في الواجهةمقالات قانونية

موقع المقاربة الجنائية ضمن منظومة حماية أموال شركة المساهمة من التلاعب

من اعداد الباحث: محمد أنور مسعود

مقدمة:

تعتبر شركة المساهمة النموذج الأمثل لشركات الأموال،فهي تنشأ أساسا لتجميع الرساميل الضخمة وتوجيها نحو الإدخار العام لذلك، تعد شركة المساهمة أهم رافعة لتنمية اقتصاد الدولة، فلا غرابة والحالة هذه أن يكون موضوع “موقع المقاربة الجنائية في حماية أموال الشركة” من أهم مواضيع قانون الشركات التجارية قاطبة.

وتعد المقاربة الجنائية في شركة المساهمة من أكثر المواضيع جدلا في القانون رقم 17.95، إذ إن هذه المقاربة لم تكن يوما محط وفاق بين رجال الأعمال والمستثمرين ورجال القانون، فما بين مؤيد ومعارض لوجود تدخل جنائي في قانون شركات المساهمة، وما بين مهلل ومتحفظ من هذه المنظومة، تتشظى مظاهر حماية أموال شركة المساهمة، الوضع الذي يدفعنا إلى التساؤل عن مدى ملاءمة هذه المقاربة مع الجرائم الخارجية للشركة؟ وهل العقوبات الزجرية في هذا القانون تتماشى مع حماية أموال الشركة من التلاعب؟.

للإجابة على الأسئلة المطروحة ارتأيت تقسيم هذا الموضوع الى مبحثين أتناول في (المبحث الأول) مدى ملاءمة الجرائم المالية الخارجية مع فعالية الحماية، أما (المبحث الثاني) فنخصصه لدراسة مدى انسجام العقوبات الزجرية مع مستلزمات الحماية.

المبحث الأول:

مدى ملاءمة الجرائم المالية مع فعالية الحماية

 

ضمن المشرع المغربي قانون شركات المساهمة، في القسم الرابع عشر منه المعنون ب “العقوبات الزجرية” والممتد من المواد 373 إلى 424 مجموعة من الجرائم المرتكبة في إطار شركة المساهمة وسن لها عدة عقوبات زجرية، فشكل هذا القسم الرابع عشر بحق، ترسانة قانونية جنائية في القانون رقم 17.95 المتعلق بشركات المساهمة الأمر الذي جعل للمقاربة الجنائية الواردة في صلب قانون شركات المساهمة أبعادا (المطلب الأول)، وأدى إلى وصفها بالقصور في أحايين كثيرة (المطلب الثاني).

 

المطلب الأول: أبعاد المقاربة الجنائية في قانون شركات المساهمة

 

لا يمكن دراسة أبعاد المقاربة الجنائية، دراسة تستجيب لإشكالية مدى نجاعة التدابير التشريعية في حماية أموال شركة المساهمة من التلاعب، إلا بالوقوف على خصوصية المقاربة الجنائية في شركة المساهمة (الفقرة الأولى)، ثم الحديث عن ملابسات من ثقل المسؤولية في شركة المساهمة (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: خصوصيات المقاربة الجنائية في حماية أموال شركة المساهمة

ارتآى المشرع المغربي تعزيز الوجود السليم لشركة المساهمة واحترام المقتضيات التي تحكم تأسيسها بالردع الجنائي، الذي يزجر من يتجرأ على ارتكاب الغش والاحتيال، إلى جانب جرائم النصب وخيانة الأمانة طبقا للقواعد العامة في مادة القانون الجنائي[1].

وفي هذا الإطار، قام المشرع المغربي بإصلاح قانوني لتقوية الاستثمارات وإنعاش الاقتصاد الوطني، وتوفير حماية جنائية كافية، تهدف إلى احترام الفرقاء، فانصبت الجهود على إصباغ الطابع الزجري على قانون شركة المساهمة التي يعد قانونها مرجعا عاما للأحكام المتعلقة بأهم الجوانب الخاصة بباقي الشركات وذلك عن طريق النص على جرائم عديدة، قد ترتكب في مختلف مراحل حياة الشركة سواء في مرحلة التأسيس أو عند مباشرة أعمال الإدارة[2]، وهذه الأخيرة تشكل المجال الخصب للتلاعب بأموال الشركة، الشيء الذي تنبه له المشرع فعمل على تطويق هذه الأعمال بجملة من التدابير الردعية.

و عليه، فقد تضمن قانون شركات المساهمة رقم 17.95 العديد من الأفعال الجرمية بغية إحاطة مصالح الشركاء والمساهمين وكذا الأغيار بالحرص اللازم، لارتباط هذه المصالح بمقاولة تجارية، فخرجت بالتالي درجة الحماية عن الإطار العادي للحماية الجنائية في هذا المجال، نظرا لكثرة المقتضيات الجنائية وشدتها، ويعد هذا التشدد أسلوبا ردعيا، القصد منه التحسيس بالمسؤولية بشكل أقوى، فصار قانون شركة المساهمة أشبه ما يكون بمدونة جنائية[3].

وهنا، بدأت تبرز خصوصية التدخل الجنائي في قانون شركة المساهمة، إذ جاء هذا التدخل مبالغا فيه إلى حد ما، مما كان له أثر في أوساط رجال الأعمال والمستثمرين.

ويذهب بعض المختصين في القانون التجاري، إلى اعتبار تدخل القانون الجنائي في مجال الشركات التجارية مصدر للرعب والفزع، فهو ليس سوى شبكة مقلقة من القواعد، بل إن البعض رأى أن الجانب الجنائي في قانون الشركات يتجاوز عدم الجدوى إلى حد الخطورة، وذلك عندما يوجه كوسيلة ضغط[4].

بينما يرى بعض الدارسين[5]، أن الجانب الردعي في القانون الجنائي للشركات، أمر لا مناص منه للضرب على أيدي المتلاعبين بمصائر الشركات التجارية، سواء من ناحية التأسيس والتسيير أو الإدارة والمعاملات، بل إن مفعول القانون الجنائي في ميدان الشركات ومنها على الخصوص شركة المساهمة ينزع إلى أن يكون إيجابيا لأنه يشكل سدا منيعا في وجه طوفان الفساد الذي أصبح يجتاح الادخار العام والاقتصاد الوطني.

وهذا الرأي الأخير، هو الذي نميل إلى الإعتماد عليه، إذ لا يمكن الحديث عن حماية أموال شركة المساهمة من التلاعب دون مرافقة هذه الحماية أو تعزيزها بمقتضيات زجرية تردع كل من سولت له نفسه نهب أو استغلال أموال الشركة لمصالحه الشخصية الضيقة.

وفي هذا السياق، رأى بعض الباحثين[6] أن المشرع المغربي لم تكن له أية نية لإنزال المقتضيات الواردة ضمن المنظومة الزجرية من قانون الشركات لحيز التطبيق، بقدر ما سعى للإبقاء عليها كواجهة أمام الرأي العام لاسيما الدولي، كيف لا وقد جردها من الآليات الفعلية للتطبيق.

إلا أن بعض الشراح القانونيين[7] له تصور مغاير، إذ يعتقد أنه من الصعب التسليم بمسألة توظيف الجانب الجنائي من قانون الشركات للتخويف أو كواجهة فقط، ذلك أن القواعد الزجرية تسن للتطبيق وإلا كان الأمر ضربا من العبث، فمن غير المعقول أن يتم تحريك الآلة التشريعية بثقلها وبما تعرفه من مجهودات وإجراءات ومراحل، ليختزل ذلك كله في هدف وضع فزاعة أو رسم صورة معينة أمام الرأي العام، لاسيما وأن الرأي العام الدولي لم تعد تخفي عليه – بفعل المتغيرات الحديثة- خبايا وحقيقة الواقع التشريعي أو الاقتصادي أو الاجتماعي ببلد معين، إذ صارت كل الأمور واضحة ومكشوفة. كما أن المستثمرين الدوليين مؤشراتهم وخبراتهم وأدوات التقييم التي تساعدهم على اتخاذ قرار الاستثمار في قطر من الأقطار، بل إن التهديد الحقيقي لمصداقية دول معينة، يأتي من وراء بقاء نصوصها القانونية دون روح أو امتداد واقعي.

ويتبين أن هذا الرأي به قدر كبير من الوجاهة، وبالتالي هو الجدير بالتأييد، بالفعل، لا يمكن القول إن المشرع وضع ترسانة قانونية تزيد عن 47 مادة لا لشيء إلا ليسبغ الرأي العام الدولي رضاه على المغرب خاصة في مجال الاستثمار، فهذا يتنافى مع مقاصد المشرع الذي يهدف إلى تحصين مجال الشركات بجزاءات جنائية، كما أنه يتناقض أيضا مع خاصية أن القاعدة القانونية قاعدة اجتماعية تسعى إلى تحقيق أهداف المجتمع.

الفقرة الثانية: ملابسات التخفيف من حجم المسؤولية الجنائية في قانون شركات المساهمة

 

لعل المشرع المغربي تفطن إلى ما يعتمل في أواسط الفقه، فحاول التليين من شدة المقتضيات الزجرية[8] بمقتضى القانون رقم 20.05[9] المغير والمتمم للقانون رقم 17.95 المتعلق بشركات المساهمة، فسعى إلى التخفيف من حدة العقوبات، وذلك عن طريق خفض العقوبات الحبسية أو حذفها بالنسبة للمخالفات البسيطة والاكتفاء بالغرامة، مع رفع لهذه الأخير أحيانا بواسطة مبلغ الغرامة[10].

وإذا كان القانون رقم 20.05 المغير والمتمم للقانون رقم 17.95 المتعلق بشركات المساهمة يتسم بتخفيفه للطابع الزجري فإن ذلك شكل عاملا مشجعا على الاستثمار في هذا النوع من الشركات[11].

ولقد حمل القانون رقم 20.05 ضمن مقتضياته العديد من المستجدات التي تمس بالطابع الزجري، منها على الخصوص تبني نفس توجه القانون الجنائي العام فيما يخص حالة العود، وذلك بتحديد مدة العود في 5 سنوات، وقد ورد بالمادة 375 من القانون رقم 17.95 المتعلق بشركات المساهمة بعد تعديلها بموجب القانون رقم 20.05 ما يلي: ” تضاعف العقوبة المقررة في هذا القسم في حالة العود. يعتبر في حالة عود في مفهوم هذا القانون من يرتكب جريمة بعد أن يكون قد حكم عليه بالحبس أو الغرامة أو هما معا بحكم حائز لقوة الشيء المقضى به من أجل جريمة مماثلة قبل مضي خمس سنوات من تمام تنفيذ العقوبة أو تقادمها…”.

وفضلا عن ذلك، تعتبر من بين أقوى مستجدات القانون رقم 20.05 حذفه للإحالة على القانون الأشد في حالة ما إذا كان الفعل مجردا في الآن نفسه في القانون الجنائي العام وفق الشركات وبذلك، ألغيت المادة 376 ولم يعد لها أي وجود.

إلا أن هذا التوجه قابله بعض الفقه[12] بالتحفظ، إذ اعتبره دعوة صريحة إلى التسيب واستغلال الادخار في وقت تعاني فيه الشركات والمقاولات من الصعوبات نتيجة لسوء تدبير المال العام، وكذا الائتمان والادخار الخاص، علاوة على تناقضه مع سياسة مجلس القيم في إحاطة الادخار والمعاملات في سوق البورصة وجمهور المكتتبين بسياج من الضمانات الزجرية لحماية الاقتصاد من التلاعب.

ويظهر أن هذا التوجه الفقهي لديه حرص كبير على حماية الادخار والاقتصاد من مظاهر الفساد، من أبرزها التلاعب بأموال الشركات الكبرى المتجسدة في شركات المساهمة، غير أن هذا التوجه رغم حسناته، يبقى محل نقاش، وتتمثل الشرارة الأولى لهذا النقاش في التساؤل عن أنه لا يمكن تحصين الشركات من التلاعب إلا بمنظومة زجرية قاسية؟

جوابا على هذا الاستفسار، وإذ نؤكد تشبثنا بضرورة توفير مقتضيات جنائية تردع كل من أراد التلاعب بأموال شركة المساهمة، نقول إنه لا بأس من التخفيف من حدة القسوة الواردة في المقتضيات الزجرية في قانون شركة المساهمة، إذا كان ذلك  يخدم أهداف ازدهار الاستثمار ويؤدي إلى جذب المستثمرين، وسيريح رجال الأعمال ويفضي إلى تشجيع المبادرة الحرة والإقبال على تأسيس الشركات والانخراط فيها، لاسيما وأنه لطالما نعتت المقاربة الجنائية في شركة المساهمة بالقصور لمسببات سنحاول الإحاطة بها في المطلب الموالي.

المطلب الثاني: قصور المقاربة الجنائية في حماية أموال الشركة

 

تتظافر العوامل التي جعلت المقاربة الجنائية في شركة المساهمة عاجزة عن توفير حماية ناجعة لأموال الشركة، لعل من أبرز هذه المسببات استياء المستثمرين من قسوة المنظومة الزجرية (الفقرة الأولى)، تنضاف إليها محدودية الحماية من خلال الجرائم المالية (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: استياء المستثمرين من قسوة المنظومة الزجرية

 

تقوم السياسة الجنائية على أساس التجريم والعقاب من خلال تسخير الأجهزة القضائية لمحاربة الظاهرة الإجرامية بصفة عامة، وتوفير النصوص الجنائية الكفيلة بالردع.

وإذا كانت السياسة الجنائية تروم إلى ما سلف ذكره، فإنها في ميدان الشركات ترتكز على تجريم العديد من الخروقات والتجاوزات والاعتداءات التي أضحت تطال الشركات، على اعتبار أن هذه الأخيرة تعتبر مرتعا خصبا لارتكاب العديد من الجرائم ذات الطابع المالي على وجه التحديد[13].

إلا أن الحساسية المفرطة لدى المستثمرين حيال كل عقاب أو مضايقة قد تطالهم أثناء مزاولة نشاطهم، جعلت جل المستثمرين إن لم نقل كلهم يفضلون إطارا قانونيا لشركة خال نهائيا من العقوبات وخاصة الزجرية منها[14].

ولهذا، ارتأى بعض الباحثين[15] أنه كان من الممكن أن يقحم المشرع المغربي الجانب الزجري ضمن قانون الشركات ليس بالزخم الذي أتى به، وإنما بهدوء، حتى يتسنى له تحقيق التوازن بين ضبط المخالفين ومحاربتهم وفي آن واحد طمأنه المبادرة الخاصة، فالغرض من النصوص في الواقع والسياسة الاقتصادية في المغرب  هو طمأنة المستثمرين وعدم إرساء فكرة العقاب لديهم.

ويتحقق هذا المعطى، عن طريق الاقتصار على تجريم الأفعال التي تجسد خطرا على كيان الشركة ومصالحها الاقتصادية، فضلا عن تجنب أي تنافر بين النصوص الجنائية والمحيط الاقتصادي المطبقة فيه.

ولقد قدم أحد الدارسين[16] وهو في معرض شرح عملية تحويل الشركات، تحليلا مفاده أن ثقل المسؤولية الجنائية في شركة المساهمة شكل دافعا أساسيا في تخلي بعض رجال الأعمال عن هذا الشكل من الشركات والتحول إلى شكل آخر تكون فيه المقتضيات الجنائية أخف وطأة.

و هذا التصور، في نظرنا، يعتبر أقوى مؤشر على استياء المستثمرين من المنظومة الزجرية في شركة المساهمة. و لا نخفي تخوفنا من أن تشكل المقاربة الجنائية في شركة المساهمة عاملا للعزوف عن الإقبال على هذه الشركة بالغة الأهمية، لأنه هناك مقولة شهيرة مأثورة، وصحية- في اعتقادنا- تقول إن رأس المال جبان، لا يقبل على الاستثمار في بيئة قانونية ليس فيها ما يزعجه أو يقيد حريته.

وهذه إشارة من بين إشارات أخرى عديدة، تفيد بأن المقاربة الجنائية في شركة المساهمة قاصرة عن حماية أموال الشركة، وكيف ستحمي هذه الأموال إذا كانت- أي المقاربة الجنائية- تشكل كابوسا بالنسبة للمستثمرين.

 

الفقرة الثانية: محدودية الحماية من خلال الجرائم المالية

 

تتحدد الجرائم التي أحاط بها المشرع المغربي شركات المساهمة رغبة منه في حماية أموال الشركة، فضلا عن تمتيع شركة المساهمة عموما بضمانات زجرية ردعية.

إلا أننا سننتقي أبرز الجرائم المالية التي تمس بشكل مباشر بأموال الشركة وهي جريمة توزيع أرباح وهمية (أولا)، ثم جريمة إساءة استعمال أموال الشركة (ثانيا).

أولا: جريمة توزيع أرباح وهمية

شيء طبيعي، أن توزع الشركة التجارية، الأرباح كل سنة، أو بعد سنتين، ومن المعلوم أن المستثمرين، لا يقدمون على المساهمة فيها، إلا لأجل أفضل مردودية عن أموالهم إثر كل مدة معينة، منصوص عليها في نظامها الأساسي، أو حسب ما هو متعارف عليه تجاريا أو إن شاع عرف ينقاد إليه المديرون المسؤولون عن التوزيع[17].

ولهذا، فإن أي تلاعب في عملية توزيع الأرباح، يشكل مسا خطيرا بأموال الشركة، مس يستوجب تدخل المشرع للزجر.

وتجد جريمة توزيع أرباح وهمية سندا لها في التشريع المغربي بمقتضى المادة 384 من القانون رقم 17.95 المتعلق بشركات المساهمة التي جاء فيها: “يعاقب بعقوبة الحبس من شهر إلى ستة أشهر وبغرامة من 100.000 إلى 1.000.000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط، أعضاء أجهزة الإدارة أو التدبير أو التسيير لشركة المساهمة.

1- الذين وزعوا عن قصد، على المساهمين أرباح وهمية في غياب أي جرد أو بالاعتماد على جرود تدليسية…”.

والغاية من توزيع ربح كاذب من المسيرين المسؤولين على إدارة الشركة، هي الحفاظ على سمعتها في علم الشركاء والمساهمين، ولدى غيرهم، ولإعطاء التسيير صورة مشرفة ونزيهة ، وعن تفانيهم المستمر لأجل تطوير ما يفيدها ومكونيها إلى مستوى أفضل، لدرجة أن يستدينوا بل يبيعوا بعض أصولها، مع أن مصلحة الشركاء والمساهمين، تكمن في الحصول على أرباح حقيقية، لا صورية، كما أن مصلحة الغير- الذي يبحث عن المنفذ، ليساهم أو يشارك، أو يستثمر- تقضي أن يكون ما يتوقعه من خلال الظاهر عن الشركة، صدقا، وليس احتيالا وخداعا[18].

وتستوجب المادة 384 ضرورة توزيع أرباح صورية على المساهمين، وتكتسي عملية التوزيع هذه أهمية بالغة في قيام الجريمة، فإذا انعدم فعل التوزيع انعدمت الجريمة ذلك أن الأفعال السابقة والمتمثلة في إعداد قائمة جرد مدلسة أو عدم إعدادها أصلا، لا يمكنها أن تشكل سوى محاولة ارتكاب جريمة توزيع أرباح وهمية لا يعاقب عليها القانون المغربي[19].

ويقصد بالتوزيع، وضع الأموال في ذمة المساهمين حسب الشروط المعتادة، ونشير في هذا المضمار إلى طريقتين في توزيع الأرباح؛ توزيع الأرباح من الحساب بعد الموافقة على القوائم التركيبية والتحقق من وجود مبالغ قابلة للتوزيع وتحدد الجمعية العامة العادية الحصة المخصصة للمساهمين في شكل أرباح.

وبين توزيع الأرباح من الفوائد، وذلك بالتنصيص في النظام الأساسي للشركة أو في غيره من الوثائق الملحقة على ربح محدد لفائدة المساهمين.

وهكذا، يظهر أن جريمة توزيع أرباح وهمية لها دور ردعي تأتي في مرحلة بعدية، أي لابد أن يتمظهر هذا التوزيع على أرض الواقع حتى يتدخل العامل الزجري، ولعل هذا مؤشر- ولونسبي- على محدودية الحماية الجنائية في جريمة توزيع أرباح وهمية.

وبالتأمل أكثر في نص المادة 384 من القانون رقم 17.95 المتعلق بشركة المساهمة، يتبين أن المشرع حدد في المادة المذكورة الفاعلين الأصليين الذين يتعين مؤاخذاتهم عن ارتكاب جريمة توزيع أرباح صورية في أعضاء أجهزة الإدارة أو التدبير أو التسيير في شركة المساهمة.

ولعل حصر المشرع لصفة المسير كفاعل أصلي في هذه الجريمة، مرده إلى كون هذا الأخير يعتبر مسؤولا من الناحية القانونية عن توزيع الأرباح على المساهمين، وبالتالي يفترض فيه العلم مبدئيا بكون قائمة الجرد غير موجودة، أو كونها مدلسة في فرضية وجودها مع انصراف نيته إلى تلك الصورية وتوزيعها على المساهمين[20].

غير أن المقصود بأجهزة الإدارة والتسيير في شركة المساهمة، حسب التعبير الذي جاءت به المادة 373 من القانون رقم 17.95، المتصرفون الأعضاء في مجلس الإدارة بمن فيهم الرئيس والمديرون العامون غير الأعضاء في المجلس متى اختارت الشركة أن تسير عن طريق مجلس الإدارة.

أما الشركة التي تختار الأسلوب الحديث في التسيير، النموذج الجرماني، تكون هي المتصرفين والرؤساء في كل مجلس الإدارة الجماعية ومجلس الرقابة.

إلا أن التعديل الذي مس قانون شركات المساهمة بالقانون رقم 20.05 استثنى مجلس الرقابة من قائمة المسؤولين عن أخطاء التسيير، إذ نصت في هذا الصدد المادة 355 المكررة، على أن أعضاء مجلس الرقابة لا يتحملون أية مسؤولية عن أعمال التسيير ونتائجها.

وصحيح أن أعضاء مجلس الرقابة ليس لهم دور كبير في أعمال التسيير، لكنهم، ومع ذلك، يظلون عنصرا مؤثرا في تسيير دفة الشركة، خاصة فيما يتعلق بالجانب الرقابي، ولقد كانت نجاعة الحماية الجنائية لأموال شركة المساهمة تقتضي أن يكون حتى أعضاء مجلس الرقابة معنيين بجريمة توزيع أرباح وهمية، لكي يحقق التدخل الزجري غايته في الردع، ردع يجب أن يمس كل أطراف شركة المساهمة، إلا كان محدودا في فعاليته، وهذا ما يجعلنا ننعت جريمة توزيع أرباح وهمية من حيث نطاق حمايتها بالقاصرة.

ثانيا: جريمة إساءة استعمال أموال الشركة

يعد تجريم إساءة استعمال أموال الشركة أبرز مثال لمسايرة المشرع المغربي لأحدث الأفعال والسلوكات الواقعة على أموال الشركة.

وقد ورد التنصيص على هذه الجريمة في المادة 384[21] من القانون رقم 17.95، التي جاءت بما يلي:” يعاقب بعقوبة الحبس من شهر إلى ستة أشهر وبغرامة من 100.000 إلى 1000.000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط أعضاء أجهزة الإدارة التدبير أو تسيير الشركة المساهمة…

3 – الذين استعملوا بسوء نية، أموال الشركة أو اعتماداتها استعمالا يعلمون تعارضه مع المصالح الاقتصادية لهذه الأخيرة وذلك بغية تحقيق أغراض شخصية أو لتفضيل شركة أو مقاولة أخرى لهم بها مصالح مباشرة أو غير مباشرة”.

ويعتبر استعمال أموال الشركة من طرف مسيرها لحسابها، أهم السلطات التي يتمتع بها هذا الأخير، في إطار إدارته وتسييره للشركة. لكن هذا الاستعمال قد يفقد مشروعيته ويخرج عن الإطار الذي رسمه له المشرع، ويقع ذلك عندما يقدم المسير على الخلط بين أموال الشركة وأمواله الخاصة، و يعمد إلى استعمالها لفائدة مصلحته الشخصية[22].

وهذا ما استشعره المشرع، فقام بالتدخل بمقتضيات زجرية تجرم إساءة استعمال أموال الشركة. ويقصد بالاستعمال في إطار جريمة إساءة أموال الشركة، كل نشاط يسعى من خلاله الجاني إلى الاستئثار بأموال الشركة، أو تسخير ميزانيتها لسداد مصاريف ذات صبغة شخصية كأن يقوم المتصرف باستعمال عنصر من عناصر الذمة المالية للشركة لتحقيق غرض شخصي أو مخالف للمصالح الاقتصادية للشركة[23].

وقد استنبط أحد الباحثين[24] من هذا التوصيف، أن مفهوم الاستعمال أكثر اتساعا من مفهوم التبديد والاختلاس المكونين لجريمة خيانة الأمانة، حيث لا يلزم لقيام الركن المادي لجريمة إساءة استعمال أموال الشركة المتمثل في الاستعمال الذي يلحق ضررا بالشركة، وإنما  يكفي أن يتعارض هذا الاستعمال مع عروضها.

وبالرغم من أن هذا التحليل يبدو براقا، إلا أن محدودية جريمة استعمال أموال الشركة تظهر في الجانب العقابي، إذ تعتري إمكانية تطبيق العقوبات على هذه الجريمة مجموعة من الصعوبات التي تحول دون إيقاع الجزاء على مجرمي هذا الصنف من الجرائم، تتمثل في صعوبة إجراء المتابعة، وبذلك صعوبة اكتشاف وإثباث هذه الجريمة، مما يجعل منها مقتضيات مجردة تحقق نوع من الردع المعنوي فقط لأجهزة التسيير[25].

أما من حيث صعوبة الكشف عن الجريمة، فإن مقترفي جريمة إساءة استعمال أموال الشركة ينتمون إلى فئة معينة من الأشخاص، وهي ما يسمى بالمجرمين ذوي الياقات البيض، أو المجرمين ذوي الياقات البيضاء، تتسم بصعوبة اكتشافها، ذلك أن مسيري الشركات يكونون على اضطلاع كبير بخبايا هذا المجال كما أنهم يستطيعون طمس معالم جرائمهم لما لها من دراية بمجال المال والأعمال والتسيير، كما أنه يعاب على المشرع المغربي أنه لم يتح لمراقب الحسابات إمكانية التبليغ عن الجرائم التي يرتكبها الجهاز المسير لأي جهة[26].

وأما من ناحية صعوبة الإثبات، فإن هذا النوع من الجرائم يتميز بصعوبة إثباتها في غالبية الحالات، فالمسيرون يحرصون على إخفاء معالم جرائمهم من وثائق محاسبية وغيرها، كما أن أقلية المساهمين لا تكون لهم في الغالب دراية بمجال المحاسبة، وبالتالي لا يستطعون إثبات هذه الجريمة ونسبها إليهم.

كما أن المشرع المغربي قد فاقم هذا المشكل، عندما اعتبر أن عنصر القصد الجنائي الخاص من الأركان اللازمة لقيام جريمة إساءة استعمال أموال الشركة علما أن هذا القصد أو العنصر هو عنصر داخلي صعب الإثبات، وبالتالي كان بالأحرى عليه الاكتفاء بالقصد العام باعتبار هذه الجرائم هي جرائم مادية[27].

كل هذه المعطيات، تجعلنا أمام جريمة إساءة استعمال أموال الشركة قوية من الناحية النظرية، كما هي منصوص عليها في المادة 384 من قانون شركات المساهمة، لكنها من الناحية الواقعية ضعيفة في حماية أموال الشركة، نظرا للصعوبات الجمة المحيطة بعملية الإثبات والكشف.

 

 

المبحث الثاني:

مدى انسجام العقوبات مع مستلزمات الحماية

 

طوق المشرع في قانون شركة المساهمة جميع الجرائم التي أقرها بمجموعة العقوبات، حيث إن أي فعل جرمي إلا وهو مقرون بعقوبات، وهذا أمر طبيعي، إذ يتعذر الحديث عن أي جريمة دون وجود الرادع المتجسد في العقاب، لكن، إلى أي مدى تحقق العقوبات في المقاربة الجنائية في قانون شركات المساهمة الغاية المرجوة منها، المتمثلة في حماية الشركة ؟ هذا ما سنحاول التعرف عليه من خلال تسليط الضوء على مظاهر المنظومة الزجرية في قانون شركات المساهمة (المطلب الأول)، ثم نقوم باستجلاء الأسباب الكامنة وراء عدم فعالية العقاب في شركة المساهمة (المطلب الثاني).

المطلب الأول: مظاهر المنظومة الزجرية في قانون شركات المساهمة

علاوة على تجليات المنظومة الزجرية في قانون شركات المساهمة السابق تبيانها، لابد من الوقوف على أساس المسؤولية الجنائية (الفقرة الأولى)، لأن هذا الأساس هو مناط الحماية المنشودة لأموال شركة المساهمة، ولا شك أن هذا الأساس يرتكز على أركان (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: أساس المسؤولية الجنائية في قانون شركات المساهمة

إن الغاية من كل نص تشرعي هي تحقيق أهداف محددة سلفا، وذلك لحماية فئة معينة من الأفراد، أو تحديث قطاع معين من الاقتصاد أو تطهير وإنعاش السوق المالي وإلى غير ذلك من الأهداف، ولضمان فعالية بعض النصوص، قد يعمد المشرع إلى إقرانها بمقتضيات عقابية هدفها ضمان حسن تطبيقه[28].

والأصل أن تدخل المشرع الجنائي في النشاط الاقتصادي يعد ثانويا، إلا أن تزايد وثيرة الإجرام في هذا المجال، وتعدد أشكاله وصوره أدت بالمشرع الجنائي أسوة بالتشريعات المقارنة إلى تنظيم هذا المجال وتجريمه[29].

وتتحدد أهم المسببات التي دفعت بالمشرع المغربي بالزج بالعقوبات الجنائية في ميدان الشركات التجارية، والتي يمكن نعتها بالأساس القانوني، فيما يلي:

  • ضرورة تطبيق قواعد القانون الجنائي للأعمال، تلك القواعد التي تقترب من النظام الجنائي الذي يتولى مهمة تسخير العقاب لخدمة السياسة الاقتصادية للدولة؛
  • مصالح الشركاء والمساهمين، تقتضي أن ترد التزامات الإدارة، وعلى الأخص المالية للمشروع، في كثير من الضبط والتوازن، حيث تنجز الأخيرة واجباتها بكثير من الصدق، أي دون أن يشوبها، أي فعل أو ترك ينم عن نية سيئة، الهدف من ورائها، الربح الشخصي على حساب الإضرار بمصالح الشركاء[30].

ومن هذا المنطلق، يتبين أن الأساس الذي تنبني عليه المسؤولية الجنائية في قانون شركة المساهمة هو هاجس إحاطة مصالح المساهمين ومعها مصالح الشركة من كل التلاعبات، خاصة المالية منها، حتى وإن كانت هذه الحماية في قالبها الجنائي صارمة وليست محل وفاق من قبل الجميع، فالمهم في نظر المشرع هو وضع أساس للحماية الجنائية، ذلك أن حماية الشركة باعتبارها قاطرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية هو المنطلق والغاية في آن واحد.

الفقرة الثانية: أركان المسؤولية الجنائية في قانون شركات المساهمة

المتعارف عليه في النظرية العامة للقانون الجنائي، أن الجرائم تتطلب لقيامها توافر ثلاثة أركان وهي: الركن القانوني، والركن المادي، والركن المعنوي. وأما بالنسبة لبعض جرائم الشركات فالأمر خلاف ذلك، بحيث يكفي لقيامها مجرد تحقق الركن المادي[31] إلى جانب الركن القانوني.

ومن ذلك، مثلا أن المسير يساءل ويعاقب عن مجرد الإخلال ببعض التزاماته الشكلية أثناء تسيير الشركة، بينما يشترط توافر الركن المعنوي في الجرائم التي من الممكن أن تخلق أضرارا بالشركة وبذمتها المالية.

ولعل من أبرز صور الجرائم المادية للشركات التجارية- خاصة شركة المساهمة، – جرائم عدم القيام بعمل، أو الامتناع عن القيام بعمل. وإذا كان هذا النوع من الجرائم قليل جدا في القانون الجنائي، فهو على عكس ذلك يغطي حيزا مهما ضمن قانون الشركات[32].

ونورد نماذج عن هذه الجرائم على سبيل المثال لا الحصر، جريمة عدم ضبط جميع الوثائق المحاسبية للشركة وجريمة عدم دعوة الجمعية العامة السنوية للانعقاد في غضون الستة أشهر الموالية للسنة المالية، وجريمة عدم تحرير محاضر الجمعية العامة، أو عدم احترام القواعد المتعلقة بإعلام الشركاء والمساهمين، مما يعني أن متابعة ومساءلة المسير يمكن أن تنشأ عن مجرد إغفال أو إهمال.

وهذا التوجه، يعكس بصورة واضحة تشوف المشرع المغربي إلى التجريم في مجال قانون شركة المساهمة، تشوف يترجم مدى القساوة التي تعامل بها المشرع مع كيان اقتصادي بالغ الأهمية، وهو شركة المساهمة.

وننظر إلى مسلك المشرع المغربي على أنه نوع من المغالاة غير المبررة وإن – سوغت بضرروة توفير الحماية لأموال الشركة – فالتدخل الزجري العقابي والحال ما ذكر، سيؤدي إلى نتائج عكسية، تجعل طاقم إدارة وتسيير شركة المساهمة وجلين من كل إخلال يأتونه ويؤدي بهم إلى المساءلة الجنائية. وهذا يصب في اتجاه معاكس تماما لما يطمح إليه المشرع بتدخله الجنائي. وبالتالي، لا يسهم في حماية أموال الشركة بقدر ما يخلق الهلع في أوساط  شركة المساهمة.

المطلب الثاني: عدم فعالية العقاب في حماية أموال شركة المساهمة

إن أي تدخل للجانب العقابي في مجال جد حساس كمجال الأعمال، ولاسيما قانون الشركات، إن لم يتم بطريقة واعية متبصرة لن تكون له أي فعالية تذكر. مما يجعل سؤالا مشروعا يطرح، هل توخى المشرع المغربي الدقة المطلوبة حين أعمل آليات العقاب في قانون شركة المساهمة؟ ونتصدر للإجابة عن هذا السؤال بما يحمله من دلالات كبيرة بتوضيح ضعف الدور الردعي للعقاب (الفقرة الأولى)، وعلى أن نعرج في (الفقرة الثانية) على مسألة إعادة النظر في مفهوم العقاب.

الفقرة الأولى: ضعف الدور الردعي للعقاب

سجل بعض المحللين[33]، عموما اتسام العقوبات الزجرية في قانون شركات المساهمة وقانون باقي الشركات بغرامات مرتفعة، بحيث شكل حجمها ثورة حقيقية على النصوص الزجرية التجارية القديمة وعلى القانون الجنائي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، ركز المشرع – بمقتضى القانون رقم 20.05 المغير والمتمم للقانون رقم 17.95 المتعلق بشركات المساهمة- على التخفيف من حدة العقوبات التي تضمنتها المقتضيات الزجرية، وذلك عن طريق خفض العقوبة الحبسية[34] أوحذفها[35] بالنسبة للمخالفات البسيطة والاكتفاء بالغرامة [36] مع رفع هذه الأخيرة أحيانا[37] أو بواسطة خفض مبلغ الغرامة[38].

ولطالما دار النقاش حول مكانة العقاب الجنائي في مجال الشركات، فبعض الفقه ارتأى أن الميدان التجاري من الأصلح فيه أن يكون كل واحد يدافع عن مصلحته بوسائل مدنية وتجارية دون تدخل القانون الجنائي[39].

ويعد هذا الرأي، محل نظر، لأن التدخل الجنائي  في ميدان الشركات أمر لا مناص منه لحماية المصالح المرتبطة بشركة المساهمة، والذي يتعين الحذر منه هو المغالاة في التدخل الجنائي والإفراط الكبير في تجريم كل شاردة وواردة.

ولقد فضل المشرع الفرنسي، ومن بعده المشرع المغربي، حل مشكل الإخلالات المقترفة بالشركات بواسطة الردع الجنائي في صورة عقوبتي الحبس والغرامة، على أساس أن ذلك أحد المفاتيح الرئيسية لنجاح السياسة الجنائية في ميدان الشركات.

وإن من خصائص الجريمة الاقتصادية أنه يسهل ارتكابها ويصعب إثباتها، ومن ثم فالتهديد بعقوبة سالبة للحرية قد يدعو الكثيرين إلى التردد في ارتكاب هذا النوع من الجرائم.

ولقد لاحظ بعض الباحثين[40] أن سن غرامات مرتفعة من شأنه أن يدفع بالمحاكم إلى التردد في الحكم بعقوبة الغرامة في حدها الأقصى.

فمن جهتنا، نعتبر الغرامة أنسب عقوبة يمكن أن يجابه بها رجال الأعمال المتلاعبين في أموال شركة المساهمة، حيث إن المتلاعب بأموال الشركة يسعى إلى تلبية جشعه المادي بالاستحواذ على أموال لا تحق له، فيكون الجزاء من جنس العمل، نهب الأموال يقابله دفع غرامة مالية.

إلا أن نهج المشرع بتخفيف عقوبة الغرامة في أحايين كثيرة، من شأنه أن يحد من فعالية هذه العقوبة في حماية أموال الشركة. ذلك أن اقتراف بعض الجرائم المالية الخطيرة في الشركة تكون قيمتها أكثر بكثير ومضاعفة أضعافا كثيرة من قيمة الغرامة المنصوص عليها، فلا يكثرت المسيرين بمبلغ الغرامة الذي يكون هزيلا في نظرهم مقابل الأموال الطائلة التي حصلوا عليها من نهب شركة المساهمة.

وإضافة إلى هذه النقطة العمياء في عقوبة الغرامة، فإن هذه الأخيرة يتم استخلاصها لفائدة الخزينة العامة للدولة، لا لصالح شركة المساهمة المجني عليها، حيث لا يبقى أمام هذه الشركة إلا اللجوء إلى طرق التقاضي العادية من خلال الدعوى المدنية التابعة للمطالبة بالتعويض عن ما لحقها من ضرر، بينما الجاني الذي  استحوذ على أموال شركة المساهمة ينعم بأموال الشركة، وهذه الأخيرة تتخبط في دهاليز الدعاوى القضائية. وليس أدل من هذا التوصيف للبرهنة على عدم فعالية العقاب في حماية أموال شركة المساهمة من التلاعب.

الفقرة الثانية: إعادة النظر في مفهوم العقاب

إذا كانت الغرامة وهي أصلح العقوبات في مجال الأعمال عديمة الجدوى في حماية أموال شركة المساهمة من التلاعب، أو على الاقل محدودة الفعالية حتى لا نبالغ في الوصف، فإن إعادة النظر في مفهوم العقاب أضحى ضرورة ملحة، خاصة في سياق  دراسة حماية أموال شركة المساهمة من التلاعب.

وفي سياق البحث عن بدائل قمينة للعقاب الزجري، رأى بعض الدارسين[41] ضرورة الاقتصار على تجريم ما ليس منه بد، والاستعاضة عن المسؤولية الجنائية بالمسؤولية المدنية قدر المستطاع.

ورغم القوة الاقتراحية لهذا الرأي، إلا أنه يميل إلى إعلاء مكانة المسؤولية المدنية على حساب المسؤولية الجنائية. ومع ذلك، يبقى الحل الذي جاءت به وجهة النظر هاته، خصوصا فيما يتعلق بالاقتصار على تجريم ما ليس منه بد، حلا فعالا جديرا بالإشادة.

وإن من شأن إعادة النظر في نطاق الجرائم التي يشملها العقاب الزجري والتقليص من دائرتها بالاقتصار على الجرائم الخطيرة منها الماسة بأموال الشركة وبالسير المنتظم لهي أحسن مدخل يمكن اعتماده لجعل المقاربة الجنائية في شركة المساهمة تحقق مصلحتين تبدوان متنافراتين، ألا وهما حفظ أموال الشركة من كل مساس بها، والتشجيع على الإقبال على شركة المساهمة والانخراط فيها من طرف المستثمرين الذي يخافون بطريقة مفرطة من كل التدابير الزجرية التي قد تلم بهم وهم بصدد الاستثمار في شركات المساهمة.

 

 

خاتمة:

وبناء على ما سلف، نخلص  إلى أنه يتعين إعادة النظر في مفهوم العقاب في اتجاه التضييق من خناق التجريم في أقصى الحدود الممكنة، حتى لا تحدث حركة نزوح من شركة المساهمة إلى شكل آخر من أشكال الشركات

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لائحة المراجع

  • أحمد شكري السباعي، الوسيط في الشركات والمجموعات ذات النفع الاقتصادي، الجزء الثالث، شركات المساهمة، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، الطبعة الأولى 2004.
  • بدر القصير، عملية تحويل الشركات التجارية، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، تخصص قانون الأعمال، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية تطوان، السنة الجامعية 2017-2018.
  • رشيد فطوش، جريمة توزيع أرباح وهمية، مجلة القضاء التجاري، العدد السابع/الثامن، السنة الرابعة 2016.
  • رشيد فطوش، حماية الغير في شركة المساهمة، دراسة مقارنة، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي، الرباط، 2011/2012.
  • سناء الوزييري، السياسة الجنائية في ميدان الشركات التجارية، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق شعبة القانون الخاص، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال، الرباط، السنة الجامعية 2005/2006.
  • سهيلة حنيني، جريمة إساءة استعمال أموال الشركة، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس – الرباط- كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – أكدال، السنة الجامعية 2016-2017.
  • محمد أعظية، الحماية الجنائية لمصالح الشركاء في الشركات التجارية، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال، الرباط، سنة 2003-2004.

 

 

                                   الفهرس

 

المبحث الأول:مدى ملاءمة الجرائم المالية مع فعالية الحماية                                2

المطلب الأول: أبعاد المقاربة الجنائية في قانون شركات المساهمة                          2
الفقرة الأولى: خصوصيات المقاربة الجنائية في حماية أموال شركة المساهمة                 3
الفقرة الثانية: ملابسات التخفيف من حجم المسؤولية الجنائية في قانون شركات المساهمة      5
المطلب الثاني: قصور المقاربة الجنائية في حماية أموال الشركة                            7
الفقرة الأولى: استياء المستثمرين من قساوة المنظومة الزجرية                                  7
الفقرة الثانية: محدودية الحماية من خلال الجرائم المالية                                         9
أولا: جريمة توزيع أرباح وهمية                                                                10
ثانيا: جريمة إساءة استعمال أموال الشركة                                                      11
المبحث الثاني:مدى انسجام العقوبات مع مستلزمات الحماية                  15
المطلب الأول: مظاهر المنظومة الزجرية في قانون شركات المساهمة                     15
الفقرة الأولى: أساس المسؤولية الجنائية في قانون شركات المساهمة                          16
الفقرة الثانية: أركان المسؤولية الجنائية في قانون شركات المساهمة                           17
المطلب الثاني: عدم فعالية العقاب في حماية أموال شركة المساهمة                       18
الفقرة الأولى: ضعف الدور الردعي للعقاب                                                    18
الفقرة الثانية: إعادة النظر في مفهوم العقاب                                                    20

 

[1]  – أحمد شكري السباعي، الوسيط في الشركات والمجموعات ذات النفع الاقتصادي، الجزء الثالث، شركات المساهمة، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، الطبعة الأولى 2004، ص 206.

[2] – نور الدين الفقهي، المقاربة الجنائية في قانون شركات المساهمة سؤال الجدوى والفعالية، مجلة القضاء التجاري، العدد الأول 2013، ص 118.

[3] – نور الدين الفقيهي، المقاربة الجنائية في قانون شركات المساهمة سؤال الجدوى والفعالية، مرجع سابق، ص 120-121.

[4] – رشيد فطوش، جريمة توزيع أرباح وهمية، مجلة القضاء التجاري، العدد السابع/الثامن، السنة الرابعة 2016، ص 67.

[5] – بدر القصير، عملية تحويل الشركات التجارية، رسالة لنيل دبلوم الماستر الخاص تخصص قانون الأعمال، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية تطوان، السنة الجامعية 2017-2018 ص 53.

[6] – سناء الوزيري، السياسة الجنائية في ميدان الشركات التجارية،مرجع سابق، ص 93

[7] – نور الدين الفقهي، المقاربة الجنائية في قانون شركات المساهمة سؤال الجدوى والفعالية، مرجع سابق، ص 122-123

[8]  – بدر القصير، عملية تحويل الشركات التجارية، مرجع سابق، ص 53.

[9]  – القانون رقم 20.05 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 17.95  المتعلق بشركات المساهمة الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.08.18 بتاريخ 17 من جمادى الأولى 1429 (23 ماي 2008) الجريدة الرسمية عدد 5639 بتاريخ 12 جمادى الأخرة 1429 (16 يونيو 2008) ص 1359.

[10]  – نور الدين الفقهيي، المقاربة الجنائية في قانون الشركات المساهمة سؤال الجدوى والفعالية، مرجع سابق، ص 127.

[11]  – طارق البختي، المنظومة الزجرية لشركة المساهمة بين الصرامة والمرونة، أطروحة لنيل الدكتوراه، جامعة محمد الخامس السويسي، كلية العلوم القاتونية والاقتصادية والاجتماعية، الرباط، السنة الجامعية 2013-2014، ص165.

 [12] – أحمد شكري السباعي، الوسيط في الشركات والمجموعات ذات النفع الاقتصادي، الجزء الثالث، شركات المساهمة، مرجع سابق، ص 212.

[13]  – طارق البختي، المنظومة الزجرية لشركة المساهمة بين الصرامة والمرونة، مرجه سابق، ص 47-48

[14]  – بدر القصير، عملية تحويل الشركات التجارية، مرجع سابق، ص 54.

[16]  – بدر القصير، عملية تحويل الشركات التجارية، مرجع سابق، ص 53.

[17]  – محمد أغطية، الحماية الجنائية لمصالح الشركاء في الشركات التجارية، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، فرع القانون الخاص، وحدة قانون الأعمال، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، أكدال- الرباط، السنة الجامعية 2003-2004 ص 156.

[18]  – محمد أعظية، الحماية الجنائية لمصالح الشركاء في الشركات التجارية، مرجع سابق، ص 157.

[19]  – رشيد فطوش، جريمة توزيع أرباح وهمية، مجلة القضاء التجاري، العدد السابع/الثامن، 2016، ص 77.

[20]  – رشيد فطوش، جريمة توزيع أرباح وهمية، مرجع سابق، ص 81.

[21] – وهي ذات المادة التي جرمت توزيع أرباح وهمية وبالتالي، فإن جريمة توزيع أرباح وهمية لها نفس عقوبة جريمة إساءة استعمال أموال الشركة، فضلا عن كون أن هذين الجريمتين لهما نفس عقوبة الجريمة تشتركان في النطاق كذلك.

[22]  – سهيلة حنيني، جريمة إساءة استعمال أموال الشركة، رسالة لنيل دبلوم المساتر في القانون الخاص، تخصص قانون الأعمال، جامعة محمد الخامس الرباط، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، أكدال، السنة الجامعية 2016-2017، ص 15

 [23] – محمد كرام، جريمة إساءة استعمال أموال واعتمادات الشركة في قانون شركات المساهمة المغربي، مجلة المحامي، العدد 39، يوليوز 2001 ص 81.

[25]  – علال فالي، الشركات التجارية، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، الطبعة الأولى، 2016، ص 445.

[27]  – فاطمة السحساح، القضاء التجاري ودعاوى الشركات- شركات المساهمة نموذجا- دار الطباعة والنشر أكادير، الطبعة الأولى 2012، ص489

[28]  – لحسن بيهي، الشكلية في ضوء قانون الشركات التجارية المغربي، مكتبة دار السلام، الرباط، الطبعة الأولى 2005، ص 120.

[29]  – الحاج المبارك الأنصاري، دور القضاء في تطوير قواعد المسؤولية الجنايئة للشركة، رسالة لنيل شهادة الماستر، ماستر القانون والمقاولة، جامعة المولى إسماعيل كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية- مكناس، السنة الجامعية، 2011-2010 ص 44.

[30]  – محمد أعظية، الحماية الجنائية لمصالح الشركاء في الشركات التجارية، مرجع سابق، ص 35و 41.

[31] – سناء الوزييري، السياسة الجنائية في ميدان الشركات التجارية، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق شعبة القانون الخاص، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال، الرباط، السنة الجامعية ، ص 38.

 

[32]  – سناء الوزيري، نفس المرجع، ص 38

[33]  – نور الدين الفقيهي، المقاربة الجنائية في قانون شركات المساهمة سؤال الجدوى والفعالية، مرجع سابق، ص 127

[34] – وهو ما يصدق على الفقرة الأخيرة من المادة 378.

[35] – لم يكن الحذف مطلقا، بل خاصا بشركة المساهمة المغلقة، التي تدعو الجمهور إلى الاكتتاب، أما الشركات المساهمة المفتوحة، التي تدعو الجمهور إلى الاكتتاب فقد احتفظ المشرع بشأنها بعقوبة الحبس

[36]  – الأمر الذي ينطبق على المادتين 400 و 408 والفقرة الأولى من المادة 421.

[37]  – كما هو الشأن في المادة 420 والفقرتين الثانية والثالثة من المادة 378.

[38]  – من قبيل ما لحق من المواد 385 و 386 و 388 و 395.

[39]  – سناء الوزيري، السياسة الجنائية في ميدان الشركات التجارية، مرجع سابق، ص 45.

[40]  – سناء الوزيري، السياسة الجنائية في ميدان الشركات التجارية، مرجع سابق ص 52.

[41]  – بدر القصير، عملية تحويل الشركات التجارية، مرجع سابق، ص 54

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق