في الواجهةمقالات قانونية

قراءة في مضامين القانون المتعلق بالعمال المنزليين رقم 19.12

 

محمد القاسمي

باحث في العلوم القانونية وخريج ماستر الأسرة

مدير مسؤول عن مجلة الباحث للدراسات القانونية والقضائية

 

 

 

 

قراءة في مضامين القانون المتعلق بالعمال المنزليين رقم 19.12

 

 

 

 

 

قول تعالى:

(أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ[1])

مقدمة

   من حكم الله في خلقه أن يكون الناس متفاوتين في الأرزاق لكي يستعين بعضهم ببعض ويتعاونوا في قضاء حوائجهم، ومن هذا المنطلق نشأت علاقات الشغل بين الأفراد،  فقد سعت شريعتنا الغراء وبعدها التشريعات الوضعية إلى تنظيم علاقات الشغل بين الأفراد بموجب قوانين خاصة سميت فيما بعد بالقوانين الاجتماعية، أما في المغرب فقد كانت علاقات الشغل منظمة في البداية بموجب قواعد الفقه الإسلامي والأعراف السائدة في أوساط المجتمع المغربي.

وفي فثرة الحماية فقد عمل المشرع المغربي إسوة بغيره من التشريعات المقارنة على تنظيم علاقات الشغل بموجب نصوص خاصة موزعة بين قانون الالتزامات والعقود[2] والنظام النموذجي لسنة 1948 وقانون 1946 المتعلق بالعطلة السنوية، وظهير 1936 المتعلق بالحد الأدنى للأجور، وقوانين أخرى كثيرة، الأمر الذي جعل قانون الشغل في المغرب يعاني من التجزئة بشكل يصعب معه على المهتمين بالقانون الاجتماعي الإلمام بها، فبالأحرى أطراف العلاقة الشغلية (أي العامل ورب العمل).

ولتجاوز الشتات والتجزئة التي يعاني منها القانون الاجتماعي في المغرب، عمل المشرع المغربي بعد الاستقلال إلى طرح مشروع القانون رقم 65.99 الذي صادق عليه البرلمان بغرفتيه وتم نشره في الجريدة الرسمية عدد 5167 بتاريخ 8 دجنبر 2003 ودخل حيز التنفيذ ابتداء من 8 يونيو 2004 بمثابة مدونة الشغل المغربية.

ففيما يخص نطاق تطبيق هذا القانون فقد نصت المادة الأولى والثانية على المقتضيات التي يخضع لها كل من يزاول عملا يحكمه عنصر التبعية، أي أن كل من يعمل تحت رقابة وتوجيه رب العمل يحظى بحماية مدونة الشغل المغربية.

لكن المادة الثالثة من نفس القانون، استثنت من الخضوع لبنودها بعض فئات العمال لكونهم يخضعون لقوانين خاصة، كما استثنت المادة الرابعة فئتين لا تخضعان لأي قانون، بعلة أنه سيصدر قانون خاص ينظم طريقة اشتغالهما وهما عمال القطاع التقليدي وخدم البيوت.

بعد صدور مدونة الشغل بسنوات معدودة، صادقت الحكومة المغربية على مشروع قانون جديد للعاملين والعاملات في البيوت. وخلفت هذه المصادقة، ولو جاءت متأخرة، ارتياحا في أوساط المتتبعين والمهتمين بالموضوع، وبالتالي وضع حد لمعاناة العاملين في البيوت.

فبخروج القانون رقم 19.12 المتعلق بتحديد شروط التشغيل والشغل المتعلقة بالعاملات والعمال المنزليين[3] إلى حيز الوجود، فهذا الأمر يكتسي أهمية كبرى، خاصة في ظل الوضعية التي تعرفها بعض العاملات و العمال المنزليين دون السن القانوني للتشغيل، والذين غالبا ما يستثنون من تطبيق أحكام مدونة الشغل كعمال المنازل وعمال البستنة والحراسة وشؤون البيت، الأمر الذي بات يفرض نفسه، ليس فقط للتدخل التشريعي بل ضرورة الأخذ بعين الاعتبار التزامات المغرب الدولية باعتباره مصادقا على كل من الاتفاقية الدولية رقم 189[4] بشأن حظر أسوء أشكال عمل الأطفال والإجراءات الفورية للقضاء عليها، والاتفاقية رقم 138 بشأن الحد الأدنى لسن الاستخدام[5].

ومن هنا يطرح الإشكال الذي مفاده:

إلى مدى توفق المشرع المغربي من خلال القانون رقم 19.12 المتعلق بشروط التشغيل وشغل العمال المنزليين في توفير إطار قانوني كافي يستجيب لتطلعات هذه الفئة؟

ولأجل الإلمام بتفاصيل هذه الدراسة سنعمد إلى إعمال منهجية تحليلية ونقدية، هدفا منا للإجابة على الإشكال المطروحة، وذلك باعتماد التصميم المومأ إليه أسفله: المطلب  الأول: شروط تشغيل العمال المنزليين. المطلب الثاني: المقتضيات المتعلقة بحقوق العمال المنزليين

المطلب الأول: شروط تشغيل العمال المنزليين

شكلت مدونة الشغل الإطار القانوني المنظم للعلاقة الشغلية في المغرب بصفة عامة، إلا أن هذا القانون في مادته الرابعة استثنى فئة خدام البيوت من الخضوع لأحكامها، إذ جاء في الفقرة الأولى من هذه المادة “يحدد قانون خاص شروط التشغيل والشغل المتعلقة بخدام البيوت الذين تربطهم علاقة شغل بصاحب البيت ” من هنا يتبين أن فئة خدام البيوت في علاقتهم مع مشغلهم لا يخضعون لمقتضيات مدونة الشغل رغم استفائهم للشروط المتطلبة في العلاقة الشغلية، حيث تم استبعادهم من نصوص المدونة، وصرح المشرع إبان ذلك بأن هذه الفئة ستؤطر وفق مقتضيات قانونية وتنظيمية خاصة ستأتي لاحقا.

حيث أصدر المشرع قانون 12-19 المتعلق بتحديد شروط الشغل والتشغيل المتعلقة بالعاملات والعمال المنزلين،  وتطرق المشرع من خلاله إلى تعريف كل من العامل المنزلي ومشغله، وتحدث عن كيفية إبرام عقد العمل بينهما وشروط هذا الإبرام والتزامات الأطراف إبان هذا الإبرام.

فمن خلال استقرائنا لهذا القانون، لاحظنا أن المشرع المغربي استبدل مجموعة من المصطلحات وردت في المادة الرابعة من مدونة الشغل وكذا المشروع الأولي للقانون المذكور، ومن بين هذه المصطلحات: خدام البيوت والذي عوضه المشرع في القانون 19.12 بالعمال المنزلين على اعتبار أن هذا الأخير يكرس مفهوم العمل اللائق، والملاحظ كذلك هو أن المشرع لم يستعمل مصطلح الأجير وإنما وظف مصطلح العامل المنزلي رغم أن الأجير هو نفسه العامل، ونعتقد أن المشرع استعمل الثاني عوض الأول بهدف التمييز بين الأجير الخاضع لمقتضيات مدونة الشغل، والعامل المنزلي الذي يخضع لقانون مؤطر خاص، كما تم تغيير مصطلح صاحب البيت حيث وظف  المشرع  محله مصطلح المشغل[6]، وإن كنا نحبذ لو تم إبقاء المشرع على مصطلح صاحب البيت نظرا للدقة الوصفية للمصطلح من جهة، ومن جهة ثانية للتمييز بينه وبين المصطلح الوارد في مدونة الشغل في الدلالة .

فيعتبر عامل منزلي استنادا إلى مقتضيات القانون 12-19 من يقوم بصفة دائمة واعتيادية مقابل أجر بإنجاز أشغال مرتبطة بالبيت[7]، كما حددت المادة 2 من هذا القانون على سبيل الحصر الأعمال التي تدخل في نطاق العمل المنزلي والخاضعة لأحكام هذا القانون. ومنها الاعتناء بشؤون البيت، وكذا بالأطفال، أو بفرد من أفراد البيت بسبب سنه أو عجزه أو مرضه، أو كونه من الأشخاص في وضعية إعاقة، وكذا السياقة وأعمال البستنة، تم حراسة البيت، ومنه فإن المشرع أورد هذه الأعمال على سبيل الحصر لا المثال.

مما يعني استبعاد المشرع إعمال قاعدة القياس في هذا الصدد، بحيث أن أي شغل لا يدخل في خضم الأعمال التي تم تعدادها يستبعد من نطاق هذا القانون.

إن تشغيل العمال المنزلين يقتضي أن يكون وفق الشروط والتنظيم الذي نص عليه المشرع في القانون، حيث يشترط في تشغيل العامل (ة) المنزلي (ة) أن يحرر بشأنه عقد وهو ما يستشف من مضمون المادة الثالثة من القانون 12-19، حيث ألزم المشرع المشغل بضرورة تحرير عقد الشغل وفق نموذج يحدد بنص تنظيمي، ونرى أن المشرع تطلب تفريغ العقد في نموذج محدد بنص تنظيمي هدفا من ورائه إلى تضمين هذا النموذج الشروط العامة التي يجب أن ينصب عليها تراضي الطرفين، مع بقاء التساؤل مطروحا في قيمة الكتابة التي تطلبها المشرع في هذا العقد، أهي للانعقاد أم للإثبات؟

نرى في هذا الإطار أن الكتابة يمكن الاعتداد بها في كلا الأمرين، ويتجلى كون كتابة العقد الذي يربط بين العامل المنزلي وصاحب البيت من شأنه أن يؤسس علاقة شغلية مبنية على رضا الأطراف، وكذا يؤدي إلى استفادة العامل المنزلي من مقتضيات القانون 19.12 الحمائية له، أما إذا نظرنا للكتابة من منظور كونها للإثبات فهذا القول يصح ما دام الشغل يتم في مجال مغلق لا يعلم معه حالة العامل المنزلي ووضعيته، هل يعيش استقرار في شغله أم أن العكس هو الذي يسود الوضع، ومنه كانت أهمية العقد في الإثبات عند إخلال أحد أطراف التعاقد بما التزم به، بحيث يحق للطرف المتضرر الإدلاء بذلك العقد لإثبات ما تعرض له وهو ينفد التزاماته التعاقدية.

فالرضا بين الطرفين – أي العامل المنزلي وصاحب المنزل – يتم التعبير عليه، وذلك بإفراغه في العقد النموذجي المحدد بنص تنظيمي، وتوقيعه من الطرفين والمصادقة عليه من طرف السلطات المختصة مع مراعاة الشروط والقيود المتعلقة بالأهلية.

حيث لا يجب أن يقل  سن العامل المنزلي عن 16 سنة كحد أدنى، ولا يجوز للمشغل النزول عنه وتشغيل الأطفال دون السن 16 سنة، إلا أن هيأة المجتمع المدني والفعاليات الحقوقية داخل المجتمع المغربي، وجهت العديد من الانتقادات لهذا السن، حيث سيعمل على فتح الباب على مصراعيه أمام إمكانية تشغيل الأطفال واستغلالهم في الأعمال الشاقة والخاصة بالمنازل، والتي يصعب على الطفل في هذا العمر تحمل أعباءها وإتقانها خاصة الأعمال التي تتعلق بالتنظيف والطبخ وكذا رعاية الأطفال.[8]

وقد أوجب المشرع تحرير العقد الرابط بين الطرفين في ثلاثة نظائر، يسلم النظيرين لكل من المشغل العامل المنزلي، والنظير الثالث يتم إيداعه لدى متفشية الشغل مقابل وصل، وفي حالة وجود مخالفة لمقتضيات وأحكام القانون 19.12، يعمل مفتش الشغل على إثارة انتباه الطرفين بأحكام القانون المنظم للعلاقة الشغلية التي تربط بينهما، ومساعدتهما على مراجعة العقد كنوع من الرقابة القبلية التي يمارسها مفتش الشغل .[9]

كما تحدث القانون 19.12 كذلك عن تشغيل العمال المنزليين الأجانب، حيث أحال المشرع في هذا الشأن على القانون 99-65 المتعلق بتشغيل الأجراء الأجانب.

وقد أورد المشرع كذلك مقتضيات زجرية تهدف تطبيق هذه المادة وحث المشغل على إبرام عقد الشغل، واحترام مقتضياته تحت طائلة غرامة مالية تتراوح ما بين 3000 و 5000 درهم[10].

وفي اعتقادنا نرى أن هذه الغرامة هزيلة وقاصرة عن تحقق الردع الكافي للمخالفين للقانون، ومستبعد أن تحقق الحماية التي يستهدف المشرع تحقيقها لفائدة العمال المنزليين في إجبار المشغلين على تحرير العقود التي تربطهم بهم.

أما بخصوص تشغيل الأطفال فقد نص القانون 12-19 في المادة السادسة منه على منع تشغيل الأطفال دون السن 16 سنة، بعد ما كان في مسودة مشروع القانون تنص على سن 15 سنة كحد أدنى للتشغيل في العمل المنزلي، إلا أن ضغط الهيآت الحقوقية كما سلف الذكر واستنكارها لتشغيل الأطفال دون سن الرشد القانوني[11] حدا بالمشرع إلى رفع السن إلى 16 سنة، مع تقيد المشغل بشروط بالنسبة لتشغيل الأطفال مابين 16 و 18 سنة حيث يستوجب تشغيل الطفل في العمل المنزلي حصوله على موافقة وليه الشرعي وتوقيعه معه في عقد الشغل مع إدراجه للإذن المكتوب والمصادق على صحة إمضائه.

والغريب في الأمر أن المشرع استلزم إذن مكتوب مصادق عليه من لدن السلطات المختصة، في حين أن توقيع الولي في العقد كاف للقول بقبوله، ونرى في هذا الصدد أن المشرع لم يتطلب هذا الإذن المكتوب المصادق عليه من طرف الولي، إلا ليضفي على العقد طابع الرضائية ويزيد من تكريس الحماية لأطراف التعاقد، على اعتبار أن القاصر في تصرفاته المدنية والمالية تبقى تصرفاته خاضعة لإجازة وليه أو نائبه الشرعي بالنظر إلى نسبة النفع والضرر الذي تعود عليه به.

كما يلزم المشغل على تقديم العامل المنزلي القاصر لفحص طبي كل ستة أشهر لكي يتبين من الوضع الصحي له[12]، والملاحظ هو أن المشرع لم يرتب جزاء في حالة الإخلال وعدم احترام هذا المقتضى، حيث نرى في هذا الصدد أن المشرع بتجاهله ترتيب جزاء على عدم تقديم المشغل للعامل المنزلي أمام طبيب لإجراء فحص عام له، يفرغ هذا المقتضى من الزاميته مع إقرار المشرع بها.

وبالرجوع للمادة الخامسة من هذا القانون، نجدها تطرق لإمكانية مطالبة صاحب المنزل للعامل المنزلي بالإدلاء بشهادة طبية تثبت سلامته الجسدية من الأمراض، إلا أن السؤال المطروح في هذا الموقف، هو في حالة عدم مطالبة المشغل العامل المنزلي بهذه الشهادة وبع مرور مدة من مباشرته العمل، تبين مرضه، فهل يطالب صاحب المنزل بتحمل تبعات مرض هذا العامل؟ وما مصير عقد الشغل في هذه الحالة خصوصا في ظل الصيغة الاختيارية التي نسج بها المشرع هذا المقتضى؟

والرأي في ما نعتقد أنه كان على المشرع أن يستعمل صيغة الوجوب حتى يتسنى للجهات المختصة مساءلة المشغل في حالة تقصيره وإخلاله بالتزاماته.

كما يمنع تشغيل الأطفال في الأماكن المرتفعة والغير الآمنة، وفي حمل الأجسام الثقيلة، وفي استعمال التجهيزات والأدوات والمواد الخطيرة، وفي كل الأشغال التي  تشكل مخاطر بينة قد تضر بصحتهم أو سلامتهم الجسدية، غير أن هذه الحماية تم قصرها فقط على العاملات والعمال المنزليين الذين تتراوح أعمارهم مابين 16 و 18 سنة فقط دون غيرهم من العمال البالغين.

الشيء الذي يدفعنا معه إلى البحث عن فلسفة المشرع حول عدم استبعاد فئات من العمال الغير القصر من ممارسة هذه الأشغال، وخصوصا أن بعض الأشغال المنزلية تحتاج إلى مختصين للقيام بها، ويمكن أن تشكل خطرا كبيرا على العامل المنزلي البسط الذي ليست له خبرت في شأنها، مما كنا نحبذ معه تمديد المشرع لهذا المقتضى حتى على العمال الراشدين، لضمان أكبر قدر من الحماية لأوسع فئة من هؤلاء العمال.

بقى أن نشير إلى أن المشرع في المادة السابعة من القانون 19.12 منع اعتماد الإكراه والإجبار في حق العامل المنزلي لأجل ممارسة بعض الأشغال التي يرى العامل المنزلي أنه غير قادر وليس أهلا لممارستها.

أما في ما يتعلق بفترة الاختبار فقد حددها القانون في المادة الثامنة في 15 يوما بالنسبة للعقود الغير محددة المدة، وتكون هذه الفترة مؤدى عنها، حيث يمكن لأحد الطرفين سواء كان العامل المنزلي أو صاحب البيت أن يقوم بفسخ العقد بإرادته المنفردة وبدون تعويض خلال مدة الاختبار.

هذا ويلزم القانون العامل المنزلي على تقديمه لفائدة المشغل نسخة من بطاقته الوطنية للتعريف مصادق عليه، بحكم كونه راشدا أتناء التعاقد، وبحكم كذلك أنه يتوفر على بطاقة وطنية، لكن بالنسبة للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و18 سنة فلا يلزمون بالإدلاء بنسخة من هذه البطاقة، لأن القانون الذي ينظم إمكانية الحصول على هذه الأخيرة حدد سن الحصول عليها في ثمانية عشر سنة، مما يكون معه القاصر الذي لم يبلغ بعد هذا السن غير متوفرا عليها، حيث يمكنهم تقديم أي وثيقة مثبتة لهويته كعقد الازدياد مثلا .[13]

المطلب الثاني : المقتضيات المتعلقة بحقوق العمال المنزليين

لقد عمل المشرع المغربي من خلال القانون 12-19 المتعلق بالعمال المنزليين على وضع قواعد حمائية، وذلك من أجل حماية هذه الفئة، على غرار باقي الأجراء الخاضعين لمقتضيات مدونة الشغل، وحتى يضمن المشرع نوعا من التوازن والمساواة بين كافة الأجراء من حيث الحماية القانونية.

ومن بين الحقوق التي ضمنها هذا القانون للعامل المنزلي نذكر الحق في التعليم، حيث نص في هذا المقام على حق العامل المنزلي من الاستفادة من برامج التربية والتكوين التي توفرها الدولة، لاسيما ما يتعلق ببرامج محاربة الأمية والتربية الغير نظامية، وبرامج التكوين المهني[14].

إلا أن استفادة العامل من هذا الحق يتوقف على موافقة المشغل واتفاقهما على ذلك، إلا أن الإشكال يثار في حالة عدم موافقة المشغل على ذلك، خصوصا وأن المشرع تحدث عن الاتفاق، ولم يتحدث بصيغة الوجوب، كما أنه لم يرتب جزاء على المشغل في حالة منعه العامل المنزلي من الاستفادة من التعليم أو التكوين الذي توفره الدولة، مما يجعل هذا المقتضى بدون جدوى.

والرأي في ما نعتقد، أن المشرع كان عليه أن يلزم المشغل بأن يسمح كأقل تقدير للعامل المنزلي بأن يجري حصص للتعليم من خلاله يتعلم أبجديات العلوم – كمثال العلوم الشرعية والحساب – خصوصا إذا كان العامل قاصرا أميا، لأنه في نظرنا لن يبقى هذا العمل أبدا ما حيى العامل المنزلي، فتقلبات الحياة قد تجده يوما خارج أسوار بيت صاحب المنزل، وفي تلك اللحظة لن ينفعه لا مال قبضه ولا جهد أفناه، سوى ما تلقاه من معرفة مرسخة في ذاكرته أتناء اشتغاله كعامل منزلي.

كما تطرق القانون 19.12 للأجر كعنصر من العناصر الأساسية لأي نوع من أنواع عقود الشغل، محاولا بذلك الحد من الأجور الهزيلة التي يتقاضاها العمال المنزليين، ونص على استحقاق العامل المنزلي لأجر نقدي لا يقل عن 60 بالمائة من الحد الأدنى للأجر.

وبالتالي لا يمكن اعتبار المزايا التي يقدمها المشغل من قبيل الإطعام والمسكن، ضمن مكونات  الأجر النقدي للعامل المنزلي، لكن سرعان ما يتضح لنا إذا ما تمعنا في هذا الأجر الذي حدده المشرع لهذا العامل أنه قد أخد بعين الاعتبار ضمنيا مصاريف إطعام وإسكان العامل من طرف المشغل، وأعفى هذا الأخير من أربعين بالمائة من الحد الأدنى للأجر القانونى[15].

وفي نظرنا نرى أن هذا المقتضى فيه نوع من الإجحاف في حق العامل المنزلي الذي قد لا يستفيد من الإسكان أو الإطعام ومع ذلك يحرم من 40 بالمائة من أجرته، كما أن هذا الأجر هزيل مقارنة مع طبيعة الأشغال التي ينجزها العمال المنزليين التي يمكن أن تصل مند الصباح الباكر إلى أنصاف الليل، كما أغفل القانون كذلك حق العامل المنزلي من التعويض عن الساعات الإضافية التي قد يقضيها العامل المنزلي بعد انتهاء ساعاته القانونية المتفق عليها في العقد النموذجي المبرم بينه وبين المشغل.

هذا وقد تطرق القانون 19.12 من خلال المادة 21 منه إلى استحقاق العامل المنزلي لتعويض عند فصله من العمل، شريطة أن يكون قد قضى مدة من العمل تصل إلى سنة لدى نفس المشغل، وهي مدة طويلة قد تدفع بعض المشغلين إلى التحايل على مقتضيات هذه المادة، وذلك من خلال فصل العامل المنزلي قبل مرور تلك المدة وتعويضه بعامل آخر.

حيث نرى أنه كان الأجدر بالمشرع تقليص هذه المدة إلى ستة أشهر كما هو الشأن بالنسبة للمادة 52 من مدونة الشغل[16]، وحتى لا يكون هناك تمييز بين العمال الخاضعين لمدونة الشغل وهؤلاء الخاضعين لهذا القانون .[17]

أما على مستوى الحق في العطل والراحة الأسبوعية فقد نص القانون لهذه الفئة على حقها في راحة أسبوعية لا تقل عن 24 ساعة في الأسبوع، ويمكن للطرفين الاتفاق على تأجيل الاستفادة من الراحة الأسبوعية وتعويضها في أجل لا يتعدى ثلاثة أشهر.

كما منح القانون الحق للعاملة المنزلية الأم في استراحة الرضاعة محددة في ساعة واحدة يوميا، ابتداء من تاريخ استئنافها العمل بعد الوضع، وذلك خلال مدة اثني عشر شهرا من تاريخ الوضع، غير أن المشرع في هذا القانون لم ينص على حق الأم في عطلة الأمومة كما هو الحال بالنسبة لمدونة الشغل التي تعطي الحق للأم في إجازة الولادة مما يدفعنا للتساؤل عن السبب وراء عدم تنصيص المشرع على هذا المقتضى؟ والذي لا يعدوا أن يكون مجرد سهو من المشرع، مع علمنا أن هناك قاعدة قانونية تقر بأن أعمال المشرع مصونة عن العبث، فهل نعتبر هنا فعلا أن إغفال المشرع عن التنصيص عن هذا المقتضى سهو منه، أم أنه عبث؟ بالإضافة إلا أن المشرع لم يشر إلى ما إذا كانت هذه الراحة مؤدى عنها أم لا.

والملاحظ كذلك من خلال استقرائنا لمقتضيات هذا القانون هو إغفال المشرع عن التنصيص على حقوق العمال المنزليين في الحرية النقابية، والحق في التنظيم النقابي، والحق في المفاوضة الجماعية.

كما يستفيد العمال المنزليين من حقهم في العطلة السنوية والأعياد الوطنية التي تكون مشمولة بأداء الأجر عنها.

ولأجل ضمان احترام بنود هذا القانون وضع المشرع مجموعة من التدبير منها: تسجيل العمال لشكاياتهم لدى مفتشية الشغل في حالة تعرضهم لتعسف أو إخلال في تنفيذ بنود العقد، ويتولى مفتش الشغل مهمة إجراء صلح بينهما – أي بين العامل المنزلي وصاحب البيت – وتحرير محضر بشأنه كخطوة ملزمة قبل إحالة النزاع على المحكمة في حالة فشل الصلح.

والملاحظ أن المشرع لم يعطي الإذن لمفتش الشغل للقيام بزيارات لأماكن الاشتغال[18]، وتفقد ظروف عمل هذه الفئة، ومراقبة مدى التزام الأطراف باحترام مقتضيات القانون، ونعتقد أنه كان على المشرع أن ينص على هذا المقتضى رغم خصوصية أماكن مزاولة العمل التي لا تقبل إمكانية التفتيش، لما للبيوت من حرمة منصوص عليها دستوريا، إلا أنه يكفي تنظيم زيارات لهؤلاء العمال ولو خارج أصوار البيوت، قصد استفسارهم عن أوضاع العمل ووضعياتهم في خضمه.

 

 

 

 

 

 

 

خاتمة

نستخلص من خلال كل ما تقدم دراسته في موضوع القانون المتعلق بشغل وتشغيل العمال المنزليين  أن القانون المنظم لهذه الفئة قد دخل ضمن أحضان المنظومة القانونية المغربية، رغم تعليق بداية تنفيذ مقتضياته إلى ما بعد مرور سنة من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية كما نصت على ذلك المادة 27 من نفس القانون.

فأثناء الدراسة التي قمنا بها هذه ثارت لدينا مجموعة من الإشكالات التي شابت القانون الجديد، والذي يهم بتنظيم شغل العمال المنزليين، مما كان معه منا أن نصرح ببعض الخلاصات التي خلصنا إليها في هذه الدراسة والتي تتجلى أهمها:

– شمل القانون الجديد الصادر لتنظيم شغل العمال المنزليين العديد من المقتضيات مدرجة في 27 مادة منظمة ضمن خمس أبواب متعلقة أساسا بالمقتضيات والأحكام العامة وكذا شروط التشغيل بالنسبة للعمال المنزليين وكذا مدة العمل والراحة الأسبوعية تم الأجر وأخيرا المراقبة والجزاءات.

– حاولنا أن نعطي ولو بإيجاز قراءة حول هذه المقتضيات لتبيان مكامن النقص والكمال فيها، ورغم ذلك فكثيرا ما وجدنا أن هذا القانون يحمل في طياته العديد من النقائص مما دفعنا معه إلى إبداء مقترحات التالية لعل أهمها:

– معظم الغرامات التي فرضها المشرع في ظل القانون 19.12 هزيلة وقاصرة عن تحقق الردع الكافي للمخالفين للقانون من المشغلين، ومستبعد أن تحقق الحماية التي يستهدف المشرع تحقيقها لفائدة العمال المنزليين مما يكون معه الرفع منها أما مطروحا.

– ترتيب الجزاء على المشغل الذي أخل بالتزام عرض العامل المنزلي على طبيب مختص ليجري له الفحوصات اللازمة قبل البدء في تنفيذ الشغل، وتجاوز عبارة الاختيار الموظفة في القانون، وذلك بالتنصيص على غرامة في هذا الصدد.

– إلزام المشرع المشغل لأجل السماح للعامل المنزلي من الاستفادة من حصص تعليمية وتعليق ذلك على جزاء لأنه من الحيف حرمان العامل المنزلي إذا كان أميا أن لا يستفيد من حصص تعليمية.

– تمتيع المشرع بصريح العبارة الأم العاملة من أيام راحة في حالة الوضع إسوة بما فعل المشرع في مدونة الشغل عند إقراره إجازة الوضع.

– إقرار المشرع باستفادة لعامل المنزلي من تعويض عن الفصل بمجرد أن يكون العامل المنزلي قد اشتغل مدة 6 أشهر عوض المدة المقرر في سنة كما ورد ذلك في القانون.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لائحة المراجع

المصادر

  • القرآن الكريم

       الرسائل والأطروحات

  • عفاف البوعناني، الحماية القانونية للعامل المنزلي في ضل مشروع القانون رقم 19.12، بحث لنيل دبلوم الماستر في العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الخامس أكدال، الرباط، الموسم الجامعي 2012.2013.

المقالات

  • عبد الحكيم موساوي، خدم البيوت بين الفراغ التشريعي الحالي ومشروع قانون 19.12، مقال منشور بالمجلة الورقية “القانون المدني” العدد الثالث، مكتبة الرشاد، سطات.

القوانين

  • مدونة الشغل المغربية
  • القانون رقم 19.12 المتعلق بتحديد شروط الشغل والتشغيل بالنسبة للعمال المنزليين.
  • ظهير الالتزامات والعقود المغربي.
  • مدونة الأسرة المغربية.

 

1 سورة الزخرف، الآية 32[1]

[2]  ظهير شريف رقم 1.11.140 صادر في 16 من رمضان 1432 (17 أغسطس 2011)، الجريدة الرسمية عدد 5980 بتاريخ 23 شوال 1432 (22 سبتمبر 2011)، ص 4678.

 

[3]  ظهير شريف رقم 1.16.121 صادر في 6 ذي القعدة 1437 (10 أغسطس 2016) بتنفيذ القانون رقم 19.12 بتحديد شروط الشغل والتشغيل المتعلقة بالعاملات والعمال المنزليين، جريدة رسمية عدد 6493 بتاريخ 18 ذو القعدة 1437 (22 أغسطس 2016)، صفحة 6175.

[4]  والتي قام المغرب باعتمادها بتاريخ 16 يونيو2011 والمتعلقة باتفاقية تشغيل العمال المنزليين. وقد تم ت

تتميمها بالتوصية العمل اللائق للعمال المنزليين )رقم201 (.

[5]  اعتمدت من طرف المؤتمر العام لمنظمة العمل الدولية في 26/03/1976، بدأ نفاذ هذه الاتفاقية في 19 حزيران/ يونيه 1976

[6]  تنص المادة 26 من القانون 12-19 على أنه: “تحل تسمية العاملات أو العمال المنزلين محل تسمية خدام البيوت المنصوص عليها في القانون رقم 99-65 السالف الذكر.”

[7]  المادة 1 من القانون 12-19 تنص على أنه: “العاملة أو العامل الذي يقوم ،بصفة دائمة واعتيادية ،مقابل أجر ،بإنجاز أشغال مرتبطة بالبيت أو الأسرة كما هي محددة في المادة 2 من هذا القانون سواء عند مشغل واحد أو أكثر.”

[8]  ذ عبد الحكيم، مساوي خدم البيوت بين الفراغ التشريعي الحالي ومشروع قانون 19.12، مقال منشور بالمجلة الورقية “القانون المدني” العدد الثالث، مكتبة الرشاد، سطات، ص 105

[9]  أنظر المادة الثالثة من القانون 12-19 المتعلق بالعمال المنزليين

[10]  المادة 24 من القانون 12-19.

[11]  تنص المادة 209 من مدونة الأسر على أنه :” سن الرشد القانوني والمحدد في 18 سنة شمسية كاملة.”

[12]  االفقرة الثالثة من المادة 6 من القانون 12-19

[13]  المادة 5 من القانون12-19

[14]  المادة 11 من القانون 12-19

[15]  عفاف البوعناني، الحماية القانونية للعامل المنزلي في ضل مشروع القانون رقم 19.12، بحث لنيل دبلوم الماستر في العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الخامس أكدال، الرباط، الموسم الجامعي 2012.2013، ص.74.

[16]  تنص المادة 52 من مدونة الشغل على أنه :” يستحق الأجير المرتبط بعقد شغل غير محدد المدة، تعويضا عند فصله، بعد قضائه ستة أشهر من الشغل داخل نفس المقاولة، بصرف النظر عن الطريقة التي يتقاضى بها أجره، وعن دورية أدائه.”

[17]  عبد الحكيم مساوي مرجع سابق ص 108.

[18]  جاء في حكم للمحكمة الابتدائية بالدار البيضاء على أنه ” طبيعة البيت وحرمة المنزل تتنافى مع مبادئ تشريع الشغل التي تنص بالخصوص على زيارة مفتش الشغل لمراقبة كيفية وظروف تنفيذ العمل” حكم عدد 648 بتاريخ 31 دجنبر 1986، وارد في المجلة المغربية للقانون، العدد الثاني، لسنة 1987، ص. 65.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق