القانون الضريبيفي الواجهةمقالات قانونية

القرار الضريبي الآلي وحدود المشروعية القانونية يونس مليح

 

القرار الضريبي الآلي وحدود المشروعية القانونية

يونس مليح

أستاذ جامعي

مدير مركز ابن خلدون للدراسات والأبحاث الإدارية والمالية

أفرز التحول الرقمي المتسارع الذي تعرفه الإدارات العمومية، ولاسيما الإدارات الضريبية، نمطًا جديدا في صناعة القرار الإداري، يتمثل في الاعتماد المتزايد على الخوارزميات والأنظمة الذكية في تحليل المعطيات واتخاذ القرارات الجبائية، فيما بات يُعرف بـ القرار الضريبي الآلي. وقد جاء هذا التحول استجابة لمتطلبات النجاعة الإدارية، ومحاربة الغش والتهرب الضريبي، وتوسيع الوعاء الجبائي، في سياق تتزايد فيه الضغوط المالية على الدول، وتتنامى فيه رهانات الحكامة والشفافية.

غير أن إدماج الذكاء الاصطناعي في المجال الضريبي لا يطرح إشكالا تقنيا فحسب، بل يثير، في العمق، تساؤلات قانونية ودستورية دقيقة، تمس جوهر مبدأ المشروعية، وحدود السلطة التقديرية للإدارة، وضمانات الملزم في مواجهة قرار إداري لم يعد نتاج تقدير بشري مباشر، بل نتيجة معالجة خوارزمية قد تفتقر إلى التعليل المفهوم، أو تفتقد للشفافية وقابلية الطعن الفعلي. ويزداد هذا الإشكال حدة عندما يتعلق الأمر بقرارات ضريبية تمس الذمة المالية للأفراد والمقاولات، وتؤثر بشكل مباشر على الثقة في النظام الجبائي.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى مساءلة قانونية عميقة لمدى مشروعية القرار الضريبي الآلي، واستجلاء حدوده القانونية، من خلال تحليل الإطار المفاهيمي والتنظيمي المؤطر له، ومقارنته بالتجارب الدولية الرائدة، واستقراء موقع التجربة المغربية بين متطلبات التحول الرقمي وضمانات دولة القانون. وهي مساءلة لا تروم تعطيل التحديث الرقمي، بل تسعى إلى تأطيره قانونيًا بما يحقق التوازن بين الفعالية الجبائية وحماية الحقوق الأساسية للملزم.

فكيف يمكن اعتماد القرار الضريبي الآلي كآلية حديثة لتدبير الشأن الجبائي دون المساس بمبدأ المشروعية القانونية؟ وكيف يمكن التوفيق بين متطلبات النجاعة الرقمية وحماية الحقوق الأساسية للملزم، خاصة في ظل التجارب المقارنة، وما هو موقع التجربة المغربية ضمن هذا التحول؟

المحور الأول: الإطار المفاهيمي والقانوني للقرار الضريبي الآلي

يقصد بالقرار الضريبي الآلي ذلك القرار الذي يُتخذ كليا أو جزئيا بواسطة نظام معلوماتي ذكي، اعتمادا على خوارزميات تقوم بتحليل البيانات الجبائية دون تدخل بشري مباشر. ويختلف هذا القرار عن القرار التقليدي من حيث مصدر التقدير، إذ يحل “التقدير الخوارزمي” محل التقدير البشري، وهو ما يطرح تساؤلات حول المسؤولية، والتعليل، وإمكانية الطعن.

وقد اعتمدت دول رائدة مثل فرنسا وكندا قرارات ضريبية مؤتمتة في حدود معينة. ففي فرنسا، تم إدماج الخوارزميات في عمليات الانتقاء الضريبي منذ 2014، حيث تشير المعطيات الرسمية إلى أن ما يفوق 45% من عمليات المراقبة الجبائية أصبحت تُحدد آليا، غير أن المشرع الفرنسي اشترط بقاء “العنصر البشري” في المرحلة النهائية، حفاظًا على مبدأ المشروعية.

وتؤكد تقارير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية أن التحول نحو الإدارة الضريبية الرقمية ساهم في رفع الامتثال الطوعي بنسبة تتراوح بين 8% و15% في الدول الأعضاء، لكنها شددت بالمقابل على ضرورة احترام مبادئ الشفافية، وقابلية تفسير الخوارزميات Explainable AI وعدم تحويل القرار الإداري إلى “صندوق أسود” غير قابل للفهم أو الطعن.

كما تقوم المشروعية القانونية على خضوع الإدارة للقانون، وتعليل قراراتها، وقابليتها للرقابة القضائية. غير أن القرار الآلي، بطبيعته التقنية، قد يصطدم بمبدأ التعليل، خاصة إذا كان ناتجًا عن خوارزمية معقدة لا يمكن تفسير منطقها القانوني للملزم، وهو ما يهدد الأمن القانوني والثقة في الإدارة الضريبية.

في المغرب، لا يوجد إلى حدود اليوم نص صريح ينظم القرار الإداري الآلي بصفة مستقلة، رغم اعتماد أدوات رقمية متقدمة من طرف المديرية العامة للضرائب، خاصة في التصريحات والأداء والمراقبة عن بعد. وهو ما يخلق مفارقة بين تطور الممارسة الرقمية وبطء التأطير القانوني.

المحور الثاني: حدود المشروعية القانونية للقرار الضريبي الآلي – دراسة مقارنة

في ألمانيا، يُلزم القانون الإدارة بإشعار الملزم إذا كان القرار مبنيا على معالجة آلية للمعطيات، مع تمكينه من طلب تدخل بشري. وقد أظهرت الدراسات أن هذا الإجراء ساهم في خفض الطعون القضائية بنسبة 20%. في المقابل، لا ينص التشريع المغربي صراحة على هذا الحق، مما قد يحد من ضمانات الدفاع.

تشترط التجربة الكندية تعليل القرار الآلي بلغة مفهومة قانونيا، لا تقنية. بينما في المغرب، يظل التعليل في كثير من الحالات عامًا أو آليًا، وهو ما قد يُضعف الرقابة القضائية ويحد من فعالية الطعن.

تشير الإحصائيات الأوروبية إلى أن أكثر من 70% من القرارات الضريبية الرقمية تعتمد على الربط البيني لقواعد بيانات متعددة. هذا الوضع يفرض ضوابط صارمة لحماية المعطيات. ورغم وجود إطار قانوني مغربي لحماية المعطيات الشخصية، فإن التحدي يكمن في ملاءمته مع الاستعمال المكثف للذكاء الاصطناعي في المجال الجبائي.

قد تؤدي الخوارزميات، إذا لم تُصمم بعناية، إلى تحيزات غير مرئية. وقد كشفت دراسة أمريكية أن بعض أنظمة الانتقاء الآلي ركزت على فئات معينة بنسبة تفوق 60%، مما أثار نقاشًا واسعًا حول العدالة الجبائية. ويظل هذا التحدي مطروحًا في المغرب مع توسع استعمال أدوات التحليل الذكي.

إن تطوير القرار الضريبي الآلي في المغرب يقتضي الانتقال من منطق “الرقمنة التقنية” إلى “الرقمنة القانونية”، عبر سن نصوص واضحة تؤطر القرار الآلي، تضمن تدخل العنصر البشري، وتكرس حق الملزم في الفهم والطعن، انسجامًا مع المعايير الدولية.

وقد خلصت هذه الدراسة إلى أن القرار الضريبي الآلي يشكل إحدى أبرز تجليات التحول الرقمي للإدارة الجبائية، لما يوفره من سرعة في المعالجة، ودقة في التحليل، وفعالية في توجيه المراقبة الضريبية، وهو ما أثبتته التجارب المقارنة التي سجلت ارتفاعًا ملحوظًا في نسب الامتثال الطوعي وتحسين مردودية التحصيل. غير أن هذه المكاسب التقنية تظل غير كافية، بل قد تتحول إلى مصدر مساس بالحقوق والحريات، إذا لم تُواكب بإطار قانوني واضح يضبط حدود المشروعية ويضمن خضوع القرار الآلي لمبادئ دولة القانون.

وقد أبرزت المقارنة الدولية أن الدول التي نجحت في إدماج القرار الضريبي الآلي هي تلك التي اعتمدت مقاربة تشريعية احترازية، تقوم على إبقاء العنصر البشري في صلب القرار النهائي، وضمان شفافية الخوارزميات، وتكريس حق الملزم في الفهم والطعن. وفي المقابل، يظل الإطار القانوني المغربي، رغم التقدم العملي في رقمنة المساطر الجبائية، محتاجًا إلى مزيد من التأصيل القانوني الصريح للقرار الإداري الآلي، بما يحد من المخاطر المرتبطة بالغموض الخوارزمي وتضخم السلطة التقديرية الرقمية للإدارة.

وانطلاقًا مما سبق، يمكن اقتراح جملة من التوصيات العملية والتشريعية، من أبرزها:

  1. إقرار تأطير تشريعي صريح للقرار الضريبي الآلي عبر سن نصوص قانونية واضحة تُعرّف القرار الإداري الآلي، وتحدد مجالات استعماله، وحدود اعتماده، وشروط مشروعيته، بما ينسجم مع المبادئ الدستورية.
  2. تكريس مبدأ “التدخل البشري الضروري” وذلك بإلزام الإدارة بإبقاء سلطة التقدير النهائي بيد موظف مختص، خاصة في القرارات ذات الأثر المالي الجسيم، ضمانًا للتوازن بين التقنية والمسؤولية القانونية.
  3. تعزيز شفافية الخوارزميات وتعليل القرار الآلي من خلال فرض تعليل قانوني مفهوم للملزم، يوضح الأسس الواقعية والقانونية للقرار، وليس الاكتفاء بتبريرات تقنية مجردة.
  4. ضمان الحق في الطعن الفعال ضد القرار الضريبي الآلي عبر تمكين القضاء من آليات تقنية وقانونية لفهم منطق الخوارزميات، وتعزيز الخبرة القضائية في المجال الرقمي والجبائي.
  5. تقوية حماية المعطيات الشخصية في المجال الضريبي من خلال ملاءمة قواعد حماية البيانات مع متطلبات الذكاء الاصطناعي، وضبط عمليات الربط البيني لقواعد المعطيات الجبائية والمالية.
  6. اعتماد مقاربة أخلاقية للذكاء الاصطناعي الجبائي تقوم على منع التحيز الخوارزمي، واحترام مبدأ المساواة أمام الضريبة، وربط استعمال الذكاء الاصطناعي بأهداف العدالة الجبائية لا فقط بالنجاعة التحصيلية.
  7. الاستثمار في التكوين القانوني–الرقمي عبر تأهيل الموارد البشرية بالإدارة الضريبية والقضاء، لامتلاك كفاءات مزدوجة تجمع بين القانون والتقنيات الرقمية الحديثة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى