في الواجهةمقالات قانونية

دور الظاهرة الاقتصادية والرهانات المالية في تنميط أنظمة التعاقد – عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص نموذجا  –

دور الظاهرة الاقتصادية والرهانات المالية في تنميط أنظمة التعاقد – عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص نموذجا  –

عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص نموذجا  

أسامة بالهدي

طالب باحث، ماستر قانون العقود والأعمال

 جامعة محمد الأول

الكلية المتعددة التخصصات بالناضور

مقدمة

لاشك أن التطورات المتسارعة التي لحقت الظواهر الاقتصادية الكبرى التي شهدها العالم في الآونة الأخيرة تفرض على الدولة تحسين برامجها ومخططاتها الاقتصادية لمواجهة التحديات الكبرى والخطيرة للعولمة وذلك عن طريق تطوير آلياتها الإنتاجية والرفع من قدراتها التنافسية بغية تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية وهذه الأهداف كما حددها خبراء الاقتصاد تهم الأداء الاقتصادي للشركات والأداء الاقتصادي للأنشطة الاقتصادية وترسيخ دعائم الحرية الاقتصادية ناهيك عن إنعاش قواعد قانونية شفافة في عالم المقاولات والأعمال .[1]

وأمام هذه التحولات فيبقى الضابط الحقيقي للتعاملات البشرية هو العقد، وأن الضابط الحقيقي لهذا العقد هو الإرادة، لكن من خلال التأمل في الظاهرة الاقتصادية والرهانات المالية والتغيرات والتحولات التي يعرفها العالم والتي تبلورت من عشرية لأخرى، يتضح أن هناك مجموعة من العوامل و القوى الدافعة تعمل على تشكيل وتكوين نظام تعاقدي جديد، يختلف في خصائصه و سماته و في ترتيباته عن تلك التي كانت سائدة من قبل، فقد أصبحت الدولة تحمل على عاتقها مسؤولية التوفيق بين الأهداف التي أدت إلى خلق علاقة تنافسية بين القانون الاقتصادي والقانون العقدي، بعدما ظهرت أنواع جديدة من العقود ليست منظمة من قبل قانون الالتزامات والعقود الذي أصبح عاجزا عن مواكبة هذه المتغيرات، مما أدى إلى عدم الفعالية، تمخض عنه ما سمي “بأزمة العقد”، دفعت إلى تزايد تدخل المشرع لحماية الطرف الضعيف في العقد من خلال ظاهرة خاصة من أجل تحقيق التوازن العقدي النسبي في طرفي العلاقة.

فالمتتبع للتطورات و التغيرات المستمرة والمتلاحقة يلاحظ ظهور عقود حديثة كمرحلة جديدة من مراحل تطور أنظمة التعاقد فقد أصبحنا نسمع عن العقود النمطية بكثرة في الآونة الأخيرة كالعقد المنظم مؤخرا من قبل المشرع المغربي المتعلق ب “الشراكة بين القطاعين العام والخاص “[2] (بالإنجليزية: (public–private partnership (PPP) و قد أطلق البعض على هذا النوع من التعاقد الذي تبرمه الإدارة بالجيل الثالث للعقود الإدارية ، التي تهم تدبير و تسيير المرافق العمومية و إنشائها .

وعليه يحق لنا أن نتسائل عن دور الظاهرة الاقتصادية والرهانات المالية في تنميط عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص ؟ و  ماهي مظاهر نمطية هذا العقد ؟

وللإجابة على التساؤلين المطروحين سنحاول اتباع التصميم التالي:

المطلب الأول : الإطار العام لعقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص

المطلب الثاني : تنميط عقد الشراكة وخروجه عن القواعد العامة

 

المطلب الأول : الإطار العام لعقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص

يقتضي تحديد الإطار العام لعقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص التطرق إلى التعريف بهذا العقد (الفقرة الأولى) ثم طبيعته القانونية (الفقرة الثانية) .

الفقرة الأولى : التعريف بعقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص

أولا : تعريف عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص

رغم شيوع مفهوم الشراكة بين القطاعين العام والخاص، إلا أن تعريفه وتحديد إطاره المفاهيمي يكتنفه بعض الغموض في ظل التعاريف الفقهية الكثيرة التي وضعت له ، وبسبب تعدد الحقول المعرفية التي تلامسه … وفي هذا الصدد ، هناك شبه إجماع على وجود مفهومين للشراكة بين القطاعين العام والخاص احدهما واسع والأخر ضيق.

فالشراكة بين القطاعين العام والخاص في مفهومها الواسع ، هي عقود إدارية بحكم القانون بين احد الأشخاص المعنوية العامة كالدولة أوالجماعات المحلية أوالمؤسسات العمومية، وبين إحدى المقاولات الخاصة التي تتكلف بمهمة شاملة تتضمن تمويل الاستثمارات ، بناء الأشغال العمومية ، تشغيل وتدبير المرفق العام وصيانته طول مدة الاستغلال ، وانتقال الملكية في نهاية المدة التي عادة ما تكون طويلة [3]

وبعبارة أخرى عرفها صنــدوق النقــد الدولــي : “هــي الاتفاقيــات التــي يوفــر بموجبهــا القطــاع الخــاص بنيــات تحتيــة وخدمــات كانــت عــادة مــن مســؤولية الدولــة”[4]

اما الشراكة بين القطاعين العام والخاص في مفهومها الضيق فهي التعاون لانجاز مشاريع مشتركة بين الدولة أو الجماعات المحلية أو المؤسسات العمومية، وبين المقاولات الخاصة وهذه الشراكة تتم بواسطة عقد [5].

ومن المنظور القانوني جاء القانون رقم 86.12 [6] ‏المتعلق بعقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص في المادة الأولى بالتعريف الأتي ” عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص عقد محدد المدة، يعهد بموجبه شخص عام إلى شريك خاص مسؤولية القيام بمهمة شاملة تتضمن التصميم والتمويل الكلي أو الجزئي والبناء، أو إعادة التأهيل وصيانة أو استغلال منشأة أو بنية تحتية أو تقديم خدمات ضرورية لتوفير مرفق عمومي

يقصد بالمصطلحات التالية في مدلول هذا القانون :

Ÿ        ‏الشخص العام : الدولة والمؤسسات العمومية التابعة للدولة والمقاولات العمومية.

Ÿ        ‏الشريك الخاص : شخص معنوي خاضع للقانون الخاص، بما في ذلك الشخص المعنوي الذي يمتلك شخص عام رأسماله كليا أو جزئيا “.

ويذهب احد الباحثين[7]  إلى أن الشراكة بين القطاعين العام والخاص ” عادة ما تتجسد بعقود طويلة الأمد تمزج بين قدرات القطاع العام والقطاع الخاص لتحقيق عمليات التصور والتشييد وتدبير التجهيزات أو المرافق العامة ولذلك فهي تشكل مناسبة سانحة للمسؤولين المحليين لإشراك المتدخلين العموميين والخواص في استثماراتهم وتامين جودة المرفق العمومي “.

وتأسيسا على هذه التعاريف المؤسساتية الفقهية والقانونية  المدرجة للشراكة بين القطاعين العام والخاص يمكن استخلاص بعض الخاصيات التي تتميز بها هذه الشراكة.

 

ثانيا : خصائص عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص

بالرجوع إلى القانون 86.12  ‏المتعلق بعقود الشراكة بين القطاعين العام يمكن استخلاص الخصائص التالية لعقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص:

1 – طول مدة الشراكة بين القطاعين العام والخاص ارتباطا بطبيعة الخدمات والتسهيلات الممنوحة حيث نصت المادة 13 من القانون 86.12 على انه ” تحدد مدة عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص مع الأخذ بعين الاعتبار حسب الحالة، خصوصا، استخماد الاستثمارات التي سيتم إنجازها و كيفيات التمويل المعتمدة وطبيعة الخدمات المقدمة.

وتتراوح هذه المدة ما بين خمس سنوات وثلاثين سنة ويمكن تمديدها بصفة استثنائية، إلى خمسين سنة وذلك حسب الطبيعة  المعقدة للمشروع وخصوصياته التقنية والاقتصادية  والمحاسباتية والمالية “.

2 – العقد الرابط بين شخص من أشخاص القانون العام وشخص على الأقل من أشخاص القانون الخاص عقد ذو طبيعة إدارية.

3 – تقاسم أطراف عقد الشراكة للمهام والمخاطر والمنافع على أساس المناصفة سواء كانت الأخطار ناتجة عن حادث فجائي أو قوة قاهرة [8] وذلك تكريسا لشراكة لا خاسر فيها (win-win partnership)

4 – انجاز لخدمات عمومية حسب مواصفات اقتصادية من لدن القطاع الخاص.

5 – إجمالية وشمولية المهام موضوع الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

6 – قيام الشريك بمهمة شاملة، تتضمن التصميم والتمويل الكلي والجزئي والانجاز أو إعادة توظيف وصيانة أو استغلال منشاة أو بنية تحتية وهذا ما أكدته المادة الأولى من قانون عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

7 – تأدية الشريك العام المقابل المالي بطرق خاصة[9] بحسب ما نصت عليه المادة 15 .

8 – انتقال ملكية أصول المشروع موضوع التمويل، الاستثمار والتدبير والتشغيل والاستغلال والصيانة عند نهاية مدة العقد إلى الشريك العام [10].

9 – تعددية وتباين أساليب الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

ولا تكتمل دراسة أسلوب الشراكة بين القطاعين العام والخاص دون التطرق _ ولو بإيجاز _ إلى الأهداف المراد تحقيقها والمنبثقة بدورها عن مبررات ودوافع الطرفين بايجابياتها وسلبياتها.

بعض ايجابيات و سلبيات الشراكة بين القطاعين العام والخاص من منظور القطاع العام:

سلبيات الشراكة بين القطاعين العام والخاص من منظور القطاع العام ايجابيات الشراكة بين القطاعين العام والخاص من منظور القطاع العام
طول أمد عقد الشراكة وعدم تكافؤ الشركاء تخفيف العبء عن ميزانية الدولة
احتمال تعرض الشراكة لمخاطر تجارية أو تقنية تخفيف العبء الإداري والتنظيمي الذي تتحمله الإدارة العمومية في تأطيرها لمسلسل التنمية
صعوبة التوفيق بين تحقيق المصلحة العامة ومنطق الربح اقتسام المسؤوليات والمهام والمخاطر وتكريس التضامن

 

بعض ايجابيات و سلبيات الشراكة بين القطاعين العام والخاص من منظور القطاع الخاص:

سلبيات الشراكة بين القطاعين العام والخاص من منظور القطاع الخاص ايجابيات الشراكة بين القطاعين العام والخاص من منظور القطاع الخاص
غياب ضمانات فعلية لاستمرار الشراكة مع القطاع العام تلميع صورة القطاع الخاص كشريك مساهم في مسلسل التنمية
تغليب تحقيق مبدأ المصلحة العامة على منطق الربح الاستفادة من قدرة وسلطة القطاع العام في التخطيط والضبط

 

الفقرة الثانية : الطبيعة القانونية لعقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص

بالرجوع إلى التعريف الذي جاء به المشرع المغربي في القانون رقم 86.12 بخصوص  عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص يتبين لنا انه لم يحدد الطبيعة القانونية لهذا العقد لكنه بالمقابل أكد في ديباجته انه من شأن اللجوء إلى عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص أن يمكن من الاستفادة من القدرات الابتكارية للقطاع الخاص وتمويله ومن ضمان توفير الخدمات بصفة تعاقدية وتقديمها في الآجال وبالجودة المتوخاة وأداء مستحقاتها جزئيا أو كليا من طرف السلطات العمومية وبحسب المعايير المحددة سلفا .

إضافة إلى ذلك جاء فيها أن تطوير الشراكة بين القطاعين العام والخاص، يمكن تحت مسؤولية الدولة، من تعزيز :

  • توفير خدمات وبنيات تحتية اقتصادية واجتماعية وإدارية ذات جودة وبأقل تكلفة ؛

‏-  يتولى الشريك الخاص تقديم الخدمات موضوع مشاريع الشراكة مع التقيد بمبدأي المساواة بين المرتفقين واستمرارية المرفق؛

–   تقاسم المخاطر المرتبطة بها ما بين القطاعين العام والخاص؛

‏-  تنمية نماذج جديدة لحكامة المرافق العمومية داخل الإدارات العمومية على أساس الفعالية؛

  • إلزامية المراقبة والتدقيق في عقود الشراكة خاصة شروط وأحكام الإعداد والإسناد والتنفيذ.

وعلى خلاف المشرع المغربي ذهب المشرع الفرنسي إلى اعتبار عقود الشراكة من العقود الإدارية مما يتيح خضوعها للمبادئ العامة لهذه الطائفة من العقود التي تتميز بتغليب المنفعة العمومية على المصلحة الخاصة ، وتمنح العديد من الامتيازات في سبيل تحقيق هذه الغاية، مع الحرص في الوقت ذاته على إقامة نوع من التوازن بين أهداف كلا القطاعين [11].

وفي ظل عدم تحديد المشرع المغربي للطبيعة القانونية لعقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص كان لزاما تكييفه[12]. و أهمية تكييف عقد الشراكة تعود إلى كون تحديد الطبيعة القانونية لهذا العقد هو الكفيل بتحديد المرونة التي ستواجه المستثمر المتعاقد مع القطاع العام في مرحلة التفاوض وأيضا أثناء إبرام العقد وأخيرا عند تنفيذه.

بالإضافة إلى ذلك فان التكييف هو الذي سيحدد القانون الواجب التطبيق على عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص إن على مستوى تغيير بنود هذه العقود أو أثناء البت في المنازعات التي من الممكن أن تثيرها هذه العقود كما انه هو الكفيل بتحديد المحكمة المختصة [13]  لكن تعدد أساليب أو أنماط الشراكة بين القطاعين العام والخاص  وكون هذا العقد من العقود الضخمة التي تتم عن طريق العقود المركبة فانه يثير صعوبة في التكييف.

وتجدر الإشارة إلى أن الفقه وهيئات التحكيم لم يتفقوا على تكييف واحد  لعقود الشراكة بل اختلفوا في ذلك، فالبعض اعتبرها عقود إدارية و البعض اعتبرها عقود خاصة في حين يذهب البعض إلى تكييفها بأنها عقود ذات طبيعة خاصة.

 

أولا : عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص عقود إدارية:

من المبررات التي اعتمدها هذا التوجه :

– كون الدولة أو احد هيئاتها يعتبر طرفا في هذا العقد الذي يرد دائما على مرفق عام،

– الدولة او احد هيئاتها بوجه عام لا يمكن ان تخضع في التزاماتها لغير القانون العام، وذلك بالنظر للسيادة التي تتمتع بها،

– تضمين هذا العقد لشروط استثنائية تضعها الدولة او القطاع العام، وذلك بغية تحقيق المصلحة العامة،

ويترتب عن اعتماد هذا الاتجاه مجموعة من النتائج أبرزها :

– هيمنة الدولة او سيادة سلطانها على هذه العقود ،

– اختصاص القضاء الإداري في فض النزاعات الناشئة عن هذا النوع من العقود.

ثانيا: عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص عقود خاصة :

ويرى أنصار هذا الاتجاه، ان عقود الشراكة غالبا ما تتم  بين القطاع العام ومتعهد – يكون مستثمرا أجنبيا – ، ومن ثم فانه لا يمكن تطبيق أساليب التعاقد التي تتضمن امتيازات السلطة العامة على الأنماط التي يكون فيها المتعاقد طرفا أجنبيا ، على اعتبار ان سيادة الدولة لا تتعدى حدود إقليمها، لاسيما انه في إطار عقود الشراكة تكون الدولة او احد هيئاتها في أمس الحاجة إلى انجاز مشاريع اقتصادية، لا يستطيع القيام بها إلا مستثمر أجنبي لا يقبل – ما دام هو الطرف القوي- ان يخضع لامتيازات السلطة العامة، أي ينبغي ان يقف موقف المساواة مع المتعاقد الاخر. والمتعهد – المستثمر- غالبا ما يوجد في مركز قوي يجعله يفرض شروطه على الهيئة العامة[14].

ومن الحجج التي أدلى بها أنصار هذا الاتجاه، أن هناك تساوي وتوازن بين أطراف عقد الشراكة الأمر الذي يفقده احد اهم عناصر العقد الاداري، كما ان عقود الشراكة تتسم بقدر كبير من المرونة[15].

ثالثا: عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص عقود ذات طبيعة خاصة :

يرى أنصار هذا الاتجاه أن أنماط عقود الشراكة متعددة، ومن الصعب حصرها تحت نظام قانوني واحد، بمعنى انه ينبغي البحث في كل عقد على حدة لمعرفة النظام القانوني الذي يخضع له، ومن ثم، لا يمكن الجزم بوجود قاعدة عامة تقضي بتطبيق قواعد القانون الإداري أو قواعد القانون الخاص، أي حسب هذا الاتجاه فان عقد الشراكة قد يخضع لأحكام القانون الإداري في النواحي المرتبطة بتنظيم المرفق، في حين يخضع لقواعد القانون الخاص فيما عداه[16] .

 

 

 

 

 

 

المطلب الثاني : تنميط عقد الشراكة وخروجه عن القواعد العامة

انتشرت العقود النمطية في معظم المعاملات. وقد قدر بعض الباحثين عام 1971 إن الصيغ النمطية الجاهزة للعقود تغطي نحو 99% من المعاقدات التي تجري في البلاد الغربية [17]. أما العقود التي تنعقد بالطريقة التي نتصورها نظرياً أو تلك التي تعدها كتب الفقه الصيغ الأساس للتعاقد فإنها تكاد تكون قد اختفت تماماً من حياة الناس المعاصرة. فالعقود التي تقع بين الناس سواء وقع الإيجاب والقبول به طرفيها مكتوباً أو ملفوظاً أو كانت بالمعاطاه تجري على نمط معد مسبقاً ونظام مرتب اقتضته معطيات التطور الاقتصادي والتكنولوجي. ولم يعد يقع بين الناس اليوم تلك المساومة والمجاذبة على شروط العقد التي يفترض ان تكون دليلاً على تحقق الرضا.

وعلى هذا الأساس سنحاول تناول أسباب و مظاهر تنميط عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص (الفقرة الأولى) قبل أن نتحدث عن خروج عقد الشراكة عن القواعد العامة (الفقرة الثانية)

الفقرة الأولى :  تنميط عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص

سبق وان اشرنا إلى أن القانون 86.12  يعرف عقد الشراكة بكونه عقد محدد المدة،  يعهد بموجبه شخص عام إلى شريك خاص مسؤولية القيام بمهمة شاملة تتضمن التصميم والتمويل الكلي أو الجزئي والبناء أو إعادة التأهيل وصيانة أو استغلال منشأة أو بنية تحتية أو تقديم خدمات ضرورية لتوفير مرفق عمومي، ولمدة تتراوح ما بين خمس سنوات وخمسين سنة

و عقود الشراكة بين القطاعين العام و الخاص تبرم وفق مقتضيات القانون السالف الذكر ، و الذي جاء في المادة الرابعة منه على أنه تبرم وفق مساطر الحوار التنافسي أو طلب العروض أو وفق المسطرة التفاوضية.

 

ومن خلال استقراء بعض المواد التي يتضمنها القانون 86.12 المتعلق بعقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص، يتبين لنا أن هذا العقد من العقود النمطية، وتبرز مظاهر تنميط هذا العقد أساسا من حيث أطرافه ومحله و مدته وبنوده،

فالمشرع حدد في المادة الأولى من هذا القانون أطراف هذا العقد، وهما الشخص العام والشريك الخاص، فأما الشخص العام فيقصد به الدولة والمؤسسات العمومية التابعة للدولة والمقاولات العمومية، أما الشريك الخاص فهو شخص معنوي خاضع للقانون الخاص، ومن ثم فعقد الشراكة لا يمكن ان يجمع بين أشخاص غير منصوص عليهم في هذه المادة، وبالتالي فانه لا يتصور قيام هذا العقد بين شخصين كلاهما من القطاع العام، أو الخاص،

وبخصوص المحل فانه وفقا للقواعد العامة يحدد وفقا للحرية التعاقدية للأطراف آما محل عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص فقد حدده وحصره المشرع في التصميم والتمويل الكلي أو الجزئي والبناء، أو إعادة التأهيل وصيانة أو استغلال منشأة أو بنية تحتية أو تقديم خدمات ضرورية لتوفير مرفق عمومي وبالتالي لا يمكن أن يكون محل عقد الشراكة  غير ما حدده المشرع في المادة الأولى من القانون 86.12

أما بالنسبة لمدة عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص فقد نصت المادة  13 ما يلي  :

” تحدد مدة عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص مع الأخذ بعين الاعتبار حسب الحالة، خصوصا، استخماد الاستثمارات التي سيتم إنجازها وكيفيات التمويل المعتمدة وطبيعة الخدمات المقدمة ،

وتتراوح هذه المدة ما بين خمس سنوات وثلاثين سنة ويمكن تمديدها بصفة استثنائية، إلى خمسين سنة وذلك حسب الطبيعة  المعقدة للمشروع وخصوصياته التقنية والاقتصادية والمحاسباتية والمالية”

من هنا يتبين لنا بجلاء ووضوح ان عقد الشراكة عقد محدد المدة دائما ولا يمكن إبرامه لمدة غير محددة او لمدة اقل من تلك المنصوص عليها في القانون او اكثر منها وكل عقد مخالف لهذه المقتضيات فهو ليس بعقد شراكة بين القطاعين العام والخاص ولا تطبق عليه أحكام القانون 86.12.

أما فيما يخص بنود عقد الشراكة فقد أكدت المادة 12 من لقانون 86.12 على انه يحدد عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص حقوق الأطراف المتعاقدة والتزاماتها ويتضمن لزوما وعلى وجه الخصوص مجموعة من البنود و البيانات الإلزامية[18] المحددة على سبيل الحصر لا المثال، وبالتالي فعقد الشراكة يجب ان يشمل تلك البنود والبيانات الالزامية.

هذه بعض مظاهر تنميط عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص أما أسباب هذا التنميط فهي متعددة ومتنوعة،

فإخراج قانون ينظم عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص ومكمل للمقتضيات القانونية المتعلقة بالطلبيات العمومية من شأنه تسريع وتيرة الاستثمارات العمومية وتقاسم المخاطر المرتبطة بها، و أيضا إنجاز البنيات التحتية الإدارية والاقتصادية والاجتماعية وتعزيز المرفق العام والتنمية المجالية هي الغاية من اعتماد هذا القانون، بالإضافة إلى أنه سيسمح بإعداد وإسناد وتتبع مشاريع الشراكة بين القطاع العام والخاص بغية تمكين المستثمرين المحليين والدوليين من رؤية واضحة لتطوير مشاريع الشراكة[19] ،

وقد جاءت عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص من اجل الاستفادة من القدرات الابتكارية للقطاع الخاص وتمويله، ومن اجل تخطي العجز المالي والتخفيف من التحملات المتزايدة على مستوى ميزانيتها، وتخفيف العبء الإداري والتنظيمي الذي تتحمله الإدارة العمومية في تأطيرها لمسلسل التنمية، إضافة إلى أسباب أخرى كضمان توفير الخدمات بصفة تعاقدية وتقديمها في الآجال وبالجودة المتوخاة، و توفير بنيات تحتية اقتصادية واجتماعية وإدارية ذات جودة وبأقل تكلفة، ناهيك عن ‏تنمية نماذج جديدة لحكامة المرافق العمومية داخل الإدارات العمومية على أساس الفعالية،

ولا شك ان تطوير اللجوء إلى عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص سيساعد على تعزيز بروز مجموعات ذات مرجعية وطنية في هذا المجال وتشجيع نشاط الشركات الصغرى والمتوسطة من خلال التعاقد من الباطن.

 

الفقرة الثانية : خروج عقد الشراكة عن القواعد العامة

يختلف عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص عن العقود العادية لذلك كان لزاما علينا رصد مظاهر هذا الاختلاف، فقد جاء على لسان المادة المادة 10 من القانون رقم 86.12

“يصادق على عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص المبرمة من طرف الدولة بمرسوم

يصادق على عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص المبرمة من طرف المؤسسات العمومية التابعة للدولة من لدن مجلسها الإداري ويتم التصديق عليها من طرف سلطات الوصاية

‏ يصادق على عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص المبرمة من طرف المقاولات العمومية وفق مقتضيات نظامها الأساسي

‏يتم تبليغ عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص المصادق عليه إلى نائل العقد، قبل أي شروع في التنفيذ”

وهكذا يتبين لنا الاختلاف الموجود بين إبرام عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص وبين إبرام العقود العادية وفق القواعد العامة حيث يجب أن تتم المصادقة عليه بمرسوم إذا أبرمته الدولة أو من قبل المجلس الإداري إذا أبرمته إحدى المؤسسات العمومية التابعة لدولة..

 

وقد نصت المادة 14 ايضا على انه ” يجب على الشريك الخاص أن يحترم مبدأ المساواة بين المرتفقين ومبدأ استمرارية المرفق عند توفير الخدمات موضوع العقد.

يحدد عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص أهداف حسن الأداء المنوطة بالشريك الخاص ولا سيما تلك المتعلقة بجودة الخدمات وجودة المنشآت والتجهيزات، وعند الاقتضاء مستوى التردد عليها من طرف المرتفقين، ويحدد العقد أيضا طريقة قياس أهداف حسن الأداء وكيفية تتبعها ومراقبتها

ويحدد عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص كذلك الشروط التي يتم وفقها وضع الخدمات السالفة الذكر رهن تصرف الشخص العام”

فالغاية من ابرام عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص هي تنفيذه وهذا التنفيذ يشترط فيه حسن الأداء.

 

 

 

 

 

 

خاتمة

إجمالا يمكن القول أن الظاهرة الاقتصادية والرهانات المالية كان لها دور كبير في تنميط أنظمة التعاقد كما هو الشأن بالنسبة لعقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص،

فالضرورة الاقتصادية حتمت على المشرع المغربي التدخل لوضع تنظيم خاص لعقد الشراكة بين القطاعين باعتباره عقدا نمطيا وهكذا خروج عقد الشراكة عن القواعد العامة التي لم تعد قادرة على تنظيمها لكن هذا لا يمنع من الرجوع إلى هذه القواعد إذا سكت التنظيم الخاص على إحدى المسائل ما لم تتعارض مع مبادئها الأساسية لكن هل ما يقال عن عقد الشراكة يقال على باقي العقود النمطية؟

 

 

[1] – البشير دحوتي: اثر التحولات الاقتصادية على العقد، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، جامعة محمد الأول،كلية الحقوق، وجدة،2004 – 2003  ص  40.

[2] -ظهير شريف رقم 1.14.192 صادر في فاتح ربيع الأول 1436 الموافق ل 24 ديسمبر 2014 بتنفيذ القانون رقم 86.12  ‏المتعلق بعقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص منشور بالجريدة الرسمية عدد 6328 الصادرة بتاريخ فاتح ربيع الآخر 1436 الموافق ل 22 يناير 2015

-[3] احمد بوعشيق، عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص، آلية فعالة لتمويل التنمية بالمغرب، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 91 ، 90  يناير، ابريل 2010، ص 84

  [4]

رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بخصوص مشروع القانون 86.12، منشور بالجريدة الرسمية عدد 6324 بتاريخ 8  يناير2014، ص280

احمد بوعشيق،  المرجع السابق ، ص 84-[5]

-[6] ظهير شريف رقم 1.14.192 صادر في فاتح ربيع الأول 1436 الموافق ل 24 ديسمبر 2014 بتنفيذ القانون رقم 86.12  ‏المتعلق بعقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص منشور بالجريدة الرسمية عدد 6328 الصادرة بتاريخ فاتح ربيع الآخر 1436 الموافق ل 22 يناير 2015

 محمد اليعقوبي، مفهوم الشراكة، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد يناير فبراير 2012 ، ص 46 -[7]

-[8] جاء في المادة 16 من القانون رقم 86.12

يحدد عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص الشروط التي يتم وفقها تقاسم المخاطر بين الشخص العام والشريك الخاص، بما في ذلك تلك الناجمة عن حادث فجائي أو قوة قاهرة، مع احترام توازن العقد المذكور وفقا لما هو منصوص عليه في المادة 17 بعده

‏يجب تعريف وتفصيل المخاطر المرتبطة بمختلف مراحل المشروع، ويتحمل هذه المخاطر الطرف المؤهل لذلك قصد التقليص من تكلفتها مع مراعاة المصلحة العامة وخصوصيات المشروع “.

 جاء في المادة 15 من القانون رقم 86.12-[9]

يحدد عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص شروط وكيفيات دفع أجرة الخدمات للشريك الخاص خلال مدة العقد. ويجب أن تتضمن هاته الشروط توفر الخدمة المعنية بانتظام واحترام الأهداف المرتبطة بحسن الأداء

يتم دفع هذه الأجرة كليا أو جزئيا من قبل الشخص العام

يمكن أن ينص عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص على أن يتلقى الشريك الخاص أجرته بصفة جزئية من طرف المرتفقين أو عن طريق مدا خيل متأتية عن استغلال المنشآت والأملاك والتجهيزات التابعة للمشروع أو هما معا.

 جاء في المادة 24 من القانون رقم 86.12-[10]

عند انتهاء عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص لأي سبب من الأسباب، تنقل بقوة القانون إلى ملكية الشخص العام الأملاك المنجزة أو التي اكتسبها الشريك الخاص في إطار عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص ومن أجل تنفيذه، والضرورية لاستغلال المرفق العام واستمراريته

يحدد عقد الشراكة شروط  النقل المذكور

يتمتع الشريك الخاص، ما لم ينص العقد على خلاف ذلك، بحقوق عينية على المنشآت والتجهيزات التي ينجزها في إطار الحدود والشروط الهادفة إلى ضمان وحدة الملك العام والغرض المخصص له

ويتم تحديد الشروط والحدود المذكورة في عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

 

-[11]السالكة اشمير “الشراكة بين القطاعين العام والخاص بالمغرب” رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون العام، كلية الحقوق، سلا ، السنة الجامعية 2011-2012 ص97

-[12]  تكييف العقد هو تلك العملية التي يهدف من ورائها القاضي الى اضفاء الوصف القانوني على التصرف الذي صدر عن المتعاقدين ليتمكن من معرفة القواعد القانونية الواجبة التطبيق في حالة وقوع منازعات بين اطراف هذا العقد

-[13]  عبد الرحمان الشرقاوي، تكييف عقد الشراكة بين القطاع العام والخاص “نحو إطار قانوني لتنظيم عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص” ندوة علمية دولية نظمها فريق البحث في تحديث القانون والعدالة يومي 10 و 11 فبراير 2012 ، دار أبي رقراق للطباعة والنشر،طبعة 2014 ص 43

عبد الرحمان الشرقاوي، مرجع سابق، ص 43،44 – [14]

نفس المرجع ، ص 44 – [15]

نفس المرجع ، ص 44 – [16]

[17] W. David Slawson. Standard Form Contracts & democratic Control of Lawmaking  Power  Harvard Law Review 84 (1971).

-[18]  جاء في المادة 12 ”  يحدد عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص حقوق الأطراف المتعاقدة والتزاماتها ويتضمن لزوما وعلى وجه الخصوص البنود و البيانات التالية:

‏تحديد الأطراف المتعاقدة؛

‏موضوع عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص؛

مدة عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص؛

‏أهداف حسن الأداء المنوطة بالشريك الخاص؛

كيفيات التمويل؛

كيفيات دفع أجرة الشريك الخاص؛

تقاسم المخاطر بين الأطراف؛

المستخدمون؛

‏توازن عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص في حالة حادث فجائي أو قوة قاهرة؛

إجراءات واليات تتبع ومراقبة تنفيذ عقد الشراكة بين القطاعين العام و الخاص؛

الجزاءات في حالة عدم احترام بنود عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص وفوائد عن التأخير في أداء الأجرة؛

الإحالة على المعايير المغربية في حالة وجودها؛

شروط التعاقد من الباطن؛

الحلول؛

التفويت وشروط تغيير مساهمات الشريك الخاص؛”  ­

شروط تغيير عقد الشراكة ببن القطاعين العام والخاص؛

النظام القانوني للأملاك ؛

الكفالات والضمانات؛

عقود ا لتأمين التي يتعين على الشريك الخاص إبرامها؛

طرق تسوية النزاعات؛

حالات وشروط الفسخ؛

تاريخ الشروع في تنفيذ عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص”

-[19] كلمة وزير الاقتصاد والمالية بمجلس النواب خلال جلسته المنعقدة للدراسة والتصويت على مشروع القانون رقم 86.12 المتعلق بعقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص.  بتاريخ 25 نونبر 2014 في إطار القراءة الثانية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق