها النص التشريعي بذاته، بل أحالها ضمنياً على المعايير التقنية المنسقة التي لا تزال هيئتا التقييس الأوروبيتين CEN وCENELEC بصدد استكمالها.
ج) التعرف على المشاعر والتصنيف البيومتري
وتنص الفقرة الثالثة على التزام مغاير في طبيعته، يخص منشري الأنظمة التي تُستعمل للتعرف على المشاعر (كتقدير حالة التوتر أو الانفعال) أو للتصنيف البيومتري للأشخاص (كاستنتاج خصائص ديمغرافية أو سلوكية من ملامح الوجه أو نبرة الصوت)، إذ يتوجب عليهم إخبار الأشخاص المعنيين بخضوعهم لهذا النوع من المعالجة، وذلك مع مراعاة باقي الالتزامات المقررة بموجب التشريعات الأخرى ذات الصلة، وفي مقدمتها اللائحة العامة لحماية المعطيات الشخصية [4]. ونشير هنا إلى ضرورة عدم الخلط بين هذا الالتزام الإعلامي المحض وبين الحظر المطلق الوارد في المادة 5 من القانون بشأن استعمال أنظمة التعرف على المشاعر داخل أماكن العمل والمؤسسات التعليمية، فذلك حظر موضوعي يمنع الممارسة أصلاً، في حين أن التزام المادة 50 يفترض مشروعية الممارسة ذاتها ويكتفي بإخضاعها لواجب الإفصاح.
د) المحتوى العميق والنصوص المتعلقة بقضايا المصلحة العامة
وأخيراً، تعالج الفقرتان الرابعة من المادة 50 حالتين متمايزتين تجمعهما خطورة مشتركة على الثقة العامة في المعلومة: الحالة الأولى تتعلق بما يُعرف بـ”المحتوى العميق”، أي الصور أو المقاطع الصوتية أو الفيديو التي تُنتج أو تُعدَّل آلياً بحيث تحاكي أشخاصاً أو أحداثاً أو أشياء حقيقية بطريقة توهم متلقيها بصحتها، حيث يُلزم منشرو هذه الأنظمة بالإفصاح الصريح عن الطابع الاصطناعي لهذا المحتوى. أما الحالة الثانية فتخص النصوص المنشورة بغرض إعلام الجمهور بقضايا ذات مصلحة عامة، والتي تُولَّد أو تُعدَّل آلياً دون خضوعها لمراجعة بشرية أو رقابة تحريرية فعلية، حيث تفرض المادة ذاتها الإفصاح عن هذا الطابع الآلي [5]. ويظهر جلياً أن المشرع الأوروبي استحضر هنا، على نحو غير مباشر، هاجس حماية العملية الديمقراطية والنقاش العمومي من مخاطر التضليل الممنهج، وهو هاجس تعزز أكثر لاحقاً حين أضافت تعديلات الأومنيبوس الرقمي حظرين جديدين ضمن قائمة الممارسات المحظورة، سيأتي بيانهما في المبحث الثاني.

المطلب الثالث: النطاق الشخصي والموضوعي لالتزامات الشفافية واستثناءاتها

يتميز النطاق التطبيقي لالتزامات الشفافية بسعته اللافتة مقارنة ببقية أحكام القانون، ذلك أن المشرع لم يربط سريانها بتصنيف النظام كعالي الخطورة، بل جعلها تسري، من حيث المبدأ، على كل نظام يتفاعل مع الأشخاص الطبيعيين أو يولّد محتوى أو يُوظَّف للتعرف على المشاعر أو التصنيف البيومتري، أياً كانت درجة خطورته التقنية. ويترتب عن هذا الاختيار أن نطاق الالتزام يشمل، من الناحية الشخصية، عدداً هائلاً من الفاعلين الاقتصاديين الذين قد لا يخطر ببالهم أصلاً أنهم معنيون بالقانون الأوروبي للذكاء الاصطناعي، بدءاً من المقاولات الناشئة الصغرى التي تستعمل روبوتات محادثة بسيطة لخدمة الزبناء، وصولاً إلى كبريات منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث المزودة بمساعدين توليديين.
ومن الناحية نفسها، يُسجَّل أن هذا النطاق يمتد ليشمل مزودي ومنشري الأنظمة مفتوحة المصدر (Open Source) دون أي استثناء عام لصالحهم، خلافاً لما هو معمول به في بعض أحكام القانون الأخرى التي تمنح هذه الأنظمة معاملة تفضيلية أو مخففة بالنظر إلى طبيعتها التعاونية والمفتوحة [1][4]. وهذا الاختيار يعكس فلسفة تشريعية مفادها أن خطر الخداع الرقمي لا يتغير بتغير نموذج الترخيص التقني للنظام (مفتوح أو مغلق المصدر)، بل يبقى مرتبطاً حصراً بوظيفته التفاعلية أو التوليدية.
غير أن هذا الاتساع في النطاق لا يعني انعدام أي حدود له، إذ أورد المشرع الأوروبي جملة من الاستثناءات الدقيقة تحد من صرامة الالتزام في حالات بعينها. فمن جهة أولى، لا يسري التزام وسم المحتوى المولّد على الحالات التي يقتصر فيها دور النظام على أداء وظيفة مساعدة محضة للتحرير القياسي (كالتصحيح الإملائي أو النحوي أو اللغوي)، شريطة ألا يُحدث هذا التدخل تغييراً جوهرياً في البيانات المُدخلة أصلاً أو في دلالتها العامة، وهو معيار وظيفي دقيق يستوجب تقديراً موضوعياً لمدى “جوهرية” التغيير المُحدث [4]. ومن جهة ثانية، يُستثنى من نطاق تطبيق هذه الالتزامات الأنظمة المرخص لها قانوناً بالكشف عن الجرائم أو منعها أو التحري فيها أو متابعتها، احتراماً لخصوصية العمل الأمني والقضائي الذي قد يستوجب أحياناً عدم الإفصاح. ومن جهة ثالثة، تُراعى في تطبيق هذه الالتزامات حرية التعبير الفني والإبداعي والساخر، بحيث تُطبق واجبات الإفصاح في هذه الحالات على نحو يتناسب مع طبيعة العمل الفني ولا يُخل بجوهره التعبيري، وإن كان يبقى واجب الإفصاح قائماً في حده الأدنى لصالح الجمهور المتلقي.

المبحث الثاني : مستجدات دخول قواعد الشفافية حيز التطبيق وآليات إنفاذها

إذا كان المبحث الأول قد انصبّ على تحليل البنية القانونية الساكنة لالتزامات الشفافية كما وردت في نص المادة 50، فإن هذا المبحث يروم الانتقال إلى قراءة حركية لهذه الالتزامات، من خلال رصد ما طرأ عليها من مستجدات تفسيرية وتشريعية بمناسبة دخولها حيز التطبيق الفعلي بتاريخ 2 غشت 2026. ذلك أن النص القانوني، مهما بلغت درجة إحكام صياغته، يظل بحاجة إلى ترجمة عملية تُقرّب مضمونه من واقع التطبيق، وهو ما تكفلت به مبادرتان متكاملتان: مبادرة تفسيرية أولى تمثلت في التوجيهات الصادرة عن مكتب الذكاء الاصطناعي، ومبادرة تشريعية ثانية تمثلت في تعديلات الأومنيبوس الرقمي التي أعادت ترتيب الجدولة الزمنية العامة للقانون. وسنخصص لكل منهما مطلباً مستقلاً، على أن نختم هذا المبحث بمطلب ثالث يتناول آليات الرقابة والجزاءات المترتبة عن الإخلال بهذه الالتزامات بعد دخولها حيز النفاذ.

المطلب الأول: التوجيهات التفسيرية لمكتب الذكاء الاصطناعي ومدونة الممارسات الطوعية

لم يكن يخفى على المفوضية الأوروبية أن الصياغة العامة والمرنة التي اعتُمدت في المادة 50، والتي كانت مقصودة أصلاً لضمان مرونة النص أمام التطور التقني المتسارع، تحمل في طياتها مخاطر تباين تفسيري بين الدول الأعضاء عند التطبيق، وهو ما قد يُفرغ فكرة “السوق الرقمية الموحدة” من محتواها العملي. لذلك، وسعياً منها إلى توحيد الفهم القانوني لهذه الالتزامات قبيل موعد نفاذها، صادقت المفوضية الأوروبية بتاريخ 20 يوليوز 2026، أي قبل اثني عشر يوماً فقط من الموعد المحدد للتطبيق، على مجموعة توجيهات تفسيرية أعدها مكتب الذكاء الاصطناعي ، وهو الهيئة الرقابية المركزية المكلفة بالإشراف على تطبيق القانون على المستوى الأوروبي [5].
وتتسم هذه التوجيهات، من الناحية القانونية الصرفة، بطابعها التفسيري غير الملزم ، بحيث تبقى السلطة الأخيرة في تأويل النص التشريعي منوطة بمحكمة العدل للاتحاد الأوروبي عند حصول نزاع قضائي، غير أن هذا الطابع غير الإلزامي لا يُفقدها أهميتها العملية، بل على العكس من ذلك، فقد باتت تشكل، بحكم صدورها عن الجهة المكلفة بالتطبيق ذاتها، المرجع الأساسي الذي تعتمد عليه السلطات الوطنية المختصة عبر الدول الأعضاء عند تنزيل هذه الالتزامات على أرض الواقع، وهو ما يُقرّبها وظيفياً، وإن لم يكن قانونياً، من مفهوم “الدليل التوجيهي الملزم فعلياً” الذي دأبت عليه هيئات ضبط أخرى في التجربة الأوروبية، كهيئات حماية المعطيات الشخصية بمناسبة تطبيقها للائحة العامة لحماية المعطيات.
وقد جاءت هذه التوجيهات لتحدد بدقة أكبر جملة من المسائل التطبيقية الدقيقة، من قبيل معايير تقدير “الوضوح البدهي” الذي يُعفي من واجب الإفصاح عن الطبيعة الآلية للتفاعل، وضوابط تحديد “جوهرية” التعديل الذي يُخرج الوظيفة المساعدة للتحرير من دائرة الاستثناء، والحدود الفاصلة بين مسؤولية المزوّد ومسؤولية المنشر في حال تعدد الأطراف المتدخلة في سلسلة إنتاج المحتوى ونشره، وهي مسائل كانت ولا تزال محل نقاش فقهي واسع بين المختصين الأوروبيين في القانون الرقمي.
وبموازاة هذه التوجيهات التفسيرية، أشرف مكتب الذكاء الاصطناعي على بلورة أداة تكميلية أخرى، هي “مدونة الممارسات بشأن شفافية المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي”، وهي صك طوعي بامتياز، مفتوح للتوقيع أمام مزودي ومنشري الأنظمة التوليدية الراغبين في الانخراط فيه [5]. ولا تخفى الحكمة التشريعية الكامنة وراء اللجوء إلى أداة طوعية موازية للنص الآمر، ذلك أن التوقيع على المدونة يمنح الفاعل الاقتصادي قرينة امتثال تخفف عنه عبء الإثبات أمام السلطات الرقابية عند التحقق من التزامه بواجب الوسم المنصوص عليه في الفقرة الثانية من المادة 50، على غرار ما دأبت عليه التجربة الأوروبية في مجالات أخرى من التنظيم القائم على “التقنين المشاركبين السلطة العمومية والفاعلين الخواص.

المطلب الثاني: تعديلات الأومنيبوس الرقمي وانعكاساتها على الهندسة الزمنية للقانون

لم يكن المسار نحو 2 غشت 2026 مساراً هادئاً خالياً من التجاذبات التشريعية، بل شهدت الأشهر التي سبقت هذا الموعد نقاشاً محتدماً حول جاهزية المنظومة الأوروبية بأسرها لتطبيق الشطر الأهم من القانون، أي التزامات الأنظمة عالية الخطورة. فقد لاحظت المفوضية الأوروبية، بحلول أواخر سنة 2025، تعثراً بيّناً في استكمال المعايير التقنية المنسقة التي كان من المفترض أن تُعدّها هيئتا التقييس الأوروبيتين CEN وCENELEC، وهي معايير تشكل الأساس التقني الذي تقوم عليه عمليات تقييم المطابقة الخاصة بالأنظمة عالية الخطورة، بحيث بات جلياً أن مطالبة الفاعلين الاقتصاديين بالامتثال لالتزامات صارمة في غياب معايير تقنية واضحة ومكتملة من شأنه أن يُنتج حالة من عدم اليقين القانوني تضر بالمقاولات أكثر مما تحمي المستهلكين [9].
أمام هذا الواقع، بادرت المفوضية الأوروبية بتاريخ 19 نونبر 2025 إلى تقديم مقترح تشريعي حمل اسم “الأومنيبوس الرقمي للذكاء الاصطناعي”، وهو مقترح لم يكن يستهدف إعادة النظر في الفلسفة العامة للقانون أو في تصنيفه الرباعي للمخاطر، بل اقتصر على إدخال تعديلات مستهدفة تتعلق أساساً بجدولة زمنية جديدة لبعض الالتزامات، وبتبسيطات إجرائية محدودة، دون المساس بجوهر الحقوق والضمانات التي أقرها النص الأصلي [7][9]. وقد استغرق هذا المقترح مساراً تفاوضياً ثلاثياً بين المفوضية والبرلمان الأوروبي ومجلس الاتحاد الأوروبي، تخللته جولتان من المفاوضات، أفضتا في النهاية إلى اتفاق سياسي مؤقت بتاريخ 7 ماي 2026 [7]، ثم إلى مصادقة نهائية من قبل البرلمان الأوروبي بتاريخ 16 يونيو 2026 [7]، قبل أن يُنشر النص في صيغته النهائية، أي اللائحة رقم 2026/1744، بالجريدة الرسمية للاتحاد الأوروبي بتاريخ 24 يوليوز 2026، ويدخل حيز النفاذ بتاريخ 27 يوليوز 2026، أي قبل ستة أيام فقط من الموعد الأصلي المحدد لتطبيق التزامات الأنظمة عالية الخطورة [9].
وقد تمحورت أبرز مستجدات هذا التعديل التشريعي، الذي جاء في اللحظات الأخيرة قبيل الموعد المحدد أصلاً، حول أربعة محاور رئيسية يُستحسن الوقوف عندها بشيء من التفصيل:
المحور الأول، ويخص تأجيل التزامات الأنظمة عالية الخطورة القائمة بذاتها، أي تلك المصنفة ضمن الملحق الثالث من القانون (كأنظمة التوظيف والتشغيل، والتقييم الائتماني، وإدارة البنيات التحتية الحساسة، ومنظومات إنفاذ القانون)، حيث تقرر تأجيل الموعد الأصلي المحدد في 2 غشت 2026 إلى تاريخ 2 دجنبر 2027، أي بمدة تأجيل تناهز ستة عشر شهراً كاملة [7][8]. أما المحور الثاني، فيتعلق بالأنظمة عالية الخطورة المدمجة كعنصر أمني ضمن منتجات خاضعة أصلاً لتشريعات السلامة القطاعية المدرجة في الملحق الأول من القانون (كالأجهزة الطبية والألعاب والآلات الصناعية)، حيث تقرر تأجيل موعدها من 2 غشت 2027 إلى 2 غشت 2028 [7].
ويأتي المحور الثالث ليمس، على نحو استثنائي ومحدود، الالتزامات ذاتها موضوع دراستنا، إذ مُنحت الأنظمة التوليدية الموجودة فعلاً في السوق الأوروبية قبل تاريخ 2 غشت 2026 مهلة إضافية تمتد حتى 2 دجنبر 2026، لكن هذه المهلة لا تشمل، وهذا ما تجدر الإشارة إليه بدقة متناهية، سوى الامتثال لالتزام وسم المحتوى بعلامات قابلة للقراءة الآلية المنصوص عليه حصراً في الفقرة الثانية من المادة 50، في حين تبقى باقي التزامات الشفافية الثلاثة الأخرى (الإفصاح عن التفاعل الآلي، والإفصاح عند التعرف على المشاعر، والإفصاح عن المحتوى العميق والنصوص ذات المصلحة العامة) سارية المفعول كاملة ونافذة بصورة فورية ابتداءً من 2 غشت 2026 دون أي استثناء أو تأجيل [2][4]. وهذا التمييز الدقيق بين شق تقني محدود من الالتزام وبين جوهره العام يعكس حرص المشرع على عدم تفريغ فلسفة الشفافية من محتواها، مع مراعاة واقعية الصعوبات التقنية المرتبطة تحديداً بالوسم الآلي القابل للكشف.
أما المحور الرابع والأخير، فيخرج عن دائرة التأجيلات ليدخل في باب التشديد، إذ أضافت لائحة الأومنيبوس الرقمي حظرين جديدين إلى قائمة الممارسات المحظورة إطلاقاً بموجب المادة 5 من القانون، يتعلق أولهما بالأنظمة الموظفة لتوليد محتوى ذي طابع جنسي غير رضائي يحاكي أشخاصاً حقيقيين (وهي ممارسة تُعرف اصطلاحاً بـ”nudification”)، ويتعلق ثانيهما بمواد الاعتداء الجنسي على الأطفال المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي، مع تحديد مهلة سماح للضمانات التقنية المصاحبة لهذين الحظرين تمتد إلى غاية 2 دجنبر 2026 [9]. ويُستشف من هذه الإضافة أن المشرع الأوروبي، وإن مال إلى التريث والتأجيل في ملف الأنظمة عالية الخطورة، فإنه لم يتردد لحظة في التشدد إزاء صور بعينها من إساءة استعمال الذكاء الاصطناعي التوليدي تمس مباشرة بالكرامة الإنسانية وبحماية القاصرين، وهو ما يعكس تدرجاً واعياً في سلم الأولويات التشريعية بين ما هو قابل للانتظار وما لا يحتمل أي تأخير.
وخلاصة القول في هذا المطلب أن التعديل التشريعي الطارئ، رغم اتساع نطاقه الظاهري، لم يمس البتة بجوهر الجدولة الزمنية لالتزامات الشفافية المنصوص عليها في المادة 50، والتي ظلت، إلى جانب الممارسات المحظورة والتزامات نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة الغرض، من صميم الالتزامات الأفقية التي دخلت حيز التطبيق والإنفاذ الكاملين في موعدها الأصلي المقرر سلفاً منذ اعتماد النص الأم سنة 2024 [2]، خلافاً لما كان يتوقعه بعض المراقبين من تأجيل شامل يطال عموم مقتضيات القانون بلا تمييز.

المطلب الثالث: آليات الرقابة والجزاءات الإدارية المترتبة عن الإخلال بالالتزامات

لا قيمة عملية لأي التزام قانوني، مهما بلغت دقة صياغته ورصانة أساسه الفلسفي، ما لم يقترن بمنظومة رقابية فعالة وجزاءات رادعة تكفل احترامه على أرض الواقع، وهو ما حرص المشرع الأوروبي على تأمينه بمناسبة دخول قواعد الشفافية حيز التطبيق. فمنذ 2 غشت 2026، لم يعد الأمر يتعلق بمجرد معيار تنظيمي مستقبلي يُستعد له، بل بمقتضى قانوني نافذ وقابل للمساءلة الفورية، حيث شرع مكتب الذكاء الاصطناعي الأوروبي، بالتنسيق الوثيق مع السلطات الوطنية المختصة في كل دولة عضو من دول الاتحاد، في ممارسة اختصاصاته الرقابية والزجرية المرتبطة بإنفاذ القانون عموماً، وقواعد الشفافية على وجه الخصوص [6].
وتتوزع هذه الاختصاصات الرقابية، وفق البنية المؤسسية التي أرساها القانون، بين مستوى مركزي يتمثل في مكتب الذكاء الاصطناعي المنوط به الإشراف على الفاعلين ذوي البعد العابر للحدود، خصوصاً مزودي نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة الغرض، ومستوى وطني لامركزي تتولاه السلطات المختصة في كل دولة عضو فيما يخص باقي الفاعلين العاملين على ترابها، وهو تصميم مؤسسي يستلهم إلى حد بعيد المنطق الرقابي الذي درجت عليه اللائحة العامة لحماية المعطيات الشخصية في علاقتها بالسلطات الوطنية لحماية المعطيات، مع ما يطرحه هذا التوزيع أحياناً من إشكالات التنسيق وتضارب الاختصاص بين الدول الأعضاء، لا سيما حين يتعلق الأمر بفاعل اقتصادي واحد يمارس نشاطه عبر عدة دول أوروبية في آن واحد.
أما من حيث سلم الجزاءات، فقد أقر القانون تدرجاً واضحاً في سقوف الغرامات الإدارية بحسب جسامة المخالفة المرتكبة. فبالنسبة للإخلال بالتزامات الشفافية موضوع المادة 50 تحديداً، حدد المشرع سقفاً أقصى للغرامة يبلغ خمسة عشر مليون يورو، أو ما يعادل 3% من رقم المعاملات السنوي العالمي للمقاولة المخالفة، مع اعتماد المبلغ الأعلى بين الرقمين، وذلك مع مراعاة صريحة لمبدأ التناسب فيما يخص المقاولات الصغرى والمتوسطة والمقاولات الناشئة صغيرة الحجم، حرصاً من المشرع على عدم إثقال كاهل الفاعلين الاقتصاديين الأصغر حجماً بعبء زجري يفوق طاقتهم المالية الفعلية [5]. وفي المقابل، ارتأى المشرع تشديد الجزاء إلى أقصى سقف منصوص عليه في القانون بأكمله، أي خمسة وثلاثين مليون يورو أو 7% من رقم المعاملات السنوي العالمي، بالنسبة لمخالفة الممارسات المحظورة إطلاقاً بموجب المادة 5، بما فيها الحظرين الجديدين اللذين أضافتهما لائحة الأومنيبوس الرقمي بشأن المحتوى الجنسي غير الرضائي ومواد الاعتداء الجنسي على الأطفال [10]. ويعكس هذا التفاوت الواضح في سقوف الجزاءات فلسفة تشريعية تُميّز بوضوح بين مخالفة إجرائية-إعلامية من جهة، ومخالفة جوهرية تمس بالكرامة الإنسانية وبالنظام العام من جهة أخرى.
ويبقى أن نُشير، على سبيل الاستدراك النقدي، إلى أن فعالية هذه المنظومة الزجرية بأكملها ستبقى، في السنوات الأولى من التطبيق الفعلي، رهينة بمدى قدرة السلطات الوطنية المختصة على تعبئة الموارد البشرية والتقنية الكافية لأداء مهامها الرقابية، لا سيما في ظل الاتساع الهائل لنطاق الفاعلين المعنيين بواجبات الشفافية كما أوضحنا في المبحث الأول، وهو تحدٍّ عملي لا يقل أهمية عن التحدي التشريعي المحض، وستكشف الأشهر المقبلة مدى قدرة المنظومة الأوروبية على الارتقاء إليه.

خاتمة: نتائج وتوصيات

يخلص هذا البحث، بعد هذه الجولة التحليلية في بنية التزامات الشفافية ومستجدات دخولها حيز التطبيق، إلى مجموعة من الاستنتاجات نوجزها فيما يلي. أولاً، إن دخول قواعد الشفافية المنصوص عليها في المادة 50 من القانون الأوروبي للذكاء الاصطناعي حيز التطبيق الفعلي بتاريخ 2 غشت 2026 يشكل سابقة تشريعية ذات دلالة عالمية، بوصفه أول التزام أفقي وشامل، مستقل عن منطق التصنيف الرباعي للمخاطر، يدخل حيز النفاذ والإنفاذ الكاملين ضمن هذا القانون الرائد. ثانياً، إن المشرع الأوروبي، من خلال لائحة الأومنيبوس الرقمي، اختار بوعي تشريعي لافت أن يُميّز بين مسارين زمنيين متمايزين تمييزاً دقيقاً: مسار تأجيلي يخص الالتزامات التقنية الثقيلة المرتبطة بالأنظمة عالية الخطورة، تبريراً لعدم اكتمال بنيتها التحتية المعيارية، ومسار فوري النفاذ يخص الالتزامات الإعلامية الأساسية الهادفة إلى حماية الشخص الطبيعي من الخداع الرقمي والمحتوى المضلل، بل وشدّد الحماية أكثر عبر إضافة حظرين جديدين في صميم منظومة الممارسات المحظورة. ثالثاً، إن نجاح هذه المنظومة التشريعية المتقدمة رهين، إلى حد بعيد، بمدى قدرة الآليات المؤسسية على مواكبتها تفسيراً وإنفاذاً، وهو ما يجعل التوجيهات التفسيرية والمدونات الطوعية أدوات لا تقل أهمية عن النص الآمر ذاته.
وعلى ضوء ما تقدم، يوصي هذا البحث بجملة من التوصيات،
أولا : ضرورة متابعة الباحثين والممارسين القانونيين المغاربة والعرب لهذه التوجيهات التفسيرية الأوروبية عن كثب، باعتبارها مرجعاً مقارناً غنياً ينبغي استحضاره عند التفكير مستقبلاً في صياغة أطر تشريعية وطنية أو إقليمية عربية للذكاء الاصطناعي، لا سيما وأن التجربة المغربية والعربية لا تزال في طور التأسيس المفاهيمي لمثل هذه المنظومات.
ثانيا : تشجيع الفاعلين الاقتصاديين المحليين، متى كانت أنشطتهم موجهة للسوق الأوروبية أو متفاعلة معها بأي شكل من الأشكال، على الانخراط الاستباقي في مدونات الممارسات الطوعية المماثلة لتلك التي أرساها مكتب الذكاء الاصطناعي، باعتبارها أداة عملية لإثبات الامتثال وتفادي المساءلة.
ثالثا : وهي الأهم من الزاوية الأكاديمية البحتة، تتمثل في الدعوة إلى إجراء دراسات مقارنة معمقة تستقصي مدى التقاطع والتكامل بين التزامات الشفافية هذه ومقتضيات اللائحة العامة لحماية المعطيات الشخصية، ذلك أن كثيراً من فرضيات التطبيق العملي، وبخاصة تلك المرتبطة بالتعرف على المشاعر والتصنيف البيومتري، تستدعي بالضرورة إعمال النصين معاً بصورة متكاملة ومنسجمة، وهو ما يفتح الباب أمام أبحاث لاحقة تتناول هذا التقاطع بمزيد من التفصيل والتعمق.

لائحة المراجع

 

le=”direction: ltr;”>[1] Regulation (EU) 2024/1689 of the European Parliament and of the Council of 13 June 2024 laying down harmonised rules on artificial intelligence (Artificial Intelligence Act).

[2] European Commission, “Commission starts enforcing AI Act rules and new transparency requirements on 2 August”, Shaping Europe’s Digital Future, 2026.

[3] European Commission, “Safer and more transparent AI”, Shaping Europe’s Digital Future, 2 August 2026.

[4] artificialintelligenceact.eu, “The EU AI Act’s Transparency Rules: A Practical Guide to Article 50”, 2026.

[5] Stibbe, “The AI Act’s Transparency Obligations: Rules, Scope and Timeline”, 20 July 2026.

[6] Goodwin, “Not Delayed, Not Deferred: EU AI Act Transpar

ency Obligations Are Now in Force”, August 2026.

[7] Morgan Lewis, “EU Approves Delays and Other Amendments to Certain EU AI Act Obligations: What Businesses Should Know”, June 2026.

[8] White & Case LLP, “EU agrees Digital Omnibus deal to simplify AI rules”, May 2026.

[9] Cloud Security Alliance, “EU AI Act’s High-Risk Deadline: Deferred, Not Cancelled”, CSA Research Note, 2026.

[10] Orrick, “EU AI Act Update: Digital Omnibus Finalizes 8 Compliance Changes”, July 2026.

[11] Gibson Dunn, “EU AI Act Omnibus Agreement — Postponed High-Risk Deadlines and Other Key Changes”, May 2026.

[12] Regulation (EU) 2026/1744 amending Regulation (EU) 2024/1689 (Digital Omnibus on Artificial Intelligence), Official Journal of the European Union, 24 July 2026.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

https://dolanlink.com/

https://dolankumau88.com/

https://opalsaya88.com/

https://gokumania88.com/

https://gokunih.com/

https://opalkhusus01.org/

https://opalsaya89.com/

https://opalutama.com/

https://skwslot.net/

https://cairbos569.com/

https://cairbosjp.com/

https://caiboswild.com/

https://cairbos.net/