القانون الجنائيفي الواجهةمقالات قانونية

الصلح الجنائي في ضوء التعديلات الأخيرة: بين تيسير الإجراءات وحماية الحقوق.- غزلان مبروك

“ الصلح الجنائي في ضوء التعديلات الأخيرة: بين تيسير الإجراءات وحماية الحقوق.”

غزلان مبروك

خريجة ماستر المهن القانونية و القضائية

 

 

ملخص باللغة العربية

يُعد الصلح الجنائي، المنظَّم بموجب المادة 41-1 من قانون المسطرة الجنائية، آلية محورية في العدالة التصالحية، تهدف إلى تحقيق التوازن بين متطلبات تيسير الإجراءات وضمان حماية الحقوق. وقد أسهم هذا التعديل في سحب الجنح البسيطة (سنتين حبساً أو أقل) من قضاء الحكم، بفضل تطبيقه حصرياً قبل تحريك الدعوى واعتماده على آليات كالوساطة، مع وقف مدة تقادم الدعوى. ومن الناحية الحقوقية، يرتكز الصلح على التراضي الاختياري، ويضمن حق الأطراف في الاستعانة بالمحامي، مع التأكيد على أنه لا يمس بقرينة البراءة. وتظل سلطة وكيل الملك هي الضامن النهائي، حيث يراقب تنفيذ الالتزامات (التعويض وأداء الغرامة(ويحتفظ بحق إعادة تحريك الدعوى العمومية في حال عدم التنفيذ أو ظهور عناصر جديدة، مما يُكرّس عدالة فعالة ومُراقبة.

La conciliation pénale (ou médiation pénale), régie par l’article 41-1 du Code de Procédure Pénale (CPP), est un mécanisme pivot de la justice restauratrice visant à atteindre un équilibre entre les exigences de la simplification des procédures et la garantie de la protection des droits. Cette modification a contribué à désengorger les juridictions en retirant des affaires de délits mineurs (punis de deux ans d’emprisonnement au plus) du jugement, grâce à son application exclusive avant l’engagement de l’action publique, à l’adoption de mécanismes tels que la médiation, et à la suspension du délai de prescription de l’action publique. D’un point de vue légal et des droits, la conciliation repose sur le consentement volontaire des parties et garantit leur droit à l’assistance d’un avocat, tout en soulignant qu’elle ne porte pas atteinte à la présomption d’innocence. Enfin, l’autorité du Procureur du Roi demeure le garant ultime, celui-ci veillant à l’exécution des engagements (indemnisation et paiement de l’amende) et conservant le droit de reprendre l’action publique en cas de manquement aux obligations ou d’apparition de nouveaux éléments, consacrant ainsi une justice efficace et encadrée.

مقدمة

شهدت المنظومة الجنائية الحديثة تحولاً جذرياً في فلسفتها، إذ لم تعد تقتصر على المنطق العقابي والردعي المجرد، بل اتجهت نحو تبني مفاهيم العدالة التصالحية والبدائل عن المتابعة. يأتي هذا التوجه استجابة لضرورات عملية وحقوقية، ترمي إلى تحقيق نجاعة قضائية أسرع وأكثر مرونة، مع الحفاظ على حق المتضرر في جبر الأضرار وتفادي الآثار السلبية وطول أمد المحاكمات.

ويُعد الصلح الجنائي أحد أبرز وأهم الآليات التي جسدت هذا التحول في التشريع المغربي، حيث يمثل حلاً ودياً ومرضياً لإنهاء النزاع الجنائي في بعض الجنح البسيطة، قبل أن تضع الدعوى العمومية أوزارها أمام قضاء الحكم. لقد حظيت مسطرة الصلح بتنظيم دقيق ومفصَّل بموجب المادة 41-1 من قانون المسطرة الجنائية، وهي المادة التي رسمت معالم هذه المسطرة، وحددت شروط تطبيقها ونطاقها بدقة، خاصة فيما يتعلق بالجنح التي لا تتجاوز عقوبتها سنتين حبساً أو بعض الجرائم المحددة بنص خاص.

وتكتسي دراسة الصلح أهمية قصوى في سياق الإصلاحات القانونية الراهنة، فهو يمثل نقطة تلاقي بين هدفين استراتيجيين: تيسير العمل القضائي وتخفيف العبء عن المحاكم، وفي الوقت ذاته، تعزيز الحماية الحقوقية للأطراف من خلال إشراكهم في صياغة الحل والتراضي عليه.

ومن الناحية العملية، تظهر أهمية هذه الآلية كونها أضحت تستوعب جزءاً كبيراً من الجنح الضبطية التي تُشكّل ضغطاً على الجهاز القضائي، وتمنح النيابة العامة سلطة الملائمة التقديرية لإيقاف مسار الدعوى العمومية متى تحقق الرضا المتبادل والتنفيذ السليم للالتزامات المتفق عليها. كما أن الصلح يفتح الباب لتوظيف فكرة الوساطة الجنائية والاستعانة بمكتب المساعدة الاجتماعية، مما يوسع من الأفق الاجتماعي للعدالة بدلاً من حصرها في المنطق العقابي الصارم.

انطلاقاً من التحدي المتمثل في الموازنة بين هذين الهدفين، فإن الإشكالية المحورية التي تسعى هذه الدراسة للإجابة عنها تتبلور في التساؤل التالي:

إلى أي حد نجح المشرع المغربي، من خلال مقتضيات المادة 41-1 من قانون المسطرة الجنائية، في تحقيق التوازن المنشود بين متطلبات تيسير وتبسيط الإجراءات الجنائية، وبين ضمان وحماية الحقوق الدستورية والقانونية للمشتكى به والمتضرر في إطار العدالة التصالحية؟

المحور الأول: الصلح الجنائي كآلية لتيسير الإجراءات وتبسيطها (الغاية الإجرائية)

يركز هذا المحور على الجانب العملي والتخفيفي للمسطرة، والذي يخدم سرعة البت في الملفات.

الفقرة الأولى توسيع نطاق الجرائم التي يشملها الصلح

يُعد توسيع نطاق الجرائم التي يشملها الصلح، المنصوص عليه في المادة 41-1 من قانون المسطرة الجنائية، الآلية الأبرز لتحقيق غاية تيسير الإجراءات وتخفيف العبء عن القضاء. لقد تجاوز المشرع مفهوم الصلح التقليدي، الذي كان محصوراً في نطاق ضيق جداً من المخالفات وبعض الجنح الخفيفة، ليجعل منه بديلاً فعالاً عن المتابعة.

أولاً: نطاق الجنح المشمولة ومعيار العقوبة:

قانونياً، يشمل الصلح صنفين أساسيين من الجرائم:

الجنح العامة البسيطة: تلك التي يعاقب عليها القانون بـ سنتين حبساً أو أقل، أو بغرامة لا يتجاوز حدها الأقصى مائة ألف درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط وهنا يبرز التمييز عن الجنح التأديبية التي يزيد حدها الأقصى عن سنتين .

هذا المعيار الإجرائي يتفق بشكل كبير مع الجنح الضبطية التي لا يتجاوز حدها الأقصى سنتين، أو تعاقب بغرامة تزيد عن 1.200 درهم.

الجنح المحددة حصرياً: وهي جنح مذكورة بأرقام فصولها، سواء في المجموعة الجنائية أو في قوانين خاصة مثل مدونة التجارة (المادة (316)حيث أجاز المشرع الصلح فيها بشكل صريح بغض النظر عن سقف عقوبتها الحبسية أو الغرامية، ما دامت ترتبط بطبيعتها الخاصة (كجرائم الشيك بدون مؤونة أو جنح خيانة الأمانة البسيطة المحددة)

ثانياً: القيمة المضافة الإجرائية:

لقد ساهم هذا التوسع في سحب عدد كبير من القضايا البسيطة من قضاء الحكم ، مما يُعد قيمة مضافة قصوى على مستوى النجاعة القضائية، ويوفر الوقت والجهد على المحاكم الابتدائية التي تختص بالنظر في الجنح والمخالفات. فالصلح بهذا المعنى يعمل كـ فلتر قضائي يوقف مسار الدعوى العمومية في أولى مراحله (مرحلة البحث التمهيدي)، شريطة التحقق من تنفيذ الاتفاق، دون الحاجة إلى اللجوء لمسطرة التحقيق التي تكون إجبارية في بعض الحالات وتبقى اختيارية في الجنح. وهذا التخفيف الإجرائي يتيح للمحاكم التفرغ للقضايا الأكثر خطورة (الجنايات والجنح التأديبية)

ثالثاً: مسطرة الصلح المنفرد (في غياب المتضرر)

لم يقتصر التيسير الإجرائي على تراضي الطرفين، بل شمل أيضاً حالة غياب المتضرر أو عدم وجود مشتكٍ أصلاً. حيث يمكن لوكيل الملك أن يقترح الصلح على المشتكى به أو المشتبه فيه فقط. ويتمثل هذا الصلح المنفرد في أداء غرامة لا تتجاوز نصف الحد الأقصى المقرر للجريمة أو إصلاح الضرر. هذا المقتضى يُكرّس سلطة وكيل الملك التقديرية (سلطة الملائمة)، ويتيح له إصدار قرار صلح في جرائم الحق العام التي لا يكون فيها متضرر مباشر حاضراً، مما يضمن معالجة سريعة لبعض الأفعال دون إطالة مسطرة المتابعة الرسمية.

الفقرة الثانية تبسيط الإجراءات و تسريعها

يُعد تبسيط الإجراءات وتسريعها الهدف العملي الأساسي لمسطرة الصلح المنصوص عليها في المادة 41-1، وهي غاية تتحقق من خلال اختصار المراحل القضائية والإجرائية التقليدية المعقدة.

1. الإنجاز في مرحلة ما قبل الدعوى العمومية:

تُطبق مسطرة الصلح حصرياً في مرحلة البحث الأولي وقبل تحريك الدعوى العمومية. وهذا التوقيت بالغ الأهمية، حيث يجنب القضية الدخول في متاهة الإجراءات الطويلة التي تشمل: التحقيق الإعدادي (الذي قد يكون إلزامياً أو اختيارياً حسب نوع الجنحة )، وإجراءات المحاكمة العلنية، وتبادل المذكرات، واستئناف الأحكام. وبتحقيق الصلح، يتم وقف إقامة الدعوى العمومية نهائياً (إذا تم تنفيذ الالتزامات)، مما يختصر على الأطراف عناء التقاضي والمصاريف المترتبة عنه، ويُخفف العبء الإجرائي الهائل على النيابة العامة وقضاء الحكم، خاصة في المحاكم الابتدائية التي تختص بالنظر في الجنح والمخالفات.

2. دور الوساطة والمساندة الاجتماعية:

لضمان سرعة التوصل إلى اتفاق مُرضٍ، أتاحت المادة 41-1 لوكيل الملك إمكانية الاستعانة بآليات مساعدة ترفع عنه العبء المباشر لتسهيل المفاوضات:

  • الوساطة: يمكن لوكيل الملك أن يعهد بمسطرة الصلح إلى وسيط أو أكثر، سواء كان مقترحاً من الأطراف أو مختاراً منه، أو حتى يعهد بها إلى محامي الطرفين، مما يُسرّع عملية التفاهم ويضمن التوصل إلى صيغة اتفاق متوازنة.
  • المساعدة الاجتماعية: يمكن لوكيل الملك أيضاً الاستعانة بخدمات مكتب المساعدة الاجتماعية في المحكمة، الذي يتدخل لتحليل خلفيات النزاع وتقديم الدعم الاجتماعي والقانوني، مما يضمن أن الصلح ليس مجرد إجراء شكلي، بل حل فعال ومناسب لحالة الأطراف.
  1. أثر الصلح على التقادم (ضمان الفعالية)

لضمان فعالية مسطرة الصلح وعدم ضياع حق المتابعة في حال فشل الاتفاق أو عدم تنفيذه، نص المشرع صراحة على أن تتوقف مدة تقادم الدعوى العمومية بكل إجراء يرمي إلى إجراء الصلح أو إلى تنفيذه.

وهذا المقتضى بالغ الأهمية، حيث يُحصّن النيابة العامة من خطر انقضاء الدعوى العمومية بالتقادم أثناء فترة المفاوضات أو التنفيذ، علماً بأن مدة تقادم الجنح هي أربع سنوات. وبالتالي، فإن وقف التقادم يُشجع الأطراف على الدخول في المسطرة والتفاوض بهدوء دون خوف من سقوط حق المتابعة في حال إخفاق الصلح، مما يضمن للنيابة العامة إمكانية إقامة الدعوى العمومية في حالة عدم تنفيذ المشتكى به لالتزاماته أو ظهور عناصر جديدة تمس الدعوى

المحور الثاني :الصلح الجنائي كضمانة لحماية الحقوق ( الغاية الحقوقية)

يركز هذا المحور على الضمانات الممنوحة للأطراف لضمان عدالة الاتفاق وعدم الإضرار بحقوقهم.

الفقرة الأولى ضمانات حقوق الأطراف وحرية الإرادة:

1 التراضي وحرية الإرادة كأساس للصلح:

الضمانة الأولى والأهم هي أن الصلح يقوم على مبدأ التراضي الاختياري بين المتضرر والمشتكى به. فمسطرة الصلح هي إجراء اختياري، حيث يقتَرح وكيل الملك هذا الحل، ولكنه لا يُلزِم به الطرفين. هذه الحرية الإرادية تُبعد المسطرة عن أي شبهة بالإكراه أو الضغط، وتؤكد على أن الهدف هو الوصول إلى حل مرضي ومستدام للنزاع. إن إرادة الأطراف هي التي تحدد محتوى اتفاق الصلح، بما يتضمنه من تعويضات أو التزامات إصلاحية، وهذا يكرس فعلياً مفهوم العدالة التصالحية التي تعطي الكلمة للضحية والجاني لإدارة نتيجتهما.

2. حق الاستعانة بالمحامي (ضمانة للتوازن القانوني)

لضمان صحة الاتفاق وتوازنه القانوني، كفل المشرع حق الأطراف في الاستعانة بمحاميهما أثناء تحرير محضر الصلح، إلا إذا تنازل الأطراف أو أحدهما عن ذلك. هذا الحضور لا يُعدّ إجراءً شكلياً، بل هو ضمانة أساسية تهدف إلى:

المشورة القانونية: التأكد من أن الأطراف يدركون التداعيات القانونية للصلح (كأداء الغرامة أو إسقاط الدعوى)

حماية الحقوق: الموازنة بين قوة النيابة العامة أو المتضرر، والتأكد من أن الالتزامات المفروضة على المشتكى به عادلة ومناسبة للوقائع.

صياغة دقيقة: صياغة محضر الصلح بلغة قانونية سليمة تضمن تنفيذ الاتفاق بشكل لا يثير نزاعاً لاحقاً.

.3 مبدأ البراءة وعدم اعتبار الصلح إدانة:

من أهم الضمانات الحقوقية أن الصلح الجنائي، حتى لو تضمن أداء غرامة أو تعويضاً، لا يمس بقرينة البراءة للمشتكى به. بمعنى، أن إتمام الصلح والالتزام بما فيه لا يُعد حكماً بالإدانة، ولا يُسجل في السجل العدلي للمشتكى به كسابقة قضائية. هذه النقطة بالغة الأهمية لأنها تشجع المشتكى به على سلوك هذا الطريق دون خوف من الوصم الاجتماعي أو المهني الذي يترتب عادة عن الأحكام الجنائية النهائية. فالصلح هنا هو بديل عن الإدانة، وليس إدانة في حد ذاته. هذه الحماية تعزز ثقة الأفراد في المسطرة كحل فعلي يراعي مستقبَلهم الاجتماعي والمهني.

الفقرة الثانية سلطة النيابة العامة في الرقابة والتنفيذ (ضمانة لحق الدولة والمجتمع)

على الرغم من أن مسطرة الصلح تظهر كآلية تصالحية بين الأطراف، إلا أن سلطة النيابة العامة (وكيل الملك)تبقى هي الضامن الأساسي لتحقيق الأهداف العامة للعدالة وحماية حقوق الدولة والمجتمع. فوكيل الملك هو الجهة التي تضفي الصبغة الرسمية والقانونية على الاتفاق، وتمارس رقابة فعالة على محتواه وتنفيذه.

  1. الرقابة على محتوى اتفاق الصلح (حماية حقوق متعددة)

يمارس وكيل الملك رقابة مزدوجة على محضر الصلح:

حماية حق المتضرر: التأكد من أن الاتفاق يتضمن تعويضاً عادلاً للمتضرر أو إصلاحاً للضرر الناتج عن الجريمة (إن كان حاضراً)مما يحول دون إفلات المشتكى به من المسؤولية المدنية.

حماية حق الدولة والمجتمع: يجب أن يتضمن محضر الصلح، عند الاقتضاء، التزام المشتكى به بأداء غرامة مالية لصالح الخزينة العامة، بشرط ألا تتجاوز نصف الحد الأقصى للغرامة المقررة قانوناً للجريمة. هذه الغرامة تضمن أن المسطرة لا تُفقد الجانب الردعي العام، وتشكل اعترافاً رمزياً بالمسؤولية الجنائية تجاه المجتمع. كما أن هذه الرقابة تمنع إبرام اتفاقات تتعارض مع النظام العام أو الآداب.

2التحقق من التنفيذ كشرط لإيقاف الدعوى:

إن الأثر المترتب على الصلح (وهو وقف إقامة الدعوى العمومية) لا يتحقق بمجرد توقيع المحضر، بل هو مشروط بـ تنفيذ اتفاق الصلح. ويناط بوكيل الملك مهمة التحقق من هذا التنفيذ. هذا الإجراء يضمن جدية المسطرة، ويحمي المتضرر من مماطلة الطرف الآخر، فإذا ما نفذ المشتكى به جميع التزاماته( أداء الغرامة والتعويض)، تصبح الدعوى العمومية منقضية في الواقع.

3إمكانية الرجوع إلى الدعوى العمومية( صمام أمان)

تُعدّ إمكانية إعادة تحريك الدعوى العمومية من قبل وكيل الملك بمثابة صمام الأمان الذي يضمن عدم استغلال مسطرة الصلح للإفلات من العقاب في حال تبخر الجدية أو ظهور حقائق جديدة. ويتم ذلك في حالتين رئيسيتين:

  • حالة عدم التنفيذ: إذا لم ينفذ المشتكى به الالتزامات التي تعهد بها في محضر الصلح، فإن مبرر وقف الدعوى يزول، وبالتالي يعود لوكيل الملك الحق في إقامة الدعوى العمومية، وهذا حماية مباشرة لحق المتضرر في التعويض وتنفيذ التعهدات.
  • ظهور عناصر جديدة: يمكن لوكيل الملك أيضاً تحريك الدعوى إذا ظهرت عناصر جديدة تمس الدعوى العمومية (كأن تظهر وقائع أشد خطورة مرتبطة بالجريمة، أو أن يتم اكتشاف أدلة لم تكن متاحة وقت الصلح وهنا تبرز حماية حق المجتمع في معاقبة الجرائم الخطيرة بشكل عادل وكامل.

وبالإضافة لذلك، تتوقف مسطرة الصلح عن إقامة الدعوى العمومية فقط، لكنها لا تمنع المتضرر من اللجوء إلى القضاء المدني للمطالبة بالتعويضات المدنية في حال لم يشملها الصلح، إلا أن الاتفاق عادة ما يُصاغ ليشمل التنازل عن الشق المدني مقابل مبلغ التعويض.

هذا الدور الرقابي لوكيل الملك هو ما يمنح الصلح قوته القانونية ويؤكد أنه ليس مجرد اتفاق خاص، بل إجراء قضائي له أثر على المصلحة العامة.

في الختام، يتضح أن مسطرة الصلح الجنائي، كما نظمتها المادة 41-1 من قانون المسطرة الجنائية، قد رسخت مكانتها كأداة تشريعية محورية وضرورية ضمن منظومة العدالة الجنائية المغربية الحديثة. لقد نجح المشرع، إلى حد كبير، في تحقيق التوازن المطلوب بين متطلبات النجاعة الإجرائية وضرورات الضمانة الحقوقية.

فمن جهة، حقق الصلح غاية تيسير وتبسيط الإجراءات عبر توسيع نطاقه ليشمل الجنح البسيطة والمحددة حصراً، وضمان سريانه في مرحلة ما قبل تحريك الدعوى العمومية، مع الاستفادة من آليات الوساطة والمساعدة الاجتماعية. وهذا التوقيت الحاسم يؤدي إلى تخفيف العبء عن القضاء ووقف أثر تقادم الدعوى، مما يضمن معالجة سريعة وفعالة لمئات الملفات.

ومن جهة أخرى، حافظت المسطرة على حماية الحقوق الدستورية والقانونية للأطراف. إذ إن الصلح يقوم على قاعدة التراضي الاختياري ويُكفل فيه حق الاستعانة بالمحامي، والأهم من ذلك، أنه لا يمس بقرينة البراءة للمشتكى به. وتكتمل هذه الحماية بالدور الرقابي لوكيل الملك، الذي يضمن التنفيذ السليم للالتزامات المالية والمدنية، ويملك صلاحية إعادة تحريك الدعوى العمومية في حال الإخلال بالتنفيذ أو ظهور عناصر جديدة، ما يُعدّ صمام أمان لحق المتضرر وحق المجتمع في العدالة.

وعليه، يمكن القول إن المادة 41-1 لم تكتف بتقديم بديل عن المتابعة، بل دشنت مساراً نحو عدالة تصالحية مُراقبة، تضع مصلحة الأطراف المتنازعة في صلب الاهتمام دون التفريط في سلطة الدولة ورقابتها على تطبيق القانون، مما يؤكد فعالية الإصلاحات التشريعية في تحقيق عدالة سريعة وعادلة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى