بحوث قانونية

السببية الجنائية بين النظرية والتطبيق

إن موضوع السببية من المواضيع التي تبدو بسيطة في ظاهرها ولكنها مركبة في مبناها ومعناها سواء في ميدانها الاصلي وهو الميدان الفلسفي او في الميدان الحقوقي.

واذا كان هذا الموضوع يكتسي في مجال البنية القانونية عموما أهمية كبيرة لكونه يشكل الحلقة الأساسية التي يلتف حولها كل تسلسل منطقي، فانه في الميدان الجنائي يكتسي أهمية خاصة لارتباطه بحقوق الإنسان وبالأخص حقه في الحياة على اعتبار أن هذا الحق هو المعطى الأولي للكينونة البشرية وبالتالي لأي بناء حضاري.

 ومن هنا يطرح موضوع السببية عدة إشكالات في الميدان الجنائي لارتباطه بعدة معطيات قانونية اخرى مثل

: التجريم والاثبات والتحقيق والمسالة الجنائية واخيرا العقاب حيث تكمن خطورة الموضوع بوضوح، نظرا لان الحكم ببراءة او الإدانة يتوقف بالأساس على الفصل في مدى ثبوت الرابطة السببية او انتفائها.

وقبل التطرق الى مختلف هذه الجوانب القانونية نرى من المفيد اعطاء لمحة موجزة حول المفهوم الفلسفي للسببية ومدى أهميتها في هذا المجال.

تأملات فلسفية حول مبدا السببية:

ان السببية في معناها الفلسفي العام هي عبارة عن علاقة المسبب ( بكسر الباء) بالمسبب ( بفتح الباء) في ظرف ” زمكاني”  Sption- Temporel معين او ما يمكن الاصطلاح عليه ” بالشرط الزماني والمكاني للظاهري”.

وان هذه العلاقة اضطرارية مستمدة اصلا من الواقع تدعمها كل من الملاحظة والتجربة.

وهي بمعنى اخر ارتباط الفعل/ النشاط المادي او الفيزيقي بالنتيجة وعليه فان المسبب والمسبب او الفعل والنتيجة يكونان معا عنصرين أساسيين في تكوين معادلة مضادة في مبناها.

ونورد هذه المعادلة في بعض تمظهرها على سبيل المثال لا الحصر فيما يلي فهي :

        ·اما ان تكون علمية فتشكل ظاهرة طبيعية او ان تكون فلسفية فتشكل حدثا ابستمولجيا، او ان تكون تشريعية فتشكل في الميدان الجنائي النموذج القانوني المفترض للجريمة.

ذلك ان المعرفة القانونية تشريعا وفقها في شتى فروعتها تهتم بالأساس بتقييم العمل البشري وتقويمه بهدف تأطيره وتنظيمه وضبط سلوكه وفق معايير بنيوية وقوالب جاهزة رسميا لحماية الهيئة الاجتماعية وتحقيق استقرارها مما يجعل الحدث القانوني، والمعرفة القانونية، عموما يدخلان في مصف العلوم الإنسانية بلا مراء.

ونظرا لحداثة استقلالية هذه العلوم عن المعرفة الام وهي الفلسفة التي تتميز عن العلوم الحقة بخصائصها المتميزة، فلقد كان اهتمامها بالسببية سابقا، بل انها ساهمت كثيرا الى جانب العلوم الحقة في تكوين نظرية خاصة بها.

فإذا كان اساس العلم يتجلى في ان الظاهرة المعنية في ظروف معينة تتبعها نتائج معينة بذاتها وبصفة حتمية مثل ذلك سقوط التفاحة بسبب الجاذبية وتمدد الحديد بفعل الحرارة، او غليان الماء عند بلوغه 1000 درجة حرارية . الخ، فان الفلاسفة كانوا بدورهم سباقين الى الاهتمام بفكرة السببية ان لم نقل بانها شكلت بالنسبة لهم معضلة ساهمت في تباين الاراء حولها وبلورة مفاهيمها في اثارة ثورة انقلابية عبر تاريخ الفلسفة زاد في إغنائها جدال العلماء حولها.

ورغم ذلك فان كلا الفريقين يقبلانها بصفة عامة من حيث المبدأ ولكنهما يختلفان في تحليلها وتحديدها من حيث المذاهب والنزعات.

اكيد انه من الصعب حصر هذه المسالة من الناحية الفلسفية في هذه العجالة لكونها تشكل مبحثا هاما في مضمار نظرية المعرفة باعتبارها نظرية تهدف الى تحديد موضوع المعرفة وأدوات اكتسابها، ولذلك فالفلاسفة   يجدون انفسهم بحكم طبيعتها ملزمون بالخوض فيها والاجابة عن الاسئلة التي تطرحها.

فموضوع المعرفة من هذا المنطلق هو موضوع تقليدي ومعالجة نظرية المعرفة له هي معالجة حديثة وممنهجة تتماشى مع ما آلت اليه المعرفة الإنسانية وما وصلت اليه الاكتشافات العلمية، يبحث في مبادئ العلوم ومناهجها، بعد ان كان موضوعها يقتصر قديما على تناول البحث حول مصادر المعرفة هل هي فطرية ام مكتسبة اهل هي حسية او عقلية؟ وما مدى قدرة الإنسان على معرفة الحقيقة؟ ام معرفتها مجرد وهم ……. الى غير ذلك من الأسئلة التي كانت مطروحة على المستوى الانطولوجي والميتافيزيقي، أي سواء على مستوى الوجود بما هو موجود او على مستوى ما بعد الوجود.

فالبحث عن العلة او السبب كما يقول ” ذ رؤوف عبيد” تمثل الخطوة الاولى للعقل عندما يطرق باب المعرفة، وهو بحث لا يقف عن هذا الحد ( جرائم الاعتداء على الأشخاص والأموال  دار الفكر العربي، 1978، ص.24).

ومهما يكن من امر فانه يمكن اختصار مختلف هذه المدارس والاتجاهات على تنوعها في اتجاهين رئيسيين :

الاتجاه الاول :

        ·اتجاه مثالي يرى ان السببية مقولة أساسية في العقل لا يتم الفهم بغيرها باعتبارها عملية ذهنية لا تنجد في صميم الواقع الا ان العقل يحتاج اليها في فهم هذا الواقع كما يذهب الى ذلك ” ايمانويل كانط” في فلسفة ” التعالي”.

        ·

انه باختصار يحاول استنطاق الواقع من خلال المقولات بحكم نزعته القبلية  a priori ( كأن عقل الانسان زجاجة لها لون وشكل وحجم وكانما الكون القابل للمعرفة سائل ينصب في هذه الزجاجة فيتشكل بشكلها ويتكون بكونها) على حد تعبيره –  transendantal..

ذلك انه من سمات الاتجاه المثالي الواضحة إقرارها للعقل بطبيعته الثالثة الخاصة والمستقلة عن الواقع والتجربة ناهيك عن ميلها الشديد نحو النزعة الاطلاقية  absolutisme فالعقل الكلي بحسب هذا المفهوم هو المنبع الاول والمصب النهائي للحقيقة اما ما هو مستمد من الواقع فليس سوى صورة حسية ساذجة ان لم تكن وهمية للحقيقة، ويذهب هذا الاتجاه في أقصى تطرفه الى ان التجربة في غياب المبادئ العقلية المجردة الثابتة والمسبقة تبقى بدون جدوى، ومن اكتسب الفكر المجرد ( المنطق والرياضيات) لدى العقل تبين درجة كبيرة من الاهمية.

حقا ان المبادئ العقلية المتسقة التي تواترت عبر الأجيال والحقب المعرفية فأصبحت بمثابة الادراج الموصلة للبرج العاجي التي يمتطيها رجل العلم والمعرفة حيث يطل من اعالي البرج على الحقيقة امر لا يختلف فيه اثنان، ان هذا لا يغني بحال من الأحوال في سبيل بناء نماذج علمية عن الملاحظة والتجربة الى جانب فرضيات عقلية منطقية وصياغات ذهنية رياضية مؤكدة.

حيث ان ثنائية الذات والموضوع هو شيء لازم في كل رؤيا موضوعية وكل تطور إيجابي مرموق.

الاتجاه الثاني:

وخلافا لهذا الاتجاه الاول يذهب الاتجاه المادي الى ان السببية بمفهومها الميكانيكي تنزع نحو المثالية حيث انها تغفل عنصرا ثالثا لا مناص منه لتحريك السببية، الشيء الذي يفتح الباب على مصراعيه لتأويلات غيبية، والحال ان المنهاج العلمي يسعى الى التعامل مع الظواهر المادية لانها وحدها الكفيلة بالإجابة على الأسئلة المطروحة سواء في نطاق العلوم الحقة او العلوم الإنسانية.

ومن ثم كانت النزعة نحو اكتشاف ناموس موحد للمناهج ومقولات محققة مستقلة عن الذات العارفة ومنبعثة من ذات الموضوع، أي من العالم الموضوعي ذاته فعليا وليس افتراضا.

وعليه يمكن تلخيص بمفهوم السببية عند هذا الفريق في ان السببية ليست مقولة يحتاج اليها الإنسان لتفسير الطبيعة او استغلالها فحسب، بل هي عنصر فعال كامن فيها تتحرك بفعله مختلف العوالم انطلاقا من صراع الأضداد ونفي بعضها البعض الاخر وفق منهاج تركيبي ينزع نحو الارتقاء والشمول، ولقد سبق للفيلسوف اليوناني ” هيراكليت” ان عبر عن هذه الحقيقة باعتبارها كنه وجوهر التطور بقوله ” الحياة موت تتلاشى    والموت حياة تتلاشى” او كما قال في مأثورة اخرى ” ان النهر الذي تنزل في للمرة الاولى ليس هو نفسي النهر الذي تنزل فيه للمرة الثانية”

ومحصل هذه النزعة ان المسبب والمسبب جزءان من مجال فيزيائي واحد والعلاقة بينهما ديناميكية وتكتسي صبغة جدلية ( الموسوعة العربية الميسرة، دار الشعب ، مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر  طبعة 1965 الصفحة 958).

غير ان هذه النظرية وان كانت لا تلقى صعوبة عملية في المعالجة الفلسفية للواقع الموضوعي الا انها تصطدم بالصدفة باعتبارها سببا خارج القانون تتجلى بحسب القول بهذا الرأي في التقاء سلسلتين من المسببات والعلل الشيء الذي يجعل من الصدفة عبارة عن كوانتوم نووي يظل في منأى عن القياس او التحديد مما ادى في مجال الميكروفيزياء الى بروز نظرية” اللا تحدد علاقة الارتياب” للعلامة ” هايزنبرغ”  Relation d’incertitude .

وهي نظرية مستمدة من التجربة حيث ان تحديد موقع الكوانتوم وهو اصغر جزء في الذرة، امر مستعصي نظرا للسرعة المفرطة التي يتحرك بها هذا العنصر.

ولذا فرغم دراسة وتحليل الشروط الزمكانية التي يتحرك فيها، فان موضعته في نقطة معينة بالذات ليس أمرا حتميا وغني عن القول بطبيعة الحال ان نظرية التحتمية تقوم اساس على مبدا العلية او السببية، وهكذا فان توقع وجود الكوانتوم في نقطة معينة هو عبارة عن احتمال يقدر وقوعه نسبيا، أي بالنسبة لمجموع الحالات الممكنة.

وان ما يجب التأكيد عليه، هنا في الاخير هو انه اذا كانت السببية في حد ذاتها كيانا بنيويا في الزمان والمكان ضمانا للحركة والنشوء في المجال العلمي، عموما فان فعاليتها ناتجة عن سمة التضاد والصراع المكون لبنيتها الجدلية وهذا هو الضامن الوحيد للتطور والارتقاء.

خلاصة القول اذن اذا كانت الصعوبة في تحديد السببية بمفهومها الفلسفي تتأرجح بين اليقين والاحتمال، فان تلك الصعوبة تتجلى في الميدان الجنائي وفقهه في رجحان درجة الاحتمال على اليقين الشيء الذي يترتب عنه عدة اثار سواء من حيث الفقه او القانون على نحو ما سيتبين فيما بعد، ومن هنا فان هدف هذا البحث هو تحديد العناصر التي من شانها ترجيح كفة اليقين على الاحتمال سعيا وراء تحقيق العدالة.

السببية الجنائية بين الفقه والقانون :

يقصد بالعلاقة السببية فقها ارتباط النتيجة الإجرامية ( موت الضحية او إصابته بحرج او عاهة .. الخ)   بنشاط الجاني ( قتل او ضرب وجرح ) ارتباط المعلول بعلته.

وقد تكون هذه العلاقة واضحة لا لبس فيها وليست مثار جدال كالموت الناتج مباشرة عن استعمال الة حادة او الخنق او الإغراق .. الخ).

وهذه الاسباب على نحو ما يوردها الفقهاء إما ان تكون :

        ·سابقة كمرض المجني عليه بارتفاع الضغط الدموي مثلا.

        ·او معاصرة كتسمم آلة او أداة   ارتكاب الجريمة.

        ·او لاحقة كإهمال التداوي او التمريض او الخطا فيه.

ولعل هذا التعقيد والتداخل في حصر رابطة السببية في اللحظة الجنائية الفعالة، مع تعدد صعوبة حصر الاسباب الأجنبية عنها هو الذي ادى الى ظهور مذاهب شتى في تحديد السببية الذي يجب ان يقع تحت طائلة التجريم وبالتالي تحت طائلة العقاب.

غير انه يمكن حصر هذه المذاهب في ثلاث اتجاهات رئيسية كبرى.

1)   اتجاه او نظرية السبب المباشرة: . cause directe

2)   اتجاه تعادل الاسباب : . Equivalence des causes

3)   اتجاه السبب الملائم . cause adéquate

1)   فحسب الاتجاه الاول، فان الجاني لا يسال في نطاق القانون الجنائي الخاص الا عن العناصر المادية لسلوكه التي تسببت مباشرة في النتيجة الجرمية، وان تدخل أي عنصر أجنبي عن سلوكه من شانه ان يقطع رابطة السببية كلما كان كافيا وحده لتحقيق النتيجة.

ويعتبر هذا الاتجاه هو الاتجاه الأصلح بالنسبة للمتهم خصوصا وان الجرائم التي يهمها هذا العنصر تتسم بالشدة في العقاب وان كان يؤخذ عليه انه يضيق من نطاق التجريم ويسمح بإفلات بعض الجناة الا انه في الحقيقة لا يتنافى مع أصول الفقه والقانون ومذهب الاجتهاد في الميدان الجنائي، حيث ان الأحكام لا تبنى على الشك والتخمين بل على الحجة واليقين.

وحيث انه، لا حجة مع الاحتمال الناشئ عن دليل، كما ان الاصل في المتهم البراءة، والشك يفسر لصالح المتهم، ولان يخطئ الامام بالعفو هو خير من ان يخطئ بالعقاب، الى غير ذلك من المبادئ التي ينبغي ان تراعى في هذا الباب نظرا لان الجرائم التي يكتسي فيها هذا الدفع أهمية قصوى تتسم بالشدة في العقاب كما ان طول الإجراءات القانونية التي تعرفها كافية لابراز الحقيقة إضافة الى ان نسبة الأخطاء القضائية فيه جد ضئيلة تكاد لا تذكر.

2)   اما بالنسبة للاتجاه الثاني القائل بتعادل الاسباب، فانه الاتجاه الأكثر تطرفا في نطاق السياسة الجنائية وهو اتجاه يتناقض على الإطلاق مع الاتجاه السابق لانه يوسع من نطاق التجريم سواء من الناحية القانونية او القضائية.

حيث ان هذا الاتجاه يعتبر بجميع العوامل التي تساهم بشكل مباشر او غير مباشر في تحقيق النتيجة.

وهكذا، مثلا، فان مشادة كلامية او رد اعتداء بالشنق بواسطة مسك الأيدي ترتب عنه وفاة المعتدي يعتبر وفق هذه النظرية ” عنف مؤدي الى الموت بدون نية إحداثه ” بناء على تقرير طبي يؤكد ان الوفاة طبيعية لدى شخص مسن مصاب بمرض الارتفاع في الضبط الدموي ذلك ان المشادة أدت الى انفعال الهالك الشيء الذي تسبب في ارتفاع الضغط الدموي لديه وبالتالي في موته.

هذا في حين ان الانفعال، ومرض ارتفاع الضغط الدموي، أديا لا محالة الى توسيع نطاق التجريم بحيث يشمل فئات واسعة ووقائع لا حصر لها مما يؤدي الى اضطراب في السلوك الاجتماعي لدى الافراد نظرا لان هذا الاتجاه يهز أركان اهم قاعدة من القواعد التي يقوم عليها القانون الجنائي الا وهي : ان الجاني لا يسال الا عن فعله وعما يترتب عنه من نتائج بل ان العقوبة لا تكون الا بحسب خطورة ذلك الفعل.

3)   اما فيما يخص الاتجاه الثالث وهو اتجاه السبب الملائم فيمكن اعتباره اتجاها توفيقيا بين عناصر النظريتين السالفتي الذكر حيث انه ينتفي العنصر الأكثر فاعلية في تكوين النتيجة سواء كان مباشرا او غير مباشر، الا انه كاتجاه تعادل الاسباب يؤدي الى تضارب الأحكام لخضوعه بشكل واسع للسلطة التقديرية لقضاء الموضوع، اذ لا تماثل الاسباب في تكوين الجريمة، ولا ماهية السبب الملائم في تحقيقها كلها مسائل نسبية يختلف تقديرها من هيئة لأخرى بحسب كل قضية على حدة.

ولعل هذا هو السبب الذي حدا بالفقه الى تحديد معايير تتأرجح بين الذاتية والموضوعية من اجل الوقوف على السبب الملائم.

وتعد هذه النظرية هي احدث النظريات في ألمانيا، تقوم على نفس الأسس التي تقوم عليها نظرية تعادل الاسباب، الا أنها تختلف عنها في انها تأخذ بالسبب الأكثر ملاءمة في تحقيق النتيجة، وهكذا فالجاني لا يسال الا إذا كان الفعل الذي قام به يشكل وحده سببا فعالا كافيا لإحداث النتيجة وفق المتعارف عليه بحسب السير العادي للأمور.

الا انه ايا كان مفهوم السببية في أي من هذه الاتجاهات المذكورة فانه لا مناص لقيام السببية الجنائية من الناحية العملية من شروط موضوعية تركن اليها والتي من شانها ان تساعد القضاء على الحكم بما يتماشى وروح الإنصاف والعدالة.

فما هي إذن العناصر المادية والشروط الموضوعية لقيام السببية؟

يجب الإشارة بادئ ذي بدء قبل الإجابة على هذا السؤال الى ان الرابطة السببية هي العامل الأساسي في تكوين العنصر المادي للجريمة بحيث لا يكفي قيام هذا العنصر الأخير ( العنصر المادي للجريمة) لإدانة متهم،   فلا بد من البحث والتمحيص في مدى إسناد الفعل المجرم بمقتضى الركن القانوني للجريمة للفاعل.

ومن هنا بالذات تأتى اهمية الدفع بانعدام الرابطة السببية باعتباره من الدفوع الجوهرية التي ترمي الى البحث والتحقيق في مدى إثبات او نفي هذه العلاقة بحسب الشروط الموضوعية لقيامها.

الا انه رغم أهمية مدى الرابطة وما يترتب عنها من آثار فمن الملاحظ ان جل التشريعات باستثناء بعض التشريعات مثل التشريع الإيطالي والسوري والليبي لا يتطرق لهذا الموضوع قصد تعريفه والتنصيص عليه كما هو الشان بالنسبة للتشريع المغربي ولعل ذلك راجع الى كثرة النزعات المذهبية التي تتجاذبه.

وتطبيقا لهذا يقتصر التشريع الجنائي المغربي في نطاق المبادئ العامة على تحديد الأفعال التي يعدها جرائم معتمدا في ذلك على ما تحدثه من اضطراب اجتماعي موجبا زجر مرتكبيها بعقوبات او بتدابير وقائية طبقا للأحوال والشروط المقررة قانونا ( الفصل 1 و8 من ق ج) ليحدد بعد ذلك نوعية وطبيعية هذه الأفعال المعتبرة بمثابة جرائم، مبينا أنها قد تكون حسب منطوق الفصل 110 من القانون الجنائي عملا إيجابيا او سلبيا مخالفا للقانون ومعاقبا عليه بمقتضاه.

وبالنظر الى هذه المبادئ العامة المنصوص عليها في المجموعة الجنائية يتضح على انها لا تتعدى التعريف الكلاسيكي للعناصر الثلاثة التقليدية المكونة للجريمة وهي العنصر المادي والشرعي والجزائي علما بانها تترك التنصيص على العنصر المعنوي لاكتمال النموذج القانوني للجريمة الى حين الحديث عن المسؤولية الجنائية في الفصل 133 منها.

أكيد ان المجموعة الجنائية تشير من حيث لاخر الى لفظ ” التسبب” دلالة على السببية في جريمة القتل العمد وإشكالها وبعض الجرائم الاخرى المحدودة ولكن دون ان يضيف هذا الشيء جديدا بالنسبة لموضوعنا لانها شارة تفترضها صياغة النص بطريقة تتماشى مع الروح العام لطبيعة ونوع الافعال المادية المجرمة هذه.

هذا بخلاف موقف المشرع في قانون العقود والالتزامات بالنسبة للالتزامات الناشئة عن الجرائم وأشباه الجرائم.

حيث يؤكد المشرع في الفصلين 77 و88 على اتجاه السبب المباشر بين الفعل والخطا والضرر، كما انه بعد تأكيده في الفصل 88 على هذا الاتجاه ينص صراحة على العوامل الخارجية التي من شانها التاثير في مدى مسؤولية الفاعل وهي ترجع الى الحالات التي يعود فيها الضرر اما لحدث فجائي او لقوة قاهرة او لخطا المتضرر.

ولقد كان حري به ان ينحو نفس المنحى في المجموعة الجنائية قصد اعطاء بعض التوجيهات والإرشادات في هذا الموضوع رفعا لكل التباس على نحو مذهب بعض التشريعات.

ومهما كان من امر فانه لا مناص من العودة الى الفقه والاجتهاد قصد البحث في مفهوم رابطة السببية الجنائية وما يتفرع عنها من اشكالات قانونية.

لقد سبق القول الى ان السببية الجنائية تتأرجح فقهيا بين الاحتمال واليقين وان درجة الاحتمال تغلب فيها على اليقين.

ولعل هذه هي الحكمة التي توخاها المشرع من سكوته عن تعريف السببية وتحديد شروطها تاركا مهمة القيام بذلك للفقه والاجتهاد.

 وفي هذا الصدد، وبدون الدخول في متاهات التعريفات الفقهية، فإننا نفضل الرجوع الى التحليل الذي وقف عنده الدكتور عبيد بحكم دراسته لجوهر المسالة عن كثب في مؤلفة القيم ” السببية الجنائية” باعتباره مرجع اساسي في هذا الباب.

” السببية هي إسناد امر من أمور الحياة الى مصدره، والاسناد في النطاق الجنائي على نوعين: مادي ومعنوي:

فالإسناد المادي يقتضي نسبة الجريمة الى فاعل معين، وهذا هو الإسناد المفرط في ابسط صوره، كما يقتضي نسبة نتيجة ما الى فعل ما بالاضافة الى نسبة هذا الفعل الى فاعل معين، وهذا هو الإسناد المزدوج وهو يخرج في الحالتين عن دائرة الإسناد المادي، لانه يتطلب في الحالتين معا توافر رابطة السببية، او العلة بالمعلول بين نشاط إجرامي معين وما أسفر عنه من نتائج يراد العقاب عليها.

اما الاسناد المعنوي فهو نسبة الجريمة الى شخص متمتع بالأهلية المطلوبة لتحمل المسؤولية الجنائية، أي متمتع بتوافر الإدراك لديه وحرية الاختيار فإذا انتفى أيهما انتفى امكان المساءلة.

اضافة الى هذا التعرف يشترط الفقه والاجتهاد الفرنسيين في قيام السببية ثلاثة شروط جد مهمة:

حيث ان اعتمادها في ميدان القضاء الجنائي يجعل رجحان كفة اليقين على الاحتمال أقوى درجة لا محالة خصوصا وان أي خطا في تقديرها قد يؤدي الى إدانة بريء او تبرئة مذنب.

وان هذه الشروط هي كالتالي :

        ·الشرط الاول: ان يكون السبب مباشرا :  Une cause directe

        ·الشرط الثاني: ان يكون السبب اكيدا : Une cause certaine

        ·الشرط الثالث : ان يكون السبب فعالا: Une cause efficiente

ويترتب على هذه الشروط القواعد التالية :

اولا: يقول الأستاذ ” جوسران” كلما تباعدت النتائج عن الاسباب الاولى اصبح من العسير او المستحيل الربط فيما بينها، مما يترتب عنه ان الاسباب المتلاحقة تقطع السببية ( قرار محكمة جنايات دمشق سنة 1960 برئاسة جروح حلبي –   مطابع ألف باء الأديب دمشق)

ومن هنا بالذات، تاتي أهمية نظرية المحاور والتقاطع التي سيأتي الحديث عنها استنتاجا بعد قليل.

ثانيا : ضرورة اللجوء الى إجراءات التحقيق الفنية المناسبة بدون ادنى تردد كلما كانت طبيعة الفعل الجرمي او موضوع الجريمة او نتائجه او شخص الجاني ذاته تدعو الى الريب وتستلزم فحصا دقيقا وتحقيقا او خبرة فنية.

حيث ان القاضي مهما بلغت خبرته واتسعت تجربته باعتباره خبير الخبراء كما يقال، فانه لا ينبغي بحال من الأحوال في عصر يوصف بـ : ” عصر التخصص” ان يقتصر على معلومات عامة ومتفرقة لينفرد بالفصل في قضية قد تحتاج لأكثر من خبير مختص ليقدم رأيه فيها.

وفي هذا الباب، فان النصوص الإجرائية تؤكد على منح الهيئة القضائية سلطة واسعة لاتخاذ أي إجراء تراه مناسبا لحسن سير العدالة وذلك قصد التحقق من عناصر الإجرام المعروض عليها بما في ذلك التحقق من جسم الجريمة او هوية المجرم وشخصه او طبيعة الفعل الجرمي وكذا علاقة السببية بعناصرها الثلاث ( الجاني والجريمة والمجني عليه ووضعية هذا الأخير في الجريمة).

و لا ضير في ذلك، فالقاضي يبقى حرا في الأخذ برأي هذا الخبير او ذاك بنص القانون وعلى مذهب الاجتهاد، اذ ان الخبرة ما هي الا إجراء تقني يساعد القضاء في تحقيق العدالة علما بانه يحكم وفق اقتناعه الصميم، على ان رأي الخبير المختص لا يمكن ان يرد بداهة الا بناءا على رأي خبير ثان مختص كذلك.

وانطلاقا من هذه المعطيات الفقهية والقانونية يمكن استخلاص النتائج التالية:

أ‌-    ان التجريم القضائي تمييزا له عن التجريم القانوني هو حاصل الإسناد بنوعيه المفرد والمزدوج مع التنبيه هنا الى ان جل التشريعات تستثني من هذه القاعدة بعض الجرائم التي يفترض فهيا الإسناد المزدوج بمجرد وقوعها وبمجرد توفر الأدلة الكافية على ذلك كالجرائم الشكلية.

حيث ان النتيجة التي يحظرها القانون وثيقة الصلة بالفعل الإجرامي مثل التزوير والبلاغ الكاذب وخيانة الامانة الخ ..

ب‌- ان السببية الجنائية لا تتحقق انطلاقا من نظرية المحاور والتقاطع إلا عندما يقع الحدث الجرمي في محور أفقي واحد ومتصل ابتداء من الفعل الى النتيجة مع عدم وجود اي محور للتقاطع لان من شان ذلك ان يؤدي الى مضاعفة الاحتمال وضآلة اليقين في تحقيق الاسناد.

ت‌- اذا كان هم الضابطة القضائية اثناء البحث التمهيدي هو إثبات الجريمة، فان التحقيق القضائي يجب ان يهتم علاوة على ذلك بمدى اذناب الجاني، وهذا يقضي اجتماع ثلاثة عناصر تكتسي أهمية قصوى سواء عند تقرير العقاب او تفريده، هي : معرفة القانون – الارادة  والحرية او ما يصطلح عليه بـ ” الإسناد المعنوي” اذ انه لا يمكن مساءلة أحد جنائيا الا في حدود ما ينسب له بمقتضى سلوكه الإجرامي بمعرفة كاملة وتامة لنتائج سلوكه ومدى خطورتها على ان يصدر عنه ذلك السلوك بإرادة حرة.

وفي هذا الصدد يقول الأستاذ ” كارو” :

” يؤكد قانون العقوبات ان نتائج الفعل الإرادي لا يمكن إسنادها الى الفاعل الا بشرط إمكان إسنادها الى إنسان سوي يتصرف في ظروف عادية وقادر على ان يتصرف تصرفا سويا او التأثر ببواعث عادية” ( كتاب الجريمة للمؤلف ” جان ماركيزيه” سلسلة زدني علما  رمق 206 ص 46).

وهذا ما تقرره المادة 133 من القانون الجنائي ما يدل دلالة لا لبس فيها على الارتباط الوضعي بين السببية الجنائية والمسؤولية الجنائية سواء من حيث الفقه او من حيث القانون.

وبالفعل : انه باستقراء النصوص القانونية التي أوردها المشرع المغربي في باب المسؤولية القانونية يتبين على أنها تتخلص فيما يلي وفقا لمقتضيات الفصل 132 من المجموعة وما يليه بحيث يمكن التمييز في هذا الصدد بين حالات ثلاث:

الحالة الاولى :

تكون المسؤولية الجنائية كاملة وتامة ببلوغ سن 16 سنة شريطة ان يكون الشخص سليم العقل قادرا على التمييز.

الحالة الثانية :

حالة انعدام المسؤولية بسبب الخلل العقلي وقت ارتكاب الجريمة او بالنسبة لصغير السن غير المميز دون الثانية عشر سنة.

الحالة الثالثة :

وهي حالة ارتكاب الفعل الجرمي مع توافر عنصر صغر السن بعد سن التمييز، أي فوق12 سنة حيث تكون المسؤولية في هذه الحالة ناقصة.

وبناءا على هذا فان الجاني ينبغي ان يكون من الناحية النفسية قادرا على ارتكاب الجريمة ومن ثم فان اشتراط عنصري العقل والإرادة لقيام المسؤولية الجنائية يصبح أمرا موضوعيا، ومؤثرا بديهيا سواء فيما يخص التجريم او العقاب.

غير انه يجب التأكيد هنا على ان العلاقة المقصودة بين الجاني والفعل المرتكب هي تلك العلاقة السيكولوجية التي تربطه بالجريمة بشكل خاص أي مقدار إرادة الجاني والحاحه وكذا درجة توجه نيته نحو الفعل الجرمي المرتكب ومدى سوء تلك النية او سذاجتها في ارتكاب ذلك الفعل.

وتبرز أهمية هذا التحليل على ثلاث مستويات:

فهو من ناحية يؤكد على أهمية العنصر المعنوي في قيام الجريمة بحيث ان القانون المغربي افرد له فقرة خاصة في الفصل 133 من القانون الجنائي لاستكمال النموذج القانوني للجريمة في اطار القانون الجنائي مع التأكد على العمد الخاص كلما تعلق الأمر بجرائم العمد.

ومن ناحية ثانية تأتى أهميته في اقرار مسؤولية الجاني او نفيها، وفي تقدير مداها في حالة إقرارها مما يؤثر لا محالة في تقرير العقاب او تفريده.

        ·ومن ناحية ثالثة في أهمية التمييز بين ما يسمى بالخطا الجنائي او الجرائم غير العمدية والخطا العمد او جرائم النية كما يعبر عنها أحيانا.

وان دل هذا الارتباط الشديد بين السببية الجنائية والمسؤولية الجنائية على شيء، فإنما يدل على انهما معا وجهان لعملة واحدة بمعنى انهما عبارة عن عنصرين متكاملين، بل ان الفقيه، ” كارو” ذهب الى ابعد من ذلك عندما اعتبر ان الإسناد هو الشرط الاول للمسؤولية وجوهرها.

وفي هذا الاتجاه جاء في قرار صادر عن محكمة النقض المصرية ما يلي : ( انظر مجلة القضاء والقانون عدد ؟؟ ص 325).

( في جريمة القتل الخطا يجب مع بيان نوع الخطا الذي وقع من المتهم أي يعني الحكم بيان هذا الخطا هو الذي سبب موت المجني عليه حتى يكون هناك محل للمسؤولية الجنائية، فاذا استعمل شخص سيارة نقل لركوب اشخاص من بينهم المجني عليه وجاء حكم الإدانة مقتصرا على مجرد بيان هذا الخطا كان حكمها معيبا واجبا نقضه اذ لا يكفي ان يكون مالك السيارة قد ارتكب خطا بصورة ما حتى يكون مسؤولا جنائيا عن كل حادث يقع لاحد ركاب السيارة فيقضي على حياته، بل لابد ان يكون بين ذلك والوفاة رابطة السببية المباشرة).

فإذا كانت السببية الجنائية تحدد علاقة المسبب بالمسبب فان المسؤولية الجنائية تتحدد بمدى علاقة المسبب بذاته بالأساس، وهكذا نتساءل قبل كل شيء، هل هذا الشخص او ذاك قادر على ارتكاب الجريمة ام هل يتوفر بتعبير آخر، على الاهمية في ارتكاب هذه الجريمة ام لا ؟.

وكما ان الفقه والاجتهاد في موضوع السببية كلمة الفصل، فعليهما كذلك في موضوع المسؤولية الجنائية يقع عبء الكلمة وان بدرجة اقل، نظرا لان القانون تدخل لحسم فرضيات لا باس بها في مجال المسؤولية الجنائية كما سبق الذكر، وكما هو الشان لحالة الخلل العقلي وصغر السن والسكر بفعل التخدير قصد العلاج .. الخ.

الا انه تبقى مع ذلك الادارة والحرية وبعض الجوانب السيكولوجية لدى الجاني موضوعات شائكة في الفقه الجنائي ومجالا واسعا في باب الاجتهاد.

الرابطة السببية وموقف القضاء:

يذهب جمهور الفقهاء الى عدم تقييد القاضي بأي معيار من المعايير المجردة، مع ترك أمر استخلاص العلاقة السببية لقاضي الموضوع باعتبارها مسالة موضوعية تخضع لتقديره يبحث عنها في كل قضية حسب وقائعها وملابساتها الخاصة.

ولكن مع ضرورة تبيان الوقائع التي استنبط منها وجود او انتفاء تلك العلاقة، وله ان يستعين، من اجل ذلك، بجميع الوسائل القانونية قصد نفيها او إثباتها.

غير ان هذه السلطة التقديرية المخولة لقاضي الموضوع لا تحول دون بسط رقابة المجلس الاعلى عليه وذلك من خلال عناصر واسباب النقض المنصوص عليها قانونا بصفة عامة، وبالأخص من خلال ضرورة إبراز العناصر المادية في تكوين العلاقة السببية مع إبراز ثبوتها او نفيها على ضوء ظروف النازلة وملابساتها.

وهذا ما اقره الاجتهاد القضائي الصادر بتاريخ 4/5/1977 تحت عدد 1167 ملف جنائي عدد 61376 ( مجلة القضاء والقانون 128- سنة17، يوليوز1978، صفحة 154).

” اذا اقتصر القرار في حيثياته المتعلقة بالدعوى العمومية على تعليل وجه اقتناع المحكمة بحضور المحكوم عليه واقعة المضاربة والمشاركة فيها دون ان يبرز ثبوت العلاقة السببية التي هي عنصر من عناصر جنائية الضرب والجرح العمديين المؤديين الى الموت دون نية إحداثه، وان الضرب الواقع على المجني عليه هو السبب المباشر في موته يكون قررا ناقص التعليل ومنعدم الأساس القانوني ويتعين نقضه”.

وانه لحري بنا ان نقف لحظة عند مضمون هذا القرار وابعاده.

اولا : فهو من جهة أولى يؤكد الحقائق التالية :

        ·ان السببية عنصر لازم في كل سلوك إجرامي.

        ·ان السببية مسالة موضوعية.

        ·ان المجلس الاعلى حريص كلما أتيحت له الفرصة على ممارسة رقابته القانونية حول مدى تعليل القرارات في هذا الشان.

ثانيا : وهو من جهة ثانية يحدد مسار اتجاه القضاء المغربي وموقفه من الاتجاهات الرئيسية السالفة الذكر حول السببية، اذ يؤكد على مذهب السببية المباشرة هو نفس المذهب الذي يأخذ به القضاء الفرنسي.

وهذا موقف يعتبر صائبا وموضوعيا لسلامته من عيوب مذهب تعادل الاسباب ولعدم تضاربه مع نظرية السبب الملائم اذ ان السبب المباشر هو في غالب الأحيان ملائم ومولد في حين ليس كل سبب ملائم يمكن اعتباره سببا مباشرا.

ومن ثم فجرائم القتل والعمد او القتل الخطا والجرح الخطا او الضرب والجرح او العنف المفضي للموت او لعاهة دون نية وهي الجرائم الأبرز التي يدور في شانها النقاش جديا حول رابطة السببية لا تقوم كلها الا إذا اتصل النشاط المادي المكون لهذه الجرائم بالنتيجة أي بالموت او الجرح .. الخ، اتصالا مباشرا عبر محور أفقي غير منقطع بفعل خارجي تتم موضعته عبر محور التقاطع، على ان تكون النتيجة بسبب خطا الجاني ذاته وليس بفعل غيره.

ولهذا فالقانون يوجب في جريمة القتل الخطا ( مثلا) ان يكون خطا المتهم هو السبب في وفاة المجني عليه ( نقض مصري 11 يناير1943 محاماة، السنة24، العددان 9 و10، ص450).

وينبني على هذا انه اذا انعدمت رابطة السببية وأمكن تصور حدوث القتل ولو لم يقع الخطا انعدمت الجريمة معها لعدم توافر أحد العناصر القانونية المكونة لها ( نقص مصري 30 مايو1938 محاماة، السنة19، العدد2، ص212).

 ثالثا: يؤكد القرار المذكور من جهة ثالثة، على ضرورة بيان عناصر الرابطة السببية، وعلى أهمية الدفع بانعدامها.

ولا غرو في ذلك فاذا كان القانون ينص على ضرورة تسبيب الأحكام وتعليلها فهذا لا يتم وفق ما اقره الاجتهاد القضائي الا إذا تضمنت وقائع الدعوة وتكييفها القانوني وبالأخص تبيان الرابطة السببية الجنائية، فانه يصحب من قبيل اللغو التاكيد على بيان مدى اهمية الدفع بانعدام الرابطة السببية.

وفي هذا الاتجاه، جاء في احد قرارات المجلس الاعلى ما يلي :

كما ان قضاة الاستئناف اقتصروا فيما يخص إدانة الظنين بالجرح غير العمدية على القول بان الإفراط في السرعة له علاقة سببية مباشرة مع الجروح اللاحقة بالمجني عليه من غير إعطاء أي بيان كان لا عن وقائع الحادثة ولا عن ظروفها فانهم لم يمكنوا المجلس الاعلى من ممارسة حقه في الرقابة. فيما يخص حقيقة العلاقة السببية ولم يجعلوا لحكمهم اساسا لها”. ( دليل القاضي في العمل القضائي  ص 180 قرار رقم 76، سنة12، الغرفة الجنائية، بتاريخ 7 نوفمبر1968).

ومرد ذلك راجع لا محالة الى ان هذا الدفع يعد من اوجه الدفاع الموضوعية الهامة التي تعتبر من الحقوق التي تهم بالدرجة الاولى ويرتبط بها باعتبارها خيط الأمل الرفيع الذي يتطلع إليه في اخر مرحلة بعد تحقيق جميع إجراءات الدعوى الجنائية.

وغني عن البيان كذلك ان المحكمة اذا كانت ملزمة بالتنصيص على البيانات التي تبرر بها اقتناعها بثبوت الرابطة السببية او بانتفائها، فإنها تكون ملزمة بالرد على الدفع بانتفائها او التحقيق في شانها، ولكن شريطة ان يقدم هذا الدفع على الوجه القانوني الأمثل وتماشيا مع ما استقر عليه الاجتهاد القضائي اما على شكل مستنتجات كتابية مدلى بها في الوقت الملائم او على شكل ملتمس شفوي مع طلب الإشهاد بذلك صراحة.

خاتمة

يستخلص من هذا البحث ان موضوع السببية موضوع فلسفي هام يشكل ركيزة أساسية في كل تفكير منطقي سليم، كما يعتبر في مضمار السببية الجنائية نسقا يحدد مسار السياسة الجنائية التي يتوخاها المشرع في ضبط وتنظيم العلائق بين الأفراد.

ومن ثم، الموضوع يهم فئات واسعة من المتهمين بميدان القانون والمشتغلين به او الحريصين على تطبيقه ولكنه يبقى دفعا مهما وأساسيا بالنسبة لكل متهم ساقته الأقدار الى قفص الاتهام.

ولهذا فانه لحري بالتشريع المغربي على غرار بعض التشريعات الدولية الاخرى التي تتخذ موقفا قانونيا صريحا في هذا الصدد ان ينحو نهجها في هذا الموضوع مع الإحاطة بعناصره المادية وشروطه الموضوعية قصد رفع أي التباس وكذا حصر حدود العوامل الأجنبية الملائمة التي من شانها قطع السببية.

فالمشرع الإيطالي مثلا اذ يؤكد في المادة41 عقوبات على ان الاسباب السابقة او المعاصرة لا تقطع السببية، فانه يستثني في نفس الفصل الاسباب اللاحقة بصريح النص فيما اذا كانت كافية بذاتها لاحداث النتيجة.

وهذا المذهب يتماشى مع قاعدة ” لا عقوبة بلا سلوك إجرامي ” وهي القاعدة التي يؤكد عليها المشرع السويسري في نص المادة124 من قانون العقوبات : ” عندما يحدث الفاعل نتيجة خطيرة لم يكن يقصدها لا يعاقب الا عن الإيذاء الذي توخاه عن فعلته”.

واذا كانت جل الاجتهادات القضائية السالفة تؤكد صراحة في مضمونها على مذهب السببية المباشرة في الإسناد المادي والمعنوي للجريمة حسما لأي احتمال فا ما ينبغي الالتفات اليه في هذا الصدد هو ان هذا المذهب رغم بساطته ووضوح الرؤيا فيه لا يخلو من الالتباس خصوصا عندما تتدخل عوامل شاذة على الحدث الجرمي الشيء الذي يصعب معه مساءلة الجاني بحكم صعوبة تحقيق الرابطة السببية.

ومن هنا بالذات تأتى أهمية فترة المحاور والتقاطع التي سبق التلميح إليها باعتبارها رسم بياني للجريمة ابتداء من الفعل الجرمي الى غاية تحقيق النتيجة الخطورة قانونا.

هكذا فان الجريمة لا تعتبر منجزة، كما ان الرابطة السببية لا تعد قائمة الا اذا تمت عبر محور متصل ومباشر بينا الفعل والجريمة.

حيث ان ظهور أي عامل شاذ قد يتمثل في محور التقاطع من شانه ان يقطع رابطة السببية فان الجاني لا يسال الا من حدود مظهر محور التقاطع وبالنتيجة شريطة ان يشكل في حد ذاته فعلا جرميا أي في حدود مظهر العامل الخارجي الشاذ وفي حدود الاثار القانونية التي تترتب عنه.

 أهم المراجع

        ·قرار محكمة جنايات دمشق الصادر بتاريخ 18 حزيران1960، مطابع الف باء- الأديب  دمشق.

        ·مجلة القضاء والقانون السنة12- العدد 177، دليل القاضي العملي في العمل القضائي.

إعداد الأستاذ عمر بوحموش 1981 الصادر عن وزارة العدل.

        ·السببية الجنائية، الاستاذ رؤوف عبيد الطبعة الرابعة، سنة 1984،

        ·طبعة دار الفكر العربي.

        ·شرح القانون الجنائي، القسم العام الاستاذ ابو المعاطي حافظ ابو الفتوح، 1980 مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء.

        ·القانون الجنائي، القسم الخاص، الأستاذ عبد الوهاب حومد، نشر وتوزيعه مكتبة التومي الرباط.

        ·جرائم الاعتداء على الأشخاص والأموال، الأستاذ رؤوف عبيد، طبعة سابعة، 1978، دار الفكر العربي.

        ·الجريمة جان ماركيزيه ترجمة عيسى مصفور وسلسلة زدني علما رقم 206.

        ·الموسوعة الفلسفية.

        ·الموسوعة العربية الميسرة  دار الشعب ومؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر، سنة1965.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock