في الواجهةمقالات قانونية

خصوصية المتابعة التأديبية في المجال المالي دراسة تحليلية لاختصاص القضائي التأديب المتعلق بالميزانية

 

خصوصية المتابعة التأديبية في المجال المالي

دراسة تحليلية لاختصاص القضائي التأديب المتعلق بالميزانية

هشام العقراوي: باحث بسلك الدكتوراه

كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية المحمدية

المقدمة

تعكس اختصاصات المجلس الأعلى للحسابات في ميدان التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية، مدى اتساع مجال الرقابة في المجال المالي[1]، وهذا يبرز الرغبة الملحة للمشرع في الإحاطة بكل الإختلالات والمخالفات التي يمكن أن تمس ميدان تدبير المال العام[2]، وذلك من خلال تحديد مجال الرقابة المطبقة من لدن المحاكم المالية، بشكل يتوافق ورغبة المشرع هاته[3]، ولمقاربة  الخصائص المؤطرة للمتابعة والعقاب التي يباشرها المجلس الأعلى للحسابات في مجال التأديب المالي، ينبغي تحديد أسس المتابعة المالية في إطار مدونة المحاكم المالية (المطلب الاول)، ثم محاولة تقدير حدود فعالية نظام العقوبات الناشئة عن ممارسة سلطة التأديب المالية (المطلب الثاني).

المطلب الأول: المتابعة والعقوبات في التأديب المالي المتعلق بالميزانية.

تتعدد أسس المتابعة في المجال المالي، بحيث ترتكز على ما هو مؤسساتي أي تدخل الأجهزة التي مارس عليها المجلس الأعلى للحسابات رقابته، أو وفق الإعتبار المؤسساتي الشخصي الذي يهم الأشخاص الخاضعين لرقابة المجلس في ميدان التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية (الفقرة الاولى). كما تتميز المتابعة بكونها تتأسس على الإعتبار الموضوعي ويتعلق الأمر بطبيعة المخالفات (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: المتابعة التأديبية بين البعد المؤسساتي والشخصي.

أولا: تعدد الأجهزة الخاضعة للرقابة في ميدان التأديب المالي.

وعيا من المشرع بضرورة شمولية الرقابة في ميدان التأديب المالي لينضم مختلف أجهزة الدولة ومؤسساتها، فقد عمل من خلال مدونة المحاكم المالية، وتم تكريس هذه الفكرة من خلال المادة 51 من المدونة المذكورة[4]، وتضم هده الأجهزة

  • مرافق الدولة.
  • المؤسسات العمومية.
  • الشركات أو المقاولات التي تملك فيها الدولة أو المؤسسات العمومية، على انفراد أو بصفة مشتركة، بشكل مباشر أو غير مباشر أغلبية الأسهم في الرأسمال، أو سلطة مرجعية في إتخاذ القرار.
  • الشركات أو المقاولات التي تملك فيها الدولة أو المؤسسات العمومية، بصفة مشتركة، مع الجماعات الترابية أغلبية الأسهم في الرأسمال، أو سلطة مرجعية في إتخاذ القرار.

فمن الطبيعي أن تخضع هذه الأجهزة السابقة للرقابة في ميدان التأديب المالي، فمرافق الدولة مثلا، تعمل على تنفيذ قوانين المالية، وتشغل المسؤولين والموظفين الخاضعين للعقوبات في ميدان التأديب المالي، أما بالنسبة للمؤسسات العمومية التي تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي[5]، فإن منها من يخضع للمجلس الأعلى للحسابات وهي الأجهزة الوطنية[6]، أما المؤسسات المحلية العمومية فهي تخضع لرقابة المجلس الجهوي للحسابات.

و بالنسبة للشركات أو المقاولات التي تملك فيها الدولة أو المؤسسات العمومية، على إنفراد أو بصفة مشتركة، بشكل مباشر أو غير مباشر أغلبية الأسهم في الرأسمال، أو سلطة مرجعية في إتخاد القرار، والشركات أو المقاولات التي تملك فيها الدولة أو المؤسسات العمومية، بصفة مشتركة، مع الجماعات الترابية أغلبية الأسهم في الرأسمال، أو سلطة مرجعية في إتخاد القرار. فتتأسس هذه الطريقة في تدبير المرفق العام، على أساس إقامة شراكة بين كل من السلطات العامة والأفراد في إدارة المرفق العام، سواء كانت هذه السلطات الدولة أو المؤسسات العمومية على إنفراد، أو بصفة مشتركة بشكل مباشر أو غير مباشر أو الدولة والمؤسسات العمومية بصفة مشتركة مع الجماعات الترابية.

ومقتضى هذه الشراكة هي أن تسهم كل من الدولة أو الأجهزة المذكورة بحصة من الأسهم والسندات، حتى تشترك في إدارتها. ويشترط في هذه المساهمة أن تتعدى 50 في مائة، وذلك لكي تكون للجهاز أغلبية الأسهم. وإما أن تكون له سلطة مرجعية في إتخاد القرار، وهنا يمكن تجاوز المقتضى المتعلق بضرورة التوفر على أغلبية الأسهم. وفيما يخص تمتع السلطة العامة بحق الرقابة، فليس مرد ذلك كونها مساهمة، ولكن بصفتها حامية للمصلحة العامة، بغض النظر عن نسبة إكتسابها في رأسمال الشركة أو المقاولة[7].

وهنا لابد من الإشارة إلى جزئية محورية، تتمثل في تخصيص المشرع الاشتراك مع الجماعات الترابية فقرة خاصة هي الفقرة الرابعة، ويتعلق الأمر بأنه إذا كانت الدولة أو المؤسسات العمومية تملك على انفراد أغلبية الأسهم في الشركة أو المقاولة، فإنها تخضع بصفة تلقائية لرقابة المجلس الأعلى للحسابات.

خلافا للمؤسسات التي يكون رأسمالها مشتركا بين الخواص والجماعات الترابية أو هيئاتها أو المؤسسات المحلية العمومية، فهي تخضع لرقابة المجلس الجهوي للحسابات في ميدان التأديب المالي[8]، شريطة:

  • أن تكون أغلبية الأسهم في ملك الجماعات الترابية أو هيئاتها أو المؤسسات العمومية المحلية.
  • أن تكون سلطة إتخاذ القرار مرجحة لفائدة الجماعات الترابية.

ومما سبق نخلص إلى أنه، حتى لو لم تملك الجماعات الترابية أو هيئاتها أو المؤسسات العمومية، أغلبية الأسهم في رأسمال هذه المقاولات أو الشركات، فيمكن للمجالس الجهوية أن تبسط رقابتها على هذه الأخيرة، إن كان للطرف العمومي سلطة مرجعية في إتخاذ القرار[9].

والجدير بالذكر أن مدونة المحاكم المالية، تعد أكثر دقة وموضوعية في هذا المجال من القانون المنظم للمجلس الأعلى للحسابات في صيغته القديمة[10]، حيث أن النص الجديد يتميز بتحديده الحصري للائحة الأجهزة العامة الخاضعة لرقابة المجلس في ميدان التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية، خلافا للإشارة العامة والواردة في الفصل 56 من القانون 79/12 والتي مؤداها “… خضوع الأجهزة العامة وكل جهاز آخر تجري عليه مراقبة المجلس[11]“.

ثانيا: تعدد الأشخاص الخاضعين للتأديب المالي

لقد نصت المادة 51 من مدونة المحاكم المالية[12]، على ممارسة المجلس الأعلى للحسابات مهمة قضائية في التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية، بالنسبة لكل مسؤول أو موظف أو عون بأحد الأجهزة الخاضعة لرقابة المجلس، كل في حدود الاختصاصات المخولة له، والذي يرتكب أحد المخالفات المنصوص عليها في المواد 54 و55 و 56 بعده.

ونجد أن هذه المادة قد نصت أن المسؤولية والمساءلة في إطار التأديب المالي، تشمل فئة المسؤولين، والتي تضم إضافة إلى الآمرين بالصرف والآمرين المساعدين والمراقبين، المحاسبين العموميين الذين يقومون بهذه الوظائف بواسطة الحلول في الاختصاص[13].

ولا تقتصر المسؤولية في ميدان التأديب على المحاسب العمومي فقط، بل كل موظف أو عون يوجد تحت إمرته أو يعمل لحسابه، معني أيضا بهذه المسؤولية[14].

وما يجب الإشارة إليه في هذا الصدد، هو كون المحاسب العمومي يخضع للمساءلة في إطار التأديب المالي، فقد أضيفت إليه مسؤولية أخرى بالإضافة إلى مسؤولية النظر في الحسابات، مما يجعل هاتين المسؤوليتين متحدتين من حيث الصبغة القضائية للرقابة الممارسة من طرف المحاكم المالية، لكن يمكن القول أنهما مستقلتين من حيث مجال هذه الرقابة، الشيئ الذي يبين مدى ثقل المسؤوليات الملقاة على عاتق المحاسب العمومي.

وبالنسبة للآمرين بالصرف ومن في حكمهم، فنجد الفصل 3 من المرسوم الخاص بالمحاسبة العمومية، يشير إلى الآمر بالصرف بكونه: ” كل شخص مؤهل بإسم منظمة عمومية لرصد أو إثبات أو تلقي أوامر استخلاص، أو أداء “[15]. ويمكن أن يكون آمرا بالصرف بحكم القانون، أو آمرا بالصرف معينا، أو آمرا بالصرف منتدبا، أو آمرا مساعدا بالصرف، ونواب الآمر بالصرف[16].

ولقد وسع قانون 62.99 دائرة المسؤولين أمام المحاكم المالية، باعتبارهم آمرين بالصرف أو مساعديهم، وكذا كل مسؤول أو موظف أو عون يعمل تحت سلطتهم ولحسابهم، كل في حدود الاختصاصات المخولة له، والذين يرتكبون المخالفات المنصوص عليها في القانون[17].

تبقى فئة المراقبين[18] ومن في حكمهم، فإن خضوعهم للمسؤولية في ميدان التأديب المالي يعتبر من مستجدات القانون الجديد للمحاكم المالية، وإخضاعها للمراقبة. وأيضا يعتبر هذا المقتضى الحد الحاسم لكل نقاش فقهي أو قضائي، أثير حول مدى خضوع المراقبين للمسؤولية في ميدان التأديب المالي[19].

ورغم بعض الآراء المعارضة لخضوع المراقبين لرقابة المحاكم المالية، اعتبارا لكون هذه الأخيرة يتجسد دورها في الرقابة البعدية اللاحقة، لأنها برقابتها ومساءلتها للمراقبين، تكون كمن يمارس رقابة سابقة على المال العام، وهو تدخل حسب هذا الرأي في عمل الرقابة القبلية[20].

ولكن مهما يكن، فالمادة أصبحت واضحة حول خضوع مراقب الإلتزام بالنفقات والمراقب المالي، ولكل من يعمل تحت إمرتهم للمسؤولية أمام المحاكم المالية[21].

وقد أصاب المشرع بإدخال هذه الفئة في قائمة المسؤولين في ميدان التأديب المالي، بالنظر إلى المهام البارزة التي يقومون بها على مستوى العمليات المالية وصحتها، أيضا ارتباطها الوثيق بآليات الإنفاق العام، وأيضا لصلتها العضوية بمسؤوليات الفاعلين الآخرين في هذا المجال[22].

وبالموازاة مع ذلك فإن المشرع قد أورد إستثناءا في ميدان التأديب المالي، والذي يخص عدم إخضاع وإعفاء أعضاء الحكومة والبرلمان من المتابعة أمام المحاكم المالية، اعتبارا لطابع مسؤولية هؤلاء، والتي هي أساسا مسؤولية سياسية تثار من خلال الوسائل والطرق المتعارف عليها في الممارسات الديمقراطية، أي أمام البرلمان.[23]

فقد نصت مدونة المحاكم المالية على أنه : ” لا يخضع للاختصاص القضائي للمجلس في ميدان التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية، أعضاء الحكومة وأعضاء مجلس النواب وأعضاء مجلس المستشارين، عندما يمارسون مهامهم بهذه الصفة[24] ” وبالتالي فإن متابعة أعضاء البرلمان والحكومة أمام المحاكم المالية يبقى غير ممكن في ميدان التأديب المالي، لاعتبارهم مسؤولين سياسيا يحاسبون أمام البرلمان والملك، كما أنهم إذا ارتكبوا مخالفات معاقب عليها في القانون الجنائي، فإن متابعتهم تكون أمام المحاكم العليا، وفقا للمقتضيات الدستورية والتنظيمية المنظمة لهاته الأخيرة، وأمام القضاء الزجري بعد رفع الحصانة فيما يتعلق بأعضاء مجلس النواب والمستشارين.

غير أن هناك صورة أخرى، يمكن على إثرها أن تثار مسؤولية عضو البرلمان أو الحكومة في ميدان التأديب المالي، فالمشرع في نص المادة أعلاه وضع شرطا أساسيا للحيلولة دون مساءلة العضوين المذكورين، ألا وهو ضرورة أن تكون المخالفات المرتكبة خرقا لقواعد التنظيم المالي، قد ارتكبت وهم يمارسون مهامهم بصفتهم الحكومية أو البرلمانية. وبمفهوم المخالفة يتضح أنه عندما يكون الوزير أو البرلماني قد ارتكب مخالفة تستوجب المساءلة في ميدان التأديب المالي، وهو لا يمارس هذه الاختصاصات بصفته وزيرا ولا برلمانيا، فإن هذا الأخير يكون مسائلا أمام القضاء المالي.

وهذه الصورة يمكنها أن تتحقق، عندما يكون عضو الحكومة أو البرلمان آمرا بالصرف لجماعة ترابية أو هيئة أو مؤسسة عمومية محلية معينة، فهنا لا شك أن هذا الأخير سواء كان وزيرا أو برلمانيا، لا يمارس بكل تأكيد مهامه على رأس الجماعة المحلية أو المؤسسة العمومية بصفته تلك، وبالتالي فهو يكون خاضعا لرقابة المجالس الجهوية للحسابات في ميدان التأديب المالي[25].

والأمر لم يقتصر على ذلك فقط، فمدونة المحاكم المالية قد أكدت هذا الطرح عندما تعاملت بشكل أكثر دقة ووضوحا مع كل من الوالي والعامل، واللذان يخضعان لقضاء المجلس الجهوي للحسابات، في ميدان التأديب المالي، في الحالة التي يعملان باعتبارهما آمرين بالصرف لجماعة محلية أو هيئة. وما عدا هذه الحالة فإنهم يعاملون معاملة أعضاء الحكومة والبرلمان فيما يخص عدم خضوعهم للمساءلة أمام المحاكم المالية في هذا الميدان[26].

الرجوع1 / 4

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق