واقع الشخصية القانونية للذكاء الاصطناعي الباحثة : سعاد أمهزول
واقع الشخصية القانونية للذكاء الاصطناعي
الباحثة : سعاد أمهزول
طالبة باحثة في سلك الدكتوراه
هذا البحث منشور في مجلة القانون والأعمال الدولية الإصدار رقم 62 الخاص بشهر فبراير 2026
رابط تسجيل الاصدار في DOI
https://doi.org/10.63585/COPW7495
للنشر و الاستعلام
mforki22@gmail.com
الواتساب 00212687407665
للاطلاع و التحميل

ملخص:
لا يتمتع الذكاء الاصطناعي في الوقت الراهن بشخصية قانونية مستقلة، إذ لا يعترف به القانون ككيان قادر على اكتساب الحقوق أو تحمل الالتزامات. ويُنظر إليه بوصفه أداة تقنية أو وسيلة مملوكة لأشخاص طبيعيين أو اعتباريين، تخضع لإرادتهم وإشرافهم. وبناءً على ذلك، تُسند المسؤولية القانونية عن الأفعال أو الأضرار الناتجة عن استخدامه إلى المطور أو المالك أو المستخدم وفقًا لطبيعة العلاقة والضرر الحاصل. ولا يمكن تحميل الذكاء الاصطناعي ذاته أي مسؤولية مدنية أو جنائية لافتقاره للإرادة والتمييز القانوني. ومع ذلك، أثارت التطورات المتسارعة في هذا المجال نقاشات فقهية حول إمكانية إقرار شكل من أشكال الشخصية القانونية المحدودة للذكاء الاصطناعي مستقبلًا، بهدف تنظيم المسؤولية وتحقيق التوازن بين الابتكار والحماية القانونية، إلا أن هذه الأفكار لا تزال محل جدل ولم تعتمد تشريعيًا بعد.
The Legal Status of Artificial Intelligence
SOUAAD AMHZOUL
PhD STUDENT
ABSTRACT:
At present, artificial intelligence does not possess an independent legal personality, as the law does not recognize it as an entity capable of acquiring rights or bearing legal obligations. It is regarded as a technical tool or means owned and controlled by natural or legal persons. Accordingly, legal liability for acts or damages resulting from its use is attributed to the developer, owner, or user, depending on the circumstances. Artificial intelligence itself cannot be held civilly or criminally liable due to the absence of legal will and discernment.
Nevertheless, rapid technological developments have prompted legal and doctrinal debates concerning the possibility of granting artificial intelligence a form of limited legal personality in the future, aimed at regulating liability and balancing innovation with legal protection. However, such proposals remain theoretical and have not yet been adopted in existing legislation.
مقدمة:
شهد العالم خلال العقود القليلة الماضية طفرة نوعية في مجال الابتكارات وتكنولوجيا المعلومات والحوسبة، بحيث كان لها أثر بالغ وفعّال في ازدهار الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المختلفة، وفي مقدمتها الروبوتات الذكية، التي حولت كثيرا من مظاهر الخيال إلى واقع ملموس، وقد أسهم هذا التطور المتسارع في إحداث تغييرات جوهرية في المفاهيم والمعتقدات التي ظلّت سائدة ومستقرة لفترات طويلة، كما بات الذكاء الاصطناعي محل اهتمام فقهاء القانون والمشتغلين بالحقل القانوني، بحيث أثار تساؤلات عميقة وطرحَ مجموعة من الإشكالات القانونية مستحدثة لم تكن مطروحة من قبل..
ويعد الذكاء الاصطناعي من أبرز التقنيات الحديثة التي غيرت بشكل جذري العديد من جوانب الحياة البشرية، فقد أتاح للآلات القدرة على معالجة البيانات، اتخاذ القرارات، والتفاعل مع البشر بطريقة كانت غير ممكنة في الماضي. ومع تقدم هذه التقنية بشكل مستمر أصبح من الضروري التفكير في التحديات القانونية التي تطرأ نتيجة لاستخدامها في مختلف المجالات ومن بين أبرز هذه التحديات هو مسألة الشخصية القانونية للذكاء الاصطناعي.
ولا شك أن منح الذكاء الاصطناعي الشخصية القانونية يعني منحه وضعا قانونيا مستقلا، يتمتع بالحقوق كالحق في الذمة المالية المستقلة، الحق في الاسم وكذلك حقوق الملكية الفكرية وغيرها وأيضا يتحمل الالتزامات والمسؤوليات كالتزامه بتعويض الأضرار التي تترتب عن أفعاله الغير مشروعة.
وبناء على هذا تبرز أهمية دراسة هذا الفضاء الجديد ضمن حقل الدراسات القانونية، بما يسهم بشكل جاد في خلق ثقافة ومعرفة جديدة، وتقديم رؤية عن المستقبل في ضوء التطورات التقنية الحديثة، وكذلك مساعدة الناس على فهم رؤية الكون بشكل واضح.
ويثير موضوع البحث إشكالية مهمة تتجلى في مدى إمكانية الاعتراف للذكاء الاصطناعي بالشخصية القانونية؟ وتتفرع عن هذه الإشكالية مجموعة من التساؤلات الفرعية:
- ما المقصود بالذكاء الاصطناعي؟
- ما المقصود بالشخصية القانونية؟
- هل ترتبط الشخصية القانونية بالصفة البشرية، أي لا تمنح إلا للإنسان؟ أم أنها ترتبط بقدرة كيان معين على اكتساب الحقوق، وتحمل الالتزامات بصرف النظر عن كونه
إنسانا؟
وللإجابة عن هذه الإشكالية يمكن تقسيم هذا البحث الى محورين:
المحور الأول: الإطار المفاهيمي للذكاء الاصطناعي والشخصية القانونية
المحور الثاني: الشخصية القانونية للذكاء الاصطناعي بين مؤيد ومعارض
المحور الأول: الإطار المفاهيمي الذكاء الاصطناعي والشخصية القانونية
يمنح القانون الإنسان الطبيعي الشخصية القانونية منذ الولادة وحتى الوفاة، وينبغي أن يولد الإنسان حيا فلا تثبت الشخصية القانونية لمن يولد ميتا، وعلى هذا الأساس فإن الإنسان يضل متمتعا بالشخصية القانونية طيلة حياته وتنتهي بالوفاة الطبيعية التي ينبغي تأكيدها بموجب السجلات المدنية الخاصة بالدولة وعلى هذا الأساس يمكن تعريف الشخصية القانونية للإنسان الطبيعي بأنها القدرة أو إمكانية الشخص لأن يكون محط اكتساب الحقوق على اختلاف أنواعها، وفي ذات الوقت يكون قادرا على تحمل الالتزامات التي يفرضها القانون عليه.
أما الذكاء الاصطناعي فهو دراسة القدرات الذهنية من خلال استخدامه للنماذج الحسابية وهو دراسة كيفية جعل الحواسيب تقوم بأشياء يقوم بها الإنسان بشكل أفضل في الوقت الحالي، فضلا عن كونه دراسة وتصميم العملاء الأذكياء حيث أن العميل الذكي هو نظام يدرك بيئته ويقدم أفعالا تزيد من فرصة نجاحه في أهدافه.
وسنتطرق في هذا المحور إلى فقرتين بحيث سنتناول في (الفقرة الأولى) تعريف الذكاء الاصطناعي، أما (الفقرة الثانية) سنتحدث عن تعريف الشخصية القانونية.
الفقرة الأولى: تعريف الذكاء الاصطناعي
يعتبر الذكاء الاصطناعي فرع من فروع علم الحاسوب يركز على تطوير الأنظمة والبرمجيات القادرة على محاكاة السلوكيات العقلية البشرية مثل التعلم، والتفكير، واتخاذ القرارات، وحل المشكلات ، يهدف إلى إنشاء أنظمة قادرة على معالجة البيانات، التعرف على الأنماط، التفاعل مع البيئة، والتكيف مع الظروف المتغيرة دون تدخل بشري مباشر[1]، ويعتمد الذكاء الاصطناعي على تقنيات مثل التعلم الالي، والتعلم العميق والشبكات العصبية الاصطناعية، ومعالجة اللغة الطبيعية ويشمل تطبيقاته العديد من المجالات مثل الترجمة الألية، القيادة الذاتية للسيارات، الرؤية الحاسوبية، والتحليل البياني للبيانات.
الفقرة الثانية: تعريف الشخصية القانونية
الشخصية القانونية هي الصلاحية لاكتساب الحقوق، وتحمل الالتزامات وكقاعدة عامة لا تثبت الشخصية القانونية إلا للإنسان أي الشخص الطبيعي، ومع ذلك فقد تثبت هذه الشخصية لمجموعات من الأشخاص أو الأموال، وهو ما يطلق عليها الأشخاص الاعتبارية أو المعنوية، كالشركات والجمعيات والمؤسسات، حيث قدر المشرع القيمة الاجتماعية والاقتصادية والأهمية الكبيرة لهذه التجمعات، مما اقتضى الاعتراف لها بالشخصية القانونية، أي بصلاحيتها لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات [2]، أما الكائن الذي لا يصلح لاكتساب أي حق من الحقوق فلا تثبت له الشخصية القانونية.[3]
ويلاحظ أن القوانين الحديثة تعترف بالشخصية القانونية لكل إنسان، بغض النظر عن قدرته على التمييز، وبصرف النظر أيضا عن ما يتمتع به من حقوق، وما يتحمل من التزامات[4].
لذلك لا يشترط للتمتع بالشخصية القانونية قدرة الشخص على اكتساب الحقوق، أو تحمل الالتزامات بنفسه، بل يكفي أن يتم ذلك عن طريق من يمثله، ومن ثم تثبت الشخصية القانونية للطفل غير المميز وكذلك المجنون رغم انعدام إرادتهما، ومن ثم فالإرادة ليست هي مناط الشخصية القانونية[5].
وكما أسلفنا فإن الشخصية القانونية تثبت لمجموعة من الأشخاص كالشركة أو المجموعات من الأموال كالمؤسسات وعندئذ تسمى الشخصية الاعتبارية، ولكن في هذه الحالة تمنح هذه الشخصية لكائن معنوي أو تصوري وذلك بغية تحقيق أهداف معينة.
والشخص الاعتباري أو المعنوي يكتسب الشخصية القانونية حكماً بنص القانون رغم أنه ليس شخصاً طبيعياً، ليثبت لنا أن الشخصية القانونية ليست حكراً على الإنسان فقط مع فارق الحقوق التي يتمتع بها الشخص الطبيعي منفرداً كما في حقوق الأسرة والحق في الإرث أو الوصية أو حتى الحقوق السياسية وغيرها.[6]
إذن فالشخصية القانونية الاعتبارية تقوم بالافتراض القانوني من خلال الاعتراف الممنوح من قبل المشرع عبر تسجيلها ضمن قيود وسجلات رسمية تمنحها الترخيص لممارسة نشاطها وبذلك تصبح كيان قائم معترف به وفي المقابل ينتهي أجلها وفقاً للحالات المحددة في التشريع كما في إتمام الغاية أو التصفية أو الاتفاق أو بصدور حكم قضائي.
المحور الثاني: الشخصية القانونية للذكاء الاصطناعي بين مؤيد ومعارض
انقسم الرأي بشأن الشخصية القانونية للذكاء الاصطناعي، فظهر فريق يدعو الى إسناد الشخصية القانونية للذكاء الاصطناعي، وفي الجهة الأخرى انتقد فريق اخر هذا التوجه وتعالت أصواته ومناداته بحجب الشخصية القانونية عن الذكاء الاصطناعي، ولكل من أنصار الاتجاهين المذكورين أدلته وحججه التي اتكأ عليها في تعزيز وتدعيم موقفه، لهذا سنوف نتناول في هذا المحور الاتجاه المؤيد في (الفقرة الأولى)، ثم في (الفقرة الثانية) الاتجاه المعارض.
الفقرة الأولى: الاتجاه المؤيد لمنح الشخصية القانونية للذكاء الاصطناعي.
يرى أصحاب هذا الاتجاه أن الاعتراف بالشخصية القانونية للذكاء الاصطناعي وتطبيقاته صار ضرورة وليس ترفا، استنادا إلى قيامه بالعديد من الأدوار التي لم يستطع القيام بها إلا الإنسان بل وتفوق عليه في تنفيذها وأدائها.
فالعمليات الجراحية الدقيقة التي لا يقدر على القيام بها إلا أمهر الأطباء، وقيادة السيارات والطائرات، وأعمال التدقيق الداخلي في سائر المؤسسات، واتخاذ القرارات والإبداع والابتكار، كلها مجالات صار فيها الذكاء الاصطناعي منافسا قويا للإنسان ، هذا ما دفع ذلك بعضا من الفقه إلى القول: إن حل جميع المشكلات الناتجة عن آلات الذكاء الاصطناعي يكمن في منحها الشخصية الإلكترونية القانونية.[7]
لا ينبغي كذلك أن نغفل عن حقيقة فرضت نفسها على أرض الواقع بقوة، وهي أن الذكاء الاصطناعي بدأ يتمخض من رحم جيل جديد يزاحم الإنسان، وقد يترتب على وجوده تحديات ومخاطر لا حصر لها، ولذلك يجب على الدول التدخل لوضع الشروط والضوابط اللازمة للاعتراف بالشخصية القانونية للروبوتات الذكية، مع مراعاة خصوصية التطور التكنولوجي والرقمي، وتحديد مسؤولية الروبوتات ورسم الحدود الفاصلة بينها وبين بني الإنسان لضمان حماية حقوق وأمن الأفراد والمجتمع.
ويستند الاعتراف بالشخصية القانونية للذكاء الاصطناعي إلى العديد من الاعتبارات منها: الضرورة والملاءمة القانونية، فالأولى أي الضرورة يقصد بها الحاجة الاجتماعية والقانونية الداعية للاعتراف بالشخصية القانونية، أما الثانية (الملاءمة) وهي حالة تسمح للمشرع بالتدخل لإسناد الشخصية القانونية للروبوتات لحماية الأفراد من أفعالها التي تؤدي إلى الإضرار بهم خاصة في حال تنصل الصانع أو المالك أو غيرهما من المسؤولية ، ومن بين الاعتبارات الأخرى نجد القدرة الاجتماعية ويقصد بها قدرة الروبوتات على التفاعل الاجتماعي والتكيف مع البيئة المحيطة بها .[8]
واتكأ أصحاب هذا الاتجاه في تدعيم وتعزيز موقفهم الداعي إلى ضرورة الاعتراف بالشخصية القانونية للروبوتات الذكية إلى التوصيات الصادرة عن البرلمان الأوروبي بتاريخ ٢٠١٧/٢/١٦م، بشأن قواعد القانون المدني المتعلقة بالروبوتات، والتي ورد فيها مقترح يتضمن منح الشخصية القانونية للروبوتات الذكية وأنظمة الذكاء الاصطناعي، وإنشاء سجل خاص بالروبوتات الذكية تدون فيه المعلومات والبيانات الخاصة بكل روبوت، مع وضع قواعد وأحكام خاصة بالمسؤولية المدنية عن الأضرار التي تصيب الآخرين وتتسبب الروبوتات في وقوعها، على أن تنطوي هذه الأحكام على نظام تأمين يضمن تغطية المخاطر المحتمل وقوعها.
وفي الحقيقة فإن البرلمان الأوروبي يبدو أنه أراد بهذه الخطوة الاستباقية اتخاذ التدابير والاحتياطات اللازمة المواجهة التحديات والمشكلات القانونية التي قد تظهر في المستقبل بفعل الآلات الذكية، والتي قد تعجز القواعد القانونية الحالية عن التصدي لها ومواجهتها، مما يستدعي اتخاذ إجراءات استباقية يتم الرجوع إليها عند ظهور بعض المشكلات أو المخاطر المرتقبة.
والنظرة الاستشرافية للمستقبل التي بشر بها البرلمان الأوروبي وروج بموجبها لفكر جديد يدعو إلى الاعتراف بالشخصية القانونية للروبوتات الذكية، أخذت بها بعض دول الغرب وبدأت بالفعل في اتخاذ إجراءات حقيقية انطلاقا من تغيير النظرة إلى الروبوت واستبدالها بنظرة أكثر استنارة من ذي قبل، وهذا التغيير إن لم يكن قد وصل إلى مرحلة الاعتراف الكامل بالشخصية القانونية للروبوتات الذكية، إلا أنه يسير بخطى واثقة نحو سلم الوصول إلى الاعتراف المنشود.[9]
ومن المحتمل والمتوقع في المستقبل البعيد أن تتساوى أنظمة الذكاء الاصطناعي مع البشر من ناحية التفكير وإجراء التصرفات، وهذا الأمر مدعاة للتفكير بجدية في منح الشخصية القانونية للذكاء الاصطناعي وللعديد من تطبيقاته، وفي صدارتها الروبوتات الذكية، بمجرد أن تتحقق فكرة المساواة في الذكاء وفي مسألة إجراء التصرفات بين الانسان والآلة [10].
الفقرة الثانية: الاتجاه المعارض لمنح الشخصية القانونية للذكاء الاصطناعي.
يرى الاتجاه المعارض لإسناد الشخصية القانونية للروبوتات الذكية عدم وجود ضرورة أو حاجة تقتضي هذا سناد أو المنح، فلا فائدة ولا جدوى منه لتعارضه مع فلسفة القانون في المنظومة التشريعية، ولخطأ النظرة التي تهدف إخراج الروبوتات الذكية من حيز الأشياء ، ولصعوبة تصور اكتساب الروبوتات الذكية للحقوق تحمل بالالتزامات، وانعقاد مسؤوليتها مدنيا أو جنائيا[11].
فضلا عما يترتب على الاعتراف بالشخصية القانونية للروبوتات الذكية من نتائج قانونية غير مرغوبة، كمنحها الحق في الحياة والحق في المساواة مع الجنس البشري والحق في الخصوصية، والحق في الكرامة أيضا، إذ تعتبر هذه الحقوق لصيقة بالإنسان[12].
وفي الحقيقة فلا يمكن أن تمتد الحقوق الممنوحة إلى الإنسان بوصفه كائنا مكرما يسمو على جميع الكائنات والمخلوقات الأخرى، إلى الذكاء الاصطناعي الذي تأبى طبيعته أن تكون له حقوقاً كتلك التي للإنسان.
وليس كل كائن له وجود ذاتي مستقل وحقيقي ينبغي الاعتراف له بالشخصية القانونية، بل يلزمه إلى جانب ذلك أن يمثل قيمة اجتماعية معينة تجعله أهلا للولوج في الوجود القانوني كصاحب حياة مستقلة بصير بمقتضاها أهلا لأن يتحمل بالالتزامات ويكتب الحقوق، فبعض الكائنات التي لها وجود مادي وواقعي وحسي كالحيوانات لا يمكن أن تكون صاحبة حق، وإنما ينظر إليها باعتبارها أشياء موضوعة الخدمة ونفع الإنسان بوصفها شيئًا تابعا ومحلا وموضوعاً لحقوق الأشخاص ذوات الحياة الإنسانية المستقلة”[13]، وهذا التوصيف ينطبق على الروبوتات الذكية فهي موضوعة في الأصل لخدمة الإنسان وتحقيق النفع والفائدة له، ولا تصلح لأن تكون أهلا لاكتساب الحقوق أو التحمل بالالتزامات.
ويرى أصحاب هذا الاتجاه أيضا أن إسناد الشخصية القانونية للروبوتات الذكية يؤدي إلى انعقاد مسؤوليتها المدنية عن أفعالها، واستبعاد مسؤولية المصمم أو المصنع أو المالك أو المستعمل، استنادا إلى معطيات علمية مغلوطة تدور في فلك تمتعها بالاستقلالية، وهذا التحول القانوني يمثل غاية وهدف تسعى الشركات المصممة والمبرمجة للروبوتات الذكية إلى بلوغه وإدراكه فإذا أقصي هؤلاء الأشخاص من تحمل تبعة الأفعال الناجمة عن الروبوتات الذكية، فسوف يترتب على إثر ذلك مخاطر متعددة، منها طرح وتداول أنجع الروبوتات الذكية القادرة على المنافسة في تنفيذ المهام المطلوبة منها، بصرف النظر عما يترتب عليها من مخاطر قد تزداد بالتوازي مع قدرتها الإنتاجية، وبدون اتخاذ ما يلزم من التدابير الخاصة بقواعد السلامة والأمان والحرص والاحتياط التي يجب مراعاتها والامتثال إليها .. وسوف يؤذي تحويل مسؤولية الشركات المصنعة الى الروبوتات الذكية الى انحرفات خطيرة تلقي بظلالها على أفراد المجتمع عند طرح الروبوتات الخطيرة أو غير الامنة للتداول في الأسواق، طالما ان من يتحمل المسؤولية في جميع الأحوال هو الروبوت الذكي.
خاتمة:
إن إشكالية منح الذكاء الاصطناعي الشخصية القانونية تمثل تحديًا عميقًا يتداخل فيه القانون مع الفلسفة والأخلاق والتكنولوجيا. بينما تزداد قدرات الذكاء الاصطناعي على اتخاذ قرارات مستقلة وتنفيذ مهام معقدة، يظل التساؤل قائمًا حول إمكانية منحه حقوقًا وواجبات قانونية، على غرار الكيانات البشرية أو الاعتبارية. إن هذه القضية تفتح بابًا واسعًا لإعادة النظر في الأسس القانونية التقليدية التي تقوم عليها الأنظمة القانونية الحديثة، وتستدعي تطوير إطار تشريعي جديد يعترف بالذكاء الاصطناعي ككيان مستقل، مع تحديد مسؤولياته وحقوقه بوضوح.
ولكن، يبقى أن هذه التعديلات القانونية يجب أن توازن بين حماية الحقوق الإنسانية وضمان الاستخدام السليم للتكنولوجيا. إذ قد يؤدي الاعتراف بالذكاء الاصطناعي كشخص قانوني إلى تعقيد المسائل المتعلقة بالمسؤولية، والملكية، والحقوق المالية، مما يستدعي ضرورة وجود حوار قانوني وفلسفي مستمر بين المشرعين والخبراء في مجالات الذكاء الاصطناعي لضمان إيجاد حلول قانونية تراعي التطورات التكنولوجية المتسارعة، وفي الوقت ذاته تحافظ على العدالة وحماية حقوق الأفراد.
وبناءً على ذلك، فإن المستقبل سيشهد بلا شك تطورًا مستمرًا في هذا المجال، مما يستدعي استجابة قانونية مرنة، قادرة على مواكبة التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، وإيجاد توازن بين التقدم التكنولوجي والحفاظ على الأسس القانونية والأخلاقية التي تحكم المجتمعات الحديثة.
وتظل قضية منح الشخصية القانونية للذكاء الاصطناعي من القضايا القانونية المعقدة التي تستدعي الكثير من التفكير والنقاش، على الرغم من أن الذكاء الاصطناعي يحقق تقدمًا سريعًا، إلا أنه من غير المحتمل في الوقت الحالي أن يتم منحه الشخصية القانونية بشكل كامل ومع ذلك، من المتوقع أن يشهد المستقبل القريب تطويرًا للقوانين التي تنظمه وتحدد المسؤوليات القانونية والحقوق المتعلقة به.
- توصيات:
– ان منح الشخصية القانونية والاعتراف بها لأنظمة الذكاء الاصطناعي يستلزم تعديل البينية القانونية بصورة كاملة، حتى تستوعب الحقوق الكاملة للشخص الذكي.
– يتعين على المشرع أن يضع الإطار القانوني المنظم لعمل الذكاء الاصطناعي، وتنظيم التسجيل الإلزامي للروبوتات الذكية المستقلة، ووثائق التأمين وضبط سلوك الشركات المصنعة والمستخدمة للروبوتات.
ضرورة إنشاء صندوق خاص لتعويض الأضرار الناتجة عن استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي، ويكون تمويل هذا الصندوق عن طريق المنتجين أو المالكين لهذه الأنظمة، وذلك بإقتطاع نسبة معينة من ثمن بيع واستخدام هذه الأنظمة.
- لائحة المراجع:
جهاد محمود عبد المبدي، الشخصية القانونية للروبوتات الذكية بين المنح والمنع” دراسة تحليلية” مقال منشور في مجلة البحوث الفقهية والقانونية العدد الخامس والاربعون ، مصر، ابريل 2024
نبيل إبراهيم سعد، المبادئ العامة للقانون، نظرية القانون. نظرية الحق، دار الجامعة الجديدة الإسكندرية، 2013
محمد لبيب شنب، دروس في نظرية الحق، دار النهضة العربية، القاهرة، 1988
نبيل إبراهيم سعد، المرجع السابق.
محمد حسين منصور، نظرية الحق، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، 2009.
بخيت محمد الدعجة، من الالات الى الكيانات: الشخصية القانونية للذكاء الاصطناعي، التحديات والتطلعات ” دراسة مقارنة في التشريعات المدنية” ، قسم الحقوق، كلية الحقوق، جامعة الزرقاء،
محمد القطب مسعد، القيمة القانونية لشخصية الروبوت الفنية ونائبه القانوني في أنظمة وأحكام الملكية الفكرية، بحث منشور بمجلة الحقوق، الصادرة عن كلية الحقوق، جامعة البحرين، المجلد( 19) العدد(2) أكتوبر 2022.
طلال حسين الرعود، المسؤولية المدنية عن أضرار مشغلات التكنلوجيا ذات الذكاء الاصطناعي، دراسة مقارنة، رسالة دكتوراه مقدمة الى كلية الحقوق، جامعة المنصورة، سنة 2022 .
تهاني حامد أبو طالب: الربوت من منظور القانون المدني المصري(الشخصية والمسؤولية)، بحث منشور بمجلة البحوث الفقهية والقانونية الصادرة عن كلية الشريعة والقانون، فرع جامعة الأزهر، دمنهور، العدد 83 ابريل 2022 ص173
خالد ممدوح إبراهيم، التنظيم القانوني للذكاء الاصطناعي، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، الطبعة الأولى، طبعة 2021 .
طلال حسين الرعود: المسؤولية المدنية عن أضرار مشغلات التكنولوجيا ذات الذكاء الاصطناعي، دراسة مقارنة، رسالة دكتوراه مقدمة الى كلية الحقوق، جامعة المنصورة، سنة 2022.
- جهاد محمود عبد المبدي، الشخصية القانونية للروبوتات الذكية بين المنح والمنع” دراسة تحليلية” مقال منشور في مجلة البحوث الفقهية والقانونية العدد الخامس والاربعون ، مصر، ابريل 2024 ص45. ↑
- نبيل إبراهيم سعد، المبادئ العامة للقانون، نظرية القانون. نظرية الحق، دار الجامعة الجديدة الإسكندرية، 2013 ص178 ↑
- محمد لبيب شنب، دروس في نظرية الحق، دار النهضة العربية، القاهرة، 1988 ص98 ↑
- نبيل إبراهيم سعد، المرجع السابق، ص178 ↑
- محمد حسين منصور، نظرية الحق، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، 2009، ص319 . ↑
- بخيت محمد الدعجة، من الالات الى الكيانات: الشخصية القانونية للذكاء الاصطناعي، التحديات والتطلعات ” دراسة مقارنة في التشريعات المدنية” ، قسم الحقوق، كلية الحقوق، جامعة الزرقاء، ص949 ↑
- محمد القطب مسعد، القيمة القانونية لشخصية الروبوت الفنية ونائبه القانوني في أنظمة وأحكام الملكية الفكرية، بحث منشور بمجلة الحقوق، الصادرة عن كلية الحقوق، جامعة البحرين، المجلد( 19) العدد(2) أكتوبر 2022 ص 144 و143. ↑
- طلال حسين الرعود، المسؤولية المدنية عن أضرار مشغلات التكنلوجيا ذات الذكاء الاصطناعي، دراسة مقارنة، رسالة دكتوراه مقدمة الى كلية الحقوق، جامعة المنصورة، سنة 2022 ص97 ↑
- تهاني حامد أبو طالب: الربوت من منظور القانون المدني المصري(الشخصية والمسؤولية)، بحث منشور بمجلة البحوث الفقهية والقانونية الصادرة عن كلية الشريعة والقانون، فرع جامعة الأزهر، دمنهور، العدد 83 ابريل 2022 ص173 . ↑
- خالد ممدوح إبراهيم، التنظيم القانوني للذكاء الاصطناعي، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، الطبعة الأولى، طبعة 2021 ص132. ↑
- Alain Bensoussan: Droit des robots, science-fiction ou anticipation?, Entretien issu du Recueil Dalloz n°28 du 30 Juillet 2015. ↑
- طلال حسين الرعود: المسؤولية المدنية عن أضرار مشغلات التكنولوجيا ذات الذكاء الاصطناعي، دراسة مقارنة، رسالة دكتوراه مقدمة الى كلية الحقوق، جامعة المنصورة، سنة 2022 ص84. ↑
- ↑





