المسؤولية الادارية للجماعات الترابية في مواجهة التساقطات الاستثنائية . بين تدبير البنية التحتية المحلية ورقابة وزارة الداخلية . بقلم: ذ/ وسيم الطور
المسؤولية الادارية للجماعات الترابية في مواجهة التساقطات الاستثنائية .
بين تدبير البنية التحتية المحلية ورقابة وزارة الداخلية .
بقلم: ذ/ وسيم الطور
عضو اتحاد المحامين بأكادير.
-لم تكن التساقطات المطرية الأخيرة التي عرفتها عدد من المدن المغربية مجرد أرقام في نشرات الأرصاد الجوية، بل تحولت في الواقع إلى خسائر يومية ملموسة مست المواطنين في أمنهم المادي والاجتماعي.
ففي مدن كآسفي والقصر الكبير، كما في غيرهما، غمرت المياه أحياءً سكنية بكاملها، وتعطلت حركة السير، وأغلقت محلات تجارية، وتضررت تجهيزات عمومية حديثة الإنجاز، فيما تكبدت أسر عديدة خسائر في ممتلكاتها وأثاثها ومصادر رزقها.
ولم تقف الأضرار عند الجانب المادي فقط، بل امتدت إلى آثار معنوية ونفسية تجلت في شعور الساكنة بعدم الأمان وفقدان الثقة في قدرة المرافق العمومية على حمايتها من أخطار باتت تتكرر كل موسم شتوي.
وهكذا تتحول الأمطار، التي يفترض أن تكون نعمة تنعش الموارد المائية والاقتصاد الفلاحي، إلى مصدر أزمة عمرانية واقتصادية تثقل كاهل الجماعات الترابية والدولة بإصلاحات متكررة كان من المفترض تفاديها بالتخطيط المسبق. فقد صرّح الناطق الرسمي باسم الحكومة أن متوسط التساقطات المطرية من فاتح شتنبر 2024 إلى 19 مارس 2025 بلغ 113.9 ملم، بزيادة تقارب 88% مقارنة بالفترة نفسها من الموسم الماضي و ساهمت التساقطات المطرية الأخيرة في ارتفاع نسب ملء السدود (مثلاً وصول بعضها إلى مستويات غير مسبوقة مقارنة بالسنوات الماضية)، وهو مؤشر إضافي على كمية الأمطار المسجلة.
وبناءً على ذلك، يصبح من الضروري تحليل الإطار القانوني والمؤسسي الذي يحدد مسؤوليات الجهات المتدخلة في محورين . اولا في اختصاصات الجماعات الترابية ودور وزارة الداخلية في الرقابة على التدبير المحلي لضمان الالتزام بالقوانين وحماية المال العام، وفي ، الصفقات العمومية وتنفيذ المشاريع في مواجهة القوة القاهرة، حيث يبرز دور مرسوم الصفقات العمومية رقم 2.22.431 في تحديد الشروط الفنية والتدابير الاستثنائية وربط الالتزام القانوني بالمساءلة والمحاسبة.
المحور الاول : اختصاصات الجماعات الترابية ورقابة وزارة الداخلية — بين النص القانوني وواقع الممارسة .
حدد القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات اختصاصات ذاتية واضحة للجماعات الترابية، تشمل إحداث وصيانة الطرق، وشبكات التطهير، وتصريف مياه الأمطار، والتجهيزات العمومية الأساسية، وحماية السلامة الصحية للسكان و ذلك بموجب المواد من 78 الى 82: و التي تحدد الاختصاصات الذاتية للجماعة وتشمل مهام التخطيط، البرمجة، الإنجاز، التدبير، والصيانة للمرافق والتجهيزات العمومية الضرورية لتقديم هذه الخدمات (طرق، شبكات التطهير، الصرف الصحي، النظافة، وغيرها).
وبذلك، فإن تدبير مخاطر الفيضانات لا يندرج ضمن الأعمال الثانوية أو الظرفية، بل يدخل في صميم وظائف المرفق العمومي المحلي. وأي إخلال بهذه المهام يثير مسؤولية الجماعة باعتبارها شخصًا معنويًا مكلفًا بتسيير خدمة عمومية.
من جهة أخرى، تمارس وزارة الداخلية رقابة إدارية على شرعية الميزانيات والمقررات والصفقات، ضمانًا لحسن استعمال المال العام وتوجيهه نحو الأولويات الأساسية. غير أن فعالية هذه الرقابة تقاس بقدرتها على تصحيح الاختلالات قبل وقوعها، لا بالاكتفاء بالتدخل بعد تحقق الأضرار.
المحور الثاني : تنفيذ مشاريع البنية التحتية عبر الصفقات العمومية — بين الالتزام التقني وقيام المسؤولية الإدارية في مواجهة القوة القاهرة.
تُختبر متانة البنيات التحتية في الظروف القصوى، لا في الأيام العادية. لذلك فإن مسؤولية الوقاية تبدأ قانونًا من مرحلة التخطيط لا من مرحلة الإصلاح بعد وقوع الضرر و في مواجهة هذه الظروف المناخية الاستثنائية، يبرز دور الصفقات العمومية في تنفيذ مشاريع البنية التحتية و بما يضمن صمود المنشآت أمام الفيضانات أو التساقطات المطرية الغزيرة، وقد أناط مرسوم الصفقات العمومية رقم 2.22.431 الصادر في 8 مارس 2023 بدفاتر التحملات دورًا جوهريًا في تحديد المواصفات التقنية وضمان جودة الأشغال. فهذه الوثائق ليست مجرد تفاصيل إدارية، بل تشكل الأساس القانوني الذي يحدد قدرة المنشآت على الصمود أمام المخاطر المتوقعة، بما فيها التساقطات الغزيرة.
و رغم عدم وجود نص صريح في المصادر المفتوحة يحدد تعريف “دفتر التحملات” لفظًا، فإن المواد المتعلقة بشروط الطلبات ووثائق الصفقات تتطلب من الإدارات إعداد ملفات تحدد المواصفات الفنية والتقنية المطلوبة للمشاريع، وهو ما يُنفذ في الممارسة عبر دفاتر التحملات بشكل صريح حسب:
المادة 14: تنص على أن الصفقات العمومية تُبرم وفق مبادئ النزاهة، الشفافية، المنافسة، والمساواة بين المتنافسين، ويتعين تحديد الشروط والأحكام التقنية والمالية والتنظيمية في وثائق طلب العروض والدفاتر الخاصة بالصفقات.
المادة 93: تنظم شروط تنفيذ العقود المبرمة والمواصفات التقنية التي يجب الالتزام بها من أجل منع الإخلال بمبادئ جودة التنفيذ والتطابق مع المواصفات المتفق عليها في الصفقات.
وبذلك، أي إخلال في إعداد أو احترام هذه المواصفات يترتب عنه مسؤولية قانونية، ولا يمكن تبريره فقط باللجوء إلى القوة القاهرة، خصوصًا إذا كانت التساقطات المطرية موسمية ومتوقعة علميًا
وعليه، فإن التدابير الاستثنائية لمواجهة الأمطار القوية يجب أن تكون جزءًا من التصميم الأصلي للمشروع، لا تدخلًا ترقيعيًا بعد الكارثة.
فما كان متوقعًا لا يعد قوة قاهرة، بل يدخل ضمن نطاق واجب الاحتياط والتخطيط. وبالتالي، يصبح الالتزام بالمواصفات الفنية ليس مجرد شرط شكلي، فإن أي إخلال بمبادئ الصفقات العمومية يجب أن يترتب عنه جزاء إداري أو مالي ومحاسبة على مستوى الإدارة والجماعات، بما يضمن حماية المال العام واستدامة الأشغال.، ولا يمكن اعتبار الظروف المناخية الاستثنائية (القوة القاهرة) ذريعة للإعفاء من المسؤولية إذا ثبت أن الأضرار نتجت عن إهمال في التنفيذ أو قصور في تطبيق التدابير الوقائية .
ختاما :
الفيضانات ليست مجرد ظاهرة طبيعية، بل مرآة تعكس جودة الحكامة المحلية. فهي تكشف مدى احترام القانون، صرامة الصفقات، نجاعة الميزانيات، وفعالية الرقابة.
ليست المشكلة في المطر الذي يهطل، بل في المدينة التي لم تُبنَ لتستقبله.
والرهان الحقيقي اليوم ليس في إصلاح ما تهدم بعد كل موسم، بل في بناء تدبير قانوني استباقي يجعل البنية التحتية قادرة على الصمود، ويربط المسؤولية بالمحاسبة، كما شددت على ذلك التوجيهات السامية لجلالة الملك محمد السادس حفظه الله، والتي تشدد على تعزيز الحكامة المحلية والرقابة على المشاريع العمومية.
لأن الفرق بين مدينة تغرق… وأخرى تنجو… هو دائمًا فرق في الحكامة، لا في المناخ .




