الرقمنة و الذكاء الاصطناعيفي الواجهةمقالات قانونية

التطور التشريعي للقانون المدني في مواجهة العقود الإلكترونية – الأستاذ: محمد محمود صمب

التطور التشريعي للقانون المدني في مواجهة العقود الإلكترونية

“The legislative development of civil law in addressing electronic contracts.”

الأستاذ: محمد محمود صمب

استاذ مادة القانون المدني أستاذ متعاون بجامعة العلوم الاسلامية بالعيون نواكشوط موريتانيا

هذا البحث منشور في مجلة القانون والأعمال الدولية الإصدار رقم 61 الخاص بشهر دجنبر 2025 
رابط تسجيل الاصدار في DOI

 

https://doi.org/10.63585/COPW7495

للنشر و الاستعلام
mforki22@gmail.com
الواتساب 00212687407665

التطور التشريعي للقانون المدني في مواجهة العقود الإلكترونية

“The legislative development of civil law in addressing electronic contracts.”

الأستاذ: محمد محمود صمب

استاذ مادة القانون المدني أستاذ متعاون بجامعة العلوم الاسلامية بالعيون نواكشوط موريتانيا

ملخص

مما سبق يتضح لنا أن العقد الإلكتروني كان مظهرا من مظاهر تطور العقود نتيجة التطور التكنولوجي، وما نتج عن ذلك من تطور في وسائل العقد الإلكتروني فقد رأينا ما تميز به العقد الإلكتروني عن العقد التقليدي حيث كان ذلك جليا من خلال المفهوم الذي قدم للعقد الإلكتروني، حيث تواترت التعريفات على أن الوسائط التي يبرم بها العقد من أبرز السمات التي تميزه العقد فقد جاء في تعريف العقد الإلكتروني أنه ” الاتفاق الذي يتم انعقاده بوسائط إلكترونية كليا او جزئا “، فمن حيث الأركان نلاحظ أنها نفس الأركان الموجودة في العقد التقليدي كما لاحظنا من خلال دراستنا لهذا الموضوع أن هناك تحديات ومخاطر تصاحب العقد الإلكتروني على مستوى الأطراف حيث صعوبة التعرف والتأكد من هوياتهم، فقد يكونوا ناقصي الأهلية كما قد يكونوا عديمي الأهلية، وكذلك الغموض الذي يلف حقوق وواجباتهم حالة عدم الوفاء بالتزامات العقد، وعلى مستوي العقد فمن أبرز التحديات ما يتعلق بتنازع القوانين لأن العقد الإلكتروني قد يكون الاختصاص فيه لعدة قوانين وبالتالي تكون هناك إشكالية تنازع القوانين فأيها سيطبق على العقد.

الكلمات المفاتيح

العقد الإلكتروني، الوسائط الإلكترونية، التطور التشريعي، خصائص العقد الإلكتروني، أركان العقد الإلكتروني، الإيجاب الإلكتروني المحل الإلكتروني، القبول الرضا المحل تحديات العقود الإلكترونية، ماهر التطور التشريعي، هوية الاطراف، حساب وهمي، إثبات العقود الإلكترونية، تنظيم التوقيع الإلكتروني المحررات الإلكترونية.

Conclusion

In conclusion, it becomes clear that the electronic contract is one of the manifestations of the evolution of contracts resulting from technological development. This progress has led to the emergence of new means for concluding electronic contracts. We have seen how the electronic contract differs from the traditional one, as this was evident from the concept presented of the electronic contract. The definitions consistently emphasized that the means through which the contract is concluded are among its most distinctive features. The electronic contract has been defined as “an agreement concluded wholly or partially through electronic means.”

As for its elements, we notice that they are the same as those in a traditional contract. However, as we have observed in our study, there are challenges and risks associated with electronic contracts. At the level of the parties, there is difficulty in identifying and verifying their identities, as they may lack full legal capacity or have no capacity at all. There is also ambiguity surrounding their rights and obligations in cases of non-performance of contractual commitments.

At the contractual level, one of the most significant challenges concerns conflicts of laws, since an electronic contract may fall under the jurisdiction of several legal systems. This creates a problem of determining which law should be applied to the contract.

مقدمة

في ظل ما نشاهده اليوم من تطور تكنولوجي متسارع وفي ظل عجز الوسائل التقليدية عن مواكبة هذا التطور يتضح أن الوسائل الالكترونية أصبحت جزء لا يتجزأ من مختلف التصرفات المرتبطة بمناحي الحياة وخاصة في المجال التجاري حيث تجلت ملامح هذا التطور في القوانين التي تم سنها وتخصيصها فيما يتعلق بالمعاملات الإلكترونية كقانون المعاملات الإلكترونية في الأردن وكقانون حماية المستهلك في مصر، والقوانين المدنية التي تم تعديلها مباشرة من أجل الاعتراف بالوسائل الالكترونية كتعديل القانون الجزائري من أجل الاعتراف بحجية الإثبات الإلكتروني فتلك القوانين التي تم سنها وتلك التي تم تعديلها كل ذلك من أجل مواكبة هذا المولود الجديد إذ أمام هذا الواقع الجديد ليس هناك بد من تطور تشريعي يستجيب لمتطلبات العصر الرقمي، ويوازن بين حماية المتعاملين وضمان استقرار المعاملات الإلكترونية، إذ كلما تطور الزمن تطورت معه الوسائل التكنولوجية وأدى ذلك إلى تغيير في النظرية العامة للعقد وخاصة ما يتعلق منها بأركان العقد ومجلس العقد الإلكتروني ووسائل إثبات العقد الإلكتروني، لما يصاحب ذلك من تحديات ومخاطر قد تؤدي إلى الإضرار بأحد المتعاقدين، و في هذا الإطار تبرز أهمية دراسة التطور التشريعي للقانون المدني في مواجهة العقد الإلكتروني لما لها من أثر في تحديث المنظومة القانونية وتكييفها مع الواقع الرقمي ولذا ستكون دراستنا لهذا الموضوع من خلال المبحثين التاليين :

المبحث الأول: ماهية العقد الإلكتروني

المبحث الثاني: تحديات العقود الإلكترونية ومظاهر التطور التشريعي لمواجهة العقود الإلكترونية

المبحث الأول: ماهية العقود الإلكترونية

إن ظهور العقود الإلكترونية وحلولها محل العقود التقليدية الورقية يظهر بجلاء أن العقود الإلكترونية أصبحت أعم من غيرها وأشمل وأسهل في التعامل إذ يمكن استخدمها من شخصين أو أكثر أحدهما في أقصى الشرق والآخر في أقصى الغرب عبر البريد الإلكتروني أو الوسائل الإلكترونية المخصصة لذلك، وهذا ما يقوي مبدأ السرعة المطلوب في المادة التجارية، وبناء على ما ذكرنا سندرس تعريف العقد الإلكتروني وخصائصه مطلب أول، بينما ندرس إشكالية تطبيق أركان العقد التقليدية على العقد الإلكتروني.

المطلب الأول: تعريف العقد الإلكتروني وخصائصه

إن العقد الإلكتروني يتميز عن غيره من العقود التي يتم إبرامها بين متعاقدين يجمعهما مجلس عقد واحد باستخدام وسائل إلكترونية ، وغالبا ما يتم بين متعاقدين كل منهما في بلد مختلف أي أن هناك تباعد مكاني بينهما إلا أنهما من حيث الزمان يعتبران في مجلس حضوري ، كما يتميز العقد الإلكتروني بأن الوفاء فيه يكون إلكترونيا، ويتم التعاقد باستخدام محررات إلكترونية ونحن في هذا المطلب سندس نقطتين بارزتين تتمثل أولاهما في إبراز مفهوم العقد الإلكتروني فرع أول، بينما تتمثل الثانية في دراسة خصائص العقد الإلكتروني فرع ثاني.

الفرع الأول: مفهوم العقد الإلكتروني

لقد تعددت المفاهيم أو التعريفات التي قدمت للعقد الإلكتروني ويمكن أن نرجع ذلك إما إلى الجهات التي أوردت هذه التعريفات، أو إلى نوع أو خصوصية التقنية التي تستعمل في إبرام العقد الإلكتروني من جهة أخري. ولذا نقول بأن العقد الإلكتروني هو العقد الذي يتم إبرامه عبر الشبكات العنكبوتية أي الانترنت، وهذا ما يستدعي منا أن نبين تعريف العقد الإلكتروني على ضوء الطريقة الحديثة التي ينعقد بها فهو اتفاق يتلاقى فيه الإيجاب بالقبول على شبكة دولية مفتوحة للاتصال عن بعد وذلك بوسيلة مسموعة مرئية بفضل التفاعل بين الموجب والقابل”[1].

وقد جاء تعريف العقد الإلكتروني في المادة الثانية من قانون المعاملات الإلكترونية الأردني حيث نصت على أنه “الاتفاق الذي يتم انعقاده بوسائط إلكترونية كليا أو جزئيا”[2] واعتمادا عل نص المادة السابقة فإن العقد يكون إلكترونيا حتى ولو لم يتم كله بوسائل إلكترونية وإنما يكفي لاعتباره عقدا إلكتروني استخدام الوسائط الإلكترونية في جزء منه.

فالعقد الإلكتروني إذا هو عقد يخضع في تنظيمه للقواعد والأحكام العامة التي تنظمها النظرية العامة للعقد التقليدي إلا أنه وبفعل التطور التكنولوجي وتأثيره على صعيد العقود وخاصة العقود التجارية، أدى ذلك إلى بروز بعض الخصائص التي تميز العقد الإلكتروني عن باقي العقود الأخرى فهو عقد حر لا حدود له من الزمان والمكان كما أنه من العقود التي تروج السلع والخدمات باستخدام وسائل الاتصال والمعلوماتية الحديثة.

الفرع الثاني: خصائص العقد الإلكتروني

تتعدد الخصائص المتعلقة بالعقد الإلكتروني والتي تميزه عن باقي العقود الأخرى ومن أهم هذه الخصائص أو المميزات كونه يتم بين طرفيه عن بعد “استخدام الوسائط الإلكترونية “وكونه ذا طابع دولي، ومتصف بالصفة التجارية غالبا، وسندرس كل خاصية من هذه الخصائص في نقطة منفردة:

الخاصية الأولى: استخدام وسائل الاتصال الحديثة

شبكة الانترنت” التي تساهم جهات متخصصة بتقديم خدمة المصادقة الإلكترونية الحاصلة على التزكية القانونية من طرف السلطة الوطنية المكلفة باعتماد ومراقبة المصادقة الإلكترونية واحترام بعض الأساليب التقنية التي ينفرد بها كل مستخدم على حدة فتستعمل الشفرة التقنية ومقدمو هذه الخدمة يضمنون نوعا من الحماية لزبنائهم الحائزين على شواهد إلكترونية.

وتعرف الانترنت بأنها “شبكة هائلة من أجهزة الكومبيوتر المتصلة فيما بينها بواسطة خطوط الاتصال عبر العالم “[3]، كما عرفته المادة الأولى من قانون التوقيع الإلكتروني المصري رقم 15 لسنة 2004 بأنه أداة أو أدوات أو أنظمة إنشاء التوقيع الإلكتروني. كما عرفته المادة الثانية من قانون المعاملات الإلكترونية الأردني، بأنه برنامج الحاسوب أو أي وسيلة أخرى تستعمل من أجل تنفيذ إجراء أو الاستجابة لإجراء، بقصد إنشاء أو إرسال أو تسلم رسالة معلومات، دون تدخل شخصي، ويقترب هذا التعريف من تعريف المادة السابقة بينما تحصر المادة الأولى من قانون المعاملات المصري التعريف في التوقيع الإلكتروني، وتجدر الإشارة إلى أن مصطلح شبكة الاتصال الإلكترونية يأخذ مفهوما واسعا في مجال التعاقد الإلكتروني، فهو ينطبق على كل نوع من أنواع الاتصالات التي يتم التعبير فيها عن الإيجاب بطريقة الصورة أو الصوت أو الإشارة الدالة على محتواها، وينطبق ذلك على الاتصالات التي تجرى بالوسائل السلكية، كما يشمل أجهزة الاتصالات التي تعمل بالموجات الهيرتزية، كما ينطبق كذلك على عروض الإيجاب التي تنقل عبر الأقمار الصناعية [4].

الخاصية الثانية: العقد الإلكتروني ذا طابع دولي

إن أهم سمة تميز تقنية الاتصال الإلكترونية كونها عابرة للحدود حيث تنساب بحرية عبر الحدود دون حاجز فالعلاقات القانونية الناشئة عن المعاملات الإلكترونية لا تنحصر بإقليم أو بدولة واحدة بل تتعدى ذلك لتشمل أرجاء العالم فقد يكون البائع مثلا في فرنسا والمشتري في لبنان والمبيع في كندا، فهذه تعتبر السمة الأبرز في التعاقد الإلكتروني حيث يتم بين متعاقدين لا يجمع بينهما مجلس عقد حقيقي فتبادل الايجاب والقبول يكون من خلال شبكة الانترنت أو الوسائل الأخرى ويكون مجلس العقد في هذا النوع من العقود حكمي افتراضي، واعتبار العقد من العقود المبرمة عن بعد فإن ذلك يتطلب أن يكون متمتعا ببعض القواعد الخاصة غير القواعد التي تتوفر في العقود المبرمة بالطرق التقليدية فالأمر يكون سهلا بالنسبة للعقود التي تبرم بالحضور المادي للأطراف الذي يسمح بضمان بعض المسائل القانونية، أما تبادل التعبير عن الإرادة في العقود المبرمة عن بعد فإنه يثير الشك بالنسبة للعناصر التالية:

  • التحقق من تلاقي الإرادتين
  • استطاعة كل من الطرفين التعرف على أهلية الطرف الآخر
  • التحقق من تاريخ التصرفات والمستندات
  • التحقق من مكان إبرام العقد
  • اعتماد مجموع هذه العناصر وذلك بتوقيع المتعاقدين

ونشير إلى أن اعتبار العقد الإلكتروني من العقود المبرمة عن بعد لا يعني ذلك أنه دائما عقد بين غائبين إذ التباعد المكاني لا ينفي إمكانية توافر مجلس العقد في وقت العقد باستخدام وسائل المحادثة والمشاهدة المباشرة الخاصية.

الخاصية الثالثة: العقد الإلكتروني غالبا ما يكون تجاريا

يتصف العقد الإلكتروني غالبا بالطابع التجاري الاستهلاكي، لذلك يطلق عليه عقد التجارة الإلكترونية، حيث يظهر العقد الإلكتروني بشكل جلي في هذا النوع من المبادلات التجارية، وقد جاءت تلك الصفة من السمة الغالبة لذلك العقد حيث إن عقود البيع الإلكترونية تستحوذ على الجانب الأعظم من مجمل العقود، ويترتب على ذلك أن العقد الإلكتروني يتسم بطابع الاستهلاك لأنه غالبا ما يتم بين تاجر أو مهني ومستهلك[5]، كما عقد الدخول إلى الشبكة يعتبر عقدا مختلطا إذا تم بين مقدم الخدمة التاجر، والعميل الذي يقوم بعمل مدني[6]، وقد غلب مصطلح التجارة الإلكترونية على العقود الإلكترونية ولا يقصد بها تلك التجارة في الأجهزة الإلكترونية بل يقصد بها المعاملات والعلاقات التجارية بين أطراف التصرف.

المطلب الثاني: إشكالية تطبيق الأركان التقليدية على العقود الإلكترونية

إن إشكالية تطبيق الأركان التقليدية ” الرضا ـ المحل ـالسبب “على العقود الإلكترونية تعد من أبرز المواضيع التي ناقشها فقهاء القانون في العصر الحديث ولتوضيح ذلك ندرس الأركان التقليدية بشكل مختصر فرع أول، ثم الإشكال الجوهري مدي إمكانية تطبيق الأركان التقليدية على البيئة الإلكترونية فرع ثان.

الفرع الأول: الأركان التقليدية للعقد

إن أركان العقد الأساسية هي: الرضا والمحل والسبب والأهلية والشكلية وسنقتصر بالدرس على الأركان الثلاثة الأساسية التي تعتبر جوهر العقد

أولا: التراضي

هو توافق إرادة الطرفين بشكل صحيح وخال من عيوب الرضا كالإكراه أو الغلط. وهو ينشأ عن الإيجاب الذي هو عرض التعاقد، والقبول أي الموافقة على ما جاء في الإيجاب بشكل مطابق.

ثانيا: المحل

وهو موضوع العقد أو موضوع الالتزام الذي يتم الاتفاق عليه مثل تسليم شيء أو القيام بعمل أو الامتناع عن عمل ويشترط أن يكون موجودا، ممكنا، معينا، مشروعا.

ثالثا: السبب

هو الغاية أو الهدف الذي يرجوه كل طرف من إبرام العقد، يجب أن يكون السبب مشروعا وغير مخالف للنظام العام أو الآداب

الفرع الثاني: إشكالية تطبيق الأركان التقليدية على العقد الإلكتروني

العقد الإلكتروني هو اتفاق بين طرفين يتم عبر وسائط إلكترونية كالإنترنت والبريد الإلكتروني والمنصات الرقمية أو غيرها، ويتضمن نفس المضمون الذي تتضمنه العقود التقليدية وإنما يختلف في وسيلة الإبرام والتعبير عن الإرادة فالإشكالية تتجلى في كيفية تطبيق الأركان التقليدية على البيئة الإلكترونية وسنناقش ذلك في دراستنا لأركان العقد الإلكتروني في النقاط التالية:

أولا: الرضا ” الإيجاب والقبول “

من المعروف أن الرضا هو تلاقي إرادة أشخاص قانونيين “طبيعيين أو اعتباريين ” إلا أن آلية تبادل المعلوماتية استحدثت نوعا جديدا من التعاقد الذي يتم بين آليتين دون تدخل من إرادة أطراف التعاقد وهو ما يطلق عليه نظم الحاسوب المؤتمنة[7]، ويشمل الرضا باعتباره تعبير عن الإرادة الإيجاب والقبول وسنتطرق لكل منهما بشيء من التعريف.

أـ الإيجاب الإلكتروني

هو تعبير عن إرادة الراغب في التعاقد عن بعد من خلال استعمال الشبكة العالمية وسيلة سمعية بصرية ويتضمن كل العناصر اللازمة لإبرام العقد بحيث يستطيع من يوجه له الإياب أن يقبل التعاقد مباشرة

ب ـ القبول الإلكتروني

تعبير عن إرادة الطرف الآخر الذي وجه له الإيجاب يبلغ من خلاله الموجب بأنه قبل الإيجاب ويلزم أن يكون هذا التعبير الصادر عن القابل مطابقا للإيجاب وذلك أن يعبر عن القبول بالضغط على زر “أوافق” أو” شراء الآن” أو إرسال رسالة قبول لا أن يكون هناك تعديل في بعض الشروط أو تحفظ آخر.

ثانيا: المحل الإلكتروني “أو موضوع العقد”

المحل هو الشيء أو الخدمة محل التعاقد “مثل سلعة أو خدمة رقمية أو ترخيص برمجيات فالمحل في العقود الإلكترونية لا يختلف كثيرا عن المحل في العقود التقليدية وبالرجوع إلى التقنين المدني يتضح أن المشرع الجزائري أشار في الأحكام المتعلقة بمحل العقد باعتباره الركن الثاني في العقد إلى محل الالتزام بنصه في المادة 92 مدني على أنه “لا يجوز أن يكون محل الالتزام شيئا مستقبلا ومحققا غير أن التعامل في تركة إنسان على قيد الحياة ولو كان برضاه إلا في الأحوال المنصوص عليها في القانون ”

لذا يشترط في المحل أن يكون:

  • موجودا أو قابل للوجود
  • مباحا ومشروعا قانونا
  • معينا أو قابلا للتعيين حتى لا يقع الغرر.

ثالثا: السبب في العقد الإلكتروني

السبب هو الغرض الذي يقصد الملتزم الوصول إليه من وراء إرتضائه التحمل بالالتزام[8]، أو الغاية التي يسعى كل طرق إلى تحقيقها من خلال العقد المبرم، ولذا يعتبر السبب ركنا أساسيا من أركان الالتزام الإرادي ” العقد والإرادة المنفردة ” فالالتزام غير العقدي لا يقوم على إرادة الملتزم حتى يصح السؤال عن الغرض المباشر الذي قصده الملتزم من وراء التزامه. والذي لولاه لما فكر في إبرام العقد.

المبحث الثاني: تحديات العقود الإلكترونية ومظاهر التطور التشريعي لمواجهة العقود الإلكترونية

يعتبر الشخص كامل الحرية فيما يقوم به من تصرفات كما ترتبط خصوصيته ارتباطا وثيقا بتلك الحرية حيث يتطلب ذلك احترام سرية معلوماته الشخصية وعدم انتهاكها ومع تقدم تقنيات المعلومات تزايدت المخاطر التي تهدد هذا الحق من خلال استخدام البيانات الشخصية بطرق غير مشروعة إذ تنتج تقنيات المعلومات تخزين وتحليل كميات هائلة من البيانات مما يسهل انتهاك الخصوصية لذا بات من الضروري وضع نظم قانونية تحمي الحريات الفردية وتضمن أمنها[9] وهذا ما يجعلنا ندرس تحديات العقود الإلكترونية مطلب أول، ثم مظاهر التطور التشريعي لمواجهة العقود الإلكترونية

المطلب الأول: تحديات العقود الإلكترونية

إن المخاطر والتحديات التي تحيط بالعقود الإلكترونية عبر وايب سايت مشكلات وتحديات عديدة بعضها متطور بشكل مستمر يتطلب هذا النوع من التحديات وسائل فعالة وناجعة تحمي الإرادة وتحافظ عليها في ظل البيئة الرقمية التي يتم التعبير فيها عن الإرادة[10]

ويمكن أن نقول بأن هذه التحديات والمخاطر منها ما يتعلق بالعقد أو محل العقد فرع أول، ومنها ما يتعلق بالعاقدين أعني أطراف العقد فرع ثان.

الفرع الأول: التحديات والمخاطر المتعلق بالعقد

إن دراسة المخاطر والتحديات التي تواجه العقود الإلكترونية تأتي في غاية الأهمية خاصة في هذا الوقت الذي لم تصل فيه القوانين المتعلقة بهذه العقود درجة كافية لوضع قواعد آمرة وملزمة لصد هذه التحديات التي تعتبر من أهمها:

  1. أن العقود الإلكترونية تبقى عرضة للاختراق والسرقات الرقمية مما يؤدي إلى فقدان المعلومات الحساسة أو تعديلها، كما أنه من الممكن تزوير المستندات الإلكترونية أو تعديلها بطرق غير مشروعة مما يهدد مصداقية العقد.
  2. أن القوانين المتعلقة بالعقود الإلكترونية تختلف من دولة إلى أخري لأن العقد الواحد قد تطبق عليه قواعد قانونية لعدة دول للطابع الدولي الذي يتميز به وهو ما ذكرناه في حديثنا عن العقد الإلكتروني، مما يؤدي إلى خلق تحديات في تنفيذ العقود الإلكترونية عبر الحدود.
  3. أن الغموض الذي يكتنف بعض القوانين المتعلقة بالعقود الإلكترونية قد يؤدي إلى تفسيرات متباينة ويعقد إجراءات التقاضي[11]

الفرع الثاني: التحديات والمخاطر بالنسبة للمتعادين “الأطراف”

إن أبرز التحديات والمخاطر التي تواجه الأطراف المتعاقدين تتمثل فيما يلي:

  1. صعوبة التأكد من هوية الأطراف المتعاقدة عبر شبكة الانترنت لأن التصرف الذي هم في صدد القيام به ربما يكن الأول لهما فلا تكون هناك معرفة مسبقة بينهما، وبناء على ذلك قد لا تتوفر أهلية التعاقد لدى أحد الأطراف أو كليهما، كما قد يتعامل أحدهما بحساب وهمي، وهو ما قد يؤدي إلى إبرام عقود غير ملزمة أو مشتملة على حالات احتيال، كما تتجلى المخاطر والتحديات عند مرحلة التسليم.
  2. الغموض الذي يلف حقوق وواجبات الأطراف في حالة عدم الوفاء بالعقد مما يؤدي إلى نزاعات قانونية[12]،أي قيام المسؤولية العقدية.

المطلب الثاني: مظاهر التطور التشريعي لمواجهة العقود الإلكترونية

لقد شهد العالم تطورا كبيرا على مستوى القاعد القانونية المنظمة للعقود الإلكترونية نتيجة الحاجة الماسة إلى تكييف القواعد التقليدية مع البيئة الرقمية على المستويين الدولي والعربي، فعلى المستوى الدولي اعتمدت قوانين نموذجية دولية مثل قانون الأونسيترال لتوفير اعتراف قانوني بالعقود والتوقيعات والوثائق الإلكترونية، وعلى المستوى العربي تسعى التشريعات إلى تحديث القوانين التجارية للاعتراف بالتعاقد عن بعد، ووضع قواعد لحل النزاعات الدولية الناشئة عن هذه العقود، وسندرس أبرز مظاهر التطور التشريعي بالنسبة للعقد الإلكتروني فرع أول، ثم ما يتعلق بإثبات هذه العقود “تنظيم التوقيع الإلكتروني” فرع ثان

الفرع الأول: أبرز مظاهر التطور التشريعي بالنسبة للعقد الإلكتروني

إن الاعتراف بالعقود المبرمة إلكترونيا كعقود صحيحة وملزمة مثل العقود الورقية التقليدية وما شهدته التشريعات من إنشاء للقوانين الخاصة بهذا الموضوع، والتعديلات التي طرأت على بعض القوانين المدنية والتجارية في العديد من الدول لتأكيد أن الرضا الإلكتروني “كالنقر على موافقة ” يعد به قانونا كل ذلك يعتبر مظهرا من مظاهر التطور التشريعي للعقود الإلكترونية، ونذكر من مظاهر هذا التطور تشريعات بعض الدول التي جسدت هذا التطور وكانت قوانينها مظهرا بارزا لذلك ومن أهم ذلك:

1ـ القانون النموذجي للأونسيترال بشأن التجارة الإلكترونية 1996

العقد الإلكتروني حسب هذا القانون هو الذي يتم التعبير عن الإرادة فيه بين المتعاقدين باستخدام الوسائل المحددة في المادة 2 فقرة 1 ـ 2 وهذه الوسائل هي:

ـ نقل المعطيات من كومبيوتر إلى كومبيوتر آخر وفقا لنظام عرض موحد

ـ نقل الرسائل الإلكترونية باستعمال قواعد عامة أو قواعد قياسية

النقل بالطريقة الإلكترونية للنصوص باستخدام الانترنت أو عن طريق استعمال تقنيات أخرى كالتلكس والفاكس[13].

2 ـ التوجيه الأوروبي

لقد جاء في التوجيه الأوروبي الصادر عن البرلمان والمجلس الأوروبي الصادر في 20 مايو 1997 باسم التعاقد عن بعد ما يمكن اعتباره تعريفا للعقد الإلكتروني حيث عرفت المادة الثانية من هذا التوجيه العقد عن بأنه “كل عقد يتعلق بالبضائع أو الخدمات أبرم بين مورد ومستهلك في نطاق نام لبيع أو تقديم خدمات عن بعد نظمه المورد الذي يستخدم لهذا العقد فقط تقنية أو أكثر للاتصال عن بعد لإبرام عقد وتنفيذه”[14].

3 ـ القانون الفرنسي

قام المشرع الفرنسي بتحديد مفهوم العقد الإلكتروني بناء على تعريفه للعقد المبرم عن في ضوء قانون الاستهلاك الفرنسي بالإضافة إلى تناول تعريف التجارة الإلكترونية في المادة 14 من القانون المتعلق بالثقة في الاقتصاد الرقمي وهو ما يسمى أيضا بقانون التجارة الإلكترونية على أنها ” نشاط اقتصادي يقوم شخص من خلاله بتأكيد تبادل السلع أو الخدمات عن بعد بطريقة إلكترونية “.

4 ـ القانون التونسي

لقد أشار المشرع التونسي في نص الفقرة الثانية من الفصل الأول من القانون رقم 83 لسنة 2000 إلى تعريف المبادلات الإلكترونية على أنها “المبادلات التي تتم باستخدام الوثائق الإلكتروني”

فكل هذه القوانين تعبر من مظاهر التطور التشريعي، إذ عند تتبعنا لها نجد أنها إما قوانين أنشئت لتنظيم العقود الإلكترونية أو تم تعديلها لمواكبتها.

الفرع الثاني: إثبات العقود الإلكترونية “تنظيم التوقيع الإلكتروني “

لقد صدرت عدة تشريعات تعتد بالتوقيع الإلكتروني كوسيلة لإثبات الهوية والرضا كما تم وضع معايير تقنية لضمان سلامة التوقيع وعدم إمكانية تزويره أو إنكاره وسنبرز بعض القوانين التي اعتدت بالتوقيع الإلكتروني كوسيلة للإثبات في النقاط التالية:

أولا: قانون التوقيع الإلكتروني المصري 2004

حيث عرف التوقيع الإلكتروني في الفقرة الثالثة من المادة 1 حيث تنص على أن التوقيع الإلكتروني ” ما يوضع على محرر إلكتروني ويتخذ شكل حروف أو أرقام أو رموز أو إشارات أو غيرها ويكون له طابع متفرد يسمح بتحديد شخص الموقع ويمزيه عن غيره “.

كما نصت المادة 17 من القانون المذكور أعلاه على تمتع التوقيع الإلكتروني بالحماية الإثباتية عند توفر شروط معينة ” يتمتع التوقيع الإلكتروني والمحررات الإلكترونية بالحجية في الإثبات إذا ما توافرت فيها الشروط الآتية:

أـ ارتباط التوقيع بالموقع وحده دون غيره

ب ـ سيطرة الموقع وحده دون غيره على الوسيط الإلكتروني

ج ـ امكانية كشف أي تعديل أو تبديل في بيانات المحرر أو التوقيع الإلكتروني”.

ثانيا: القانون المغربي

لم يعرف المشرع المغربي التوقيع الإلكتروني وإنما اكتفى بتحديد شروط صحته من خلال مقتضيات المادة 6 من القانون 53.05 وهذا عكس ما رأيناه بالنسبة للقانون المصري الآنف الذكر أما من حيث الإثبات فقد اعتبر المشرع المغربي التوقيع وسيلة إثبات متى توافرت شروط نص عليها في المواد 5ـ6ـ7.من القانون رقم 20ـ43 وهي:

1 ـ أن يكون خاصا بصاحب التوقيع

2 ـ أن يسمح بتحديد هوية الموقع

3 ـ أن يتم إنشاؤه بواسطة معطيات إنشاء التوقيع الإلكتروني.

ثالثا: القانون الجزائري

يعرف القانون الجزائري التوقيع الإلكتروني بأنه مجموعة من البيانات الإلكتروني الملحقة أو المرتبطة منطقيا برسالة إلكترونية تستخدم لغرض التوثيق هوية الموقع وإثبات قبوله لمضمون تلك الرسالة، أما من الإثبات فإن التوقيع الإلكتروني يعتبر دليلا كتابيا يثبت صحة المعاملات الإلكترونية شرط أن يتيح التحقق من هوية مصدره وأن يمون معدا ومحفوظا في ظروف تضمن سلامته.

رابعا: القانون الأردني

لقد ورد تعريف التوقيع الإلكتروني في قانون المعاملات الإلكتروني الأردني المنظم للتوقيع الإلكتروني في المادة الثانية منه حيث نصت على أن التوقيع الإلكتروني هو ” البيانات التي تتخذ كهيئة حروف أو أرقام أو رموز أو إشارات أو غيرها وتكون مدرجة بشكل إلكتروني أو ورقي أو صوتي أو أية وسيلة أخر مماثلة في رسالة معلومات أو مضافة عليها أو مرتبطة “.

  1. ـ أسامة أبو أحمد مجاهد: “خصوصية التعاقد الإلكتروني عبر الانترنت بحث مقدم لمؤتمر القانون والكمبيوتر والانترنت بكلية الشريعة “ص 39
  2. ـ أسامة أبو الحسن مجاهد التعاقد عبر الانترنت دار الكتب القانونية مصر طبعة 2002ص 5و6
  3. ـ ماجد سليمان العقد الإلكتروني ص 38
  4. خالد ممدوح إبراهيم مرجع سابق ص: 538
  5. ـ ماجد سليمان العقد الإلكتروني مرجع سابق ص 38
  6. _ الياس ناصيف العقد الإلكتروني ص 43
  7. ـ عبد الفتاح عبد الباقي موسوعة القانون المدني المصري نرية العقد والإرادة المنفردة 1984 ص 428
  8. ـ د. إبراهيم سيد أحمد قانون التجارة الإلكتروني الناشر الدار الجامعية 2005 ص 420
  9. ـجويلي سعيد سالم: الحق في الخصوصية للمستهلك في التجارة الإلكترونية المؤتمر الدولي لقانون الانترنت نحو علاقة قانونية وإدارية واقتصادية وسياسية واجتماعية جديدة المنظمة العربية للتنمية الإدارية مصر 2005ص 234
  10. ـ مجلة البحوث الفقهية والقانونية العدد التاسع والثلاثون اصدا ر أكتوبر 2022 ص 641
  11. ـ رهف أشرف قنابيطة العقد الإلكتروني في القانون المدني: الطبيعة القانونية وأحكامه العامة
  12. ـ الشبكة القانونية العربية فروع القانون الخصوصية وحماية البيانات، الانترنت 2007/9/25
  13. انظر عبد الفتاح بيومي حجازي التجارة الإلكترونية في القانون العربي النموذجي لمكافحة جرائم الكومبيوتر والانترنت الطبعة الأولى 2006 دار الفكر الجامعي ص 26و27
  14. العقد الإلكتروني ماجد سليما أبا الخيل الطبعة الأولى 2009 ص 17.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى