دور المنصات الرقمية في الحد من العنف السياسي الرقمي – هاجر كرم

المـــقـــدمــــة
شهد العالم خلال العقدين الأخيرين تحولا جذريا بفعل التطور المتسارع لتقنيات الاتصال والمنصات الرقمية حيث لم تعد هذه الأخيرة مجرد أدوات للتواصل الاجتماعي، بل أصبحت فضاءات مركزية لإنتاج الخطاب العام وتشكيل الرأي العام والمشاركة السياسية. وقد ساهم هذا التحول في إعادة صياغة علاقة الأفراد وخاصة النساء بالفعل السياسي من خلال إتاحة فرص جديدة للتعبير عن آرائهن، والانخراط في النقاشات العامة، وتوسيع حضورهن في المجال العمومي الرقمي، بما يعزز منسوب المشاركة السياسية والمساواة في الولوج إلى الفضاء العام.
غير أن هذا الانفتاح الرقمي رافقه في المقابل بروز أنماط جديدة من العنف، من أبرزها العنف السياسي الرقمي الموجه ضد النساء، والذي يتخذ أشكالًا متعددة تشمل خطاب الكراهية، والتحرش الإلكتروني، والتشهير، والتهديد، ونشر المعطيات الشخصية، والتلاعب بالصور والمحتويات الرقمية. وتؤدي هذه الممارسات إلى آثار خطيرة لا تقتصر على المساس بالكرامة الإنسانية للضحايا، بل تمتد إلى التأثير على مشاركتهن السياسية، وإضعاف حضورهن في المجال العام، وتقويض مبدأ المساواة والمواطنة الرقمية.
وفي هذا السياق، لم يعد النقاش القانوني مقتصرًا على مساءلة مرتكبي هذه الأفعال فحسب، بل امتد ليشمل مسؤولية المنصات الرقمية ذاتها باعتبارها الفضاء الذي تُرتكب فيه هذه الانتهاكات، والفاعل التقني والتنظيمي القادر على التحكم في تدفق المحتوى الرقمي من خلال سياسات الإشراف، وأنظمة التبليغ، وخوارزميات الرصد، وأدوات الذكاء الاصطناعي. وقد عزز هذا التوجه التطور التشريعي على المستوى المقارن، لا سيما من خلال اعتماد الاتحاد الأوروبي لقانون الخدمات الرقمية (Digital Services Act)، الذي فرض التزامات متقدمة على المنصات الرقمية الكبرى في ما يتعلق بتدبير المخاطر النظامية، وحماية المستخدمين، ومكافحة المحتوى غير المشروع، بما في ذلك أشكال العنف الرقمي.
وعلى الصعيد العملي، تعتمد منصات كبرى مثل Meta (Facebook وInstagram)، وX (Twitter سابقًا)، وTikTok، وYouTube، سياسات داخلية متنوعة لمكافحة خطاب الكراهية والعنف الرقمي، من خلال أنظمة الإبلاغ، والإشراف البشري، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، غير أن فعالية هذه الآليات تظل محل نقاش، خاصة في ظل استمرار انتشار أشكال متعددة من العنف الموجه ضد النساء في الفضاء الرقمي، وصعوبة تحقيق التوازن بين حرية التعبير والحماية من الأذى الرقمي.
وانطلاقا من ذلك، تثير هذه الدراسة الإشكالية التالية:
إلى أي حد يمكن اعتبار المنصات الرقمية مسؤولة عن الحد من العنف السياسي الرقمي الموجه ضد النساء، وما مدى فعالية الآليات القانونية والتقنية التي تعتمدها في ظل التشريعات الوطنية والمقارنة؟
وللإجابة عن هذه الإشكالية، تعتمد الدراسة على المنهج التحليلي في دراسة الإطار القانوني المنظم لمسؤولية المنصات الرقمية، مع الاستعانة بالمنهج المقارن عند تحليل التجارب التشريعية الدولية، لاسيما التشريع المغربي والتشريع الأوروبي، بالإضافة إلى تحليل السياسات الداخلية للمنصات الرقمية الكبرى.
و تنقسم هذه الدراسة إلى مطلبين رئيسيين: يتناول المطلب الأول الآليات القانونية والتقنية التي تعتمدها المنصات الرقمية في مكافحة العنف السياسي الرقمي الموجه ضد النساء، بينما يخصص المطلب الثاني لدراسة حدود مسؤولية هذه المنصات في ضوء التشريع المغربي والتشريعات المقارنة، مع الوقوف على أبرز التحديات التي تعيق فعالية تدخلها واقتراح السبل الكفيلة بتعزيز الحماية القانونية للنساء داخل الفضاء الرقمي
المطلب الاول : الآليات التي تعتمدها المنصات الرقمية للحد من العنف السياسي الرقمي ضد النساء
تعتمد المنصات الرقمية الكبرى مثل Meta Facebook وInstagram وX Twitter سابقا ما يعرف بـ”معايير المجتمع” (Community Standards) أو “سياسات الاستخدام”، والتي تحدد بشكل صريح أنواع المحتوى المسموح به وتلك المحظورة، بما في ذلك خطاب الكراهية، والتحرش، والتهديد، والتحريض على العنف
منصة فايسبوك FACEBOOK : تعد من أقدم وأوسع شبكات التواصل الاجتماعي انتشارا على المستوى العالمي، وقد أسسها Mark Zuckerberg سنة 2004 أثناء دراسته بجامعة Harvard University، حيث أُطلقت رسميا في 4 فبراير 2004 بهدف ربط طلبة الجامعة، قبل أن تتحول تدريجيا إلى منصة عالمية تضم مليارات المستخدمين وتؤدي دورا محوريا في تداول المعلومات وصناعة الرأي العام.[1]
ومع اتساع قاعدة مستخدميها، أصبحت فيسبوك فضاء رئيسيا للنقاشات السياسية والاجتماعية، لما توفره من إمكانيات واسعة لإنشاء المحتوى وتداوله والتفاعل معه بصورة فورية. وقد جعلتها هذه الخصائص أداة مؤثرة في تشكيل الخطاب السياسي، وفي تعزيز المشاركة العامة، لكنها في المقابل أضحت إحدى أكثر المنصات التي تشهد مختلف مظاهر العنف السياسي الرقمي، بما في ذلك خطاب الكراهية، والتحرش الإلكتروني، والتشهير، والحملات المنظمة التي تستهدف الفاعلين السياسيين، ولا سيما النساء.
واستجابة لتنامي هذه الممارسات عملت شركة **ميتا (Meta)**، المالكة لفايسبوك ، على تطوير منظومة متكاملة للحد من المحتوى الضار، تقوم على سياسات تنظيمية وتقنيات رقمية متطورة تشمل معايير المجتمع، وآليات التبليغ، وأنظمة حذف المحتوى، والعقوبات التدريجية، بما يهدف إلى توفير بيئة رقمية أكثر أمانًا للمستخدمين.
وقد بدأت هذه المنظومة في شكل قواعد استخدام عامة مع إطلاق المنصة سنة 2004، حيث كانت تقتصر على تنظيم السلوك داخل الموقع وحذف الحسابات أو المحتويات المخالفة بصورة واضحة، مثل انتحال الهوية أو الإساءة المباشرة أو نشر المحتوى غير اللائق، دون وجود سياسة متخصصة لمعالجة العنف الرقمي بمفهومه الحالي.
ومع التوسع الكبير في استخدام المنصة بين سنتي 2008 و2012، وتزايد حالات التحرش الإلكتروني وخطاب الكراهية والتشهير، أدركت الشركة أن المخاطر الرقمية أصبحت أكثر تعقيدًا، الأمر الذي دفعها إلى تطوير ** معايير المجتمع (Community Standards) ** التي أصبحت المرجع الأساسي لتنظيم المحتوى، وتضمنت قواعد أكثر تفصيلًا بشأن خطاب الكراهية، والمضايقات، والعنف، والتنمر، وغيرها من السلوكيات المحظورة.
وشهدت هذه المرحلة تطورا ملحوظا بعد سنة 2016، في ظل تزايد الضغوط التنظيمية، ولا سيما داخل الاتحاد الأوروبي، عقب اعتماد **مدونة السلوك لمكافحة خطاب الكراهية غير القانوني عبر الإنترنت** حيث انتقلت ميتا من الاكتفاء بقواعد عامة إلى اعتماد نظام تصنيفي أكثر دقة يقسم المحتوى المخالف إلى فئات محددة، مثل المحتوى العنيف، وخطاب الكراهية، والمضايقات، بما يسمح بتطوير آليات أكثر فعالية للرصد والمعالجة.
ومع تصاعد الانتقادات الموجهة إلى الشركة بشأن انتشار المحتوى الضار، دخلت ميتا ابتداء من سنة 2018 مرحلة جديدة اتسمت بتعزيز الشفافية في الإشراف على المحتوى، وذلك من خلال نشر **تقرير إنفاذ معايير المجتمع (Community Standards Enforcement Report)** بصورة دورية، وهو التقرير الذي يعرض حجم المحتوى المخالف، ونسب انتشاره، والإجراءات المتخذة بشأنه. وقد بينت هذه التقارير أن نسبة المحتوى المتعلق بالتنمر والمضايقة على فيسبوك ظلت منخفضة نسبيا مقارنة بإجمالي المحتوى المعروض، حيث تراوحت بين **0.11% و0.12%**، مع اتخاذ إجراءات بحق ملايين المنشورات المخالفة خلال كل فترة تقريرية، وهو ما يعكس توسع قدرات الشركة في الرصد والإزالة.[2]
وفي سنة 2020، شهدت حوكمة المنصة تحولا مؤسساتيا مهما بإنشاء Oversight Board، وهو هيئة مستقلة تتولى النظر في الطعون المتعلقة بقرارات حذف المحتوى أو الإبقاء عليه في كل من فيسبوك و إنستغرام . وتمثل هذه الهيئة آلية مستقلة لمراجعة قرارات الشركة، حيث تكون قراراتها ملزمة في القضايا التي تنظر فيها، كما تقدم توصيات تروم تطوير السياسات وتحقيق توازن أفضل بين حماية المستخدمين وضمان حرية التعبير، بما يشمل قضايا العنف الرقمي وخطاب الكراهية والتحرش.
وفي سنة 2021، ووفقا لتقرير الربع الرابع من **تقرير إنفاذ معايير المجتمع**، واصلت ميتا تطوير أنظمة الكشف الاستباقي ، إذ تمكنت من رصد حوالي **58.8%** من حالات التنمر والمضايقة قبل أن يبلغ عنها المستخدمون، كما اتخذت إجراءات بشأن ما يقارب **8.2 ملايين** قطعة من المحتوى المخالف خلال فترة التقرير، مع تحسين الخوارزميات لتصبح أكثر قدرة على فهم السياق اللغوي وتقليل حالات حذف المحتوى المشروع.
أما خلال سنتي 2022 و2023، فقد انتقلت الشركة إلى مرحلة أكثر شمولا في إدارة المخاطر الرقمية، من خلال توسيع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لرصد خطاب الكراهية والعنف والتحرش، وتطوير نظام العقوبات التدريجي، إلى جانب تعزيز جهودها في تفكيك شبكات السلوك غير الأصيل والمنسق، التي تستغل المنصة في تنظيم حملات سياسية رقمية تستهدف شخصيات عامة، ومن بينها النساء الناشطات في المجالين السياسي والحقوقي.
وفي الفترة الممتدة بين 2023 و2026، واصلت ميتا تطوير منظومتها لمواكبة التحديات الجديدة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التوليدي، وذلك عبر اعتماد آليات لوسم المحتوى المنشأ باستخدام الذكاء الاصطناعي وتعزيز حماية المستخدمين داخل خدمات المراسلة الخاصة، مع استمرار تحسين أدوات الكشف الآلي عن التحرش والعنف الرقمي. غير أن هذه التطورات ظلت محل نقاش واسع إذ يرى جانب من الباحثين أن الذكاء الاصطناعي أسهم في تسريع الكشف عن المحتوى المخالف، بينما يرى آخرون أن الاعتماد المتزايد على الأنظمة الآلية أدى إلى ارتفاع معدلات الأخطاء في التقييم، سواء من خلال حذف محتوى مشروع أو الإبقاء على محتوى ضار.[3]
وعلى الرغم من التطور الملحوظ الذي عرفته سياسات ميتا وآلياتها التقنية، فإن فعالية هذه المنظومة في مكافحة العنف السياسي الرقمي تظل محدودة أمام الطبيعة المركبة لهذا النوع من العنف، الذي غالبا ما يتخذ أشكالا غير مباشرة، مثل حملات التشهير المنظمة، والتحريض الرمزي، والتلاعب بالمعلومات، والاستهداف المنسق للنساء الفاعلات في المجال السياسي. كما أن منح المنصة سلطة تقدير ما يعد محتوى سياسيا ضارا يثير إشكالات قانونية وحقوقية تتعلق بحدود الرقابة الخاصة، وبضرورة تحقيق التوازن بين حماية الأفراد من الإساءة وضمان حرية التعبير، وهو ما يجعل مكافحة العنف السياسي الرقمي مسؤولية مشتركة لا يمكن أن تضطلع بها المنصات الرقمية وحدها، بل تستلزم أيضا تدخلا تشريعيا ومؤسساتيا ومجتمعيا متكاملا.
- منصة أنستغرام INSTAGRAM §
قبل تناول الآليات التي تعتمدها منصة إنستغرام للحد من العنف السياسي الرقمي ضد النساء، تجدر الإشارة إلى أن هذه المنصة تخضع، باعتبارها إحدى منصات شركة **Meta**، للإطار التنظيمي العام نفسه الذي يحكم فيسبوك، ولا سيما معايير المجتمع وسياسات الإشراف على المحتوى. غير أن وحدة هذا الإطار لا تعني تماثل آليات التطبيق، إذ تفرض الخصائص التقنية لكل منصة وأنماط التفاعل السائدة فيها اختلافا في طبيعة المخاطر الرقمية وسبل مواجهتها. لذلك يقتصر هذا التحليل على إبراز الخصوصيات التي تميز إنستغرام، دون إعادة عرض السياسات العامة المشتركة بين منصات الشركة.
ويتميز إنستغرام بكونه منصة تقوم أساسا على الصور ومقاطع الفيديو، وهو ما يجعل أنماط التفاعل داخله تختلف عن فيسبوك الذي يغلب عليه المحتوى النصي والنقاشات العامة. ونتيجة لذلك يتخذ العنف السياسي الرقمي ضد النساء على إنستغرام أشكالا يغلب عليها الطابع البصري والرمزي، مثل التشهير بالصور، والتلاعب بالمحتوى المرئي، والسخرية من المظهر أو اللباس أو الهوية، ونشر الصور أو المقاطع خارج سياقها، وهي ممارسات قد لا تتضمن خطابا عدائيا صريحا، لكنها تستعمل للنيل من المصداقية السياسية للنساء وتقويض حضورهن داخل الفضاء العام.
وتمنح الطبيعة البصرية للمنصة في المقابل إمكانات مهمة لمواجهة هذه الممارسات، إذ تتيح للضحايا وللفاعلين المدنيين إعادة نشر المحتوى المسيء في إطار توثيقي، عبر لقطات الشاشة أو الإنفوغرافيك أو مقاطع الفيديو التوعوية، بما يسهم في تحويل الاعتداءات الرقمية من تجارب فردية معزولة إلى قضايا عامة تحظى بالنقاش المجتمعي. كما تساعد هذه الأدوات على تعزيز التوعية بمخاطر العنف السياسي الرقمي، ونشر المعرفة بسبل الوقاية منه وآليات التبليغ والحماية، خاصة عندما تقدم المعلومات القانونية والحقوقية في قالب بصري مبسط يسهل تداوله والوصول إليه.[4]
ويسهم إنستغرام كذلك في دعم الحضور الرمزي للنساء داخل المجال السياسي، من خلال الحملات البصرية التي تبرز النساء في مواقع القيادة وصنع القرار، بما يحد من تأثير الصور النمطية التي تستغل في استهدافهن سياسيا. ويكتسي هذا الأمر أهمية خاصة بالنظر إلى أن جزءا كبيرا من العنف السياسي الرقمي يقوم على التشكيك في أهلية النساء للمشاركة في الشأن العام أو اختزالهن في صفات مرتبطة بالنوع الاجتماعي، وهو ما يجعل إعادة إنتاج صور إيجابية ومتكررة للنساء إحدى الوسائل المساندة لمواجهة هذا النوع من الخطاب.[5]
ومن جهة أخرى يكتسب المحتوى البصري المنشور على إنستغرام أهمية في مجال توثيق الاعتداءات الرقمية، إذ يمكن الاحتفاظ به وإعادة نشره بوصفه دليلا رقميا يدعم عمليات الإبلاغ أو المساءلة المجتمعية، خاصة في الحالات التي يصعب فيها إثبات الانتهاكات بالوسائل التقليدية. كما تتميز الصور ومقاطع الفيديو بقدرتها على استثارة التفاعل الاجتماعي بصورة أسرع من المحتوى النصي، الأمر الذي يسهم في تعزيز التضامن مع الضحايا، وزيادة الوعي بخطورة العنف السياسي الرقمي الموجه ضد النساء.
ومع ذلك، فإن هذه الخصائص لا تجعل إنستغرام بمنأى عن التحديات، إذ إن الطابع البصري للمنصة يسمح أيضا بظهور أنماط جديدة من العنف يصعب اكتشافها، مثل الصور المعدلة، والميمات الساخرة، والإيحاءات البصرية، والتشهير غير المباشر، وهي أشكال قد لا تتمكن أنظمة الإشراف الآلي من رصدها بدقة، خاصة عندما تكون مشفرة أو مرتبطة بسياقات سياسية أو ثقافية معينة. كما أن خوارزميات المنصة التي تعطي أولوية للمحتوى الأكثر تفاعلا، قد تؤدي في بعض الحالات إلى توسيع نطاق انتشار المحتوى المسيء قبل التدخل لإزالته.
وعليه فإن خصوصية إنستغرام في مواجهة العنف السياسي الرقمي ضد النساء تكمن في كونه فضاء بصريا يوفر في الوقت نفسه فرصا مهمة للتوعية والتوثيق والتضامن الرقمي، ويطرح تحديات متزايدة ترتبط بتطور أساليب العنف الرمزي وصعوبة رصدها تقنيا، وهو ما يجعل فعالية المنصة في الحد من هذه الظاهرة مرتبطة بمدى تكامل أدواتها التقنية مع السياسات التنظيمية والإجراءات القانونية الرامية إلى حماية النساء داخل الفضاء الرقمي.
- مــنـــصـــة x ( تويتر سابقا ) :
لا يجوز لك مهاجمة الآخرين بشكل مباشر على أساس العرق، أو الأصل الإثني، أو الأصل القومي، أو الطبقة الاجتماعية، أو التوجه الجنسي، أو الجنس، أو الهوية الجنسية، أو الانتماء الديني، أو العمر، أو الإعاقة، أو المرض الخطير.
تتمثل مهمة X في تمكين الجميع من ابتكار الأفكار المعلومات ومشاركتها ، والتعبير عن آرائهم ومعتقداتهم دون قيود. حرية التعبير حقٌ من حقوق الإنسان، ونحن نؤمن بأن لكل فرد صوتاً، والحق في استخدامه. دورنا هو خدمة الحوار العام، الأمر الذي يتطلب تمثيلاً لمجموعة متنوعة من وجهات النظر.
ندرك أن تعرض الأفراد للإساءة على منصة معينة قد يعرض قدرتهم على التعبير عن أنفسهم للخطر. وقد أظهرت الأبحاث أن بعض الفئات تستهدف بشكل غير متناسب بالإساءة عبر الإنترنت. بالنسبة لمن ينتمون إلى فئات مهمشة متعددة، قد تكون الإساءة أكثر شيوعًا وأشد وطأة وأكثر ضررا.
نحن ملتزمون بمكافحة الإساءة بدافع الكراهية أو التعصب أو التحيز، ولا سيما الإساءة التي تسعى إلى إسكات أصوات المهمشين تاريخيا. ولهذا السبب، نحظر أي سلوك يستهدف الأفراد أو الجماعات بالإساءة بناء على انتمائهم المزعوم إلى فئة محمية.
إذا رأيت شيئا على X تعتقد أنه ينتهك هذه السياسة، فيرجى إبلاغنا به .[6]
لم تعتمد منصة X سياسة مكافحة السلوك القائم على الكراهية بهدف تقييد حرية التعبير، وإنما لضمان مشاركة جميع المستخدمين في النقاش العام على قدم المساواة، ومنع استهداف الفئات الأكثر عرضة للإقصاء الرقمي، بما في ذلك النساء المنخرطات في الحياة السياسية، وهو ما يجعل هذه السياسة إحدى الآليات التي توظفها المنصة للحد من العنف السياسي الرقمي وحماية التعددية داخل الفضاء الرقمي.
وفي سبيل تحقيق هذا التوازن بين حماية حرية التعبير ومكافحة العنف الرقمي، اعتمدت منصة X مجموعة من التدابير الرامية إلى الحد من السلوكيات المسيئة التي قد تؤدي إلى إقصاء بعض الفئات من المشاركة في النقاش العام.
فمن جهة، تتيح المنصة للمستخدمين الإبلاغ عن المحتويات أو الحسابات التي تتضمن تهديدا أو تحرشا أو خطاب كراهية، بما يسمح برصد السلوكيات المخالفة واتخاذ الإجراءات المناسبة بشأنها.[7]
ومن جهة أخرى، توفر أدوات تقنية تمكن المستخدم من التحكم في تفاعلات الآخرين معه، كحظر الحسابات المسيئة أو كتمها أو تقييد إمكانية الرد على المنشورات، وهي آليات تهدف إلى تمكين الأفراد من إدارة فضائهم الرقمي والحد من التعرض للمضايقات المتكررة.[8]
كما عملت المنصة على تطوير سياسات خاصة بمكافحة السلوك القائم على الكراهية، انطلاقا من إدراكها أن بعض الفئات تكون أكثر عرضة للاستهداف مقارنة بغيرها. ويكتسي هذا الأمر أهمية خاصة بالنسبة للنساء المنخرطات في الحياة السياسية، اللواتي يتعرضن في كثير من الأحيان لهجمات لا تستهدف مواقفهن أو برامجهن السياسية بقدر ما تستهدف جنسهن أو حياتهن الشخصية أو انتماءهن إلى فئات اجتماعية معينة[9].
ومن ثم فإن تدخل المنصة لا يهدف فقط إلى إزالة المحتوى المخالف، وإنما أيضا إلى الحد من الآثار التي قد تترتب عن هذا النوع من السلوكيات، وعلى رأسها إحجام النساء عن المشاركة في النقاش العمومي أو الانخراط في العمل السياسي الرقمي.
وإلى جانب ذلك، تعتمد X على أنظمة تقنية لرصد بعض أشكال المحتوى المخالف وتقييد انتشاره، خاصة عندما يتعلق الأمر بخطاب الكراهية أو المضايقات المتكررة، وهو ما يعكس انتقال دور المنصة من مجرد وسيط لنشر المحتوى إلى فاعل رقمي يسعى إلى المساهمة في توفير بيئة أكثر أمانا للمستخدمين.
غير أن فعالية هذه التدابير تظل محل نقاش، بالنظر إلى التحديات المرتبطة بسرعة انتشار المحتوى الرقمي وصعوبة التمييز أحيانا بين حرية التعبير والمحتوى المسيء.
وبناء على ما سبق عرضه من خلال تحليل دور كل من فيسبوك وإنستغرام ومنصة X في تشكيل وتجلي العنف السياسي الرقمي ضد النساء يتضح أن هذه المنصات الرقمية، رغم اختلاف خصائصها، تشترك في كونها فضاءات مركزية لإنتاج وتداول المحتوى السياسي وتشكيل النقاش العام، وهو ما يجعلها في الآن نفسه بيئة لانتشار هذا النوع من العنف وفضاء لمحاولة الحد منه عبر مجموعة من السياسات والأدوات التقنية.
غير أن فهم دينامية العنف السياسي الرقمي لا يكتمل بالوقوف عند حدود المنصات الرقمية فقط، بل يستدعي أيضا استحضار دور وسائل الإعلام باعتبارها فاعلا محوريا في تشكيل الرأي العام، وفي إعادة إنتاج أو الحد من بعض صور العنف الرمزي والرقمي، وهو ما سيتم التطرق إليه في المحور الموالي.
يتضح من خلال ما سبق أن المنصات الرقمية تعتمد مزيجا من الآليات القانونية الداخلية والأدوات التقنية لمواجهة العنف السياسي الرقمي ضد النساء غير أن هذه الآليات، رغم تطورها، لا تزال تعاني من محدودية في الفعالية والتطبيق الموحد، وهو ما يفتح المجال لمناقشة حدود المسؤولية القانونية لهذه المنصات والتحديات التي تواجهها في ضمان حماية فعالة داخل الفضاء الرقمي.
المطلب الثاني : حدود مسؤولية المنصات الرقمية وآفاق تطويرها .
على الرغم من التطور الملحوظ الذي عرفته المنصات الرقمية في مجال الإشراف على المحتوى واعتماد تقنيات متقدمة للكشف عن مختلف أشكال العنف الرقمي، فإن فعالية هذه الآليات تظل محدودة أمام الطبيعة المعقدة للعنف السياسي الرقمي الموجه ضد النساء. ويعود ذلك إلى تداخل مجموعة من الاعتبارات القانونية والتقنية والحقوقية التي تجعل مسؤولية المنصات الرقمية محل نقاش متواصل، خاصة في ظل تزايد دورها في تنظيم الفضاء العام الرقمي وتأثيرها المباشر في ممارسة حرية التعبير والمشاركة السياسية.[10]
ويبرز أول هذه الإشكالات في تحديد الطبيعة القانونية للمنصات الرقمية، إذ لا يزال الجدل قائما حول ما إذا كانت مجرد وسطاء تقنيين يقتصر دورهم على استضافة المحتوى الذي ينشره المستخدمون، أم أنهم أصبحوا فاعلين رقميين يمارسون سلطة فعلية على تداول المعلومات من خلال ما يعتمدونه من سياسات للإشراف على المحتوى وخوارزميات تحدد مدى وصول المنشورات وانتشارها. وقد أدى هذا التحول إلى توسيع نطاق مسؤولية المنصات، دون أن يقابله إطار قانوني دولي موحد يحدد بدقة حدود التزاماتها تجاه حماية المستخدمين من مختلف أشكال العنف الرقمي، بما في ذلك العنف السياسي الموجه ضد النساء.
كما تبرز صعوبة أخرى تتمثل في ضرورة تحقيق التوازن بين مكافحة المحتوى الضار وضمان حرية التعبير. فالعنف السياسي الرقمي لا يقتصر دائما على عبارات التهديد أو السب المباشر، بل قد يتخذ صورا أكثر تعقيدا، مثل حملات التشهير المنظمة، أو السخرية السياسية، أو نشر معلومات مضللة، أو استعمال رموز وإيحاءات يصعب تصنيفها باعتبارها محتوى مخالفا بصورة واضحة. ويؤدي ذلك إلى منح المنصات سلطة تقديرية واسعة في تقييم المحتوى، وهو ما قد يفضي إلى حذف منشورات مشروعة أو على العكس الإبقاء على محتوى ينطوي على إساءة بسبب صعوبة إثبات طابعه العنيف.
وتزداد هذه الإشكالات تعقيدا مع اعتماد المنصات على أنظمة الذكاء الاصطناعي في الإشراف على المحتوى، إذ ورغم ما توفره هذه الأنظمة من سرعة في معالجة ملايين المنشورات يوميا، فإنها لا تزال تواجه صعوبات في فهم السياقات السياسية والثقافية واللغوية التي يرد فيها الخطاب الرقمي. ويظهر هذا القصور بصورة أكبر في المحتوى المنشور باللغة العربية ولهجاتها المختلفة، حيث قد تعجز الخوارزميات عن التمييز بين النقد السياسي المشروع وخطاب الكراهية، أو عن اكتشاف المضامين الرمزية التي تتضمن تحريضًا أو تشهيرا غير مباشر بالنساء الناشطات في المجال السياسي.
ومن جهة أخرى، أصبح العنف السياسي الرقمي أكثر تنظيما وتعقيدا نتيجة اعتماد بعض الفاعلين على الحسابات الوهمية والجيوش الإلكترونية، التي تنسق حملات واسعة تستهدف النساء السياسيات والحقوقيات، من خلال نشر التعليقات المسيئة أو تداول معلومات مضللة أو إعادة إنتاج محتوى مهين بصورة مكثفة. وتجد المنصات صعوبة في التعامل مع هذا النوع من السلوك المنسق، خاصة عندما يتم عبر آلاف الحسابات أو باستخدام أدوات آلية يصعب اكتشافها في الوقت المناسب.
كما فرض التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي التوليدي تحديات جديدة أمام المنصات الرقمية، لاسيما مع انتشار الصور ومقاطع الفيديو المعدلة بتقنيات التزييف العميق[11] (Deepfakes)، التي أصبحت تستخدم للإساءة إلى الشخصيات النسائية أو التشكيك في مصداقيتهن أو التأثير في صورتهن أمام الرأي العام. ويزيد هذا التطور من صعوبة التحقق من صحة المحتوى، ويحد من فعالية آليات الإشراف التقليدية، الأمر الذي يفرض تطوير أدوات تقنية أكثر دقة وقدرة على اكتشاف هذا النوع من المحتوى قبل انتشاره على نطاق واسع.
ولا تقتصر التحديات على الجوانب التقنية بل تمتد أيضا إلى المجال القانوني، حيث تختلف التشريعات الوطنية في تحديد مسؤولية المنصات الرقمية، وفي تعريف خطاب الكراهية والعنف الرقمي وحدود حرية التعبير، وهو ما ينعكس على فعالية التعاون بين المنصات والسلطات القضائية في ملاحقة مرتكبي الاعتداءات الرقمية، خاصة عندما تكون البيانات أو الخوادم أو مرتكبو الأفعال موجودين في دول مختلفة، بما يثير إشكالات الاختصاص القضائي وإنفاذ الأحكام.
و يضاف إلى ذلك أن سياسات المنصات، رغم ما تتضمنه من معايير وقواعد للإشراف على المحتوى، تظل في كثير من الأحيان ذات طبيعة تعاقدية خاصة، تضعها الشركات المالكة وتعدلها بصورة منفردة، دون أن تخضع دائمًا لرقابة ديمقراطية أو قضائية كافية. ويؤدي ذلك إلى بروز انتقادات تتعلق بمدى شفافية قرارات الحذف أو تقييد الحسابات، وبإمكانية تأثرها باعتبارات اقتصادية أو سياسية، وهو ما يثير تساؤلات حول حدود السلطة التنظيمية التي تمارسها هذه المنصات داخل الفضاء الرقمي.
وبناء على ما سبق يتضح أن المنصات الرقمية، رغم ما حققته من تقدم في تطوير سياسات الإشراف وآليات الحماية، لا تستطيع بمفردها القضاء على العنف السياسي الرقمي ضد النساء، بالنظر إلى الطبيعة المتغيرة لهذا النوع من العنف وتشابك أبعاده القانونية والتقنية والاجتماعية.
ومن ثم فإن تعزيز الحماية يقتضي اعتماد مقاربة متكاملة تقوم على تطوير التشريعات الوطنية والدولية وإرساء قواعد أكثر وضوحا بشأن مسؤولية المنصات الرقمية، وتعزيز التعاون بين السلطات العامة والشركات المالكة للمنصات ومنظمات المجتمع المدني، إلى جانب الاستثمار في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي ورفع مستوى الوعي الرقمي والحقوقي لدى المستخدمين، بما يسهم في بناء فضاء رقمي أكثر أمنًا وإنصافا للنساء المشاركات في الحياة السياسية.
خـــاتـــمـــة
يتبين من خلال هذه الدراسة أن المنصات الرقمية لم تعد مجرد وسيط تقني محايد، بل أصبحت فاعلا رئيسيا في تدبير المحتوى الرقمي، بما في ذلك المحتويات المرتبطة بالعنف السياسي الموجه ضد النساء. وقد أظهر التحليل أن هذه المنصات تعتمد مجموعة من الآليات القانونية والتقنية، من بينها سياسات إدارة المحتوى، ومعايير المجتمع، وأنظمة التبليغ والحذف، إضافة إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي والإشراف البشري، بهدف الحد من انتشار الخطاب العنيف والمسيء داخل الفضاء الرقمي.
غير أن فعالية هذه الآليات تظل نسبية، إذ تكشف الممارسة العملية عن وجود تفاوت في تطبيق السياسات بين المنصات، وصعوبات مرتبطة بفهم السياقات اللغوية والثقافية، فضلا عن محدودية الشفافية في عمل الخوارزميات، مما يطرح إشكالات حقيقية تتعلق بمدى كفاية هذه الأدوات في توفير حماية فعالة للنساء من العنف السياسي الرقمي.
ومن جهة أخرى ، أبرزت الدراسة أن مسألة مسؤولية المنصات الرقمية تعرف تطورا ملحوظا في التشريعات المقارنة، لاسيما من خلال قانون الخدمات الرقمية الأوروبي (Digital Services Act)، الذي وسع من نطاق التزامات المنصات في تدبير المخاطر النظامية وتعزيز حماية المستخدمين. في المقابل، لا يزال الإطار القانوني في العديد من التشريعات الوطنية، ومنها التشريع المغربي، في حاجة إلى مزيد من التطوير لمواكبة هذا التحول الرقمي المتسارع.
وبناء على ذلك، تخلص الدراسة إلى أن تحقيق حماية فعالة للنساء داخل الفضاء الرقمي يقتضي إعادة النظر في طبيعة مسؤولية المنصات الرقمية، من مجرد مسؤولية تقنية أو أخلاقية إلى مسؤولية قانونية واضحة ومحددة، تقوم على تعزيز آليات الرقابة، وتوسيع نطاق الشفافية، وضمان توازن فعلي بين حرية التعبير وحماية الحقوق الأساسية.
وتوصي الدراسة بضرورة تطوير الإطار القانوني الوطني بما ينسجم مع المعايير الدولية الحديثة، وتعزيز التعاون بين الدول والمنصات الرقمية، إضافة إلى تحسين آليات التبليغ والحماية، بما يضمن بيئة رقمية أكثر أمانًا وإنصافًا للنساء في المجال السياسي.
- راتب حامد خليل ، الإعلام في عصر شبكات التواصل الاجتماعي، عمان ،الجنادرية للنشر ، س 2018 ، ص 18 . ↑
- دراسة استطلاعية ، العنف ضد النساء في الميديا الاجتماعية – الفايسبوك نموذجا ،مركز البحوث و الدراسات و التوثيق و الإعلام حول المرأة “الكريديف” ،تونس ،سنة 2020 ،ص20 ↑
- THE GUARDIAN ,ARTICL « Meta’s AI sending ‘junk’ tips to DoJ, US child abuse investigators say » published at https://www.theguardian.com/technology/2026/feb/25/meta-ai-junk-child-abuse-tips-doj , Date of access 16/06/2026 ↑
- Sofia P Caldeira, Walking on eggshells’: Exploring tensions and ambivalences in platformised feminist practices on Instagram ↑
- Brands, C., Kruikemeier, S., & Trilling, D. (2021). Insta(nt)famous? Visual self-presentation and the use of masculine and feminine issues by female politicians on Instagram. Information, Communication & Society, 24(14), 2016–2036. https://doi.org/10.1080/1369118X.2021.1962942 ↑
- مركز المساعدة ، السلامة و الجرائم الإلكترونية ، أبريل 2023 ، على الموقع الإلكتروني :
https://help.x.com/en/rules-and-policies/hateful-conduct-policy date of access 16/06/2026. ↑
- منصة X ،مركز المساعدة ، محتوى عنيف ، تقرير منشور سنة 2025 ، اجراءات التبليغ
https://help.x.com/en/rules-and-policies/violent-content تاريخ الاطلاع 16/06/2026 ↑
- X , Abusive profile information . https://help.x.com/en/rules-and-policies/abusive-profile ↑
- منصة X ، سلوك بغيض ، تقرير منشور أبريل 2023 ، https://help.x.com/en/rules-and-policies/hateful-conduct-policy تاريخ الاطلاع 16/06/2026 ↑
- Brands, C., Kruikemeier, S., & Trilling, D. (2021). Insta(nt)famous? Visual self-presentation and the use of masculine and feminine issues by female politicians on Instagram. Information, Communication & Society, 24(14), 2016–2036. ↑
- زكرياء بن صغير ، تأثير تقنية الديب فايكس Deepfakes”” على المضامين الإعلامية السمعية البصرية ،م.س ، ص 90 . ↑





