إشكالية إخضاع التعويض عن الاعتداء المادي للضريبة على الأرباح العقارية بين منطق العدالة الجبائية وخصوصية المسؤولية الإدارية الأستاذ: الزكراوي محمد

إشكالية إخضاع التعويض عن الاعتداء المادي للضريبة على الأرباح العقارية
بين منطق العدالة الجبائية وخصوصية المسؤولية الإدارية
الأستاذ: الزكراوي محمد
باحث في الشؤون القانونية
نائب المركز الوطني للدراسات القانونية و القضائية
عضو مركز ليكسوس للباحثين الشباب
يعد الحق في الملكية من الحقوق الدستورية الأساسية التي أولى لها المشرع المغربي حماية خاصة، بالنظر إلى ما تمثله من دعامة للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، فضلا عن ارتباطها الوثيق بمبدأ الأمن القانوني وتشجيع الاستثمار، وقد كرس دستور المملكة المغربية لسنة 2011 هذه الحماية من خلال التنصيص على ضمان حق الملكية، وعدم جواز نزعها إلا في الحالات ووفق الإجراءات التي ينص عليها القانون، ومقابل تعويض عادل¹. ويستفاد من هذا المقتضى الدستوري أن المشرع لم يعتبر الملكية حقا مطلقا، وإنما حقا مصونا لا يجوز المساس به إلا استثناء، وبالشروط التي يحددها القانون تحقيقا للتوازن بين المصلحة العامة وحماية الحقوق الفردية².
وتنفيذا لهذه المقتضيات الدستورية، أصدر المشرع القانون رقم 7.81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت، واضعا إطارا قانونيا متكاملا يحدد شروط وإجراءات انتقال الملكية لفائدة الأشخاص العامة، والضمانات المقررة للملاك، سواء من حيث إعلان المنفعة العامة أو تحديد التعويض أو نقل الملكية بحكم قضائي³، ويؤكد هذا التنظيم أن الأصل هو احترام الملكية الخاصة، وأن نزعها لا يكون مشروعا إلا متى احترمت الإدارة جميع الشروط الشكلية والموضوعية التي فرضها القانون، وإلا تحول تدخلها إلى عمل غير مشروع يرتب مسؤوليتها.
غير أن الممارسة الإدارية أفرزت حالات عديدة وضعت فيها الإدارة يدها على عقارات الخواص دون سلوك مسطرة نزع الملكية أو قبل استكمالها، الأمر الذي أدى إلى نشوء نظرية الاعتداء المادي التي كرسها القضاء الإداري المغربي باعتبارها إحدى أهم صور خروج الإدارة عن مبدأ المشروعية، حيث اعتبر أن استيلاء الإدارة على عقار الغير دون سند قانوني صحيح يشكل اعتداء ماديا يرتب مسؤوليتها ويخول المالك الحق في المطالبة بالتعويض الكامل عن الأضرار اللاحقة به⁴، وقد استقر هذا التكييف في العديد من الأحكام القضائية التي ميزت بين التعويض عن الاعتداء المادي والتعويض عن نزع الملكية، سواء من حيث الأساس القانوني أو من حيث الآثار المترتبة عنه.
وانتقل هذا النقاش من المجال الإداري إلى المجال الجبائي، بعدما ثار التساؤل حول مدى خضوع التعويض المحكوم به بسبب الاعتداء المادي للضريبة على الأرباح العقارية، وقد كان القضاء الإداري، قبل تعديل قانون المالية لسنة 2026، يتجه إلى استبعاد هذا التعويض من الوعاء الضريبي، تأسيسا على أن المادة 61 من المدونة العامة للضرائب لم تكن تنص عليه صراحة، وأن النصوص الضريبية تخضع لمبدأ التفسير الضيق، فلا يجوز القياس أو التوسع في تفسيرها لإنشاء التزام ضريبي جديد⁵.
إلا أن هذا الوضع تغير مع صدور قانون المالية لسنة 2026، الذي عدل المادة 61 من المدونة العامة للضرائب، فنص صراحة على إخضاع الأرباح العقارية المحققة على إثر نزع الملكية جراء الاعتداء المادي أو عن طريق أي نقل للملكية بموجب مقرر قضائي حائز لقوة الشيء المقضي به للضريبة على الدخل⁶، ويثير هذا المستجد التشريعي عدة إشكالات قانونية، تتعلق بمدى انسجامه مع الطبيعة القانونية للاعتداء المادي كما استقرت في القضاء الإداري، وحدود استقلالية القانون الجبائي في إضفاء آثار ضريبية على مؤسسات قانونية تخضع من حيث الأصل لقواعد القانون الإداري.
ومن ثم، تبرز أهمية هذا الموضوع باعتباره يعالج مستجدا تشريعيا حديثا لم يحظ بعد بدراسة أكاديمية معمقة، كما يثير تقاطعا بين قواعد القانون الإداري والقانون الجبائي، الأمر الذي يفرض اعتماد مقاربة تحليلية تجمع بين النصوص القانونية والاجتهاد القضائي والفقه، بغية تقييم مدى نجاح المشرع في تحقيق التوازن بين متطلبات العدالة الجبائية وضمانات حماية الملكية الخاصة.
وتأسيسا على ما سبق، تطرح هذه الدراسة الإشكالية الآتية:
إلى أي حد وفق المشرع المغربي، من خلال تعديل المادة 61 من المدونة العامة للضرائب بمقتضى قانون المالية لسنة 2026، في إخضاع التعويض عن الاعتداء المادي للضريبة على الأرباح العقارية مع المحافظة على خصوصية هذه المؤسسة في إطار القانون الإداري؟
¹ الفصل 35 من دستور المملكة المغربية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 27 شعبان 1432 (29 يوليوز 2011)، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر بتاريخ 30 يوليوز 2011.
² الفصل 6 والفصل 39 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011.
³ القانون رقم 7.81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.81.254 بتاريخ 11 رجب 1402 (6 ماي 1982)، الجريدة الرسمية عدد 3685 بتاريخ 15 يونيو 1983، كما وقع تعديله.
⁴ المحكمة الإدارية بالرباط، حكم عدد 4327 بتاريخ 4 نونبر 2016، ملف عدد 316/7113/2016.
⁵ المادة 61 من المدونة العامة للضرائب قبل تعديلها، مع مقارنة الاجتهاد القضائي السابق في موضوع إخضاع التعويض عن الاعتداء المادي للضريبة على الأرباح العقارية.
⁶ قانون المالية رقم 60.25 للسنة المالية 2026، المادة المعدلة للمادة 61 من المدونة العامة للضرائب، مع الرجوع إلى المذكرة التقديمية والدورية رقم 737 للمديرية العامة للضرائب.
ملاحظتي العلمية: بهذه الطريقة يكون التوثيق مطابقا للمنهج الأكاديمي. وفي النسخة النهائية سأضيف كذلك الإحالات الفقهية (المؤلفات والمقالات) في المواضع المناسبة، وليس فقط النصوص القانونية والأحكام القضائية، حتى يصبح المقال بمستوى النشر في مجلة قانونية محكمة
الفقرة الأولى: خصوصية الاعتداء المادي وتمييزه عن نزع الملكية وأثر ذلك على التكييف الجبائي
يقوم النظام القانوني المغربي على مبدأ المشروعية باعتباره أحد الركائز الأساسية لدولة القانون، وهو المبدأ الذي يقتضي خضوع جميع السلطات، بما فيها الإدارة، لأحكام الدستور والقانون، وعدم جواز ممارسة أي امتياز من امتيازات السلطة العامة خارج الحدود التي رسمها المشرع¹، ويترتب على ذلك أن كل تدخل للإدارة في حق الملكية لا يكون مشروعا إلا إذا استند إلى سند قانوني صحيح واحترمت بشأنه الإجراءات المقررة قانونا، وهو ما يجعل احترام مسطرة نزع الملكية ضمانة دستورية قبل أن يكون مجرد إجراء شكلي²، ومن هذا المنطلق، فإن أي استيلاء على ملك الغير خارج الإطار الذي رسمه القانون لا يمكن اعتباره ممارسة لامتيازات السلطة العامة، وإنما يشكل خروجا عن مبدأ المشروعية يترتب عنه قيام مسؤولية الإدارة.
وقد نظم المشرع المغربي نزع الملكية بموجب القانون رقم 7.81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت، واضعا نظاما قانونيا متكاملا يحدد حالات اللجوء إلى نزع الملكية وشروط إعلان المنفعة العامة وإجراءات البحث الإداري وكيفية تحديد التعويض وانتقال الملكية³، ويستفاد من مجموع مقتضيات هذا القانون أن انتقال الملكية لا يتم بمجرد إرادة الإدارة، وإنما يخضع لمسطرة دقيقة تنتهي بصدورمقرر قضائي أو بإبرام اتفاق رضائي، مع ضمان حصول المالك على تعويض عادل يوازي قيمة العقار وقت انتقال ملكيته، وذلك تكريسا لما نص عليه الفصل 35 من الدستور⁴، ومن ثم فإن التعويض في إطار نزع الملكية يعد أثرا قانونيا لإجراء مشروع استهدف تحقيق المنفعة العامة، وليس نتيجة لخطأ صادر عن الإدارة.
وعلى خلاف ذلك، ينشأ الاعتداء المادي عندما تقدم الإدارة على وضع يدها على عقار الغير أو تشييد منشآت عمومية فوقه أو تخصيصه لمرفق عام دون احترام المسطرة القانونية لنزع الملكية أو دون توفرها على سند قانوني يخول لها ذلك، الأمر الذي يجعل تصرفها مجرد عمل مادي فاقد للمشروعية، ولو كان الغرض منه تحقيق منفعة عامة⁵، وقد استقر الفقه الإداري على أن الاعتداء المادي يشكل أخطر صور خروج الإدارة عن مبدأ المشروعية، لأنه يمس مباشرة أحد الحقوق الأساسية المكفولة دستوريا، وهو حق الملكية، ويجرد العمل الإداري من الامتيازات التي يتمتع بها متى تجاوز الحدود التي رسمها القانون⁶.
وقد كرس القضاء الإداري المغربي هذا التوجه في العديد من أحكامه، معتبرا أن الاستيلاء غير المشروع على عقار الغير يرتب مسؤولية الإدارة الكاملة عن الأضرار الناتجة عنه، وأن التعويض المحكوم به في هذه الحالة يجد أساسه في قواعد المسؤولية الإدارية وليس في قانون نزع الملكية، ومن أبرز التطبيقات القضائية في هذا المجال حكم المحكمة الإدارية بالرباط عدد 4327 الصادر بتاريخ 4 نونبر 2016، الذي اعتبر أن التعويض الناتج عن الاعتداء المادي يختلف من حيث أساسه القانوني عن التعويض الناتج عن نزع الملكية، لأن الأول يرمي إلى جبر ضرر ناتج عن عمل غير مشروع، بينما الثاني يمثل مقابلا قانونيا لانتقال الملكية وفق المسطرة التي رسمها القانون⁷، وتكتسي هذه الحيثيات أهمية بالغة لأنها أسست، بصورة غير مباشرة، للتفرقة بين النظامين على المستوى الجبائي.
ولا يقتصر الاختلاف بين المؤسستين على مصدر الالتزام بالتعويض، وإنما يمتد إلى الغاية التي يحققها كل نظام، فإذا كان قانون نزع الملكية يروم تمكين الإدارة من الحصول على العقارات اللازمة لإنجاز مشاريع المنفعة العامة في إطار احترام المشروعية، فإن نظرية الاعتداء المادي تهدف أساسا إلى حماية حق الملكية من تجاوزات الإدارة وضمان جبر الضرر الناتج عن مخالفة القانون، ولذلك فإن التعويض في دعاوى الاعتداء المادي لا يستند إلى فكرة المقابل المالي للعقار، وإنما إلى مبدأ إصلاح الضرر، وهو ما ينسجم مع القواعد العامة للمسؤولية الإدارية كما استقر عليها القضاء الإداري المغربي والفقه المقارن⁸.
ويترتب على هذا التمييز أن انتقال الملكية، متى تم نتيجة حكم قضائي صادر في إطار دعوى الاعتداء المادي، لا يغير من الطبيعة القانونية للحق في التعويض، لأن هذا الأخير يبقى قائما على أساس الخطأ الإداري، وليس على أساس تطبيق قانون نزع الملكية، ولذلك فإن التكييف القانوني للتعويض ظل، قبل تعديل قانون المالية لسنة 2026، يشكل أحد أهم الأسس التي استند إليها القضاء الإداري لاستبعاد إخضاعه للضريبة على الأرباح العقارية، باعتبار أن التعويض عن الضرر لا يندرج ضمن حالات التفويت أو نزع الملكية التي حددها المشرع على سبيل الحصر⁹، ومن هنا يتبين أن التمييز بين الاعتداء المادي ونزع الملكية لم يكن مجرد تمييز نظري، بل كانت له آثار عملية امتدت إلى المجال الجبائي، وهو ما مهد لظهور خلاف فقهي وقضائي انتهى بتدخل المشرع بمقتضى قانون المالية لسنة 2026.
¹ الفصل 6 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011.
² الفصل 35 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011.
³ القانون رقم 7.81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت، الجريدة الرسمية عدد 3685 بتاريخ 15 يونيو 1983.
⁴ الفصل 35 من دستور المملكة المغربية؛ والمادة 20 وما يليها من القانون رقم 7.81.
⁵ انظر المواد المنظمة لمسطرة نزع الملكية بالقانون رقم 7.81، ولا سيما المقتضيات المتعلقة بإعلان المنفعة العامة ونقل الملكية.
⁶ محمد الأعرج، القانون الإداري المغربي، الطبعة الأخيرة، (سأثبت رقم الصفحة بعد الرجوع إلى النسخة المعتمدة).
⁷ المحكمة الإدارية بالرباط، حكم عدد 4327 بتاريخ 4 نونبر 2016، ملف عدد 316/7113/2016.
⁸ عبد العزيز النويضي، القضاء الإداري المغربي ورقابة المشروعية، (سأثبت بيانات الطبعة والصفحة بدقة بعد التحقق)، وانظر أيضا الفقه الفرنسي بشأن La voie de fait.
⁹ المادة 61 من المدونة العامة للضرائب قبل تعديلها بمقتضى قانون المالية لسنة 2026.
الفقرة الثانية: إخضاع التعويض عن الاعتداء المادي للضريبة على الأرباح العقارية قبل قانون المالية لسنة 2026 بين صراحة النص واستقرار الاجتهاد القضائي
إذا كان التمييز بين الاعتداء المادي ونزع الملكية يجد أساسه في اختلاف الطبيعة القانونية لكل منهما، فإن هذا الاختلاف لم يقتصر على نطاق القانون الإداري، بل امتد إلى القانون الجبائي، حيث أثار إشكالا دقيقا حول مدى خضوع التعويض المحكوم به بسبب الاعتداء المادي للضريبة على الأرباح العقارية، وقد اكتسب هذا الإشكال أهميته بالنظر إلى خصوصية المادة الضريبية، التي تخضع لمبدأ الشرعية الضريبية، باعتباره أحد المبادئ الدستورية التي تقضي بعدم جواز فرض ضريبة أو توسيع وعائها إلا بمقتضى نص تشريعي صريح، وهو ما يستفاد من الفصل 39 من دستور المملكة المغربية، الذي جعل مساهمة الجميع في التكاليف العمومية رهينة بما يحدده القانون، كما يجد سنده في الفصل 71 من الدستور الذي أسند للمشرع الاختصاص الحصري في إحداث الضرائب وتحديد وعائها وأسعارها وكيفيات تحصيلها¹، ويترتب على هذا المبدأ أن النصوص الضريبية لا تقبل القياس ولا التوسع في تفسيرها متى تعلق الأمر بإنشاء الالتزام الضريبي، وهو اتجاه استقر عليه الفقه والقضاء على السواء².
وفي هذا السياق، كانت المادة 61 من المدونة العامة للضرائب، قبل تعديلها بموجب قانون المالية لسنة 2026، تنص على خضوع الأرباح الناتجة عن تفويت العقارات والحقوق العينية العقارية، كما أخضعت التعويضات الناتجة عن نزع الملكية لأجل المنفعة العامة للضريبة على الدخل، دون أن تتضمن أي مقتضى يتعلق بالتعويض المحكوم به في إطار دعاوى الاعتداء المادي³، ويكشف هذا السكوت التشريعي أن المشرع، رغم علمه بالتمييز القائم بين المؤسستين في القضاء الإداري، لم يدرج الاعتداء المادي ضمن الوقائع المنشئة للضريبة، الأمر الذي جعل الإدارة الجبائية أمام فراغ تشريعي، ودفع القضاء إلى التدخل لتحديد نطاق تطبيق النص في ضوء المبادئ العامة للقانون الضريبي.
وقد تبنى القضاء الإداري المغربي موقفا واضحا في هذا الشأن، مؤداه أن التعويض المحكوم به عن الاعتداء المادي لا يخضع للضريبة على الأرباح العقارية، ليس باعتباره معفى منها، وإنما لعدم وجود نص قانوني صريح يقر هذا الإخضاع، ويعد حكم المحكمة الإدارية بالرباط عدد 4327 الصادر بتاريخ 4 نونبر 2016، ملف عدد 316/7113/2016، من أبرز الأحكام التي كرست هذا الاتجاه، حيث اعتبرت المحكمة أن التعويض عن الاعتداء المادي لا يدخل ضمن الحالات المنصوص عليها في المادة 61 من المدونة العامة للضرائب، وأن إخضاعه للضريبة يشكل توسعا في تفسير النص الضريبي بما يتعارض مع مبدأ الشرعية الضريبية⁴، ولم تقف المحكمة عند حدود غياب النص، بل ميزت أيضا بين التعويض الناتج عن نزع الملكية، باعتباره مقابلا قانونيا لانتقال الملكية في إطار مشروع، وبين التعويض عن الاعتداء المادي، الذي يرمي إلى جبر ضرر ناتج عن عمل غير مشروع صادر عن الإدارة.
ويكتسي هذا الحكم أهمية خاصة، لأنه لم يؤسس موقفه على اعتبارات اجتماعية أو مالية، وإنما انطلق من تحليل دقيق لطبيعة التعويض ذاته، فالتعويض عن الاعتداء المادي، بحسب المحكمة، لا يمثل ربحا عقاريا بالمفهوم الذي قصده المشرع، وإنما يهدف إلى إعادة المتضرر إلى المركز المالي الذي كان سيؤول إليه لو لم يقع الاعتداء، وهو ما يجعله يختلف في طبيعته القانونية عن المقابل المالي الناتج عن التفويت أو نزع الملكية⁵، ويجد هذا التحليل سنده في المبادئ العامة للمسؤولية الإدارية التي تعتبر التعويض وسيلة لإصلاح الضرر وليس وسيلة لتحقيق الكسب، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على التكييف الجبائي لهذا التعويض.
وقد أيد جانب مهم من الفقه المغربي هذا الاتجاه، معتبرا أن القضاء لم يكن بصدد إحداث إعفاء ضريبي جديد، وإنما كان يطبق قاعدة دستورية مفادها أن الضريبة لا تفرض إلا بنص، وأن الأصل في الالتزام الضريبي هو التفسير الحرفي للنصوص المنشئة له، وفي المقابل، ذهب اتجاه فقهي آخر إلى أن انتقال الملكية، ولو تم نتيجة اعتداء مادي انتهى بحكم قضائي، يؤدي في النهاية إلى حصول المالك على مقابل مالي، الأمر الذي يبرر إخضاعه للضريبة على الأرباح العقارية تحقيقا لمبدأ المساواة بين جميع صور انتقال الملكية⁶، غير أن هذا الرأي ظل يصطدم بحقيقة قانونية تتمثل في أن القضاء لا يملك إنشاء وعاء ضريبي جديد عن طريق القياس، لأن ذلك يدخل ضمن الاختصاص التشريعي الحصري للبرلمان.
ويتضح من خلال استقراء هذا الاجتهاد القضائي أن القضاء الإداري لم يكن يعارض، من حيث المبدأ، إمكانية إخضاع التعويض عن الاعتداء المادي للضريبة على الأرباح العقارية، وإنما كان يرفض ذلك لغياب السند التشريعي الصريح. ومن ثم، فإن تدخل المشرع بموجب قانون المالية لسنة 2026 لم يكن تدخلا معزولا عن الواقع القضائي، بل جاء استجابة مباشرة لاتجاه قضائي مستقر كشف عن وجود فراغ تشريعي في المادة 61 من المدونة العامة للضرائب، وهو ما يقتضي الوقوف على طبيعة هذا التدخل وحدوده القانونية، ومدى اعتباره مجرد توضيح للنص السابق أو إنشاء لوعاء ضريبي جديد، وهي المسألة التي ستتناولها الفقرة الموالية.
¹ الفصلان 39 و71 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011.
² انظر:
- عبد الكريم الطالب، الشرح العملي لقوانين المسطرة المدنية (في معرض حديثه عن تفسير النصوص القانونية)، مع استكمال المرجع.
- محمد الكشبور، مؤلفات في القانون الضريبي المغربي (سيتم توثيق المرجع كاملاً بعد التحقق من الطبعة).
³ المادة 61 من المدونة العامة للضرائب قبل تعديلها بمقتضى قانون المالية لسنة 2026.
⁴ المحكمة الإدارية بالرباط، حكم عدد 4327 بتاريخ 4 نونبر 2016، ملف عدد 316/7113/2016، منشور بموقع “مغرب القانون”.
⁵ المرجع نفسه، من حيثيات الحكم.
⁶ يراجع في هذا الاتجاه: مؤلفات الفقه الضريبي المغربي، مع استكمال بيانات المرجع بعد التحقق، إضافة إلى الفقه الفرنسي المتعلق بتمييز التعويض عن الربح الخاضع للضريبة.
الفقرة الثالثة: التعديل الذي جاء به قانون المالية لسنة 2026 بين توسيع الوعاء الضريبي وإعادة بناء التكييف الجبائي للاعتداء المادي
أحدث قانون المالية لسنة 2026 تحولا تشريعيا مهما في نظام الضريبة على الأرباح العقارية، بعدما تدخل المشرع لتعديل المادة 61 من المدونة العامة للضرائب، بإضافة الأرباح العقارية المحققة على إثر نزع الملكية جراء الاعتداء المادي أو عن طريق أي نقل للملكية بموجب مقرر قضائي حائز لقوة الشيء المقضي به إلى نطاق العمليات الخاضعة للضريبة¹، ولا يمكن النظر إلى هذا التعديل باعتباره مجرد تعديل لغوي أو إضافة شكلية، وإنما يمثل تدخلا تشريعيا استهدف إعادة رسم حدود الوعاء الضريبي، بعد أن كشف الاجتهاد القضائي عن قصور النص السابق في استيعاب بعض صور انتقال الملكية العقارية. ويستفاد من ذلك أن المشرع لم يتدخل لإلغاء اجتهاد القضاء أو لمراجعته، وإنما لتجاوز الأساس القانوني الذي بني عليه هذا الاجتهاد، والمتمثل في غياب النص الصريح المنشئ للضريبة.
وتؤكد الأعمال التحضيرية لقانون المالية لسنة 2026 هذا التوجه، إذ أوضحت المذكرة التقديمية لمشروع القانون أن الغاية من التعديل تتمثل في توضيح أن الأرباح المحققة نتيجة الاعتداء المادي أو نتيجة انتقال الملكية بموجب مقرر قضائي حائز لقوة الشيء المقضي به تدخل ضمن نطاق الضريبة على الدخل المترتبة على الأرباح العقارية²، ويثير استعمال عبارة “توضيح” أكثر من ملاحظة، لأن النص السابق لم يكن غامضا حتى يحتاج إلى تفسير، بل كان خاليا من أي مقتضى يتعلق بالاعتداء المادي، وهو ما جعل القضاء يمتنع عن إخضاع هذا النوع من التعويضات للضريبة احتراما لمبدأ الشرعية الضريبية، ومن ثم، فإن وصف التعديل بأنه مجرد توضيح لا يعكس بدقة حقيقته القانونية، إذ يتعلق الأمر، في الواقع، بإضافة واقعة جديدة إلى الوعاء الضريبي لم تكن واردة في النص السابق.
ويتعزز هذا الاستنتاج من خلال المقارنة بين صياغة المادة 61 قبل تعديلها وصيغتها الحالية، حيث كانت الحالات الخاضعة للضريبة تنحصر في عمليات التفويت والتعويضات الناتجة عن نزع الملكية لأجل المنفعة العامة، بينما أصبح النص بعد التعديل يشمل أيضا التعويضات المرتبطة بالاعتداء المادي وكل انتقال للملكية يتم تنفيذا لحكم قضائي حائز لقوة الشيء المقضي به³، ويكشف هذا التطور أن المشرع لم يعد ينظر إلى مصدر انتقال الملكية باعتباره العنصر الحاسم في تحديد الوعاء الضريبي، وإنما أصبح يركز على النتيجة الاقتصادية المترتبة عن هذا الانتقال، والمتمثلة في تحقق مقابل مالي لفائدة المالك، بصرف النظر عن الأساس القانوني الذي أدى إلى انتقال الملكية.
غير أن هذا الاختيار التشريعي لا يعني أن المشرع سوى بين الاعتداء المادي ونزع الملكية من حيث الطبيعة القانونية، لأن لكل منهما نظاما قانونيا مستقلا يحكمه قانون مختلف وأسس مختلفة، فنزع الملكية يظل خاضعا للقانون رقم 7.81، ويستند إلى فكرة المشروعية وتحقيق المنفعة العامة، في حين يبقى الاعتداء المادي صورة من صور المسؤولية الإدارية الناشئة عن مخالفة الإدارة للقانون، ولذلك فإن التعديل لم يغير التكييف القانوني للاعتداء المادي، وإنما اقتصر على ترتيب أثر جبائي جديد عليه، وهو ما ينسجم مع مبدأ استقلال القانون الجبائي في تحديد الوقائع المنشئة للضريبة، متى تدخل المشرع بنص صريح لا يثير أي لبس⁴.
ويؤدي هذا التحليل إلى نتيجة ذات أهمية بالغة، وهي أن المشرع لم يقم بإدماج الاعتداء المادي داخل نظام نزع الملكية، وإنما قام بإخضاع التعويض الناتج عنه لنفس النظام الجبائي المطبق على التعويض عن نزع الملكية، وهذا التمييز يكتسي أهمية عملية، لأن القاضي الإداري سيظل مطالبا بتطبيق قواعد المسؤولية الإدارية عند الفصل في دعاوى الاعتداء المادي، بينما سيتولى القاضي الضريبي تطبيق المادة 61 بعد تعديلها عند النظر في المنازعات المتعلقة بفرض الضريبة على التعويض المحكوم به، ومن ثم، فإن وحدة الأثر الضريبي لا تؤدي إلى وحدة النظام القانوني، وإنما تقتصر على توحيد المعاملة الجبائية لبعض صور انتقال الملكية العقارية.
كما يطرح التعديل سؤالا آخر يتعلق بمدى سريان النص الجديد من حيث الزمان، إذ إن مبدأ عدم رجعية القوانين الضريبية، باعتباره أحد مظاهر الأمن القانوني، يقتضي عدم إخضاع الوقائع السابقة لدخول التعديل حيز التنفيذ لأحكامه، ما لم ينص المشرع صراحة على خلاف ذلك في الحدود التي يسمح بها الدستور⁵، وبالتالي، فإن الأحكام القضائية الصادرة قبل دخول قانون المالية لسنة 2026 حيز التنفيذ تبقى خاضعة للنظام القانوني السابق، في حين تخضع الوقائع اللاحقة للمقتضيات الجديدة، وهو ما يكرس مبدأ استقرار المراكز القانونية ويجنب إثارة منازعات مرتبطة بالأثر الزمني للتعديل.
ومن خلال ما سبق، يتضح أن التعديل الذي جاء به قانون المالية لسنة 2026 لم يكن مجرد تدخل تقني لتدارك نقص في الصياغة، وإنما يعبر عن تحول في السياسة الجبائية للمشرع المغربي، انتقل بموجبه من ربط الضريبة بطبيعة السبب القانوني لانتقال الملكية إلى ربطها بالأثر الاقتصادي المترتب عن هذا الانتقال. غير أن هذا الاختيار، رغم وجاهته من زاوية توسيع الوعاء الضريبي، يظل محلا للنقاش من زاوية مدى انسجامه مع فلسفة التعويض في منازعات الاعتداء المادي، وهو ما يقتضي إخضاعه لقراءة نقدية في ضوء المبادئ الدستورية الحاكمة للمادة الضريبية، وهي المسألة التي ستتناولها الفقرة الموالية.
¹ المادة 61 من المدونة العامة للضرائب، كما عدلت بمقتضى قانون المالية رقم 60.25 للسنة المالية 2026.
² مذكرة تقديم مشروع قانون المالية لسنة 2026، محور تعديل الضريبة على الدخل المترتبة على الأرباح العقارية.
³ المدونة العامة للضرائب، المادة 61، قبل وبعد تعديل قانون المالية لسنة 2026.
⁴ انظر في استقلالية المفاهيم الجبائية:
- Michel Bouvier, Introduction au droit fiscal et à la théorie de l’impôt، Dalloz.
- Xavier Cabannes, Droit fiscal général، LGDJ.
⁵ الفصل 6 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011؛ ويراجع أيضا الاجتهاد الدستوري المتعلق بالأمن القانوني وعدم رجعية القوانين متى كان لذلك أثر على المراكز القانونية.
الفقرة الرابعة: إخضاع التعويض عن الاعتداء المادي للضريبة على الأرباح العقارية في ضوء مبدأ الشرعية الضريبية واستقلالية المفاهيم القانونية: قراءة نقدية
لا يثير تعديل المادة 61 من المدونة العامة للضرائب إشكالا مرتبطا بمجرد توسيع الوعاء الضريبي، وإنما يطرح نقاشا أعمق يتعلق بحدود استقلال القانون الجبائي عن باقي فروع القانون، ومدى سلطة المشرع في ترتيب آثار ضريبية على أوضاع قانونية تختلف في طبيعتها وأساسها عن الوقائع التي كانت خاضعة للضريبة قبل التعديل، فمن المبادئ المستقرة فقها أن القانون الجبائي يتمتع باستقلال نسبي عن غيره من الفروع القانونية، غير أن هذا الاستقلال لا يعني الانفصال التام عن المفاهيم القانونية التي أرساها القانون المدني أو القانون الإداري، وإنما يخول للمشرع، متى اقتضت الضرورة، إضفاء آثار ضريبية خاصة على مراكز قانونية معينة، شريطة أن يتم ذلك بنص صريح يحترم المبادئ الدستورية الحاكمة للمادة الضريبية¹، ويترتب على ذلك أن المشرع، عندما أخضع التعويض الناتج عن الاعتداء المادي للضريبة على الأرباح العقارية، لم يكن بصدد إعادة تعريف الاعتداء المادي أو إدماجه ضمن نظام نزع الملكية، وإنما مارس اختصاصه الدستوري في تحديد الوقائع المنشئة للضريبة.
غير أن هذا التفسير لا يمنع من التساؤل حول مدى انسجام هذا الاختيار مع الطبيعة القانونية للتعويض المحكوم به في دعاوى الاعتداء المادي، فمن المعلوم أن هذا التعويض لا يستند إلى فكرة المقابل المالي الناتج عن انتقال الملكية، وإنما يجد أساسه في قواعد المسؤولية الإدارية التي تجعل من التعويض وسيلة لإصلاح الضرر الناتج عن عمل غير مشروع صادر عن الإدارة²، ولذلك فإن التعويض المحكوم به قد لا يعبر، في كثير من الحالات، عن ربح اقتصادي يضاف إلى الذمة المالية للمالك، وإنما قد يمثل مجرد إعادة للتوازن المالي الذي اختل بسبب حرمانه من ملكه أو من منافعه لسنوات طويلة، ومن ثم، فإن إخضاع هذا التعويض للضريبة يقتضي التمييز بين الجزء الذي يمثل مقابلا لانتقال الملكية، وبين المبالغ التي تحكم بها المحكمة لجبر أضرار مستقلة، لأن الجمع بينهما داخل وعاء ضريبي واحد قد يؤدي إلى نتائج تتعارض مع فلسفة المسؤولية الإدارية.
ويزداد هذا الإشكال وضوحا إذا استحضرنا أن القضاء الإداري، قبل تعديل المادة 61، لم يكن يؤسس رفضه للإخضاع على اعتبارات العدالة الاجتماعية أو الملاءمة الاقتصادية، وإنما على مبدأ دستوري أصيل يتمثل في الشرعية الضريبية، فقد اعتبر أن القاضي لا يملك، في غياب نص صريح، توسيع الحالات الخاضعة للضريبة عن طريق القياس أو التأويل، لأن ذلك يدخل في صميم الاختصاص التشريعي للبرلمان³، ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن قانون المالية لسنة 2026 جاء متوافقا مع هذا المبدأ، لأنه وفر السند التشريعي الذي كان القضاء يفتقده، غير أن ذلك لا يحول دون استمرار النقاش حول مدى عدالة الإخضاع من حيث الموضوع.
ومن زاوية أخرى، فإن التعديل يثير إشكالا عمليا يرتبط بتحديد مفهوم “الربح العقاري” ذاته، فالضريبة على الأرباح العقارية، بحسب فلسفتها العامة، تستهدف الزيادة الحقيقية التي تطرأ على الذمة المالية للمكلف نتيجة تفويت عقار أو انتقال ملكيته بمقابل، أما التعويض عن الاعتداء المادي، فإنه قد يتضمن عناصر متعددة لا يمكن اعتبارها كلها أرباحا عقارية، من قبيل التعويض عن الحرمان من الاستغلال، أو التعويض عن ضياع المداخيل، أو التعويض عن الأضرار التي لحقت بالبناء أو بالأشجار أو بالنشاط الاقتصادي المرتبط بالعقار⁴، ولذلك فإن إخضاع جميع هذه العناصر للضريبة دون تمييز قد يؤدي إلى تحميل المكلف عبئا ضريبيا عن مبالغ لا تمثل في حقيقتها أرباحا، وإنما تعويضات إصلاحية، وهو ما قد يتعارض مع مبدأ العدالة الجبائية.
كما أن مبدأ المساواة أمام الضريبة، المنصوص عليه في الفصل 39 من الدستور، لا يقتضي المساواة الشكلية بين جميع المكلفين، وإنما يفرض المساواة بين المراكز القانونية المتماثلة، ومن ثم، فإن مساواة التعويض الناتج عن الاعتداء المادي بالتعويض الناتج عن نزع الملكية من حيث المعاملة الجبائية ينبغي أن تقوم على أساس موضوعي يبرر هذا التماثل، وإلا فإن وحدة النظام الضريبي قد تؤدي إلى إغفال الفوارق الجوهرية بين المؤسستين من حيث الأساس القانوني وطبيعة التعويض، ولذلك فإن نجاح التعديل التشريعي لن يقاس بمجرد زيادة الموارد الجبائية، وإنما بمدى قدرته على تحقيق التوازن بين مصلحة الخزينة العامة وضمان الحماية الفعلية لحق الملكية الذي جعله الدستور في مصاف الحقوق الأساسية⁵.
وانطلاقا مما سبق، يبدو أن التعديل الذي جاء به قانون المالية لسنة 2026 يعبر عن توجه تشريعي مشروع من حيث المبدأ، غير أن تنزيله العملي يظل رهينا بالتفسير القضائي والإداري الذي سيحدد نطاق الإخضاع وحدوده، فإذا اتجه التطبيق إلى التمييز بين التعويض الذي يمثل مقابلا لانتقال الملكية والتعويضات الأخرى ذات الطبيعة الإصلاحية، أمكن تحقيق الانسجام بين قواعد القانون الإداري والقانون الجبائي، أما إذا تم إخضاع جميع عناصر التعويض دون تفرقة، فإن ذلك قد يثير منازعات جديدة حول مدى توافق هذا التطبيق مع المبادئ الدستورية للعدالة الجبائية والأمن القانوني، الأمر الذي يجعل من القضاء الضريبي فاعلا أساسيا في رسم الحدود العملية لهذا المستجد التشريعي.
¹ Michel Bouvier, Introduction au droit fiscal et à la théorie de l’impôt, Dalloz, dernière édition؛ وانظر أيضا: Xavier Cabannes, Droit fiscal général, LGDJ.
² القانون رقم 41.90 المحدث للمحاكم الإدارية؛ والقواعد العامة للمسؤولية الإدارية كما كرسها الاجتهاد القضائي المغربي.
³ المحكمة الإدارية بالرباط، حكم عدد 4327 بتاريخ 04 نونبر 2016، ملف عدد 316/7113/2016.
⁴ المادة 61 من المدونة العامة للضرائب؛ ويراجع كذلك الفقه الفرنسي حول التمييز بين l’indemnité réparatrice و la plus-value immobilière.
⁵ الفصلان 35 و39 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011.
الفقرة الخامسة: آفاق تطبيق المقتضى الجديد وحدود فعاليته في تحقيق العدالة الجبائية وحماية الملكية الخاصة
لا يثور الإشكال الحقيقي الذي أفرزه قانون المالية لسنة 2026 عند حدود إقرار إخضاع التعويض عن الاعتداء المادي للضريبة على الأرباح العقارية، وإنما يمتد إلى كيفية تنزيل هذا المقتضى على أرض الواقع، ومدى قدرة الإدارة الجبائية والقضاء على تحقيق التوازن بين متطلبات استخلاص الضريبة وضمان الحماية القانونية للملكية الخاصة، فالنص التشريعي، مهما بلغت درجة دقته، لا يحقق أهدافه بمجرد نشره في الجريدة الرسمية، وإنما يظل نجاحه رهينا بالتفسير الذي سيحظى به عند التطبيق، وبالانسجام الذي سيحققه مع باقي المنظومة القانونية، ولا سيما قواعد المسؤولية الإدارية ونظام نزع الملكية لأجل المنفعة العامة¹، ولذلك فإن المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة مناقشة مشروعية النص، وإنما مرحلة تقييم مدى فعاليته العملية في ضوء المنازعات التي ستعرض على القضاء.
ومن المنتظر أن تثار أمام القضاء الضريبي عدة إشكالات عملية، يأتي في مقدمتها تحديد الوعاء الحقيقي للضريبة، لاسيما عندما يتضمن الحكم القضائي عناصر متعددة للتعويض لا ترجع جميعها إلى انتقال الملكية، فكثيرا ما تحكم المحاكم الإدارية بتعويضات تشمل قيمة العقار، والتعويض عن الحرمان من الاستغلال، والأضرار اللاحقة بالمزروعات أو البنايات، بل وقد تشمل الفوائد القانونية أو التعويض عن التأخير في الأداء²، ومن ثم، فإن إخضاع مجموع هذه المبالغ للضريبة باعتبارها أرباحا عقارية قد يؤدي إلى توسيع غير مبرر للوعاء الضريبي، في حين أن المنطق القانوني يقتضي التمييز بين التعويض الذي يقابل انتقال الملكية والتعويض الذي يهدف إلى جبر أضرار مستقلة لا تمثل زيادة في الذمة المالية للمكلف.
كما يتوقع أن يثور خلاف حول القيمة الواجب اعتمادها لاحتساب الربح العقاري، بالنظر إلى أن دعاوى الاعتداء المادي تمتد في كثير من الأحيان لسنوات طويلة، وقد يصدر الحكم بالتعويض بعد مدة زمنية تفصل بين تاريخ الاستيلاء الفعلي وتاريخ انتقال الملكية بحكم قضائي حائز لقوة الشيء المقضي به³. ويطرح ذلك تساؤلا حول التاريخ المرجعي الذي ينبغي اعتماده لتحديد ثمن الاقتناء وقيمة التفويت، وما إذا كانت قواعد المدونة العامة للضرائب تكفي لمعالجة هذه الوضعية الخاصة، أم أن الأمر يقتضي تدخلا تنظيميا أو دورية تفسيرية من المديرية العامة للضرائب توحد أساليب التطبيق وتحد من تضارب الممارسات بين المصالح الجبائية.
ومن جهة أخرى، فإن المستجد التشريعي يفتح المجال أمام القضاء الإداري والقضاء الضريبي لإرساء اجتهاد قضائي جديد يقوم على التكامل بين الاختصاصين، دون أن يؤدي ذلك إلى المساس باستقلال كل منهما، فالقاضي الإداري سيظل مختصا بتحديد قيام الاعتداء المادي وعناصر الضرر المستحق عنها التعويض، بينما يظل القاضي الضريبي مختصا بالرقابة على مدى احترام الإدارة الجبائية للقواعد المنظمة لاحتساب الضريبة وحدود الوعاء الضريبي⁴، ويعد هذا التكامل ضروريا لتفادي تضارب الأحكام وضمان وحدة التطبيق، خاصة وأن النزاع الواحد قد يثير في آن واحد مسائل تدخل في صميم القانون الإداري وأخرى تخضع للقانون الجبائي.
ويبدو، في تقديرنا، أن نجاح هذا الإصلاح التشريعي يقتضي استكماله بإصدار مذكرة تفسيرية مفصلة من المديرية العامة للضرائب، تبين كيفية احتساب الضريبة في حالات الاعتداء المادي، وتوضح المقصود بالأرباح العقارية المحققة بموجب مقرر قضائي، مع وضع ضوابط دقيقة للتمييز بين عناصر التعويض الخاضعة للضريبة وتلك التي تبقى خارجة عن نطاقها، كما سيكون من المستحسن أن تعمل محكمة النقض، من خلال توحيد الاجتهاد القضائي، على رسم المبادئ المؤطرة لهذا المستجد، بما يحقق الأمن القانوني ويضمن استقرار المعاملات ويحد من تضارب الأحكام القضائية في هذا المجال.
وانطلاقا من مجموع ما سبق، يمكن القول إن تدخل المشرع بموجب قانون المالية لسنة 2026 يعكس توجها يروم تعزيز العدالة الجبائية وتوسيع الوعاء الضريبي بما يواكب التطور الذي عرفته المنازعات العقارية، غير أن هذا الهدف المشروع لا ينبغي أن يتحقق على حساب المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام التعويض عن الاعتداء المادي، وفي مقدمتها مبدأ الجبر الكامل للضرر ومبدأ حماية الملكية الخاصة. ولذلك فإن التطبيق السليم للنص يقتضي اعتماد قراءة متوازنة تجعل من الضريبة أداة لتحقيق العدالة الجبائية، لا وسيلة للانتقاص من التعويض الذي قرره القضاء لجبر ضرر أحدثته الإدارة بمخالفة القانون. وبهذا وحده يمكن تحقيق الانسجام بين مقتضيات المدونة العامة للضرائب وقواعد القانون الإداري، بما يكرس الأمن القانوني ويعزز الثقة في المنظومة التشريعية المغربية.
¹ الفصل 35 والفصل 39 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011؛ والقانون رقم 7.81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت.
² يراجع الاجتهاد القضائي للمحاكم الإدارية بشأن عناصر التعويض عن الاعتداء المادي، مع استكمال الإحالات القضائية في النسخة النهائية.
³ المادة 61 من المدونة العامة للضرائب بعد تعديلها بمقتضى قانون المالية لسنة 2026؛ والمذكرة الدورية رقم 737 للمديرية العامة للضرائب.
⁴ القانون رقم 41.90 المحدث للمحاكم الإدارية؛ والقانون رقم 90.41 المحدث للمحاكم الإدارية الاستئنافية؛ وقواعد الاختصاص القضائي في المنازعات الجبائية.





