في الواجهةمقالات قانونية

جريمة الإشادة  بالإرهاب عبر الوسائط الإلكترونية      

 

              جريمة الإشادة  بالإرهاب عبر الوسائط الإلكترونية      

مـراد بـنــار

  • باحث في العلوم الجنائية والأمنية بجامعة القاضي عياض

 

يشهد العالم المعاصر تحولات عظيمة، وتغيرات متسارعة اجتماعية وسياسية واقتصادية ألقت بظلالها على النواحي الأمنية، فتعددت وتنوعت مصادر الأخطار الأمنية التي تستهدف تقويض الأمن وزعزعة الاستقرار في المجتمعات، وساعد على ذلك زيادة الارتباط بشبكة الانترنت وتطور وسائل الاتصال التكنولوجي[1]، والتي ترتب عليها بروز نوع مستحدث من الجرائم واكب هذه الثورة الكبرى والطفرة الهائلة للتقدم التكنولوجي، ويتعلق الأمر بالإرهاب المرتكب عبر الوسائط الإلكترونية والإشادة به، الذي شاع استخدامه وزادت خطورته وتعقيداته.

ولقد استخدم الإرهاب كنظام قائم على الرعب عبر الشبكة الدولية “الانترنيت” في تنفيذ الكثير من الأعمال الإرهابية التي روعت أمن المواطنين وامن  الدولة، واستعار الإرهابيون هذه الوسيلة الآمنة في نشر ما يعرف “بالرعب الإلكتروني” باعتباره أحد الأبعاد الجديدة للإرهاب التقليدي، وصورة مطورة من “الإرهاب الصامت”[2].

وتعتبر جريمة الإشادة بالأفعال الإرهابية من الجرائم الجديدة على مجموعة القانون الجنائي المغربي[3]، وهي لاحقة في تراتبيتها الزمنية على اقتراف الفعل الإرهابي. ويتحقق وجودها بمجرد مواجهة العموم بها. ولقد عمد المشرع على تجريمها في الفصل 2-218 من مجموعة القانون الجنائي الذي ينص على أنه: “يعاقب بالحبس من سنتين إلى ست سنوات وبغرامة تتراوح بين 10.000 و200.000 درهم كل من أشاد بأفعال تكون جريمة إرهابية بواسطة الخطب أو الصياح أو التهديدات المفوه بها في الأماكن أو الاجتماعات العمومية أو بواسطة المكتوبات والمطبوعات المبيعة أو الموزعة أو المعروضة للبيع أو المعروضة في الأماكن أو الاجتماعات العمومية أو بواسطة الملصقات المعروضة على أنظار العموم بواسطة مختلف وسائل الإعلام السمعية البصرية والإلكترونية.

يعاقب بنفس العقوبة كل من قام بالدعاية أو الإشادة أو الترويج لفائدة شخص أو كيان أو تنظيم أو عصابة أو جماعة، إرهابية بإحدى الوسائل المنصوص عليها في الفقرة الأولى من هذه المادة.

غير أنه، إذا كان الفاعل شخصا معنويا، يعاقب بغرامة تتراوح بين 1.000.000 و10.000.000 درهم، مع الحكم بحله وبالتدابير الوقائية المنصوص عليها في الفصل 62 من هذا القانون، دون المساس بحقوق الغير ودون الإخلال بالعقوبات التي يمكن إصدارها في حق مسيري الشخص المعنوي أو مستخدميه المرتكبين للجريمة أو المحاولة”.

وذلك نظرا لمساهمة هذه الأفعال في دعم الجناة معنويا عبر التعاطف معهم والتنويه والثناء على جرائمهم، وتشجيعهم على ارتكاب الأفعال الإرهابية، وقد تدعو صراحة إلى دعمهم ماديا أو لتقديم المساعدة لهم من أجل تحقيق أهدافهم[4].

وعليه فإننا سنعمد إلى التطرق لهذه الجريمة عبر تبيان ركنها المادي (الفقرة الأولى)، وكذا ركنها المعنوي (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الركن المادي لجريمة الإشادة

من خلال مقتضيات الفصل 218-2 من مجموعة القانون الجنائي المغربي، نجد على أنه  “يعاقب… كل من أشاد بأفعال تكون جريمة إرهابية بواسطة الخطب أو الصياح أو التهديدات المفوه بها في الأماكن العامة والاجتماعات العمومية أو بواسطة المكتوبات والمطبوعات المبيعة أو الموزعة أو المعروضة للبيع أو المعروضة في الأماكن أو الاجتماعات العمومية بواسطة الملصقات المعروضة على أنظار العموم بواسطة مختلف وسائل الإعلام السمعية والبصرية والمكتوبة…”

واستنادا على ما سبق تفترض هذه الجريمة أن يقوم الجاني بالتنويه بالعمل الإرهابي، وتحبيذه وتثمينه وإعتباره عملا ايجابيا ومشروعا، بل وتبريره عبر مجموعة من الوسائل المستعملة[5] هي نفسها المشار إليها في الفصل  72 من قانون الصحافة والنشر الجديد رقم 88.13[6] .

والمشرع بتجريمه لهذه الأفعال كان يعمد إلى إزالة كل ما من شأنه أن يؤدي إلى خلق فتنة أو اضطراب بين أفراد المجتمع، الشيء الذي يؤدي معه إلى تأجج نار الفتنة ويصبح المجال متروك للتيارات الفكرية والسياسية و مفتوح على أي احتمال، بما فيها اللجوء إلى العنف والتخريب[7].

ومما لا شك فيه أن مرونة استخدام الوسائط الإلكترونية عبر شبكة الانترنت ساعدت الأصابع الخبيثة لكي تنشر العنف والخوف على مواقع التواصل الاجتماعي( الفيسبوك، تويتر، اليوتوب…)، ولكي تخطط وتنفذ الهجمات الإرهابية. فتكنولوجيا المعلومات أفادت الجماعات الإرهابية من ناحيتين:

الأولى: يمكن لهم أن يستخدموا أجهزة الحاسوب والانترنت بوصفها أداة مفيدة لتعزيز النشاط الإرهابي التقليدي مثل استخدام الانترنت في التجنيد والتدريب وتبادل المعلومات بين المنظمات الإرهابية المختلفة.

الثانية: البنية التحتية للمعلومات يمكن أن تشكل هدفا جذابا للأعمال الإرهابية التي يمكن من خلالها التأثير على الرأي العام العالمي[8].

يقوم الإرهابيون بإنشاء وتصميم مواقع لهم على شبكة الإنترنت لنشر أفكارهم والدعوة إلى مبادئهم، بل تعليم الطرق والوسائل التي تساعد على القيام بالعمليات الإرهابية، فقد أنشئت مواقع لتعليم صناعة المتفجرات، وكيفية اختراق وتدمير المواقع، وطرق اختراق البريد الإلكتروني، وكيفية الدخول إلى المواقع المحجوبة، وطريقة نشر الفيروسات وغير ذلك[9].

ورغم أن هذا التجريم قد يمس بحق الفرد في التعبير وقد يؤدي الأمر إلى استغلاله من طرف السلطات التنفيذية للتضييق على حرية التعبير والرأي من منطلق تجريم الدعاية للإرهاب، فإن القضاء مدعو أكثر من أي وقت مضى إلى إيجاد توازن بين حق الأفراد في حرية التعبير وضمان حريتهم وبين حق المجتمع في الأمن والاستقرار.

وقد جاء في قرار صادر عن الغرفة الجنائي بالمجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا)[10] بتاريخ 04/03/2009، قضى: “بنقض وإبطال القرار المطعون فيه الصادر عن غرفة الجنايات الاستئنافية بمحكمة الاستئناف بالرباط بتاريخ 18 يونيو 2008، في القضية ذات الرقم 08/36 في حق المسمى (ر.م). وبإحالة القضية على نفس المحكمة لتبت فيها من جديد وهي متركبة من قضاة لم يسبق لهم الفصل في القضية”. وتتلخص وقائع القضية في أن المتهم كان عضوا نشيطا بحزب العدالة والتنمية ويعمل بأحد محلات الانترنت الشيء الذي مكنه من ولوج عدة مواقع تروج للفكر الجهادي وخاصة موضوع موقع الحسبة، والنافذة الإعلامية المرتبطة بتنظيم القاعدة والتي كان يشاهد من خلالها بعض العمليات الانتحارية بواسطة المتفجرات للمجاهدين في العراق، وأوضح المتهم بأنه سبق له أن أسس رفقة (ج.ب) جريدة إلكترونية تحت اسم موطن، وهي موقع للدعاية الجهادية.

الفقرة الثانية: الركن المعنوي لجريمة الإشادة

من خلال اطلاعنا على محتويات الفصل 2-218 من مجموعة القانون الجنائي، فإنه يتضح لنا بأن المشرع المغربي قد صنف جريمة الإشادة بالأفعال الإرهابية من الجرائم العمدية، التي تتطلب القصد الجنائي العام عبر توجيه الجاني لإرادته نحو تحقيق الوقائع المكونة للجريمة مع إحاطته بعناصرها كما يحددها القانون في النص الجنائي لكن بدون تخصيص لعنصري العلم والإرادة الواجبة لقيامه بباعث معين أو غاية مضمرة، كما في جرائم الإيذاء العمد يكفي أن يأتي الجاني النشاط عن علم وإرادة ليقوم القصد الجنائي دون اشتراط لأن يكون مدفوعا لذلك بباعث معين أيا كان .

و تجدر الإشارة في الأخير إلى أن التمسك بالجهل أو عدم الإحاطة والعلم بالواقعة الجرمية (جريمة الإرهاب الإلكتروني والإشادة بها) جراء الجهل أو غلط في القانون المنظم لها، لا يؤدي إلى انتفاء القصد الجنائي لدى مرتكبها تطبيقا للقاعدة القانونية العامة التي وردت في الفصل الثاني من ق ج والتي تقضي بأنه “لا يسوغ لأحد أن يعتذر بجهل التشريع الجنائي”.

 

[1] – عبد الرحيم بوعيدة، دور الإعلام الإلكتروني في صناعة الرأي العام، مداخلة بالمؤتمر الأول حول الإعلام الإلكتروني: “الراهن والتحديات المستقبلية”، يوم السبت 13 يونيو 2015 بفندق صوفيتيل-أكادير.

[2] -هناك العديد من المواقع الإجرامية المعلنة عبر الشبكة الدولية مخصصة لمنظمات إجرامية محترفة في جميع أعمال العنف والإرهاب يتم الاتصال بها والاتفاق على تنفيذ الأعمال الإجرامية من قتل أو اغتيال أو نسف وتفجير أو خطف طائرات أو حتى تصدير مواد نووية أو أسلحة متقدمة ومفرقعات، وتخصص مثل هذه المواقع بعضا منها  للقيام بأعمال التدريب العملي على استخدام هذه  الأدوات ،ويمكنها تأمين نفسها ضد أي اختراقات أو أعمال تدمير بالفيروسات، وقد استطاعت بعض هذه المنظمات الحصول على أرباح مالية طائلة من بعض الأفراد والمؤسسات تحت التهديد بكثير من أعمال العنف و الإرهاب .

للتفصيل أكثر راجع:

– محمد مؤنس محب الدين، تحديث أجهزة مكافحة الإرهاب وتطوير أساليبها، جامعة نايف للعلوم الأمنية، الرياض ،ط 1، 2006  ،ص119.

[3] – والمشرع المغربي مواكبة منه للتطورات السريعة والمتلاحقة التي تعرفها الجريمة الإرهابية، التي انتقلت من مرحلة العمل العفوي والتلقائي إلى مرحلة العمل المنظم، ووفاء منه بالتزاماته أمام المجتمع الدولي وانسجاما مع المواثيق الدولية التي صادقت عليها بلادنا في إطار مكافحة الإرهاب (الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب الموقعة بتاريخ 2000 بنيويورك، الإتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب الموقع بالقاهرة لسنة 1998 …) ، وبعد أن أصبحت الظاهرة الإرهابية تشكل تهديدا لاستقرار المجتمع المغربي وأمنه – خصوصا بعد أحداث 16 ماي 2003- بالتدخل لمواجهة هذه الظاهرة، عبر إقرار قواعد وتدابير لمحاولة القضاء عليها مستقبلا، وذلك عبر إصداره لقانون 03-03 المتعلق بمكافحة الإرهاب و03 المتمم بالقانون رقم 86.14، متضمنا العديد من الأفعال التي تعتبر جرائم إرهابية، كما تشدد في العقاب على جرائم أخرى عندما ترتكب بغرض الإرهاب.

ويعتبر قانون 03-03  أول قانون تضمن إشارة صريحة للإجرام المعلوماتي، كوسيلة للقيام بأفعال إرهابية لها علاقة عمدية بمشروع فردي أو جماعي يهدف إلى المس الخطير بالنظام العام بواسطة التخويف.

 

[4] – لقد اتسم تعريف الإرهاب باختلاف الآراء الفقهية، نتيجة الاختلاف في المعايير التي يعتمدها أصحابها لتحديد مفهوم العمل الإرهابي، وهو ما يمكن أن نعزوه إلى أن كل باحث في هذا المجال يحمل أولويات معينة وأفكار مسبقة تسيطر على ذهنه في تحديد مدلول فكرة الإرهاب، بحيث سار الجميع يسعى إلى نتائج تؤكد أولوياته وتخدم أفكاره التي يؤمن بها.

-انظر: مراد بنار، الجرائم المرتكبة عبر الوسائط الإلكترونية، رسالة لنيل شهادة الماستر في العلوم الجنائية والأمنية، كلية العلوم القانونية والاجتماعية والاقتصادية، جامعة القاضي عياض مراكش، السنة الجامعية 2017/2018، ص 52.

[5] -اعتبر القضاء المغربي أن نشر مقال عبر جريدة وما يحمله من تأييد للأعمال الإرهابية والاعتداءات التي عرفتها الدار البيضاء في 16 ماي 2003 من قبيل الإشادة بالأعمال الإرهابية.

قرار 503 صادر عن استئنافية الرباط يوم 4/8/2003 في الملف الجنائي الابتدائي 607/2003/22، منشور بالمجلة المغربية للمنازاعات القانونية  ،العدد 2، السنة 2004، ص111.

[6] –القانون المتعلق بالصحافة والنشر رقم 88.13 الصادر سنة 2016، ظهير الشريف رقم 1.16.122 صادر في 6 ذي القعدة 1437 (10أغسطس 2016)، الجريدة الرسمية عدد 6491 (15 أغسطس 2016).ص5966.

[7] – يوسف بنباصر، الجريمة الإرهابية بالمغرب وآليات المكافحة القانونية، الجزء الأول، سلسلة بناصر للدراسات القانونية والأبحاث القضائية، العدد السادس، السنة الثانية ، مطبعة دار القلم، الرباط، ط1، 2004، ص93.

[8] – عبير الرحباني،  الإعلام الرقمي)الإلكتروني(، دار أسامة، للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، ط 1 ، 2012 ، ص190.

[9] – أيسر محمد عطية، دور الآليات الحديثة للحد من الجرائم المستحدثة ) الإرهاب الإلكتروني وطرق موجهته(، ورقة علمية مقدمة في الملتقى العلمي،  الجرائم المستحدثة في ظل المتغيرات والتحولات الإقليمية والدولية خلال الفترة2- 4 سبتمبر 2014 ، عمان، الأردن، ص 16.

[10] – قرار صادر عن المجلس الأعلى(محكمة النقض حاليا) بتاريخ 04/03/2009، عدد 1/168 ملف جنائي عدد 19676/2008. (غير منشور).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock