انتكاس مفهوم الضمانات العينية عند التوزيع إلى حين قفل مسطرة التصفية القضائية للمقاولة – محمد الموساوي
انتكاس مفهوم الضمانات العينية عند التوزيع إلى حين قفل مسطرة التصفية القضائية للمقاولة
The Regression of the Concept of Real Security Interests during the Distribution of Assets until the Closure of Corporate Judicial Liquidation Proceedings
محمد الموساوي
خريج ماستر المنازعات والتحولات الرقمية
جامعة عبد المالك السعدي، كلية الحقوق بتطوان.
Mohamed El Moussaoui
Graduate of the Master’s Program in Disputes and Digital Transformations.
Abdelmalek Essaâdi University, Faculty of Law, Tetouan.
ملخص باللغة العربية:
تُعد الضمانات العينية، ولا سيما الرهون الرسمية والامتيازات، من أهم وسائل حماية الائتمان بفعل حقي الأولوية والتتبع الذي تتمتع به. غير أن هذه الحماية تتراجع عند إخضاع المقاولة لمسطرة التصفية القضائية، حيث تتغلب المصلحة الجماعية للدائنين على الحماية الفردية.
ويتجلى هذا الانتكاس في خضوع الدائنين المرتهنين لآلية التوزيع بالمحاصة ومزاحمة ديون ما بعد فتح المسطرة، فضلاً عن تحولهم إلى دائنين عاديين إذا لم تكف حصيلة بيع المال المرهون لاستيفاء كامل الدين. كما يزداد هذا التراجع عند قفل المسطرة بسبب غموض مصير المتابعات الفردية، وبفعل سقوط التزام الكفيل العيني عند عدم التصريح بالدين داخل الأجل القانوني، مما يضعف فعالية الضمانات العينية.
ويخلص البحث إلى أن التشريع المغربي يُغلِّب المصلحة الجماعية على حساب فعالية التأمينات العينية، الأمر الذي يقتضي مراجعة قواعد التوزيع والتصريح بالدين، وتحديد مصير الحقوق بعد قفل التصفية، بما يحقق التوازن بين حماية الائتمان الفردي وأهداف مساطر صعوبات المقاولة.
ملخص باللغة الإنجليزية:
Real security interests, particularly mortgages and statutory privileges, constitute one of the principal mechanisms for protecting credit through the rights of priority and follow-up. However, this protection declines once the debtor company becomes subject to judicial liquidation proceedings, where the collective interest of creditors prevails over individual protection.
This regression is reflected in the subjection of secured creditors to the pro rata distribution mechanism and the competition posed by post-commencement claims, in addition to their conversion into ordinary creditors whenever the proceeds from the sale of the encumbered property are insufficient to satisfy the secured debt in full. This decline becomes even more pronounced upon the closure of the proceedings due to the uncertainty surrounding the fate of individual enforcement actions and the discharge of the real guarantor’s obligation where the creditor fails to declare the debt within the statutory time limit, thereby undermining the effectiveness of real security interests.
The study concludes that Moroccan legislation gives precedence to the collective interest at the expense of the effectiveness of real security interests. It therefore calls for a revision of the rules governing asset distribution and the declaration of claims, as well as a clear determination of the fate of creditors’ rights following the closure of judicial liquidation proceedings, in order to achieve a proper balance between protecting individual credit and fulfilling the objectives of collective insolvency proceedings.
مقدمة:
يشكل الائتمان عصب الحياة التجارية، إذ لا يمكن تصور ازدهار المبادرات الاستثمارية أو استقرار المعاملات التجارية دون وجود آليات قانونية تكفل للدائن الثقة في استرداد حقه عند حلول أجله. ومن هذا المنطلق، أولى المشرع للضمانات العينية مكانة متميزة داخل المنظومة القانونية، باعتبارها الوسيلة الأكثر فعالية في تدعيم الائتمان، لما تمنحه للدائن من حق عيني تبعي يخول له تتبع المال المرهون والتنفيذ عليه، مع تمتيعه بالأولوية في استيفاء دينه قبل غيره من الدائنين. وقد تجسد هذا التوجه في مختلف التشريعات المقارنة، كما كرسه المشرع المغربي من خلال ظهير الالتزامات والعقود، ومدونة الحقوق العينية[1]، ومدونة التجارة[2]، بما يعكس إرادة تشريعية واضحة في إرساء ضمانات قانونية تعزز الثقة في المعاملات وتحمي الاستقرار الاقتصادي.
غير أن هذه الحماية القانونية، وإن بدت متماسكة على المستوى النظري، سرعان ما تواجه تحديات جوهرية عند إخضاع المقاولة لمسطرة التصفية القضائية، حيث تنتقل فلسفة القانون من منطق حماية الائتمان الفردي إلى منطق الحماية الجماعة للدائنين وسعي إلى تحقيق المساواة بينهم، الأمر الذي يفضي إلى إعادة ترتيب المراكز القانونية للدائنين وفق اعتبارات جماعية قد تتعارض مع الامتيازات التي تمنحها الضمانات العينية في ظل القواعد العامة. فبدل أن يظل الرهن أو الامتياز وسيلة تضمن للدائن الاستيفاء الكامل لدينه، يصبح خاضعا لآليات قانونية استثنائية، كالتوزيع بالمحاصة، وأولوية الديون الناشئة بعد الحكم بفتح المسطرة، وقواعد قفل التصفية، وهي آليات تؤدي في كثير من الأحيان إلى تقليص فعالية الضمانة العينية وإضعاف وظيفتها الائتمانية.
ومن هنا يبرز مفهوم انتكاس الضمانات العينية باعتباره واقعة قانونية تعبر عن تراجع الأثر التقليدي للضمانة العينية عند الحكم بمسطرة التصفية القضائية، حيث لم يعد حق الأولوية وحق التتبع كافيين لتحقيق الحماية الكاملة للدائن المرتهن، بل أصبحا يخضعان لقيود مسطرية واستثناءات تشريعية تحول الضمانة من وسيلة تمنح الاستئثار في الاستيفاء إلى مجرد حق احتمالي.
وقد كانت قواعد قانون الإفلاس في ظل القانون التجاري لسنة 1913[3]، تميل إلى تكريس مبدأ سلطان الضمانات العينية، باعتبارها حقوقا لا تتأثر إلا في أضيق الحدود بإفلاس المدين، بحيث كانت ديون الدائنين حاملين للضمانات في ظل هذا النظام مقدسة تستوفى دون مراعاة الدور الاقتصادي والاجتماعي للمقاولة، بحيث كان التاجر يتم استئصاله من الجسم الاقتصادي بمجرد توقفه عن الدفع[4] بغض النظر عن الظروف والملابسات التي أدت إلى توقفه عن الدفع أو البحث عن سبل لتجاوزها، غير أن تطور الفكر القانوني والاقتصادي، أدى إلى الانتقال من فلسفة تصفية التاجر إلى فلسفة حماية المقاولة وضمان المصلحة الجماعية للدائنين، وهو ما انعكس على التشريع المغربي مع صدور مدونة التجارة سنة 1996، ثم تعزز بشكل أوضح مع القانون رقم 73.17 الذي نسخ وعويض الكتاب الخامس من مدونة التجارة، الذي كرس عددا من الآليات الرامية إلى تحقيق التوازن بين حماية الائتمان الفردي ومتطلبات المساطر الجماعية، وإن كان ذلك على حساب القوة التقليدية للضمانات العينية في العديد من الحالات.
ومن هذا المنطلق، تتجلى الأهمية النظرية لهذا الموضوع في كونه يثير إشكالية قانونية دقيقة تتعلق بمدى انسجام القواعد الخاصة بمساطر صعوبات المقاولة مع المبادئ العامة المنظمة للضمانات العينية، خاصة مبدأي الأولوية والتتبع، كما يتيح تقييم مدى نجاح المشرع المغربي في تحقيق التوازن بين فلسفة الائتمان الفردي ومتطلبات جماعية الدائنين، فضلا عن إغناء النقاش الفقهي والقضائي حول حدود الحماية القانونية الممنوحة للدائنين الحاملين للضمانات العينية في مرحلة التصفية القضائية.
أما من الناحية العملية، فتبرز أهمية الموضوع في ارتباطه المباشر بالواقع الاقتصادي والقضائي، ذلك أن فعالية الضمانات العينية تعد من أهم المؤشرات التي يعتمد عليها الفاعلون الاقتصاديون والمؤسسات البنكية في منح التمويل والائتمان. كما أن تضاؤل فعالية هذه الضمانات أثناء التصفية القضائية ينعكس سلبا على ثقة المستثمرين والدائنين في النظام القانوني، ويؤثر في استقرار المعاملات، ويزيد من مخاطر التمويل، فضلا عن كثرة المنازعات العملية المرتبطة بتوزيع حصيلة التنفيذ، وترتيب الدائنين، ومدى استمرار آثار الضمانات العينية بعد قفل المسطرة.
وانطلاقا مما سبق، يثور يمكن طرح الإشكالية المحورية التالية :
كيف استطاع المشرع المغربي تحقيق التوازن بين حماية أصحاب الضمانات العينية ومتطلبات الحماية جماعية للدائنين عند النطق بفتح مسطرة التصفية القضائية؟
ولمقاربة هذه الإشكالية، اعتماد المنهج التحليلي، من خلال تحليل النصوص القانونية المنظمة للضمانات العينية ولمسطرة التصفية القضائية، ولا سيما مقتضيات مدونة التجارة ومدونة الحقوق العينية وظهير الالتزامات والعقود، مع الاستعانة بالمنهج الوصفي لرصد مختلف صور انتكاس الضمانات العينية وآثارها، وبالمنهج المقارن كلما اقتضت الضرورة ذلك، من خلال استحضار بعض أحكام القانون الفرنسي باعتباره المصدر التاريخي الذي استلهم منه المشرع المغربي جانبا مهما من أحكام صعوبات المقاولة.
حاولنا من أجل مقاربة الإشكالية المحورية، تقسم الموضوع إلى مطلبين، تناولنا في المطلب الأول الانعكاس السلبي للتوزيع بالمحاصة على أصحاب الضمانات العينية وتناولنا في المطلب الثاني أثر قفل مسطرة التصفية القضائية على الضمانات العينية.
المطلب الأول: الانعكاس السلبي للتوزيع بالمحاصة على أصحاب الضمانات العينية
إذا كان الأصل في التأمينات العينية هي أنها تخيل لصاحبها حق الأولوية المطلقة في الاستيفاء، فإن إعمال آليات التوزيع النسبي -أو ما يعرف بالمحاصة- يؤدي في كثير من الأحيان إلى انتكاسة ائتمانية تُفرغ هذه الضمانات من محتواها.
ومن جهة أخرى، يتفاقم هذا الوضع بفعل التداخل المعقد بين القواعد الإجرائية المنظمة للتوزيع وبين المبادئ الجوهرية لمسطرة التصفية، لا سيما قاعدة وقف المتابعات الفردية ومدى انسحابها على إجراءات التوزيع التي بلغت مراحلها النهائية، وهو ما يطرح تساؤلا جوهريا حول حدود الحماية القانونية الممنوحة للدائن المرتهن في مواجهة مقتضيات المادة 686 من مدونة التجار؟
إن الانعكاس السلبي لآلية التوزيع بالمحاصة لا يقتصر على مجرد الانتقاص من القيمة المالية للدين، بل يمتد ليمس بالتراتبية التي أرساها المشرع في النصوص العامة كظهير الالتزامات والعقود ومدونة الحقوق العينية فيما يتعلق بحقوق أصحاب الضمانات العينية، حيث يجد الدائن المرتهن نفسه مقيدا بمقتضيات المادة 663 التي تفرض توزيعا بالمحاصة عند تعدد الدائنين[5]، أو أمام آلية الأداء المسبق المنصوص عليها في المادة 662 والتي قد تستنزف حصيلة التنفيذ قبل التوزيع النهائي.
ولا تقف هذه الآثار عند حدود التزاحم بين أصحاب الضمانات العينية أنفسهم، بل تمتد لتشمل العلاقة مع الدائنين العاديين وفق منطوق المادة 665، وذلك عند عدم كفاية ثمن العقار المرهون، حيث يتحول الدائن صاحب الحق العيني التبعي إلى دائن عادي يخضع لقسمة الغرماء فيما بقية من دينه.
وبناء عليه، فإن مقاربة هذه الانعكاسات تستوجب تسليط الضوء على الآثار المترتبة على توزيع بالمحاصة بين أصحاب الضمانات العينية (أولا)، في حين سنعرج إلى رصد تداعيات هذه الآلية عند اختلاط أصحاب الضمانات بالدائنين العاديين (ثانيا).
الفقرة الأولى: التوزيع بالمحاصة بين الدائنين الحاملين للضمانات العينية
إذا كان الدائنون أصحاب الامتياز[6] أو الرهون الرسمية[7] أكثر حظا من باقي دائني المقاولة، وذلك بالنظر إلى وضعيتهم المتميزة التي تجعلهم يستوفون ديونهم من المبالغ الناتجة عن بيع العقارات بالأولوية دون مضايقة أو مزاحمة من دائنين العاديين، فإنهم في بعض الحالات قد لا يحصلون على ديونهم إلا جزئيا؛ وذلك بفعل أصحاب حق الامتياز المقرر للدائنين الناشئة ديونهم بعد فتح مسطرة تصفية القضائية، وكذا أصحاب الرهون الحيازية.
وتأسيسا على هذا الوضع، فرض على المشرع التدخل من أجل تنظيم قواعد التوزيع عن طريق إعمال مسطرة التوزيع بالمحاصة، بحيث يتم توزيع مستحقاتهم وفق ما يتناسب مع مجمل ديونهم[8].
وفي هذا الصدد، تنص المادة 663 من م ت على ما يلي: ” إذا سبق تقسيم ثمن العقارات توزيع واحد أو أكثر لمبالغ، تحاص الدائنون حاملو الامتياز والرهون الرسمية في توزيع المستحقات بتناسب مع مجمل ديونهم. بعد بيع العقارات والحسم نهائيا في ترتيب الدائنين أصحاب الرهون الرسمية والامتيازات، فإن الحاصلين منهم على رتبة مناسبة لا يتقاضون مبلغ ترتيبهم الرهني في التوزيع، عن مجمل ديونهم، من ثمن العقارات إلا بعد خصم المبالغ التي سبق لهم أن تقاضوها”.
ومن جهة أخرى، تنص المادة 662 من م ت، على أنه يمكن للقاضي المنتدب، إما تلقائيا وإما بطلب من السنديك أو أحد الدائنين[9]، أن يأمر بأداء مسبق لقسط من الدين متى كان مقبولا[10]. ففي هذه الحالة قد يكون الدائن المرتهن رهنا رسميا في حاجة لهذا التسبيق وذلك بحكم الارتباط المالي والتجاري الذي يربط بين التجار[11]؛ مما قد يؤدي اللجوء إلى تقسيم ثمن العقار المرهون الذي يستفيد منه الدائن المرتهن رهنا رسميا بتوزيع واحد أو أكثر لأداء دينه جزئيا متى كان مقبولا بشكل نهائي[12].
بيد أن هذا الإجراء قد يجعل المبالغ المتبقية من ثمن العقار غير كافية لسداد حقوق أصحاب الامتيازات والرهون الرسمية الأخرى، مما يعني أن اللجوء إلى مسطرة التوزيع بالمحاصة أمر لا مفر منه.
ويستفاد من القراءة التحليلية للمقتضى المذكور أن المشرع قصر نطاق تطبيق آلية التوزيع بالمحاصة على فئتي أصحاب الامتياز والرهون الرسمية حصرا، مستثنيا بذلك الدائن المرتهن رهنا حيازيا.
حري بالبيان أن هذا الاستثناء يجد مسوغه القانوني في القوة الإلزامية لحق الحَبس الذي يتمتع به الدائن المرتهن رهنا حيازيا، والذي يمنحه رتبة استئثاريه تخوله استيفاء كامل دينه بالأولوية، حتى في مواجهة أصحاب الامتيازات والرهون الرسمية الناشئة بعد الحكم بمسطرة التصفية[13].
وفي هذا الصدد، يثور التساؤل حول ما إذا كانت مسطرة التوزيع الجارية بصفة عامة، وبالمحاصة خاصة، مشمولة بقاعدة وقف ومنع إجراءات التنفيذ المنصوص عليها في المادة 686 من م ت؟
إن هذا السؤال يتيسر الإجابة عليه إذا ما كانت تصنف مسطرة التوزيع ضمن إجراءات التنفيذ من عدمها؛ إذ يرى بعض الفقه[14] أن مقتضيات المادة 686 من م ت تشمل في نطاق تطبيقها-أي المنع أو وقف- جميع إجراءات التنفيذ بما في ذلك مسطرة التوزيع. وقد استند هذا الاتجاه إلى غياب نص قانوني صريح يحصر إجراءات التنفيذ في الحجز والبيع دون عملية التوزيع من جهة، ومن جهة أخرى استند إلى أن المشرع المغربي، بمناسبة تنظيمه لمسطرة التوزيع في قانون المسطرة المدنية، استعمل مصطلح “المحجوز عليه” وليس المدين[15]، وهذا ما ينم عن اعتبارها مرحلة من مراحل إجراءات التنفيذ بحسبهم. كما أن إدراج إجراءات التوزيع بالمحاصة ضمن الباب الثامن من القسم التاسع من قانون المسطرة المدنية في إطار طرق التنفيذ يؤكد على أنها ليست إلا جزءا من إجراءات التنفيذ، وبالتالي فهي خاتمة الإجراءات التنفيذية[16].
وفي المقابل، ذهب اتجاه ثان[17] إلى تفنيد التوجه السابق، معتبرا أن مسطرة التوزيع الجارية لا تشملها قاعدة الوقف المنصوص عليها في المادة 686 من م ت؛ وقد عزز هذا الاتجاه موقفه بأن المشرع المغربي، وإن صَنف عملية التوزيع ضمن طرق التنفيذ، إلا أنها لا تعد طريقة بحد ذاتها، وإنما هي الغاية المتوخاة من وراء إجراءات التنفيذ، وحيث إن عدم تأثر عملية التوزيع بمقتضيات المادة 686 من م ت يوفر الوقت والمصاريف والإجراءات، خاصة لفائدة الدائنين المستفيدين من التوزيع، ولا فائدة من إيقاف عملية التوزيع على الدائنين، سيما في حالة عدم وجود الدائنين اللاحقين لصدور الحكم القاضي بالتصفية القضائية. كما أن توجه المشرع المغربي نحو الإسراع بإجراءات التنفيذ من خلال المادة 661 من مدونة التجارة -التي تفرض على السنديك تصفية الأموال المثقلة داخل أجل ثلاثة أشهر من تاريخ صدور الحكم– ينم بشكل غير مباشر على أن المشرع أخذ بعدم تأثر عملية التوزيع السابقة لصدوره.
ونحن نؤيد التوجه الذي يعتبر أن عملية التوزيع الجارية غير معنية بقاعدة الوقف المنصوص عليها في المادة 686 من م ت؛ وذلك استنادا إلى اعتبارين؛ أولهما: أن القضاء ذهب في إحدى قراراته إلى نفس التوجه[18] “حيث كرس مبدأ استمرارية مسطرة التوزيع بالمحاصة وعدم توقفها بصدور حكم لاحق بالتصفية القضائية، تأسيساً على أن قاعدة “وقف المتابعات الفردية” المنصوص عليها في المادة 653 من م ت -المقابلة للمادة 686-لا تسري على إجراءات التنفيذ التي بلغت مراحلها النهائية بصدور البيع الجبري للمال المحجوز -السفينة- قبل افتتاح المسطرة؛ حيث اعتبرت المحكمة أن حيازة كتابة الضبط لمتحصل البيع وإعداد مشروع التوزيع ينشئ للدائنين حقوقاً مكتسبة ونهائية لا رجعة فيها تخرج هذه الأموال من الذمة المالية للمدين، مما يجعل “التنفيذ” قد انتهى فعليا قبل صدور الحكم القاضي بالتصفية، وبالتالي لا مبرر قانونياً لنقل تلك المبالغ إلى حساب التصفية القضائية أو وقف إجراءات توزيعها”.
وثانيهما: أن تكريس مبدأ تحصين مسطرة التوزيع بالمحاصة من آثار حكم فتح مسطرة التصفية القضائية يجد سنده في كون التوزيع يمثل أثرا قانونيا مباشرا لعملية البيع بالمزاد العلني، مما يرتب للدائنين حقوقا مكتسبة ونهائية تخرج عن نطاق الذمة المالية للمدين. بحيث إن إخضاع مسطرة توزيع لمقتضيات المادة 686 من مدونة التجارة -المتعلقة بوقف المتابعات الفردية- يؤدي إلى إهدار الضمانات العينية، لصالح دائنين الناشئة ديونهم بعد صدور الحكم القاضي بفتح مسطرة تصفية القضائية أو بعد الحكم بمسطرة تسوية القضائية ثم تم تحويلها إلى التصفية القضائية، بحيث يتمتعون بامتياز الأولوية في الاستيفاء. وهو ما يشكل إخلالا بالتوازن بين مبدأ جماعية المساطر وحماية المراكز القانونية المستقرة للدائنين السابقين الذين استوفوا إجراءاتهم قبل غل يد المدين، مما يستوجب معه القول بعدم سريان أثر حكم فتح المسطرة على مبالغ لم تعد واقعيا وقانونيا ضمن الأصول القابلة للتصرف من طرف المقاولة لصيرورتها حقا مفرزا للمنفذين.
وفي نفس المضمار، تجدر الإشارة إلى أن قضاء محكمة النقض[19] وضع حد لدبر[20] الخلاف الفقهي والقضائي حول مدى إمكانية مؤسسة القرض العقاري والقرض الخاص بالبناء والقرض الفندقي -المنظم بموجب المرسوم الملكي بمثابة قانون المؤرخ 17 دجنبر 1968[21]– تملك العقار في حالة التأخر عن أداء الأقساط حسب الفصل 59 منه، لا سيما عند توقف المقاولة عن الدفع وتأثير بالتبعية على بقية الدائنين الحاملين لضمانات العينية. بحث استقرت على اعتبار مؤسسة القرض سيان بينها وبين باقي الدائنين من حيث عدم انفرادهم بالتنفيذ على عقارات المقاولة الخاضعة لمسطرة تصفية القضائية.
على العموم، فبالرغم من المركز القانوني المتميز الذي يتمتع به أصحاب الامتيازات والرهون الرسمية، إلا أن إعمال مسطرة التوزيع بالمحاصة ينعكس سلبا على مصالحهم، ويؤدي إلى تآكل وانتكاس القوة التنفيذية لضماناتهم؛ فبدلا من الاستيفاء الكلي للدين استنادا إلى حق الأولوية المرتبط بالرهن، يجد الدائن نفسه مضطرا للقبول باستيفاء جزئي ونسبى يتناسب مع مجمل الديون، وهو ما يفرغ الرهن الرسمي من جوهره كأداة للضمان.
وتزداد هذه الوضعية سوءا من خلال آلية الأداء المسبق وفق المادة 662 من م. ت، التي قد تؤدي إلى استنزاف حصيلة البيع قبل التوزيع النهائي، مما يفرض على باقي الدائنين المرتهنين اللجوء قسرا إلى توزيع بالمحاصة لعدم كفاية الثمن.
كما أن محاولة إقحام قاعدة “وقف المتابعات الفردية” -المادة 686 من م. ت- على مساطر التوزيع الجارية من شأنها أن تضاعف من هذه الآثار السلبية؛ إذ تعرض حصيلة التنفيذ لخطر المزاحمة من قبل دائني المقاولة الذين نشأت ديونهم ما بعد فتح المسطرة، والذين يمنحهم القانون الأولوية في السداد حتى ولو لم تكن ديونهم مقرونة بضمانة، مما قد ينتهي بحرمان أصحاب الضمانات العينية من الحصول على أي مستحقات بعد أداء الديون الناشئة بعد الحكم.
ولم يتأثر أصحاب الضمانات العينية عند هذا الحد- أي فيما بينهم-، بل أوجد المشرع آلية أخرى من شأنها أن تؤثر هي الأخرى على الدائنين، وهي توزيع بالمحاصة بين الدائنين الحاملين لضمانات والدائنين العاديين.
الفقرة الثانية: الانعكاس السلبي للتوزيع بالمحاصة بين جميع الدائنين على أصحاب الضمانات العينية
يستند المركز القانوني للدائن صاحب الضمان العيني في مسطرة التصفية القضائية إلى الازدواجية في الصفة؛ حيث تمنحه هذه الضمانة حق التنفيذ على المال المرهون بعينه وحق الأولوية في استيفاء دينه منه، وكذا حق الرجوع على سائر أموال المدين بصفته دائنا عاديا استنادا إلى مبدأ الضمان العام المقرر في الفصل 1241 من ظ ل ع والمادة 192 من مدونة الحقوق العينية[22]. وهو التوجه الذي زكته المادة 665 من مدونة التجارة حينما أجازت للدائن الممتاز أو المرتهن رسميا أو الدائنين غير المقيدين[23]، في حالة عدم كفاية ثمن المبيع، استيفاء باقي دينه عبر مسطرة التوزيع بالمحاصة -القسمة الغرماء- مع الدائنين العاديين[24].
ومن خلال قراءة هذا المقتضى بمفهوم المخالفة، يتضح لنا أن المشرع قد استثنى الدائن المرتهن رهنا حيازيا -إذ انصب على عقار غير محفظ- من توزيع بالمحاصة؛ وبالتالي، يقتصر حقه في استيفاء دينه على العقار المحبوس دون أن يمتد إلى باقي أموال المدين.
وعليه، ينحصر حقه في قيمة العقار المرهون، الذي غالبا ما لا يكون كافيا لتغطية الدين. وبالتالي يحرم من المبلغ المتبقي الاستيفاء دينه. عكس ما ذهب إليه أحد الباحثين الذي اعتبر أن خاصية حق الحبس التي يتمتع بها صاحب الرهن الحيازي تمنحه أولوية استئثارية مطلقة في جميع الأحوال، تجعله في منأى عن مخاطر العجز المادي للمال المرهون[25].
أما إذا انصب على عقار محفظ، فإنه بالرجوع إلى مدونة الحقوق العينية -خاصة الفقرة الأخيرة من المادة 145 منها والتي تنص على أنه: “تسري على الرهن الحيازي أحكام الرهن الرسمي إذا تعلق بملك محفظ”- فإن ذلك يؤدي بنا إلى القول بشمول الرهن الحيازي إذا انصب على عقار محفظ، بقاعدة التوزيع بالمحاصة في حالة عدم كفاية حصيلة التنفيذ لسداد ديونه، -ولو انفرد بها لوحده-، وبالتالي أحقية الدائن الحامل لرهن حيازي في الرجوع إلى الضمان العام، ولو أن المشرع لم يتحدث صراحة عن صاحب الرهن الحيازي في المادة 665 من م ت.
ولئن كان المشرع قد نظم عملية التوزيع بالمحاصة بين أصحاب الامتياز والرهون الرسمية وفق الفقرة الأولى من المادة 663 من م ت، في حالة عدم كفاية ثمن العقار المرهون لسداد ديون هؤلاء جميعا، فإنه لا مانع من استفادة هؤلاء الدائنين من مسطرة التوزيع بالمحاصة بالنسبة لباقي مستحقاتهم وذلك مع الدائنين العاديين طبقا لأحكام المادة 665 من م. ت[26]؛ لأن هذا التوجه ينطوي على حماية للدائنين الممتازين والمرتهنين الذين لم يتمكنوا من استيفاء ديونهم بالكامل.
ومن زاوية أخرى، يمكن للدائن الممتاز أو المرتهن أن يبادر إلى التنفيذ على أموال المسير أو المقاولة الأخرى بشأن عقاراتها في حالة تمديد المسطرة، بناء على المادة 585 من م. ت التي تنص على تداخل الذمم بين مقاولتين أو أكثر؛ غير أن السنديك يحل محل الدائن الممتاز أو المرتهن بصفته دائنا عاديا -وليس بصفته دائنا ممتازا أو دائنا مرتهنا- فيما بقي من دينه في حالة عدم استيفاء كافة ديونه من العقار المخصص لضمان دين المقاولة المدينة المفتوحة في مواجهتها المسطرة الأصلية -أي التصفية القضائية-؛ وذلك شريطة صدور مقرر قضائي يقضي بتمديد المسطرة إلى المقاولة الأخرى أو إلى المسير، ومن ثم فإن الدائن الممتاز أو المرتهن إما قد يحصل على كافة ديونه، وإما أن يخضع لمسطرة التوزيع بالمحاصة في حالة ما إذا كانت مبالغ ثمن بيع العقار غير كافية للوفاء بحقوق جميع الدائنين الممتازين والمرتهنين[27].
وعليه، تتجلى لنا الانعكاسات السلبية لمسطرة التوزيع بالمحاصة على أصحاب الضمانات العينية وتقويض “مبدأ الأولوية الاستئثارية”؛ حيث يجد الدائن الممتاز أو المرتهن نفسه مجردا من امتيازه العيني بمجرد عجز حصيلة التنفيذ عن استغراق كامل مديونية، ليتحول بقوة المادة 665 من مدونة التجارة إلى دائن عادي يخضع لقاعدة القسمة الغرماء ومزاحمته من بقية الدائنين العاديين.
وتتضاعف حدة هذا التأثير في حالات تمديد المسطرة للمسيرين وفق المادتين 585 و740 من مدونة التجارة؛ إذ لا يمتد الأثر العيني للرهن إلى الأصول الممدد إليها، بل يحل السنديك محل الدائن بصفته دائنا عاديا، مما يسقط رتبة التفضيل ويجعل استيفاء المتبقي من الدين رهينا بنصيب زهيد من محاصة جماعية قد تستنزفها ديون ما بعد فتح المسطرة. وبذلك، تُفرغ المحاصة الضمانات العينية من جوهرها الائتماني، وتهدر الغاية التي وجدت أصلا لتحصين الدائن من مخاطر المزاحمة، محولة الضمان العيني في ظل مسطرة التصفية القضائية من حق قطعي إلى حصة احتمالية تصطدم بجدار جماعية المساطر التي تغلب التوزيع المساواتي على الامتياز الفردي.
وقبل الانتقال إلى المحور الموالي، تجدر الإشارة إلى أنه بإمكان الدائنين الاعتراض على مشروع التوزيع[28]، ويتحقق ذلك في حالة منازعة أحد الدائنين المرتهنين أو الممتازين في طبيعة دين دائن آخر يندرج ضمن مشروع التوزيع. كما أن محكمة النقض حسمت -قبل تدخل المشرع بمقتضى المادة 668 من مدونة التجارة- في الجهة التي يؤول إليها الاختصاص في الاعتراض، باعتبار أن محكمة الاستئناف هي المختصة[29].
المطلب الثاني: أثر قفل مسطرة التصفية القضائية على الضمانات العينية
بما أن الفلسفة القانونية لمسطرة التصفية القضائية تقوم على تصفية الذمة المالية للمقاولة بهدف سداد ديونها، فإن إخفاق هذه العملية في الوصول إلى غاياتها بسبب عجز الأصول يشكل مبررا موضوعيا يخول للقضاء قفل المسطرة دون أن يقيده المشرع بأجل معين[30]، وذلك رغبة في عدم استمرار الإجراءات المسطرية لم تعد تحقق الغرض المرجو منها[31].
ولئن كان المشرع المغربي – أسوة بالمشرع الفرنسي- قد نظم الأحكام المنظمة لقفل مسطرة التصفية القضائية بموجب المادة 669 من مدونة التجارة، فإنه لم يعالج العديد من الإشكالات خصوصا تلك المرتبطة بمصير حقوق الأطراف والأغيار، وعلى رأسهم الدائنون.
وفي هذا الصدد، تنص المادة 669 من م ت على الحالات التي تستوجب قفل مسطرة التصفية القضائية والتي حصرتها في حالتين اثنتين:
أولا: إذا لم يعد ثمة خصوم واجبة الأداء أو توفر السنديك على المبالغ الكافية لتغطية ديون الدائنين؛
ثانيا: إذا استحال الاستمرار في القيام بعمليات التصفية القضائية لعدم كفاية الأصول.
وإذا كانت الحالة الأولى تبقى نظرية بحتة ومن النادر تصورها في الواقع العملي، فإن الحالة الثانية هي الأكثر شيوعا ووقوعا[32] هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فإن قفل مسطرة التصفية القضائية يتعين أن يكون بموجب حكم قضائي من المحكمة التي أصدرت الحكم بفتح المسطرة[33]؛ غير أن هذا الحكم القاضي بقفل مسطرة التصفية القضائية لا يحوز قوة الشيء المقضي به[34]؛ لكون المشرع قد منح لكل ذي مصلحة الحق في طلب فتح مسطرة مجددا، دون أن يحدد أجلا يتعين داخله تقديم طلب فتحها هي الأخرى.
وفي ضوء ذلك، يطرح التساؤل حول مدى إمكانية استرجاع الدائنين الحاملين لضمانات لحقهم في المتابعات الفردية في مواجهة المدين؟ (أولا). وكذا مدى إمكانية رجوع الدائنين على الكفيل العيني فيما بقي من ديونهم؟ (ثانيا).
الفقرة الأولى: مدى إمكانية استرجاع الدائنين لحقهم في المتابعات الفردية بعد قفل المسطرة
تعد مسألة استعادة الدائنين لحقهم في المتابعات الفردية عقب قفل مسطرة التصفية القضائية من القضايا التي أثارت تباينا؛ بالنظر إلى التحول التشريعي بين مقتضيات القانون التجاري الملغى ومدونة التجارة الحالية. فبينما كان الفصل 279 من القانون السابق ينص صراحة على استرجاع الدائنين لهذا الحق في حالة قفل أعمال التفليسة لعدم كفاية الأصول قبل المصادقة على الصلح، لزمت المدونة الحالية الصمت بشأن هذا المقتضى، مما فتح الباب أمام الاجتهادات فقهية بين اتجاه يرجح إمكانية ممارسة هذه المتابعات وبين اتجاه آخر يستبعدها. ويستند التوجه الفقهي الأول[35] إلى انتفاء نص صريح يمنع الدائنين من مباشرة دعاويهم الفردية من جهة، وإلى منطق العدالة القانونية من جهة أخرى؛ إذ لا يستقيم قانونا أن يترتب على قفل المسطرة رفع غل يد المدين واستعادته لصلاحيات إدارة أمواله، دون أن يقابل ذلك تمكين الدائنين من استيفاء حقوقهم. وبناء على هذه المؤيدات، فإن سكوت المشرع في هذا السياق لا يمكن تأويله إلا بكونه إقرارا ضمنيا باستمرارية هذا الحق، إعمالاً لقاعدة أن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص بالمنع”[36]، وهو ما ينصرف بالضرورة إلى الديون السابقة على صدور حكم فتح المسطرة؛ تأكيدا على استقرار المراكز القانونية وصونا لحقوق الدائنين من الضياع حقوقهم بمجرد إنهاء إجراءات التصفية.
وعلى نقيض الاتجاه السابق، يذهب اتجاه فقهي[37] آخر إلى التضييق من نطاق استعادة الدائنين لحقهم في المتابعات الفردية، معتبراً أن الأصل في قفل مسطرة التصفية القضائية هو انقضاء الخصومة الجماعية دون بعث الدعاوى الفردية من جديد، ما لم تتحقق إحدى الحالات الاستثنائية التي تبرر الخروج عن هذا المبدأ. وتشمل هذه الاستثناءات الديون الناشئة عن أفعال جرمية خارجة عن النطاق المهني للمدين، أو الحقوق اللصيقة بشخصه، أو في حال ثبوت تدليس تجاه كتلة الدائنين.
كما يمتد هذا الاستثناء ليشمل الحالات التي يكون فيها المدين موضوعا لعقوبات مهنية أو زجرية، كجريمة التفالس -المنصوص عليها في المادة 754 من م ت- أو صدور حكم بسقوط الأهلية التجارية والمنع من تسيير المقاولات والشركات التجارية أو مراقبتها. حيث يغدو استرجاع الحق في المتابعة الفردية في هذه الفرضيات بمثابة جزاء قانوني يلاحق المدين سيئ النية أو المرتكب لأخطاء جسيمة، بخلاف الحالة العادية التي تهدف فيها المسطرة إلى تصفية الخصوم بما هو متاح من أصول دون إثقال كاهل المدين بمطالبات لاحقة بعد انقضاء المسطرة.
ونرتئي تأييدا للتوجه القائل باستعادة الدائنين -ولاسيما الحاملين لضمانات عينية- لحقهم في المتابعات الفردية، إذ أن هذا الموقف يجد سنده المتين في المقاربة التي اعتمدها المشرع الفرنسي[38] -على اعتبار أن أغلب قوانيننا مستلهمة من هذا الأخير-، والذي أجاز -وإن كان في حدود ضيقة- رجوع الدائنين لمقاضاة المدين بعد قفل مسطرة التصفية القضائية لعدم كفاية الأصول في حالات معينة، وهي الحالات الواردة في الفصل 169 من قانون 1985 المعدل بموجب القانون 1994[39].
ويبدو لنا أن هذا التوجه هو الأقرب إلى الصواب؛ لكونه يوفر الحماية القانونية اللازمة للدائنين في مواجهة ما قد يعمد إليه المدين من تصرفات غير مشروعة تهدف إلى تهريب أصوله وإخراجها من وعاء الضمان العام، وهي الأموال التي تظل خارجة عن نطاق التوزيع الذي باشره السنديك وفق الترتيب القانوني.
وعليه، فإننا نؤصل لهذا الحق استناداً إلى اعتبارات المنطقية التالية: أولها أن قاعدة وقف المتابعات الفردية ليست إلا استثناء على القواعد العامة المسطرية التي تمنح الدائن حق التنفيذ على أموال مدينه -وإن كان البعض اشترط أن يكون المدين شخصا ذاتيا[40]– عند حلول أجل الدين. وحيث إن الاستثناء لا يقاس عليه ولا يتعين توسع في تفسيره، فإن زوال مبررات المسطرة الجماعية يقتضي بالضرورة العودة إلى الأصل العام[41].
وثانيها، إعمال المبدأ الأصولي القاضي بأن الأصل في الأشياء الإباحة؛ فما لم يوجد نص قانوني صريح يمنع الدائنين من ممارسة حقهم في التقاضي، فإن استرجاع المتابعات الفردية يضحى حقا مكتسبا بمجرد صدور حكم قفل المسطرة[42]. وثالثها، أن سوء نية المدين في إخفاء ذمته المالية يبرر قانوناً تمكين الدائنين من آليات التنفيذ لجبر الضرر الواقع على ضمانهم العام[43].
تجدر الإشارة إلى أنه بالرغم من الإقرار بحق الدائن في استعادة حقه في المتابعات الفردية عقب قفل مسطرة التصفية القضائية، فإن ممارسة هذا الحق يخرج عن نطاق مساطر صعوبات المقاولة؛ ليخضع للقواعد العامة المتعلقة بالتنفيذ الجبري على العقار. وبناء عليه، تنتهي مهمة أجهزة المسطرة في الإشراف على عمليات البيع والتوزيع وفق التراتبية المعتمدة في قانون صعوبات المقاولة، وذلك انسجاما مع منطوق المادة 673 من مدونة التجارة التي تحصر مهام السنديك في الفترة الممتدة من تاريخ صدور حكم فتح المسطرة إلى غاية قفلها.
ويظل هذا الوضع قائما ما لم يتقرر إعادة فتح مسطرة التصفية من جديد؛ إذ أجازت المادة 669 من ذات القانون -في فقرتها الأخيرة- لكل ذي مصلحة المطالبة بإعادة فتحها إذا ما ظهرت أصول لم يتم تحقيق منها، أو دعاوى لم تباشر لفائدة كتلة الدائنين من شأنها تعزيز أصول المقاولة. وفي هذه الحالة، يفتح المجال مجددا أمام الدائن لاستيفاء دينهم، ولكن ضمن إطار قانوني خاص، حيث لا يمكنه ممارسة حق المتابعة الفردية إلا وفق الضوابط والقيود التي تفرضها أحكام المادتين 661 و667 من مدونة التجارة.
الفقرة الثانية: رجوع الدائنين المرتهنين على الكفيل العيني عند قفل مسطرة التصفية
على الرغم من إغفال المشرع المغربي[44] في مدونة التجارة تنظيم وضعية الدائنين تجاه الكفيل العيني العقاري عقب قفل مسطرة التصفية القضائية، فإن هذا الفراغ التشريعي لا يمنع من استحضار القواعد العامة المقررة في هذا الباب[45].
فمن المعلوم أن الدائن قد لا يستوفي كامل دينه نتيجة خضوعه لقسمة الغرماء، مما يضطر إلى الرجوع على الكفيل لمطالبته بالمتبقي من الدين الذي تعذر استخلاصه من المقاولة المدينة، مع حفظ حق هذا الأخير في الرجوع على المدين الأصلي في حدود المبالغ المؤداة[46].
وفيما يتعلق بـ الدفع بالتجريد، فإنه ولئن كان الأصل طبقا للفصل 1136 من ظهير الالتزامات والعقود يمنح للكفيل الحق في مطالبة الدائن بالتنفيذ على أموال المدين الأصلي أولا، فإن هذا المقتضى لا يمكن إعماله عند ثبوت إعسار أو إفلاس المدين الأصلي-تصفية القضائية-؛ وذلك حسب الفصل 1137 من ظ ل ع. وقد زكت المادة 196 من مدونة الحقوق العينية هذا التوجه بحسمها للخلاف الذي كان مطروحا[47]؛ حيث نصت صراحة على أنه إذا كان الراهن كفيلا عينياً، فإنه يمتنع عليه التمسك بحق التجريد، مع حصر استيفاء الدين في ثمن الملك المرهون فحسب.
وعلاوة على ما استقر عليه المشرع من حرمان الكفيل العيني من الدفع بالتجريد، فإن أحقية الدائن في الرجوع عليه -سواء أثناء جريان مسطرة التصفية القضائية أو عقب قفلها- تظل رهينة باستيفاء إجراء جوهري يتمثل في التصريح بالدين لدى السنديك داخل الآجال القانونية في مواجهة المدين الأصلي. فعدم القيام بهذا الإجراء، أو رفض استصدار أمر من القاضي المنتدب برفع السقوط، لا يقتصر أثره على المسطرة الجماعية فحسب، بل يمنح الكفيل العيني الحق في التمسك بـالدفع بسقوط الدين وانقضائه[48].
وقد كرس قضاء محكمة النقض[49] هذا التوجه قبل أن يقره المشرع في الفقرة الأخيرة من المادة 695 من م ت[50]، بالتأكيد على عدم جواز مقاضاة الكفيل إلا بعد التصريح بالدين بصفة قانونية؛ وهو توجه يجد صداه حتى بعد قفل مسطرة التصفية. فبالاستناد إلى أحكام الفصل 1140 من ظهير الالتزامات والعقود، يحق للكفيل مواجهة الدائن بكافة الدفوع المتعلقة بالدين المضمون، ومنها الدفع بانقضاء الالتزام لعدم التصريح.
وفي هذا الصدد، ذهب أحد الباحثين[51] إلى أن المقاربة التي اعتمدها المشرع المغربي في مساطر صعوبات المقاولة – سواء التسوية القضائية أو التصفية القضائية، لكون مقتضيات المنظمة للكفالة في مساطر صعوبات المقاولة واردة في باب مشترك بين كل المساطر- يكون قد ذهب -بقصد أو بدون قصد- إلى توفير الحماية الكاملة للكفلاء، بغض النظر عن صفتهم، ودون الأخذ بعين الاعتبار للاستثناءات التي تنص عليها القواعد العامة للكفالة، بشكل يمكن القول معه بأن هذه المقاربة تتسم بالإفراط في حماية الكفلاء على حساب الدائنين، الشيء الذي من شأنه أن يؤثر في مؤسسة الكفالة التي يقتضي الحفاظ على دورها المركزي في مجال الائتمان لتحقيق التوازن في الحماية بين أطرافها، حيث لا تفريط في الحماية ولا إفراط فيها.
وتأسيساً على قاعدة تبعية التزام الكفيل العيني للالتزام المدين الأصلي المنصوص عليها في الفصل 1150 من ظ ل ع، فإن كل سبب يترتب عليه بطلان أو انقضاء الالتزام الأصلي يمتد أثره بالتبعية لإنهاء الكفالة[52]. وعليه، فإن انقضاء الدين في ذمة المدين الأصلي لعلة عدم التصريح يُعد سببا مسقطا لالتزام الكفيل العيني، مما يخول لهذا الأخير مواجهة الدائن بهذا السقوط بعد قفل مسطرة التصفية القضائية ويحول دون مطالبته بالوفاء حتى بعد قفل المسطرة.
وبناء عليه، فإن الدائن الذي لم يحصل على دينه بالكامل أثناء عملية التصفية القضائية، يكون بإمكانه مقاضاة الكفيل العيني في حدود المبلغ الذي لم يحصل عليه أثناء عملية توزيع عائدات أصول المقاولة.
ومن خلال ما سبق، يتبين أن قفل مسطرة التصفية القضائية لعلة عدم كفاية الأصول، وفق منطوق المادة 669 من مدونة التجارة، تعد مرحلة كاشفة لظاهرة انتكاس الضمانات العينية وانحسار نجاعتها الائتمانية أمام طغيان الشكليات المسطرية. فبالرغم من أن الفلسفة القانونية لمسطرة التصفية القضائية تقوم على تسييل الذمة المالية للمقاولة لاستخلاص حقوق الدائنين، إلا أن إخفاق هذه الغاية يحَولُ الحكم بقفل مسطرة التصفية القضائية إلى أداة لتقويض المراكز القانونية للدائنين المرتهنين.
إذ يبرز أول مظهر من مظاهر الانتكاس في حالة اللايقين التي خلفتها صمت المدونة التجارة حيال استعادة الدائنين لحقهم في المتابعات الفردية -خلافا لما كان عليه الوضع في الفصل 279 من القانون الملغى- مما يجعل فعالية قوة الضمانة العينية رهينة بتأويلات فقهية وقضائية المتضاربة هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فإن المظهر الأكثر حدة لهذا الانتكاس يتجسد في إلزامية التصريح بالديون؛ فبالرغم من المكسب النظري المتمثل في حرمان الكفيل العيني من الدفع بالتجريد بموجب المادة 196 من مدونة الحقوق العينية والفصل 1137 من ظهير الالتزامات والعقود، إلا أن هذا الامتياز يذوب أمام القواعد الآمرة للمادة 695 من مدونة التجارة التي تنص على انقضاء الدين في مواجهة الكفيل بمجرد عدم التصريح به، مما يكرس مقاربة تتسم بالإفراط في حماية الكفلاء على حساب استقرار الائتمان، ويحول الضمانة العينية عقب قفل المسطرة من حق عيني نافذ إلى مجرد ضمانة صورية.
خاتمة:
إن الضمانات العينية، رغم ما تتمتع به من قوة قانونية في ظل القواعد العامة باعتبارها تمنح الدائن حقي الأولوية والتتبع، فإنها تفقد جانبا مهما من فعاليتها بمجرد إخضاع المقاولة لمسطرة التصفية القضائية، حيث تنتقل الحماية التشريعية من منطق الائتمان الفردي إلى منطق حماية جماعة الدائنين، بما يفرض إعادة ترتيب المراكز القانونية للدائنين وفق اعتبارات جماعية تتقدم في كثير من الأحيان على الحقوق العينية.
وقد أبانت الدراسة أن المشرع المغربي، من خلال مقتضيات الكتاب الخامس من مدونة التجارة، سعى إلى تحقيق توازن بين حماية الائتمان وضمان السير الجماعي للمسطرة، إلا أن هذا التوازن لم يكن دائما في صالح أصحاب الضمانات العينية؛ إذ كشفت آلية التوزيع بالمحاصة، وأولوية الديون الناشئة بعد فتح المسطرة، وآثار قفل التصفية القضائية، عن تراجع ملموس في القوة التنفيذية للضمانات العينية، وتحولها في حالات عديدة من وسيلة تكفل الاستيفاء بالأولوية إلى مجرد وسيلة تمنح للدائن أملا في اقتضاء جزء من دينه دون ضمان استيفائه كاملا.
وانطلاقا من ذلك، يبدو أن تعزيز فعالية الضمانات العينية في إطار مساطر صعوبات المقاولة يقتضي تدخلا تشريعيا يعيد صياغة بعض المقتضيات المنظمة للتصفية القضائية، بما يحقق توازنا أدق بين متطلبات الحماية الجماعية للدائنين وبين ضرورة الحفاظ على القيمة الاقتصادية والقانونية للضمانات العينية، من خلال توضيح الأحكام المتعلقة بالتوزيع، وحسم الإشكالات المرتبطة باسترجاع حق المتابعات الفردية بعد قفل المسطرة، وتوفير حماية أكبر للدائنين الحاملين للضمانات العينية دون المساس بالأهداف الأساسية التي تقوم عليها مساطر صعوبات المقاولة.
وبذلك، يظل نجاح نظام صعوبات المقاولة رهينا بقدرته على التوفيق بين إنقاذ المقاولة أو تصفية ذمتها وفق قواعد عادلة، وبين المحافظة على الثقة في الائتمان، باعتبارها الركيزة الأساسية لاستقرار المعاملات وتشجيع الاستثمار، وهو ما لا يتحقق إلا بضمان حماية قانونية متوازنة وفعالة للضمانات العينية في مختلف مراحل المسطرة.
لائحة المراجع:
أولًا: الكتب
- أزوكار عمر، قضاء محكمة النقض في مسطرة التسوية والتصفية القضائية للمقاولة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2014.
- أيت وركان إبراهيم، الوضعية القانونية للعقار في إطار مساطر صعوبات المقاولة، الطبعة الأولى، مطبعة دار القلم، الرباط، 2024.
- السباعي أحمد شكري، الوسيط في مساطر الوقاية من الصعوبات التي تعترض المقاولة ومساطر معالجتها، الجزء الثالث، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2009.
- توفيق عبد العزيز، القانون التجاري مع آخر التعديلات، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، 1992.
- شبو مهدي، مؤسسة القاضي المنتدب في مساطر معالجة صعوبات المقاولة – دراسة مقارنة، الطبعة الأولى، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش، 2006.
- فالي علال، مساطر معالجة صعوبات المقاولة، الطبعة الثالثة، مطبعة دار السلام، الرباط، 2019.
ثانيًا: الأبحاث الجامعية
أ- الأطاريح الجامعية
- أحديدو حسن، مركز الضمانات العينية العقارية في ظل مساطر صعوبات المقاولة، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال، 2017-2018.
- الجار يوسف، الضمانات الشخصية في مسطرة التسوية القضائية لصعوبات المقاولة، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بفاس، 2020-2021.
- حجي حياة، نظام الضمانات وقانون صعوبات المقاولة: دراسة مقارنة، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي، 2009-2010.
- حفيظ عبد العلي، الحجز التنفيذي العقاري، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال، 2008-2009.
- زهران لحسن، التصفية القضائية للمقاولة وفق التشريع والقضاء، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة الحسن الثاني، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالدار البيضاء، 2004-2005.
ب- الرسائل الجامعية
- أحمان حنان، وضعية الكفيل في مساطر معالجة صعوبات المقاولة، بحث نهاية التمرين بالمعهد العالي للقضاء، 2009-2011.
- الرجوني جواد، استرجاع حيازة المؤسسات الفندقية في إطار المرسوم الملكي لـ17 دجنبر 1968، بحث نهاية التمرين، 2009-2011.
- السباعي عبد الرحمان، وضعية الدائنين أصحاب الضمانات في مساطر صعوبات المقاولة، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة مولاي إسماعيل، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمكناس، 2007-2008.
- عاشق المهدي، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة مولاي إسماعيل، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمكناس.
- عطوش إسماعيل، دور السنديك والمراقبين في مساطر معالجة صعوبات المقاولة، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال، 2010-2011.
- غندور أشرف، البيع الجبري للعقار في إطار مسطرة التصفية القضائية، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بفاس، 2018-2019.
- منصوري عزيز، وضعية الدائنين الناشئة ديونهم بعد الحكم بفتح مساطر صعوبات المقاولة، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي، 2020-2021.
- برادة طيب، التنفيذ الجبري في التشريع المغربي بين النظرية والتطبيق، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص، جامعة الحسن الثاني، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالدار البيضاء، 1987-1988.
- اليعقوبي إكرام، الضمانات العينية وفتح مساطر صعوبات المقاولة، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة مولاي إسماعيل، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمكناس، 2012-2013.
ثالثًا: المقالات العلمية
- المساوي لطيفة، وضعية الكفيل في مساطر صعوبات المقاولة، مجلة الأبحاث والدراسات القانونية، العدد 20، 2022.
- القانون 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية كما وقع تتميمها الصادر بتنفيذها الظهير الشريف رقم 1.11.178 صادر في 25 من ذي الحجة 1432) 22 نوفمبر1201)، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5998 بتاريخ 27 ذو الحجة 1432(24 نوفمبر 2001)، ص 5587. ↑
- القانون 15.95 المتعلق بمدونة التجارة كما وقع تعديله، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.96.83، بتاريخ فاتح أغسطس 1996 الموافق 15 من ربيع الأول 1417، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 4418، بتاريخ 3 أكتوبر 1996، ص 2187. ↑
- 21 صدر ظهير 12غشت 1913 المتعلق بالقانون التجاري ضمن مجموعة الظهائر 12 غشت 1913 التي أحدثتها فرنسا بعد بسط حمايتها على المغرب بتاريخ 30 مارس، 1912 ونحصر تطبيقه على المنازعات التي يكون أطرافها أو أحدها أجنبيا، هذا الظهير لم يحدث أحداثا بل اقتبس في مجمله من القانون الفرنسي، وأضيف له بعض المواضيع من القانون السويسري والألماني، كسجل التجاري والافلاس والتصفية القضائية.
عبد العزيز توفيق، القانون التجاري مع آخر تعديلات، دار الثقافة للتوزيع والنشر، الدار البيضاء، ،1992ص . ↑
- هشام المومني، الوضعية القانونية للعقار خلال مساطر المعالجة من صعوبات المقاولة، جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بوجدة، 2020.2021، ص 3. ↑
- مسألة ترتيب الدائنين تعد من الإشكالات التي يحوم حولها التعقيد، وذلك بالنظر إلى تداخل وتشتت القواعد القانونية الخاصة بهذا الموضوع بين ما هو وارد في مدونة التجارة ومدونة الشغل -المادة 382-ومدونة الحقوق العينية وظهير الالتزامات والعقود ومدونة الأسرة. وحسنا فعل المشرع بمقتضى المادة 668 من مدونة التجارة بأن جعل مهمة ترتيب الدائنين من اختصاص القاضي المنتدب بدل السنديك. الأمر الذي جعل الباحثين يجتهدون في محاولة ترتيبهم. في محاولة ترتب الدائنين ينظر في هذا الصدد: أحمد شكري السباعي، الوسيط في مساطر الوقاية من الصعوبات التي تعترض المقاولة ومساطر معالجتها، الجزء الثالث، مطبعة المعاريف الجديدة، الرباط، 2009، ص 139. حياة حجي، نظام الضمانات وقانون صعوبات المقاولة – دراسة مقارنة، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالسويسي، 2009-2010 م س، 373 وما بعدها. ↑
- في هذا الصدد تنبغي الإشارة إلى أن الخزينة العامة لا تتمتع بأي امتياز على عقار المقاولة حسب المادة 105 من مدونة تحصيل الديون العمومية، التي تقصر امتياز الخزينة على المنقولات والأمتعة وثمار العقار حصرا. وعليه فإن الخزينة العامة تدخل في زمرة الدائنين العاديين. ↑
- وتنبغي الإشارة بداية إلى أن الديون المقرونة بالامتيازات أو الرهون الرسمية الخاضعة لمسطرة التوزيع بالمحاصة تنحصر فقط في الديون الناشئة قبل صدور الحكم القاضي بفتح المسطرة، على اعتبار أن الديون اللاحقة لصدور الحكم تحظى بامتياز الامتيازات يتم الوفاء بها بالكامل في تاريخ استحقاقها، مما يجعلها في منأى عن الآثار المترتبة عن مسطرة التوزيع بالمحاصة التي لا يحصل فيها الدائن إلا على نسبة معينة من دينه. ↑
- حسن أحديدو، مركز الضمانات العينية العقارية في ظل مساطر صعوبات المقاولة، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بأكدال، 2017-2018، ص 278. ↑
- لكن يتقيد القاضي المنتدب في هذه الحالة بضرورة الأخذ بعين الاعتبار مصلحة باقي الدائنين في المسطرة أثناء عملية التوزيع النهائي.
قرار صادر عن محكمة النقض عدد 162.1، بتاريخ 2014,03,20، في الملف التجاري رقم 2013.1.3.1035، منشور بمجلة نشرة قرارات محكمة النقض، الغرفة التجارية، عدد 77 مطبعة الأمينة، الرباط، 2014، ص152 ↑
- وهو ما سارت عليه محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء في إحدى قراراتها: ” طبقا للمادة 629 -المقابلة للمادة 662 من م ت الحالية- التي تجيز للقاضي المنتدب إما تلقائيا إما بطلب من السنديك أو أحد الدائنين أن يأمر بأداء مسبق لقسط من الدين متى كان مقبولا، وذلك في انتظار تهيئ المشروع النهائي للتوزيع”.
قرار صادر عن محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء، عدد 07.5288، بتاريخ 2007.11.16، في الملف عدد 11.07.3312، منشور بمجلة المحاكم التجارية، عدد 3 و4، 2009، ص 169 وما بعدها. ↑
- لحسن زهران، التصفية القضائية للمقاولة وفق التشريع والقضاء، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة الحسن الثاني، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالدار البيضاء 2005-2004، ص 352. ↑
- حسن أحديدو، م س، ص 281. ↑
- إبراهيم أيت وركان، الوضعية القانونية للعقار في إطار مساطر صعوبات المقاولة، الطبعة الأولى، مطبعة دار القلم، الرباط، 2024 253. ↑
- عبد العلي حفيظ، الحجز التنفيذي العقاري، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال، 2008.2009، ص 283 وما بعدها. ↑
- عاشق المهدي، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة مولاي اسماعيل، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمكناس، ص 159. ↑
- طيب برادة، التنفيذ الجبري في التشريع المغربي بين النظري والتطبيق، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص، جامعة الحسن الثاني، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالدار البيضاء، 1987.1988، ص 397. ↑
- إبراهيم ايت وركان، م س، ص 243. ↑
- قرار صادر عن محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء، عدد 1901، بتاريخ 1997.5.22، في الملف عدد 96.4446، أورد عبد العلي حفيظ، م س، ص 282. ↑
- “إذا كانت الحيازة قررت للمطلوب بمقتضى المرسوم المذكور من أجل استخلاص دينه من دخل العقار، فإن إقرار القرار بعدم أحقيته في استخلاص دينه بعد الحكم بالتسوية القضائية يتنافى وإبقاء الحيازة بيده”. وإن كان القرار يتعلق بالتسوية، فإنه يمكن تطبيقه على التصفية لكون المادة 686 واردة في قسم المقتضيات المشتركة.
قرار صادر عن محكمة النقض، عدد 746 المؤرخ في 2018/05/22، ملف تجاري ع: 2016/843، غ م. ↑
- ينظر بشأن هذا الخلاف بشكل مستفيض: جواد الرجوني، استرجاع حيازة المؤسسات الفندقية في إطار المرسوم الملكي ل 17 دجنبر 1968، بحث نهاية التمرن، 2009.2011، ص 77 وما بعدها. حياة حجي، م س، ص 158. ↑
- مرسوم ملكي بمثابة قانون رقم 552.67 بتاريخ 26 رمضان 1388 (17) دجنبر (1968) يتعلق بالقرض العقاري والقرض الخاص بالبناء والقرض الفندقي. ↑
- تنص المادة 192 من م ح ع عار ما يلي: ” للمرتهن أن يستوفي دينه من ثمن الملك المرهون بعد بيعه وفقا للإجراءات المنصوص عليها في القانون وذلك حسب مرتبته”. ↑
- ما يلاحظ في هذا الصدد أن المشرع لم يضع حقوق الدائنين الحاصلين على حق عيني تبعي لم يتم تقييده في الرسم العقارية بصفة نهائية، بل خول لهم حق تحاص مع الدائنين العادين في استيفاء ديونهم. ↑
- أشرف غندور، البيع الجبري للعقار في إطار مسطرة التصفية القضائية، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بفاس، 2018.2019، ص 115. ↑
- منصوري عزيز، وضعية الدائنين الناشئة ديونهم بعد الحكم بفتح مساطر صعوبات المقاولة، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس بالرباط، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية سويسي، 2020.2021، ص 168. ↑
- حسن أحديدو، م س، ص 285. ↑
- مرجع أعلاه، ص 285 وما بعدها. ↑
- حسن أحديدو، م س، ص 280. ↑
- قرار صادر عن محكمة النقض عدد 1.289، بتاريخ 2013.07.04، في الملف رقم 2012.3.261، أورده كمال دزاز، م س ص 315. ↑
- علال فالي، مساطر معالجة صعوبات المقاولة، الطبعة الثالثة، مطبعة دار السلام، الرباط، 2019، ص 444. ↑
- لحسن زهران، م س، ص 360. ↑
- أحمد شكري سباعي، جزء الثالث، م س، ص 149. ↑
- إكرام اليعقوبي، الضمانات العينية وفتح مساطر صعوبات المقاولة، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة مولاي إسماعيل، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمكناس، 2012-2013 ، ص 190. ↑
- أحمد شكري سباعي، جزء الثالث، م س، ص 148. ↑
- المرجع أعلاه، الجزء الثالث، م س، ص 152.
عبد الرحمان سباعي، وضعية الدائنين أصحاب الضمانات في مساطر صعوبات المقاولة، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة مولاي إسماعيل، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمكناس، 2007-2008، ص 62.
حسن أحديدو، م س، ص 290. ↑
- مهدي شبو، مؤسسة قاضي المنتدب في مساطر معالجة صعوبات المقاولة – دراسة مقارنة-، الطبعة الأولى، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش، 2006، هامش ص 499. ↑
- محمد لفروجي، صعوبات المقاولة والمساطر الكفيلة بمعالجتها، م س، ص422. ↑
- إسماعيل عطوش، دور السنديك والمراقبين في مساطر معالجة صعوبات المقاولة، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس بالرباط، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال، 2010.2011، ص 74. ↑
- حياة حجي، م س، ص 385. ↑
- مرجع أعلاه، الصفحة نفسها. ↑
- إكرام اليعقوبي، م س، ص 193. ↑
- حسن أحديدو، م س، ص 287. ↑
- إبراهيم أيت وركان، م س، ص 262. ↑
- عكس المشرع الفرنسي الذي اعتبر أنه في حالة قفل مسطرة التصفية لعدم كفاية الأصول، يحق للدائنين ممارسة المتابعات الفردية في مواجهة الكفيل العيني أو الشخصي؛ مادام أن الدين لا ينقضي.
حياة حجي، م س، ص 386. ↑
- حنان أحمان، وضعية الكفيل في مساطر معالجة صعوبات المقاولة، بحث نهاية التمرن في المعهد العالي للقضاء، 2009.2011، ص 46. ↑
- إبراهيم أيت وركان، م س، ص 262. ↑
- حسن أحديدو، م س، ص 292. ↑
- لطيفة المساوي، وضعية الكفيل في مساطر صعوبات المقاولة، مجلة الأبحاث والدراسات القانونية، عدد 20، سنة 2022، ص 165. ↑
- قرار صادر عن محكمة النقض، عدد 1099، صادر بتاريخ 2007.07.11، في الملف التجاري عدد 2007.1.3.928، منشور في مؤلف عمر أزوكار، قضاء محكمة النقض في مسطرة التسوية والتصفية القضائية للمقاولة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، سنة 2014، ص 144. ↑
- تنص المادة 695 من مدونة التجارة “يمكن للكفلاء متضامنين كانوا أم لا، أن يتمسكوا:
– بمقتضيات مخطط الاستمرارية؛
– بوقف سريان الفوائد المنصوص عليه في المادة 692أعلاه؛
_ لا يحتج على الكفلاء بسقوط الأجل؛
– لا يمكن الرجوع على الكفلاء إلا بالنسبة للديون المصرح بها“. ↑
- يوسف الجار، الضمانات الشخصية في مسطرة التسوية القضائية لصعوبات المقاولة، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بفاس، سنة الجامعية 2020.2021، ص 278. ↑
- حسن أحديدو، م س، ص 293. ↑






