في الواجهةمقالات قانونية

ضمانات المحاكمة العادلة في التشريع الجنائي الإسلامي

محماد الفرسيوي

خريج ماستر العلوم الجنائية والتعاون الجنائي الدولي

جامعة الحسن الأول بسطات

ضمانات المحاكمة العادلة في التشريع الجنائي الإسلامي

لا غرابة في أن التشريع الإسلامي بأحكامه الكلية وقواعده الأصولية ومبادئه الخالدة وأهدافه السامية وتعاليمه السمحة يستطيع أن يشيد للإنسانية بناءً متكاملاً يعصمهم من كل فتنة ويبعدهم عن كل رذيلة، ويصون مصالحهم من كل عبث، ويغنيهم عن التماس الحق في غيره، فهو غير قاصر على تنظيم علاقة العبد بربه فحسب بل هو دين ودنيا.

ومن يتدبر بإمعان ويتوغل بإحكام في أحكام ديننا الحنيف يجد أنّ النظام الإسلامي هو بحق بنيان مرصوص نادر أن يكون لنظام قانوني آخر في هذا العالم مثيل له في دقته المتناهية نسجا بين الأحكام والقواعد من دون أي تناقض ولا أذنى اختلاف. خاصة وأن علم أحكام النظام الجنائي في الإسلام, من أهم علوم القضاء، وهو من الدين بمنزلة الرأس من سائر الأعضاء؛ لما فيه من حفظ لحقوق الله تعالى، وحفظ لحقوق عباده.

وإذا كان الفكر الإنساني قد وصل وبشق الأنفس وعبر مراحل طويلة من النضال والبحث، إلى ضرورة إعلاء حقوق الإنسان، فإن شريعتنا الإسلامية قد كرمت الإنسان منذ  بداية الإنسانية. وكرم الله عز وجل بني آدم، وميزه عن باقي مخلوقاته بأن أنعم عليه بالعقل وخلقه في أحسن صورة لقوله :” لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم”، وتكريما للإنسان أيضا يقول عز وجل في محكم تنزيله: ” ولقد كرمنا بني ادم وحملنهم في البر والبحر ورزقنهم من الطيبات وفضلنهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا”.

وحيث إنه  إذا قلنا أن العدالة تعتبر مرآة التحضر البشري والرقي الإنساني، وهي المعيار الدال على الإحترام المكفول لآدمية الإنسان وإنسانيته[1]، فإن تحقق العدالة لا يتأتى إلا بوجود قضاء كفء، نزيه وعادل، وهذا الأخير مرهون بسيادة المناخ القانوني الذي تُضمن تحت رايته الحقوق أو بالأحرى ضمانات لكل ما يُوجهُ إليه الإتهام من قبل السلطة المختصة، بدعوى قيامه بفعل مجرم[2]، ولا يتوفر كل هذا إلا في جو يسود فيه الإحترام الكامل للحقوق والحريات. وهو ما يدفعنا إلى بسط إشكالية محورية ترتبط بمدى قدرة التشريع الجنائي الإسلامي ضمان شروط المحاكمة العادلة من خلال المبادئ التي جاء بها؟

ولتفكيك عناصر الإشكالية السالفة تقتضي منا الضرورة المنهجية تقسيم الموضوع وفق التصميم التالي:

المطلب الأول: الضمانات الموضوعية للمحاكمة العادلة على ضوء التشريع الجنائي الإسلامي.

المطلب الأول: الضمانات الإجرائية للمحاكمة العادلة على ضوء التشريع الجنائي الإسلامي.

 

المطلب الأول:الضمانات الموضوعية للمحاكمة العادلة على ضوء التشريع الجنائي الإسلامي.

   كان للتشريع الجنائي الإسلامي الفضل الكبير في الإعتراف للمتهم بحقوق مهمة قصد تمكينه من محاكمة عادلة تحترم كل الحقوق التي أقرت بها التشريع الجنائي الإسلامي وعلى أبرزها مبدأ الشرعية وهذا ما سنبينه من خلال الفقرات الآتية.

الفقرة الأولى: مبدأ الشرعية في التشريع الجنائي الإسلامي.

ليس في نصوص القرآن أو السنة نص واضح الدلالة على العمل بهذه القاعدة في مجال التشريع الجنائي الإسلامي، وبعبارة أخرى فإنه ليس هناك نص بعينه يفيد الأخذ بهذه القاعدة في التشريع الجنائي الإسلامي. ومع ذلك فإن استنتاج القاعدة من بعض نصوص القآن والسنة، ومن بعض القواعد الأصولية، استنتاجا سائغا، أمر غير عسير.

فأما آيات القرآن الكريم فمنها قوله تعالى: ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) [3]. وقوله تعالى: ( وما كان ربك ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا)[4]. وقوله تعالى ( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف)[5]. وقوله تعالى بعد تحريم بعض صور السلوك ( إلا ما قد سلف)[6].

ومن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم  التي تقرر تطبيقات لهذه القاعدة قوله في حجة الوداع ” ألا وإن دم الجاهلية موضوع وأول دم أبدأ به دم الحارث بن عبد المطلب. وإن ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أبدأ به رباعمي العباس بن عبد المطلب”، وهذا الحديث النبوي، مع الآيات القرآنية التي قدمنا بعضها تفيد بمجموعها أن الأصل في الشريعة الإسلامية هو أن استحقاق العقاب  متوقف على سبق الإنذار به. وأن من يرتكب فعلا ما أو يسلك سلوكا ما لا  يعاقب على هذا السلوك إلا إذا كان قد سبقه نص تشريعي يوجب العقاب.

ومن هذه الآيات والأحاديث استخرج الفقهاء القاعدتين الأصوليتين التين تفيدان مضمون قاعدة ” لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص”:قاعدة أنه لا تكليف قبل ورود الشرع. وقاعدة أن الأصل في الأشياء الإباحة وتطبيق هاتين القاعدتين في مجال الفقه الجنائي يعني حظر العقاب على صور السلوك التي لم يرد نص بتجريمها. وقصر العقاب على صور السلوك المجرمة على حالات ارتكابها التي يقع بعد  ورود النص القاضي بالتجريم.

ولا شك  في أن جرائم الحدود والقصاص قد تقررت كلها في التشريع الجنائي الإسلامي بنصوص خاصة بكل جريمة، ومحددة للعقاب عليها في القرآن والسنة على نحو  المفصل في النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة.

أما جرائم التعزير وهي تلك المعاصي أو السلوكات التي لا حد فيها ولا كفارة، فإن الأصل فيها أن ينص على الجريمة دون العقوبة، حيث يترك أمرها للسلطة المختصة في الدولة تفرضها إن كان كانت هي السلطة التشريعية، وتوقيعها إن كانت السلطة القضائية في إطار العقوبات المسموح  بتوقيعها في التشريع الجنائي الإسلامي.

ومن هنا يتبين أن تطبيق قاعدة لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص يتم في التشريع الجنائي الإسلامي في إطارين:إطار محدد في جرائم الحدود والقصاص؛ حيث يأتي النص محددا للفعل المجرم وللعقوبة المقررة له. وإطار مرن في جرائم التعزير حيث تبين النصوص الأفعال التي تعتبر أو يمكن أن تعتبر جرائم  تعزيرية وتترك تحديد العقاب عليها للسلطة المختصة بذلك في الدولة الإسلامية تراعى في تقريره وتوقيعه ظروف والزمان والمكان والشخص الجاني.

ونصوص الشريعة العامة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي وتحرم الخبائث والظلم والعدوان والباطل، تفيد تحريم ذلك كله، وعدم النص على الجزئيات دليل على عموم الشريعة وصلاحيتها وملائمتها.

فإذا تحقق من ارتكاب أي من المحرمات بموجب النصوص العامة ضرر للفرد أو المجتمع فعاقبت عليه السلطة المختصة في الدولة فهي إنما تعاقب بعقوبة تعزيرية على جريمة سبق تقريرها بنصوص التحريم المتطابق في النظام القانوني الإسلامي مع التجريم على نحو ما بينا من قبل.

وإذا صح ذلك كله وهو صحيح فإنه يبين مدى مجانبة الصواب في الرأي االقائل: إن قاعدة لا جريمة ولا عقوبة بغير نص قاعدة لا تعرفها الشريعة الإسلامية، ولا يمكن الأخذ بها في نظام جنائي مستمد من الفقه الإسلامي؛ وإن إعمالها أو القول بوجوبه إعمالها في مثل هذا النظام يعد خروجا عن نصوص الشارع الإسلامي.

وإذا كان الفقه الجنائي الإسلامي يأخذ بقاعدة ألا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، فإنه من العسير أن نقبل في ظل هذه القاعدة القول بأن بعض الأفعال في الفقه الإسلامي لا يمكن معرفة كونها جريمة أو لا إلا بعد وقوعها، وذلك أن مثل هذا القول يهدم القاعدة المشار إليها من أساسها، ويجعل من النصوص والقواعد الأصولية المتقدم ذكرها مجرد كلمات خاوية من كل معنى عملي[7].

وترتيبا على ما سبق، فمبدأ الشرعية في التشريع الجنائي الإسلامي له مجموعة من النتائج أهمها؛ عدم رجعية التشريع الجنائي إلى الماضي؛ وإنما يكون تطبيقها بأثر فوري مباشر على الوقائع التي تحدث بعد صدور النصوص دون الوقائع التي حدثت قبلها، وذلك ما يعرف بمبدأ عدم رجعية التشريع الجنائي الإسلامي.

وعدم رجعية التشريع الجنائي الاسلامي إلى الماضي من لوازم مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، ولا يتصور في نظام قانوني أن يأخذ بمدأ الشرعية، ثم يهدر الأخذ بمبدأ عدم الرجعية. وذلك هو الشأن في الأحكام الجنائية الاسلامية كما هو شأن غيرها في النظم الجنائية، والدليل على ذلك ما ذكرناه فيما يتعلق بمبدأ الشرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية[8].

 

الفقرة الثانية: قرينة البراءة في التشريع الجنائي الإسلامي.

عرف التشريع الجنائي الإسلامي قرينة البراءة وطبّقها الفقهاء منذ القد ، ويمكن القول بأن الشريعة الإسلامية تعد الأصل النصي لقرينة البراءة، ذلك لأن هذا المبدأ عرفه الفقه الإسلامي منذ أكثر من أربعة عشر قرنا وتم تطبيقه لدرجة أنه صار قاعدة من قواعد الفقه الجنائي الإسلامي،[9] بحيث صح اعتبارها قاعدة من قواعد الفقه الجنائي الإسلامي؛ والتي تراعى في المحاكم الجنائيّة بصفة خاصة وفي نسبة الشيء إلى شخص -أيا كان ذلك الشيء المنسوب- ّ بصفة عامة؛ وبناء على ذلك فتبنى إدانة المتّهم على دليل جازم يثبت التّهمة ويرفع ما ثبت له أصلا من افتراض البراءة، وحيث تفتقر الدعوى الجنائيّة إلى مثل هذا الدليل فإنه يتعين الحكم ببراءة المتّهم.

ويطلق على هذا المصطلح ّ في الشريعة الإسلاميّة بأصل براءة المتّهم، ويعبر عنه كذلك ببراءة الذمة؛ فالأصل في الإنسان براءة ذمته من الحقوق، وبراءة جسده من الحدود والقصاص والتعزيرات ويبدوا ذلك واضحا من قوله (ص) : “إدرؤو”، والبراءة أصل في الإنسان بناءا على استحباب البراءة الأصلية وهو استحباب العدم الأصلي المعلوم، لأن البراءة هي الأصل، فالشريعة الإسلامية أعطت المتهم حقوقه، ووازت بين حقه في البراءة، وحق المجتمع في عقاب المجرمين، وهذا يدل على عظمة الشريعة الإسلامية وسموها، وأنها صالحة لكل زمان ومكان، ومنه فمعنى أصل البراءة أن الإنسان يعتبر بريئا من أي حقوق أو إلتزامات، وتبقى ذمته بريئة حتى تثبت إدانته وتنشغل ذمته بأمر متيقن، أوحكم نهائي بات بإدانته.

من خلال ما سبق يتضح أن قرينة البراءة من الضمانات الهامة في كافة  مراحل الدعوى الجنائية، فالأصل في الإنسان البراءة، وكمبدأ قانوني فالمتهم برئ حتى تثبت إدانته قانونا بمحاكمة علنية تتوفر فيها كافة الضمانات الضرورية للدفاع عن نفسه، وهذه المبدأ عرفته الشريعة الإسلامية قبل أن تعرفه القوانين والتشريعات الحديثة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم { كل أمتي معافى إلا المهاجرين}.

وعملا بقوله عز وجل  {يأيها الذين آمنو إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين}[10] وقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم { ادرءوا الحدود بالشبهات فإن كان لِلْمسلم مخرج فَخْلُو سبيله، فإن الإمام أَن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة}. وقوله صلى الله عليه وسلم : { إياكم والظَّن فإن الظن أكذب الحديث}، وعلى ذلك فلا يصح طبقا  لأحكام الشريعة الإسلامية الحكم على شخص بعقوبة إلا بعد التأكد من أنه قد ارتكب الجريمة، فإذا كان هناك شك في ذلك وجب الحكم ببراءته، لأن براءة المتهم عند الشك خير للجماعة و أدعى إلى تحقيق العدالة من عقاب برئ مع الشك[11].

لقد أرسى رسول الله صلى الله عليه وسلم قواعد العدالة كاملة بتطبيق ما جاء في الشريعة من أحكام إذعانا منه لقول الحق تبارك وتعالى: { و أن احْكُم بينهم بما أنزل الله} [12].إذن فالشريعة الإسلامية الغراء كانت السباقة إلى قرينة البراءة، لتاتي بعدها بقرون القوانين الوضعية لتطبق تلك القاعدة[13].

جاء كذلك التشريع بقاعدة تنهل من قرينة البراءة وهي قاعدة درء الحدود بالشبهات، حيث لا يمكن مؤاخدة أي شخص بمجر وجود شبهة مما يستوجب درء الحدود عنه بهذه الشبهة ويؤيد هذا وا ورد عن الرسول الكريم (ص): ( ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخاو سبيله فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة).

كما يؤيد ذلك قصة ماعز وقصة الغامدية وما جاء عن الرسول (ص) أنه درا الحد عن المرأة المستكرهة على الزنا فعن وائل ابن حجر قال:( استكرهت المرأة على عهد الرسول (ص) فدرا الحد وأقامه على الذي أصابها) وهذه القاعدة والتي قبلها توضحان بجلاء حرص الإسلام على تكريم الإنسان وعدم جواز التعرض له  بأي نوع من أنواع التعدي واعتباره برئيا لا يجوز التعدي عليه لمجرد الشك أو الظن، فأي تكريم أعظم من هذا التكريم وأي حرص على حقوق الإنسان أكثر من هذا[14].

إن من نتائج قرينة البراءة  ما يتعلق بعبء الإثبات، فالرجوع للقاعدة التي تقول :” البينة على المدعي واليمين على من أنكر” وبما أن الأصل في الإنسان البراءة فإن على من يدعي عللى غيره بحق إقامة الدليل على ذلك، وهذا هو المبدأ العام وقد جاء في ذلك قول الرسول عليه الصلاة والسلام: ” البينة على من ادعى واليمين على أنكر”.

من هنا يتبين أنه ليس على المتهم إثبات براءته لأنها أصل فيه، وإتما من يدعي على غيره  جريمة  أن يقيم البينة على دعواه، فقد جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: ” لو يعطى الناس بدعواهم لأدعى ناس دماء رجال وأموالهم. ولكن اليمين على المدعى عليه”. وهدا الحديث قاعدة مهمة من قواعد التشريع الجنائي الاسلامي، ومقتضاه أنه لا يقبل قول إنسان فيما يدعيه بمجرد الدعوى، بل يتطلب الأمر إقامة الدليل، ولولا ذلك لتجرأ الكثير على ادعاءات تمس دماء و أموال الناس واستباحوها.

من هنا نرى أن التشريع الجنائي الإسلامي كان حريصا على تحقيق العدالة وتوفير الضمانات الكفيلة بحماية المتهم، وأهم هذه القواعد قرينة البراءة، بحيث تشكل أساسا لضمانات المتهم أثناء المحاكمة ولا تكتمل العدالة بدونها، وكذلك ما يترتب عنا من آثار مهمة.

الفقرة الثالثة: المساواة في التشريع الجنائي الإسلامي

من أهم ما جاء به التشريع الجنائي الإسلامي هو الحفاظ على حقوق الإنسان وحرياته بكافة أشكالها وإقرار المساواة بين الناس عامة ابتدءا، بعد أن كانت التفرقة تسود المجتمعات في العصور السابقة للإسلام، فإن أسوأ ما قد يصيب المجتمع هو التفرقة بين أفراده، فانعدام مبدأ المساواة يسبب اختلالا في المجتمع ويؤدي إلى الإصابة بالإحباط والضيق، وانعدام الثقة بين الرئيس والمرؤوس، ومن ثم ضعيف الإنتماء للجماعة.

وقد تعددت الأدلة الشرعية التي تحدثت عن المساواة بين الناس وإقرارها لهم جميعا دون تفرقة بينهم، وسنعرض هنا بعضا منها والتي جاءت في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة التي تؤيد ذلك، فقد جاء في البداية تكريم الشريعة الإسلامية للإنسان بشكل عام في قوله تعالى: ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا[15]). كما جاء في الشريعة الإسلامية إقرار مبدأ المساواة بين الناس جميعا في قوله تعالى: ( يأيها الناس إن خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير[16]).

كما حرصت السنة النبوية الشريفة على تأكيد مبدأ المساواة بين الناس جميعا وعدم التفرقة بينهم لأي سبب من الأسباب، فيقول محمد (ص) : ” يأيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا أحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى”،  وهناك أدلة عديدة تتحدث عن المساواة بين الناس وتتنوع ألفاظها وحوادثها مما يؤكد اهتمام التشريع الإسلامي والجنائي بالخصوص بالمساواة بين كافة الناس بدون تمييز أو تفرقة بينهم لأي سبب كان، وكما هو واضح فغن الشريعة الإسلامية سبقت غيرها من التشريعات الوضعية  في إقرار مبدأ المساواة والحرص علة حماية حقوق الإنسان وحرياتهم العامة.

وقد حذر الله تعالى المسلمين من اتباع الهوى بسبب القرابة أو المصلحة أو الصداقة لأنه  يخل بمبدأ العدل بالإدارة والحكم والقضاء، الذي أكدت الشريعة عليه بين الناس جميعا دون تفرقة بين أي منهم قال سبحانه وتعالى:(يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء للاه ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربون إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى  بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلو أو تعرضوا فإن الله كان بما يعملون خبير)[17].

وكذلك فقد جاء في القرآن الكريم تأكيد على العدل بين الناس دون أن يكون هناك ميل أو انحياز أو هوى لأحد على آخر، فقد جاء قوله تعالى: ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل  إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا)[18]. كما جاء في قوله تعالى : ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان)[19].

وكما جاء في الشريعة الإسلامية الغراء تأكيد على القسط والعدل والمساواة بين الناس، فقد وردت لذلك أدلة شرعية كثيرة تحذر من الظلم عن الناس وتوجب الحرص منه الإبتعاد عنه، ومن ذلك قوله تعالى: ( وكذلك أخذ ربك إذ أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه  أليم شديد)[20].

وكذلك قوله تعالى : ( وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا)[21]. وكما جاء القرآن بتحريم الظلم والزجر عنه، جاءت السنة بمثله، وأتت بمزيد بيان أن الظالم لا خلاق له يوم القيامة ومنه حديث جابر رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:” اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح اهلك من كان قبلكم، حملهم على لأن سفكوا دمائهم واستحلوا محارمهم.

ولما وضعت الشريعة الاسلامية مبدأ المساواة بين الناس جميعا، وأن لا فرق بينهم إلا بميزان التقوى، وأجب الله العدل، وأكد عظم جريمة الظلم، وأن المظلوم ليس بينه وبين الله حجاب، وأن لكل إنسان حقا، حتى و إن لم يكن مسلما.

لقد أقرت التشريع الجنائي الاسلامي مبدأ مسؤولية الإنسان عن نفسه وأعماله، فهو مسؤول أمام الله عن أقواله وأفعاله، وأمام القضاء عن أخطائه وجرائمه، ولم   يستثن من المسؤولين إلا من ذكرهم رسول الله (ص)  في الحديث: ” رفع القلم عن ثلاث، النائم حتلى يستيقظ، وعن  المجنون حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يبلغ الحلم”؛ وذلك لنقص  القدرة على التفكير والإختيار عندهم وربط بها مبدأ حرية الإرادة عند الإنسان، وبناء عليه مسؤولا عما يفعل ” كل امرئ بما كسب رهين”.

لذلك، فالمساواة تشمل أمرين أحدهما إيقاع عقوبة مناسبة ومساوية لقدر الجريمة وظروف ارتكابها، وحال الجاني، ومقدار الأذى الذي لحق الجاني عليه، والترويع الذي لحق بالمجتمع، وثانيها أن يكون الناس أمام التشريع سواء، فلا تمييز لأحد عن  الأخر، غنيا كان أو فقير، سيدا أو عبدا، فإذا توافرت أركان الجريمة وجب العقاب أيا كان مرتكبها.

ولهذه القاعدة استثناءات أوجدها التشريع الجنائي الإسلامي  حيث  جعلت عقوبة العبد  محددة في نصف عقوبة الحر بسبب نقص أهليته الجنائية،  فإذا شرب العبد الخمر عوقب بالجلد أربعين جلدة أما الحر فيعاقب بثمانين جلدة، ولا يَعتبر الفقهاء هذا التمييز في العقاب على البعد إخلالاً بمبدأ إنما باعتبار تطبيقا لها على اعتبار أن العبيد ضعفاء يجب أخذهم بالرحمة والرأفة، ولعل هذا مبدأ تخفيف العقوبة على المتهم بسبب الظروف الخاصة[22].

أما فيما يتعلق بالمساواة أما القضاء  فقد أمرت التشريع الجنائي الإسلامي القاضي بالعدل بين الناس وان يقيم المساواة بينهم، ويحترم كل أطراف المحاكمة وعدم ظلم أحدهما لحساب الآخر، فالمساواة واجبة بين الناس، مهما وقع اختلاف بينهم من طبقة أو عرق أو لون أو دين، فقد ساوى عمر ابن الخطاب رضي الله عنه بين علي رضي الله عنه ويهودي إختصمه أمام مجلس القضاء، كما هو الحال بين فرد عادي وفرد  صاحي سلطة، فقد جاء خطاب القضاء الذي وجهه الخليفة عمر ابن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري: ” آس بين الناس في مجلسك وفق وجهك، وقضائك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك”.

لذلك فقد كان العدل واجبا على القاضي دون تمييز بين الطراف، ولتحقيق المساواة أمام القضاء في الشريعة الإسلامية عدة مظاهر تجب الإشارة إليها:

أولا: المساواة بين الخصوم في الجلوس

حيث يجب على القاضي أن يحقق المساواة بين الخصوم في المجلس فلا يسمح لأحدهما بالجلوس وإبقاء الآخر واقفا وأن يسمح لأحدهما أن يجلس في مكان مرتفع عن الآخر أو أن يجعل أحدهما في مكان أقرب من القاضي فقد جاء في كتاب سيدنا عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري مجموعة من المبادئ المهمة ومن أهمها مبدأ المساواة.

ثانيا: المساواة بين الخصمين في المعاملة

ينبغي على القاضي العادل أن يساوي بين الخصمين فلا يميز بينهما لأي سبب كان، يجب أن يجلسهما معا، وأن يساوي بينهما وأن يجلسا بين يديه لا عن يمينه ولا عن يساره، وان يسوي بينهما النظر، ولا يشير لأحدهما، ولا يصح أن يلقنه حجة، ولا غلط الفقهاء في التبسم أو الضحك في وجه أحدهما، أو حتى الممازحة، حتى يجرؤ على صاحبه أو يطمع فيه، وكذلك للحفاظ على هيبة القاضي ومجلس القضاء.

أضف على ذلك أنه لا يمكن للقاضي رفع صوته على أحد الخصوم، ولا أن يكلم أحدهما بلغة لا يعرفها الآخر، وإذا تكلم أحدهما سكت الآخر حتى يسمع كلام خصمه ويفهمه، ثم يسمع له بالكلام، حتى يفهم رأي كليهما وافيا.

وقال رسول الله (ص): ( من ابتلي بالقضاء بين المسلمين، فليسوِّ بينهم في المجلس، والإشارة والنظر ولا يرفع صوته على أحد الخصمين أكثر من الأخر). وروى عبد الله بن الزبير في مراسيله قال: ( سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجلس الخصمان بين يد القاضي).

وخلاصة القول أن العلماء أوجبوا المساواة بين الخصوم، في مجلس القضاء، بل هو يكاد يكون اجتماعا بينهم. ولا أدل على ذلك ما أوجبه الاسلام في المساوة بين المسلم وغير المسلم، حيث أعطى الإسلام حرية الإعتقاد  الكاملة لغير المسلمين في قوله ( لا إكراه في الدين لقد تين الرشد من الغي)، ثم انتقد من يكره الناس بقوله ( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) إذن فلا يمكن إرغام أحد على الإسلام ولا يمكن بالتالي معاملة غير المسلم معاملة خاصة فالجميع متساون أمام القضاء[23].

انطلاقا مما تقدم يتضح وبجلاء ان التشريع الجنائي الإسلامي وضع الناس جميعا سواسية أمام القواعد التي تضبط سلوكهم، و أن لا فرق بينهم إلا بميزان التقوى، وأوجب الله العدل، وأكد عِظم جريمة الظلم، و أن المظلوم ليس بينه وبين الله حجاب، وأن لكل إنسان حقا، وحتى وإن لم يكن مسلما.

الفقرة الرابعة: شخصية العقوبة  في التشريع الجنائي الإسلامي.

أقرت التشريع الجنائي الإسلامي بمبدأ شخصية العقوبة، حيث يقضي هذا المبدأ بأنه لايسأل إلا مرتكب الفعل، سواء بحرمانه من الحياة، أو تقييد حريته،  وغيرها من العقوبات التي حددها التشريع الجنائي الإسلامي، إذن فلا  توقع العقوبات على غير المحكوم عليه ممها قربت صلته به، كما لا تورث عنه، ما يعني أن  مبدأ شخصية العقوبة أساسه المسؤولية الجنائية الفردية، وأن العقوبة مقابلة للخطأ الذي اقترفه الجاني،  وبذلك فلا مجال للحديث عن المسؤولية  عن فعل الغير، طالما أن فعل الغير هذا لا يكشف عن خطأ شخصي ينتسب إلى من يراد إيقاع العقاب عليه.

إن للجريمة آثار ومن أهمها العقاب التي يطال المسؤول عنها، مما يستوجب أن  تقتصر العقوبة على الشخص المذنب المحكوم عليه، فلا يجوز بأي حال من الأحوال أن تمس هذه العقوبة شخصا آخر غير المحكوم عليه، مهما كانت صلة قرابته به.

ولقد كان التشريع الجنائي حريصا على  أن تخص كل  العقوبة الإنسان المسؤول عن الفعل المأخذ عليه، وأن لا تتعلق بغيره، أي أن العقوبة تقع فقط على مرتكب الجريمة، فالعدل أساس الحكم في المجتمع الإسلامي، لذا كان من مقومات العدل مبدأ شخصية العقوبة، وهو مبدأ أصيل، أقره الإسلام منذ بدْ التشريع، فلا يعاقب الشخص على  جرم لم يرتكبه هو بنفسه، فمن قواعد الأولية في التشريع الجنائي الإسلامي أن المسؤولية الجنائية شخصية،  ولا يؤخذ امرؤ بجريرة غيره مهما كانت درجة القرابة أو الصداقة بينهما[24]، وتمنع العقول أيضا كما قال الجصاص أخذ الإنسان بذنب غيره فالعقل والمنطق لا يستوعب ذلك.

وقد أكدت الشريعة الإسلامية مبدأ شخصية العقوبة على الرغم من أنه لم يكن متصورا في معظم الأحيان في الجاهلية نتيجة انتشار الظلم والثأر والعدوان، ويكفي أن ندلل على ذلك أن جريمة القتل إذا وقعت يمكن أن تؤدي إلى وقوع الحرب بين عشيرتين أو قبيلتين تذهب فيها أرواح المئات ن الأفراد الأبرياء.

في مقابل هذا الوضع الجاهلي غير العادل قرر القرآن الكريم مبدأ شخصية العقوبة في كثير من آياته، يقول الله تعالى: ( ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى)[25]،  وفي هذا إخبار بأن الله عزوجل لا يؤاخذ أحد بذنب غيره،  إنه لا يعذب الأبناء بذنب الآباء، فلا تحمل نفس مذنبة عقوبة الأخرى، وإنما تأخذ كل نفس بجريرتها التي اكتسبتها،  وهذا إنما بينه لهم ردا على اعتقادهم في الجاهلية من مآخذة الرجل بابنه وبأبيه وبجريرة حليفه.

وقال الطبري: ” ولا تأثم نفس آثمة نفس أخرى غيرها، ولكنها تأثم بإثمها، وعليه تعاقب دون إثم أخرى غيرها، وإنما يعني بذلك المشركين الذين أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول هذا القول لهم، ويقول أيضا:” قل لهم إنا لسنا مأخوذين بأثامكم وعليكم عقوبة إجرامكم ولنا جزاء أعمالنا.

ويقول الله تعالى: ( واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يِخذ منها عدل ولاهم ينصرون[26])، ويقول عزوجل: ( ومن يكسب إثما إنما  يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا[27])، ويقول جل علاه: ( من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى[28])، ويقول ( يأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن والده ولا مولود هو جاز عن والده شئيا[29])، ويقول: ( كل نفس بما كسبت رهينة[30])، ويقول أيضا ( قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون[31])، ويقول:  ( تلك أمة قد خلت لها ما كسبت لكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون[32]).

تدل هذه الآيات على أن الآباء لا يثابون على طاعة الأبناء ولا يعذبون على ذنوبهم، وفيه إبطال مذهب من يجيز تعذيب أبناء المشركين بذنوب الآباء، ويبطل مذهب من يزعم من اليهود أن الله يغفر لهم ذنوبهم لصلاح آبائهم، وقد ذكر الله تعالى هذا المعنى في نظائر ذلك  من الآيات، زيقول تعالى:( ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزأه الجزاء الأوفى)[33].

وعن أبي رمثة قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي فقال:( من هذا معك؟) فقال: ابني أشهد به. قال: ( أما إنك لا تجني عليه ولا يجني عليك)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( ولا يؤخد الرجل بجريرة  أبيه ولا بجريرة أخيه)، وقال في النهاية الجريرة الجناية والذنب، والجرم، وما يفعله الإنسان مما يوجب عليه العذاب، أو القصاص في الدنيا والآخرة، والمعنى أنه لا يطالب بجناية غيره من أقاربه وأباعده، فإذا جنى أحدهما جناية، لا يعاقب بها الآخر.

وجاء في دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم:( واجعل ثأرنا على من ظلمنا)، أي ثأرنا على من ظلمناأ أي  مقصور عليه، زلا تجعليها ممن تعدى في طلب ثأره، فأخذ به غير الجاني، كما كان معهودا في الجاهلية، فنرجع ظالمين بعد أن كنا مظلومين.

وبهذا المبدأ هدم التشريع الجنائي الإسلامي، النظام الذي كان سائدا لدى عرب الجاهلية، وهو مسؤولية القبيلة مجتمعة عن الجريمة التي تقع على أحد أفرادها، فالعقوبة في التشريع الجنائي الإسلامي كما في القوانين الغربية الحديثة شخصية تلحق بصاحبها فحسب دون أن يطال آثارها أي كان، فهي تصيب الجاني ولا تتعداه،  ولا يسأل عن الجرم سوى مقترفه، ولا  توقع عقوبة مقررة على شخص فتفرض على غيره.

المطلب الأول: الضمانات الإجرائية للمحاكمة العادلة على ضوء التشريع الجنائي الإسلامي.

إن تحديد الجرائم والعقوبات المختلفة لا يمكن أن يضمن للإنسان بصفة عامة والمتهم بصفة خاصة حقوقه وحرياته التي أقر بها التشريع الجنائي الإسلامي، حيث تبقى نصوصا جامدة مالم يتم تحديد كيفية تحريكها وممارسته وهنا يصح القول القائل أن عدالة الشكل أعظم من عدالة الموضوع، وهذا ما سنوضحه من خلال التطرق إلى مجموعة من الضمانات التي خولها التشريع الجنائي الإسلامي للمتهم وذلك في الفقرات التالية.

الفقرة الأولى : حق الإستعانة بمحامي في التشريع الإسلامي الجنائي.

من الضمانات المهمة التي أقرتها الشريعة الإسلامية  قبل القوانين الوضعية  هو جواز الإستعانة بمدافع يعرف بالوكيل بالخصومة  الذي يوكله الخصم لتمثيله في مجلس القضاء تأسيسا على المصلحة المعتبرة، إذ في الأمر محافظة على النفس وجلبا لمنفعة راجحة للمتهم[34].

تحقيقا لذلك كفلت الشريعة الإسلامية للمتهم الحق بالدفاع عن نفسه، كما كلفت له الحق  بالإستعانة بمحام عنه فقد يحتاج المتهم إلى الإستعان بمن هو أقوى منه بالدفاع عنه من أجل الوصول إلى حقه ورفع الظلم عنه. وقد جاء دليل ذلك في صورة القصص في قوله سبحان وتعالى على لسان سيدنا موسى عليه السلام، فقد قال تعالى: ” قال رب إني قتلت نفساً فأخاف أن يقتلون، وأخي هارون هو أفصح  مني لساناً فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف ان يكذبون، قال سنشدُ عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يَصِلُون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون[35]“.

إلا أن الشريعة الإسلامية لم تعرف المحاماة كوظيفة اجتماعية أو مهنة مستقلة اللهم إلا ما كان فيها من نظام الوكالة عن المتقاضين، حيث يجوز للشخص أن يوكل عنه شخص آخر للمطالبة بحقوقه أو الدفاع عنه، ومن أهم ما يدلنا على جواز استعانة المتهم بشخص آخر للدفاع عنه ومساعدته هو قوله تعالى:” وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوت على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب”. فالمؤمن إلى جانب أخيه المؤمن ويساعده على تحقيق العدل وفي ذلك جاء قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ” والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه”.

ويجب على المتهم الذي يوكل غيره بالخصومة أن يختاره برضاه ولا يجبر عليه وذلك بإجماع فقهاء المسلمين.ولا يجوز لهذا الوكيل إفشاء سر موكله  هذا الإلتزام نستطيع تاكيده بقول الرسول الكريم ” إذا حدثث رجل رجلاً بحديث ثم إلتفت فهو أمانة”، كما لا يمكن للوكيل بالخصومة أن يغش موكله ولا يتواطأ عليه بالباطل. والوكالة بالخصومة مأجورة، فالوكيل يتقاضى أجراً لقاء عن الخصم في الدعوى[36].

وبما أن  حق الدفاع  من الضمانات التي تجعل المتهم في وضع أكثر أمانا فقد أعطى التشريع الجنائي الإسلامي للشخص المتهم أن ينيب  عنه غيره للدفاع عنه أمام القضاء، وهذا ما يعرف بالوكالة بالخصومة، والتي ثبتت مشروعيتها بالكتاب والسنة وعمل الصحابة وحصل عليها الإجماع ومن الأدلة قوله سبحانه وتعالى: ( وإن خفتم شقاقا بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها). أي إذا حصل نزاع ما بين الزوجين ولم يتوافقا، فيعين حكمان يكونان وكيلين عنهما ينظران في الأمر وهذا النص وإن كان خاصا بشأن الزواج، إلا أنه عام في مشروعية الوكالة ومنها الوكالة بالخصومة، حيث أن العبرة بعموم النص لا بخصوص السبب كما تقول القاعدة الأصولية.

وقال تعالى : ( فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيهما أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف). هذه الآية الكريمة تدل على جواز الوكالة في التصرفات، أما في السنة النبوية الشريفة فهناك مجموعة الأحاديث التي تقر بمشروعية الوكالة بالخصومة، منها الحديث الذي رواه الإمام البخاري عن عروة البارقي رضي الله عنه قال دفع إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا لأشتري له شاة، فاشتريت له شاتين، فبعث أحدهم بدينار، وجئت بالشاة والدينار إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت له ما كان الأمر، فقال (ص) ” بارك الله لك في صفقة يمينك”.

فهذا الحديث يدل دلالة قطعية على جواز الوكالة في الشراء فيقاس عليه غيره من التصرفات التي تقبل النيابة ومنها الوكالة بالخصومة، وتكون محرمة  إذا كان الغرض منها إعانة على  أمر محرم، وأكل حقوق الناس بالباطل بأن يقلب الحق باطلا والباطل حقا. كما يمكن ان تكون مكروهة إذا كان فيها إعانة على أمر مكروه ، كأن يستخدم الوكيل بعض الحيل في دفاعه لـأجيل النظر في الدعوى ، وتضييع وقت المحكمة دون أن يكون هناك مبرر شرعي لتأجيل مما قد يمس بحقوق الإنسان[37].

إذن فالأصل في التصرفات الشرعية والقانونية أن يقوم بها الإنسان نفسه، إلا أن ذلك لا يمنع من أن يوكل غيره للقيام بها نيابة عنه لاسيما وأن المصلحة داعية إلى ذلك، حيث أن الله خلق الناس متفاوتين في  مواهبهم وقدراتهم لا سيما فيما يتعلق بالدفاع عن حقوقهم  من هنا كانت الحاجة داعية إلى إيجاد نوع من النيابة يستطيع الناس من خلال الحفاظ على حقوقهم والدفاع عنها وذلك بتوكيل من هو أكثر حجة وبيان وأقدر منهم على معرفة مسالك القضاء ومراوغات الخصوم وحيلهم ، لسد المجال أمام أي مساس بحق  من الحقوق. خاصة عندما يتعلق الأمر بالتشريع الجنائي الإسلامي.

 

 

الفقرة الثانية  : علانية الجلسات في التشريع الجنائي الإسلامي

لا يماري أحد في أن النظام القضائي الإسلامي كان  له السبق في تأكيد أهمية علانية جلسات المحاكمة كدعامة لحق المتهم في عدالتها، فعلانية الجلسات تكفل إشراف الجمهور على التهمة، وعلى الحجج، وعلى الحكم، الأمر الذي يضطر معه القاضي أن يكون متيقظا إلى ما يجب عليه من المساواة بين الخصوم في مجلس القضاء، ويحمله ذلك على أن يجتهد في أداء واجبه في هذا الخصوص في جميع مراحل الترافع من بدايتها، وأن يتحرى كافة الطرق التي تضمن إظهار الحكم العادل، و أن يتجنب كل تصرف يقدح في عدله ومساواته بين الخصوم، ولا شك أن جميع ذلك يؤدي إلى زيارة الثقة بتحقيق العدل، وسيجعل القاضي يصوغ أحكامه بشكل أدق، ويسببها بشكل أوضح ويدفعه أيضا إلى أن يجعل من القضاء وسيلة من وسائل التذكير بالخالق سبحانه وتعالى، وسيعرف الناس مالهم وما عليهم بشكل عملي؛ فيتناهون عن الخصومات بدون داعٍ.

وتستخلص علانية الجلسات في التشريع  الجنائي الإسلامي من ثلاثة أمور:

  • عمومية مجلس القضاء وسعته:

مجلس القضاء وهو المحكمة ينبغي أن يكون مكانا تعمه السكينة والهدوء لا مجال للعبث والتطاول وسوء الأدب من قبل الحاضرين سواء كانوا خصوم الدعوى، أو الشهود أو غيرهم.  وإذا جلس القاضي في مجلسه  للقضاء فيجب أن يكون في حالة نفسية هادئة راضية حتى يكون مستعدا تمام الإستعداد لسماع الدعاوى وما يقدمه الخصوم من بينات ودفوع.

وفي هذا الصدد فإنه من المستحب أن يكون مجلس القضاء في مكان فسيح كجامع، أو يجلس القاضي في فضاء واسع أو دار واسعة وسط البلد إن أمكن؛ ليكون ذلك أوسع للجمهور أقرب للعدل. فمن المندوب أن يجلس القاضي في موضِع بارز يصل إليه كل الناس، والحكمة من فساحة مجلس القضاء تمكن في  توقي الخصوم أذى ضيقه، ولكي لا يزاحم فيه الشيخ العجوز ولا يتاذى فيه أحد بحرٍ أو برد فوق العادة أو برائحة كريهة، ولدرء مسببات القلق والضجر أخذا بوصية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب حين قال لأبي موسى الأشعري” إياك والقلق والضجر”.

وصفوة القول من المستحب  أن يكون مجلس القضاء فسيحا يسع من يغشاه من الجمهور، ويتيح للقاضي فرصة التأني كي يصل إلى الحقيقة، ويسهل عليه تحقيق العدل، وإن وجد مكان يصح القضاء فيه غير المسجد فالأفضل أن يكون فيه، لأن القضاء في المسجد مع جوازه شرعا، إلا أنه غير مستحب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم” جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم، ورفع أصواتكم، وخصوماتكم وحدودكم، وسل سيوفكم، وشرائكم وبيعكم”

وإن حرص علماء الأمة الإسلامية على أن يكون مجلس القضاء في المسجد وفي مكان واسع في وسط البلد يدل على رغبة في تيسير الحضور للكافة ودرء  الإضرار بأصحاب الحقوق، وتسهيل سبل استيفائها، وهو ما يؤكد مدى احترامهم لعلانية المحاكمة انساجما مع سمو مراميها في بلوغ العدالة[38].

_ الحث على استحضار الفقهاء والإذن لهم بالحضور إلى مجلس القضاء:

من المتفق عليه بين فقهاء المسلمين أن حضور أهل العلم مجالس القضاة من المور المرغوب فيها للإستفادة من آرائهم عند الحاجة ، ليكونوا شهودا ورقباء على حسن سير العدالة ولضمان استقامة مجرياتها.

ولا شك أن الحرص على استحضار الفقهاء لمجلس القضاة كما يفيد الرغبة في التشاور وصولا إلى الحقيقة، فإنه من ناحية أخرى يؤكد على أهمية علانية المحاكمة.

_ الإعلان عن يوم الجلسة أو يوم الجلوس للحكم:

فمن الواجبات الأساسية أن يأمر القاضي من ينادي بالإعلان عن يوم جلوسه للحكم، وكان يصد من وراء ذلك توجيه الدعوة إلى أصحاب القضايا للحضور و إعلام الكافة بيوم الجلوس للقضاء فيها؛ و لإتاحة الفرصة أمام الجميع للحضور ومشاهدة إجراءاتها.

وإذا أعلن عن موعد الجلسة فليس للقاضي أن يؤخر نظر الخصومة بغير مبرر، وإذا حضر اثنان أو أكثر دفعة واحدة أقرع بينهم، فيقدم من خرجت له القرعة حتى لا يكون هناك تمييز بين الحضور، ولترك الحرية لهم في البقاء أو الإنصراف بغير قيد دفعا لِمَظَنَّة المحاباة، و إفساحا لمجال الحضور أمام الكافة، الأمر الذي يؤكد فرط الحرص على علانية مجريات الفصل في الخصومات على احسن ما تكون عليه العلانية في المحاكمات[39].

لقد حرص الشريعة الإسلامية وكضمانة للمتهم أن تكون المحاكمة علانية وذلك للوصول إلى حكم عادل تتوفر في مجموعة الشروط التي جاء بها التشريع الجنائي الإسلامي والتي تسعى إلى صون حقوق الأفراد، وعلانية المحاكمة مستمدة من علانية المكان الذي تنعقد فيه جلسات المحاكمة، فيعرف  أن رسول الله (ص)  كان يعقد مجلس القضاء في المسجد وكذلك فعل الخلفاء الراشدون من بعده.

ويشترط مبدأ  علانية المحاكمة أن يكون مجلس القضاء في مكان عام يؤمه كافة المسلمين حيث يجب أن تكون المحاكمة معلومة لكافة الأطراف لأن في ذلك اطمئنان من جانب المجتمع العام إلأى سلامة وحجة ما يقتضي به القاضي.

ومع أنه لم يرد نص صريح يقضي بعلانية المحاكمة إلا أنه ومن خلال ما أجمع عليه فقهاء الشريعة الإسلامية لا يجوز إجراء المحاكمة سرا كأصل في ذلك، بل الأصل أن تكون المحاكمة علانية مفتوحة لكافة الناس، وأن القاضي لا يجلس وحده، سواء كان قضاؤه في مجلسه أم في  داره، لأن جلوسه وحده تهمة، قد تضع حكمه  وحياده محط شكوك،وقد ذكر الكمال بن الهمام وهو من علماء الحنفية، وقال في شرحه لقول الرسول صلى الله عليه وسلم السابق بأنه: ” روي أن عثمان رضي الله عنه ما كان يحكم حتى يحضر أربعة من أصحابه، ويستحب أن يحضر مجلسه جماعة الفقهاء ويساورهم”، قال ابن قدامة رحمه الله ” يستحب أن يحضر مجلسه أهل العلم من كل مذهب”.

لذلك من خلال التشريع الإسلامي يتضح  وجوب علانية الجلسات والمحاكمات كأصل متفق عليه عند الفقهاء، كما يظهر أن علانية  جلسات المحاكمة عدة مظاهر منها:

  • أن ينعقد مجلس القضاء في مكان عام يرتاده كافة الناس كما فعل الرسول الكريم (ص) والخلفاء الراشدون.
  • أن يستطيع أي شخص حضور مجلس القضاء، أو الحكم بحيث لا يمنعه أحد من الدخول إليه في أي وقت.
  • أن تكون الدعوى معلومة للجميع، فيستطيع أي إنسان تتعدى الدعوى إليه أو تكون له بها علاقة أو صلة أن يطلب الدخول في هذ الخصومة حتى يفصل له بها مع الخصوم، ولا يضيع حقه عليه.
  • أن تكون المحاكمة وجلسات القضاء علانية فيها زجر وردع وعبرة لكل شخص يخالف أحكام التشريع الجنائي الإسلامي أو لمن تسول له نفسه المساس بحقوق العباد أو حقوق الله.
  • تحقق علانية الجلسات والمحاكمات اطمئنان الخصوم بصفة خاصة والعموم إلى صحة القضاء ونزاهته وحجية الحكم.

وفي مظاهر علانية الجلسات نجد في الشريعة الإسلامية ما يحقق الضمانة للمتهم أثناء المحاكمة في حمايته من أي ظلم أو جرو بحقه قد يحصل حال كونها سرية لا يحضرها غير الناس، ومع ذلك فإنه من الممكن أن يقرر القاضي إجراء جلسات محاكمة بشكل سري في  حالا تخاصة بسبب يرى فيه ضرورة ذلك؛ ومثال ذلك ما جاء في قضاء شريح عندما تقدمت إليه امرأة فقالت: أيها القاضي، إني جئتك مخاصمة فقال: أين خصمك؟ فقالت: أنت خصمي، فأخلى المجلس وقال لها: تكلمي، ثم حدثته في موضوع الجنسية، حيث كانت خنتى.

ومن هنا أن الأصل والمبدأ في جلسات المحاكمة أ، تكون علانية أما أعين الناس، إلا أن الإستثناء يسمح أن قد يأمر القاضي في حالات خاصة عقد جلسات محاكمة سرية، إذا رأى في ذلك ضرورة تستوجبها، وهذا أمر يرجع تقديره إلى التقدير الشخصي للقاضي يقرر فيه حسب الموضوع المعروض أمام[40].

الفقرة الثالثة : رد القاضي في التشريع الجنائي الإسلام.

قبل الحديث عن رد القاضي في التشريع الجنائي الإسلامي ارتأيت أن أتعرض لمجوعة من الشروط التي يجب أن تتوفر في القاضي  نظرا لحساسية هذه المهمة ، ويشترط في القاضي ا أولا  الإسلام باعتباره شرطا في جواز الشهادة على المسلم ولأن ولاية القضاء مزيج من الشهادة والولاية، فلا يجوز لكافر أن يولى القضاء بين المسلمين استدلالا بقوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ وقوله صلى الله عليه وسلم: ﴿الإسلام يعلو ولا يعلى عليه﴾

إلا أن بعض الفقهاء أجاز شهادة غير المسلم في غير المسائل المتعلقة بالأسرة، بل إن بعض البعض أجاز دون تفرقة في جميع المنازعات بشرط الضرورة، ومن هؤلاء الفقهاء بن تميمة الذي استند إلى قول الإمام أحمد في قبول شهادة غير المسلم في حالة الضرورة حضرا أو سفرا، فالحنابلة وكذلك الظاهرية والإمامية، أجازوا قبول شهادة غير المسلم في وصية المسلم حال السفر استنادا إلى قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخرون من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت﴾ فابن عباس (ض) فسر ”من غيركم” على أن المقصود منها أهل الكتاب – عند الضرورة- كما روي عن ابن حنبل أنه قال بجواز شهادة غير المسلم على المسلم في الميراث قياسا على ما أجازوه في السفر بالنسبة للوصية، كما روي عن الإمام المالك – رضي الله عنه – أنه أجاز شهادة طبيبين كافرين على المسلم حيث لا يوجد مسلم.أما بالنسبة للقضاء بين غير المسلمين، فإن اتفق عليه جواز تقليد غير المسلم للقضاء بينهم لأن ﴿بعضكم أولياء بعض﴾[41] لأن أهلية القضاء بأهلية الشهادة وبعضهم أهل للشهادة على بعض.

هناك أيضا شرط الذكورة والذي  يثير مسألة القاضي الرجل والقاضي المرأة، ففي الشريعة الإسلامية معظم جمهور الفقه ذهب مذهبا رافضا لتولي المرأة لمنصب القضاء، ويرون أن من أهم شروط صلاحية تولي القضاء أن يكون القاضي ذكرا، وهو جمهور المالكية والشافعية والحنبلية.

فلا يجوز عندهم تولية المرأة للقضاء في أي نوع من أنواع القضاء سواء في قضايا الأموال أو قضايا القصاص والحدود، ومعنى ذلك أن الذي يولي المرأة القضاء يأثم عند هؤلاء الفقهاء وتكون ولاية المرأة للقضاء باطلة. [42]

بينما ذهب آخرون إلى جواز تولي المرأة القضاء مطلقا، وقد استدلوا على ذلك بما وروي عن عمر ابن الخطاب – رضي الله عنه – أنه ولى الشفاء – امرأة من قومه – أمر السوق، وأن السمراء بنت نهيك الأسدية أدركت رسول الله (ص) وعمرت، وكانت تمر في الأسواق وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتضرب الناس على ذلك بسوط كان معها، وهم جمهور ابن حرير الطبري وابن حزم.

وخلاصة القول بأن منع قضاء المرأة لم ينقصها من حقها، ومن قال بجواز ذلك لم يزيدها من حقها، فحقوق المرأة قد تكفل الإسلام ببيانها واستيفائها. ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فاستجاب لهم ربهم أنى لا نضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض﴾[43] وقوله سبحانه: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم﴾[44] وتختلف المرأة عن الرجل بحكم طبيعتها إذ لكل منهما رسالته.

بالإضافة إلى الشرطين السابقين يجب أن يكون  القاضي كاملا في نفسه، والمقصود بذلك اكتمال أهليته أي كمال حكمه، وأن يكون لائقا جسمانيا لهذا العمل الجليل، ويطلق على ذلك بكمال خلقه.وكمال الحكم يكون بالبلوغ والعقل فاجتماعهما يتعلق ويثبت للقول حكم فلا يصح أن يكون القاضي غير بالغ ولا مختل العقل لأنه ليس لواحد منهما تمييز صحيح ولا لقوله حكم نافذ، فإن تقلد القضاء صبي أو مختل العقل كانت ولايته باطلة وأحكامه مردودة.

أما كمال الخلقة، فتعتبر سلامته فيها في ثلاثة أوصاف أحدهما صحة بصره فلا يكون ”أعمى” ولو عمي بعد التقليد بطلت ولايته، لأنه بذلك لا يفرق بين الطالب والمطلوب، وإن كان الإمام مالك أجاز تقليد الأعمى كما شهادته، ويجوز تقليده إذا كان في عينيه غشي يبصر نهارا ولا يبصر ليلا أو كان بصره ضعيف فيعرف الصور إذا قربت ولا يعرفها إذا بعدت… والثانية صحة ”سمعه”، فلا يجوز أن يكون القاضي أصما لا يفهم الأصوات وإن علت لأنه بذلك لا يفرق بين إقرار أو إنكار، أما ثقيل السمع الذي يفهم معه عالي  الأصوات دون الخافت منها فتقليده جائز، والثالثة سلامة ”لسانه” فلا يجوز أن يكون أخرسا لأنه يعجز عن إصدار الأحكام وإلزام الحقوق، فإذا كان بلسانه تمتمة (ترديد الثاء) أو فأفأة (ترديد الفاء) أو عقدة (الإلتواء) لا تمنع من فهم الكلام صح تقليده.

وهناك شرط اخر يتجلى في العدالة والمقصود بالعدالة أن يكون القاضي غير فاسق لقوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾[45].والعدالة ملكة النفس تمنعه عن اقتراف الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر، عفيف عن المحارم متوقيا المآتم، بعيدا عن الريب والشك مأمونا في الرضا  والغضب متسلحا بالمرونة في دينه ودنياه. أما الفاسق فلا يولي القضاء لأنه غير آمن على نفسه في دينه[46]، فكيف يكون أمينا على حقوق الناس وتطبيق الأحكام الشرعية؟ إن كان الحنفية يرون أن العدالة شرط كمال وأجازوا بذلك تقليد الفاسق.

بالإضافة في كل الشروط السابقة هناك شرط لايقل أهمية والمتعلق بالكفاءة العلمية في القاضي،  بمعنى أن يكون ملما بالأحكام الشرعية، مجتهد غير جاهل لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ﴿القضاة ثلاثة، اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل عرف الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فلم يقض به فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق فقضى بالناس على جهل فهو في النار ﴾

فالجاهل لا يعلم حكم الله فهو في مرتبة المنحرف في إقرار حكم الله، ويؤكد ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذ بن جبل قاضيا إلى اليمن قال له: بما تقتضي ؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد ؟ قال فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد ؟ قال: أشهد رأيي. فضرب الرسول على كتفه وقال له الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله ورسوله.

بعد هذه المقدمة الذي أوردناها للحديث عن مجموعة من الشروط التي يستوجب منصب القضاء توفرها في كل قاض قبل الفصل بين الناس، لكن توفر الشروط السابقة لا يعني أن القاضي أصبح بامكانه أن يبث في كل قضية عرضت عليه، إنما هناك أسباب قد تحل دون ذلك ومن بين هذه الأسباب ما يسمى برد القاضي، و هو طلب يتقدم به أحد الخصوم يطلب فيه تنحية القاضي عن نظر الدعوى لتوفر أحد أسباب ردِّه تدعو إلى الشك في قضائه بغير ميل أو تحيز.

ويعرف رد القاضي في الإسلام على أنه :” منع القاضي من نظر الدعوى، كلما قام بسبب من الأسباب التي ذكرها الفقهاء في هذا المجال، بحيث إذا أصدر حكماً في الدعوى بالرغم من ذلك، كان حكمه باطلاً[47].

ولما كان عماد الأحكام القضائية اطمئنان الخصوم إلى قاضيهم فإنه إذا قام من الأسباب ما يمس هذا الإطمئنان تعين على القاضي أن يتنحى عن نظر الدعوى وللخصوم أيضا أن يطلبوا رده عن نظر الدعوى المطروحة أمامه[48].

ويعتبر نظام رد القضاة من الموضوعات الهامة التي تناولتها الشريعة الإسلامية، فوضعت لها تنظيما متكاملا وفقا لمنهج القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة[49]؛ وذلك لأنه يمثل إعمالا لمبدأ حياد القاضي ونزاهته، وهو في الوقت نفسه يحمي المصلحة العامة في المجتمع، وذلك من خلال تحقيق عدالة مرفق القضاة[50].

كما يعد نظام رد القاضي من أهم الضمانات التي تكفل نزاهة القضاء ، وتُبعدهُ عن مجال التأثر بالإعتبارات الخاصة التي قد تنأى به عن مقتضيات العدالة.

لقد جاءت الشريعة الإسلامية لتحقيق العدالة وحماية الحقوق، فالعدل مطلب إلهي وحاجة ضرورية لحياة الناس في المجتمع لا غنى عنها وبفقدانها تنقلب الحياة داخل أي مجتمع إلى حياة  يسودها الظلم وعدم الإستقرار والخوف وانعدام الثقة بين مرفق القضاء والناس. فالقضاء هو الميزان الذي به يتحقق العدل والقسطاس الذي يتم به القسط وتحفظ الحقوق وتصان به الأموال والأعراض والدماء من الضياع والإنتهاك والإهدار، ومن هنا كانت خطة القضاء أعظم الخطط.  فالشريعة الإسلامية جاءت لحماية الحقوق وتحرص كل الحرص على ردها لأصحابها، وهذا يتطلب إبعاد القضاة عن كل ما من شأنه أن يؤدي إلى شبهة الإتهام أو التحيز[51].

الخاتمة:

يتضح مما تقدم أن موضوع التشريع الجنائي الإسلامي و علاقته بحقوق الإنسان  من الموضوعات المهمة جدا، والتي تهم جميع المسلمين في جميع أنحاء الأرض سواء كانوا حكاما أو محكومين. لأن العدالة وتطبيقاتها على أفراد الناس بالمساواة هو أهم ما يشغل بال المسلمين وتفكيرهم من العلماء أو العوام.

ولا يتألم المسلمون لأي شيء قد تألمهم لظلم يقع علئ برئ أو يحكم على أي شخص بجزاء نتيجة محاكمة لا تتوفر له فيها حرية الدفاع عن نفسه، أولا تتاح له كافة الوسائل اللازمة لإثبات براءته، أو يوقع عليه عقاب قبل ثبوت إدانته بحكم قضائي صحيح، أو يكون العقاب الموقع على الشخص زيادة عن الجزاء المقرر عقابا للجريمة التي ارتكبها.

 

[1] ـ حاتم بكار، حماية حق المتهم في محاكمة عادلة، دراسة تحليلية تأصيلية انتقادية مقارنة في ضوء التشريعات الجنائية ـ المصرية ـ الليبية ـ الفرنسية ـ الإنجليزية ـ الأمريكية والشريعة الإسلامية، منشأة المعارف بالإسكندرية، 1997، ص1.

[2] ـ وتأكيدا لذلك لقد جاءت المادة العاشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان واضحة في التنصيص على: “لكل إنسان على قدم المساواة التامة مع الآخرين، الحق في أن تنظر محكمة مستقلة ومحايدة، نظرا منصفا وعلنيا للفصل في حقوقه والتزاماته وفي أيه تهمة جزائية توجه إليه”

[3]ـ سورة الإسراء، الآية 15.

[4]ـ سورة القصص، الآية 59.

[5]ـ سورة الأنفال، الآية 38.

[6]ـ سورة النساء، الآية 22 – 23.

[7] ـ محمد سليم العوا، في أصول النظام الجنائي الإسلامي، دار المعارف، الطبعة الأولى  1979، ص 60.

[8] ـ  أبو السعود العزيز موسى، ضمانات المتهم ( المدعى عليه) وحقوقه في الشريعة الاسلامية والقوانين الوضعية، دار الفكر والقانون، الطبعة  الأولى ، 2015، ص 50.

[9] ـ محمد زكي أبو عامر، الإثبات في المواد الجنائية، الفنية للطباعة والنشر، الإسكندرية، 1985، ص48

[10] ـ سورة الحجرات، الآية 6.

[11] ـ ليندة مبروك، ضمانات المتهم في مرحلة المحاكمة على ضوء قانون الإجراءات الجزائري، رسالة من أجل الحصول على شهادة الماجستير في القانون، ماي 2007، ص 12 ـ 13.

[12] ـ سورة المائدة الآية 49.

[13] ـ  اعتمد المشرع المغربي قرينة البراءة  وجعلها قاعدة دستورية في الفصل 119 من الدستور بقوله ” كل مشتبه فيه أو متهم بارتكاب جريمة بريئا، إلى أن تثبت إدانته بمقرر قضائي، مكتسب لقوة الشيء المقضي به”. كما قام بالتنصيص عليها في المادة الأولى قانون المسطرة الجنائية “كل متهم أو مشتبه فيه بارتكاب جريمة يعتبر بريئا إلى أن تثبت إدانته قانوناً بمقرر مكتسب لقوة الشيء المقضي به، بناء على محاكمة عادلة تتوفر فيها كل الضمانات القانونية..”

 

[14] ـ  عبد الرحمن عبد العزيز الفالح، المدعى عليه وحقوقه بين الشريعة والقانون، مكتبة التوبة، الطبعة الأولى 2005، ص 374.

[15] ـسورة الإسراء، الآية 70.

[16] ـ سورة الحجرات، الآية 13.

[17] ـ سورة النساء، الآية 130.

[18] ـ سورة النساء ، الآية 57.

[19] ـ سورة النحل، الآية 90.

[20] ـ سورة هود، الآية 102.

[21] ـ سورة الكهف، الآية 59.

[22] ـ سلمان حمد محمد الهدية، ضمانات المتهم أثناء المحاكمة دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الكويتي، رسالة قدمت لاستكمال متطلبات الحصول على شهادة الماجستر في القضاء الشرعي، كلية الدراسات العليا الجامعة الأردنية2005، ص 24 ـ 25.

[23] ـ سلمان حمد محمد الهدية، المرجع السابق، ص 28.

[24] ـ عبد القادر عودة، التشريع الجنائي الإسلامي، ج1 ص 394.

[25] ـ سورة الأنعام ، الآية 164.

[26] ـ سورة البقرة، الآية 48.

[27] ـ سورة النساء، الآيتين 111- 112.

[28] ـ سورة الإسراء، الأية 15.

ـ سورة لقمان، الآية 33.[29]

[30] ـ سورة المدثر، الآية 38.

[31] ـ سورة يوسف، الآية 79.

[32] ـ سورة البقرة، الآية 134.

[33] ـ سورة سبأ، الآية 25.

[34] ـ فهد بن محمد بن إبراهيم الرشودي، ضمانات المتهم في مرحلة التحقيق الإبتدائي في التشريع الجنائي الإسلامي وتطبيقاته في المملكة، مشروع لنيل درجة الماجستر في مكافحة الجريمة، سنة 1999، ص 18.

[35] ـ سورة القصص الأية : 33 ـ 35.

[36] ـ سلمان حمد محمد الهدية، ضمانات المتهم أثناء المحاكمة دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الكويتي، رسالة مقدمة لاستكمال متطلبات الحصول على درجة الماجستر في القضاء الشرعي، كلية الدراسات العليا الجامعة الأردنية، 2005، ص68.

[37] ـ زياد حمد الصميدعي، عدنان ابراهيم عبد الجميلي، الوكالة بالخصومة في الفقه الإسلامي والقانون العراقي، مجلة جامعة تكريت للعلوم القانونية والسياسية، العدد3، ص 340,

[38] ـ محمد أحمد الرواشدة، ضمانات استقلال القضاء في الاسلام، دراسة مقارنة بالقانون الاردني، درا النشر رند للنشر والتوزيع،/ ص 337.

[39] ـ محمد عبد الجواد محمد، بحوث في الشريعة الاسلامية والقانون، الإسكندرية، منشأة المعارف، 1977، ص 125.

[40] ـ سلمان حمد محمد الهدية، المرجع السابق، ص 62.

[41] سورة المائدة الآية 51.

[42] – د/ شحاتة أبو زيد – تولية المرأة القضاء في الفقه الإسلامي وقانون السلطة القضائية- دراسة مقارنة – صفحة 60 ومثلها.

[43] – سورة آل عمران، الآية: 195.

[44] – سورة البقرة، الآية: 228.

[45] – سورة الحجرات، الآية:6.

[46] – السلطات الثلاث في الدولة الإسلامية.

[47] ـ عبد العزيز دهام الرشيدي، رد القاضي: دراسة مقارنة بين الشريعة الإسلامية والقانون الأردني والكويتي، رسالة مقدمة لاستكمال متطلبات الحصول على درجة الماجستير في القانون الخاص، جامعة الشرق الأوسط كلية الحقوق ـ قسم القانون الخاص، سنة 2011، ص 14.

[48] ـ أحمد محمد الجندبي، المبادئ الأساسية لحقوق المتهم في مرحلة المحاكمة ، ص 11.

[49] ـ شرف عبد الحكم، المبادئ الأساسية لتنظيم القضائي، دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، مجلة الأمن والقانون، كلية دبي، العدد الول، السنة السابعة، ص 26.

[50] ـ جبرة  عبد المنعم، مبادئ المرافعات، دار النهضة العربي، القاهرة، ص 36.

[51] ـ عبد العزيز دهام الرشيدي، المرجع السابق، ص 17.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق