في الواجهةمقالات قانونية

على هامش نيل الابتهاج بتطريز الديباج

على هامش نيل الابتهاج بتطريز الديباج

إنجاز: عبد الصمد نيت أكني

بسم الله الرحمان الرحيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد طب القلوب ودوائها، وعافية الأبدان وشفائها، ونور الأبصار وضيائها، وروح الأرواح وسر بقائها، وعلى ٱله وصحبه في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله، أما بعد:

فهذا كتاب نفيس لأحمد بابا التنبكتي الصنهاجي (ت1036هـ)، حوى دررا وكنوزا من فنون مختلفة، كعلوم الشرع واللغة والإنسان والاجتماع. ويصنَّف الكتاب ضمن أدب التراجم والمناقب، ومنهجُه فيه إيراد كل ما يستحضره المصنِّف وما وقف عليه من أوصاف ومعلومات عن المترجم له معتمدا على كلام تلاميذ صاحب الترجمة أو على ما تلقاه المترجِم من أفواه الرجال كوالده أو على كتب الرحلة والفقه والتراجم السابقة التي سرد أسماءها في ٱخر كتابه. وقد يعلق أحيانا على بعض الأوصاف أو المعلومات إما من باب الزيادة وإما من باب التحقيق وإما من باب النقد، وقد أصاب في صنعه وأطاب، وملأ الوطاب.

وسأنبيك عن زبدة الكتاب وما في صفحاته من أخبار أناس، معرضا عن ذكر الكل بذكر لبّه وجوهره، مع إبداء رأي يكون -ما أمكن- بين الإفراط والتفريط قواما، «وإن تعذَّر سَقَطَ».

أهم ما ينبغي تقريره أن الناس أخياف وأشكال وأحوال يتعايشون في «مجتمع مركب» بمعناه عند بول باسكون (ت1405هـ)، ومن جعلهم سواء فليس لحمقه دواء، فمنهم من ينفي الكرامات في علاج المرضى، ومنهم من يثبت بركة زيارة مقام الصالحين واستجابة الدعاء عنده بدليل التجربة، ومنهم من يثبت حصول الشفاء بالرؤيا، ومنهم من يتوسل بولي لقحط، ومنهم مجاب الدعاء حتى إن بعضهم يتعوذ الناس من دعوته، ومنهم من تمسح الناس به في جنازته.

ومنهم من فتح عليه في التدريس لحسن تقريبه وبسطه، ومنهم من لا يطلع تلاميذه على جميع أسراره، ومنهم من عيّن للتدريس في مدرسة بالتوارث أو الرئاسة، ومنهم من يربط ذهاب العلم ببنيان المدارس، ومنهم من يترك تلميذه وما يميل إليه من العلوم، ومنهم من يشترط في مجلس الدرس حصول نفع للتلميذ بزيادة وفتح مقفل، ومنهم من فُضّل مجلس تدريسه على غيره لإيراد الأسئلة والأجوبة، ومنهم من عود لسانه في مجلسه قول لا أدري وربما قالها فيما يدري، ومنهم من إذا تراخى من طلبته أحد أنشده: «ما هكذا يا سعد تورد الإبل»، ومنهم طويل الروح في التعليم لا يأنف من مبتدئ ولا بليد، ومنهم من فيه حدة في التدريس مع خشونة جانبه وشدة عارضته، ومنهم من تقرأ عليه الجن.

ومنهم من وضع القبول على مصنفه، ومنهم من يعقد العبارة في كتبه شديد الغموض في تصانيفه قل من يفك رموزه ويفهمها، ومنهم من يربط فساد العلم بكثرة التآليف، ومنهم من قلمه أفصح من لسانه، ومنهم من ضاعت تصانيفه، ومنهم من بلي بحسد لنعمة مُتّع بها كالفتح في التدريس أو تولي منصب أو تصنيف كتاب، ومنهم من أَتْلف كتاب غيره، ومنهم من أفتى بحرق كتاب الإحياء.

ومنهم من منع من تولي التدريس في مدرسة وقفية لمخالفة شرط واقفها في سن الولوج، ومنهم من أُخّر عن التدريس في بعض المدارس، ومنهم من درس الطب بالبيمارستان.

ومنهم من لم يزل دؤوبا مجتهدا في تعليم العلم وتحصيله إلى أن توفي، ومنهم من كان ذا همة عالية في العلم لا ينام في بعض الأوقات إلا زمنا يسيرا بعد طلوع الفجر ليريح النفس من جهد المطالعة والكتب، ومنهم من يحفظ موطأ مالك وصحيح البخاري وتفسير الثعلبي والمدونة والمقدمات والبيان والتحصيل وفرعي ابن الحاجب وتاريخ الطبري والأخبار وأيام الناس ورجال الحديث والمواليد والوفيات، ومنهم من كان على عظيم علمه لا يدّعي، ومنهم من تخصص حتى خالط العلم المتخصص فيه دمه، ومنهم من تخصص في علم فبرع فيه، ومنهم من مهر في فنون وشارك وتصرف وجمع وتفنن وتضلع وتقدم وبرز وفاز وحاز السبق واستبحر، ومنهم من شهد له بالذكاء ومن له ذهن وقاد وعقل منقاد، ومنهم عالم بالخط والرياضيات والهندسة والتنجيم.

ومنهم من أذن له في الإفتاء والإقراء، ومنهم من أخّر عن الفتيا، ومنهم من تأتي إليه الفتوى من مسيرة شهر، ومنهم من إليه الرحلة شرقا وغربا، ومنهم من صرف عن الخطابة.

ومنهم من أكره على القضاء، ومنهم من عزل عنه، ومنهم من تصرف فيه التصرف الشرعي ليعزل، ومنهم من تكرر عزله عنه، ومنهم من استقل منه وتركه، ومنهم من عين فيه لعلمٍ وفاقة، ومنهم من وليه مع نزاهة فعودي، ومنهم من تولاه فسدد مع نزاهة، ومنهم من كان في منصبه ذا سطوة على المفسدين، ومنهم من عين فيه فامتنع، ومنهم من عين فيه فلم يتفق له، ومنهم من سعد بعدم ابتلائه به، ومنهم من كان قاضيا فتحفّظ كثيرا ليصون هيبة منصبه، ومنهم من يأكل من كد يمينه معرضا عن الخطط والوظائف العملية، ومنهم من تولى اثنتي عشرة خطة في وقت واحد، من القضاء والوزارة والكتابة والخطابة والإمامة وغيرها، ومنهم ذو وجاهة وسياسة.

ومنهم سادة الوقت كعابد غلب عليه العمل، وزاهد غلب عليه الترك، وعارف غلب عليه النظر لتصريف الحق، ”والكل صوفية“[1] كما قال المناوي (ت1031هـ)، ومنهم من كان في الطريق من أصحاب تصوف الجلال (الهيبة= القبض)، ومنهم من كان في الطريق من أصحاب تصوف الجمال (الأنس= البسط)، وكلاهما صحو وبقاء، ومنهم من كان في الطريق من أصحاب تصوف الأحوال (المشاهدة= العلم الإلهامي والكشفي واللدني) وهو سكر وفناء قد يصحبه خرق للعادة واختطاف وجذب مع عقل التكليف وتشخّص وهلاك، وهي -أي: المشاهدة- “عزيزة الوجود شريفة شرودة، وإنما تحصل لمن انتهى صفاء قلبه إلى الغاية التي لا فوقها“[2] كما قال ابن خلدون (ت808هـ)، ومبناها على التسليم لا البحث والتحقيق، ”والكل في دائرة الحق“[3] كما قال المناوي (ت1031هـ)، ومنهم من اختلف فيه بين مكفر ومقطب والظن بهم البراءة أو الأولى الوقوف، عملا بالقاعدة الفقهية: «اليقين لا يزول بالشك»، وفي ذلك يقول المناوي (ت1031هـ): ”التوقف في محل الاشتباه مطلوب كعدمه فيما ظهر وجهه من خير وشر، ومبنى الطريق على ترجيح حسن الظن بأهله وإن ظهر معارض“[4]. كما أن الفقهاء قرروا أن من كفر مسلما بلا عذر ولا تأويل يكون كافرا، وإن كان له تأويل أو عذر يستتاب ويعزر حفظا للنظام العام في شقه المتعلق بالأمن العام والسكينة العامة. وعمدةُ مكفِّر بعض أهل الطريق المٱل ولازم القول، ومعلوم عند أغلب الفقهاء أن «لازم المذهب ليس بمذهب»، أي: ”لا يعتقدون ذلك اللزوم“[5].

ومنهم من ينفرد عن الناس عاكف على ما يعنيه منقبض صلب لا يعرف الهزل ذو خمول مكفوف اللسان واليد، ومنهم كثير المداراة والصبر والتصدق، ومنهم خفيف الظل بسّام لطيف عذب الفكاهة لين الجانب لا يحقد على أحد يسعى في قضاء حوائج الناس ائتلفت عليه الأفئدة، ومنهم من يتزاحم الأطفال على تقبيل أطرافه، ومنهم من يتواضع للضعفاء، ومنهم من يدفع بالحسنة ويصفح، ومنهم من لم يتزوج قط، ومنهم من حُسد وأوذي لأنه شديد التغيير للمنكر، ومنهم من تشيّع باعتدال، ومنهم من ابتلي بوسوسة في الطهارة، ومنهم من كان متجملا جميل اللباس حسن الهيئة، ومنهم من كان لباسه خشنا، ومنهم من لباسه صوف فقط، ومنهم من يحب أن تظهر نعمة الله عليه في المباح، ومنهم من لا يتكلف في لباسه وطعامه وشأنه كله، ومنهم المعرض عن أسباب الدنيا، ومنهم من اكتسب من الدنيا عريضا وطولا، ومنهم من يهابه السلاطين، ومنهم من يعجب بنفسه ويزدري معاصريه، ومنهم من عصى فتاب وأناب، ومنهم من أثبت القضاء زندقته، ومنهم من قتل بحكم قضائي، ومنهم من امتحن، ومنهم من اسود قلبه من طعام الجبابرة، ومنهم السراق سرقوا كلاما ونسبوه لأنفسهم، ومنهم من يؤمن بأن الوجود ينفعل بالجود، ومنهم من ضُعِّف في علم كالأصول والرواية، ومنهم من مات بالطاعون أو السعال أو ضيق النفس أو الفالج أو الجوع أو الغرق أو السم أو الغدر أو الذبح أو الطعن، ومنهم من مات في الحرب، ومنهم من عمّر حتى زاد على المائة، ومنهم من حضر جنازته السلطان، ومنهم من تأسف عليه الناس بموته، ومنهم من نقل تابوته بعد سبع وسبعين سنة من الدفن ولم يتغير منه شيء.

ومنهم من يثبت بركة قراءة صحيح البخاري في الشدائد، ومنهم من ينتقد عبارات في الكتاب إما للدسّ وإما للتصحيف، ومنهم من فسر بعض سور القرٱن على طريقة الحكماء، ومنهم من توافقا اسما واسم أب ونسبا وزمانا، ومنهم من قَتَل يهودا وهدم كنائسهم فمشوا على قبره وبالوا عليه حين مات، ومنهم من لا يأكل طعام السوق.

ومنهن فقيهات وصالحات ومعبرات للرؤى، ومنهن من لا ترضع إلا على وضوء، ومنهن من لا تحترم زوجها. ولم يفرد المصنِّف ترجمة لامرأة إلا لواحدة وهي الفقيهة الصالحة الطاعنة في السن أم هانئ بنت محمد العبدوسي، وفي ترجمتها فقر.

وقد ذُكر في المصنَّف شيء من المطبخ المغربي، ويتعلق الأمر بالكسكس والكعيكعات.

وفي الكتاب فوائد وعوائد شرعية ولغوية وتاريخية ونفسية وطبعية واجتماعية وثقافية وسيميائية، تفيد الفقيه والأصولي والكلامي والصوفي والمحدث واللغوي والقاضي والمؤرخ والأنثروبولوجي والسيميائي والمحقق، فهو كعبة كل قاصد فاغتنمه.

ومن مليح هذا الكتاب: حكم الاستنجاء بالتوراة والإنجيل، وحكم السفر إلى الحج مع فساد الطريق، ومسألة قبول شهادة عالم على مثله، ومسألة سند الطريق والفقه، ومسألة كراهة مالك التعريف بالسن، وأصعب مسائل علم الكلام، ومسألة صفة ابن القاسم، ومسألة الفرق بين العادة والعبادة، ومسألة تقبيل يد الإمام العادل، ومسألة عود الضمير على المضاف إليه، ومسألة إثبات الشرف من قبل الأم، ومسألة صرف أبي هريرة، ومسألة دليل عموم رسالة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، ومسألة ما أحدثه العزفي وولده أبو القاسم بالمغرب في ليالي المولد، ومسألة أخذ الفال من المصحف، ومسألة أن الطاعون لا يدخل مكة والمدينة، ومسألة طهارة بول المريض الذي باله بأوصاف الماء بلا تغير، ومسألة صحة الخلف في وعيده تعالى، ومسألة إباحة الشرع ذبح الحيوان في حق الإنسان وهو تعذيب له، ومسألة مصادر الإفتاء، ومسألة حكم السفر إلى الحج مع فساد الطريق هل الأولى تركه احتياطا على النفس أو الاستسلام في التوجه إليه؟، ومسألة النية في صلاة الجمعة.

وما دام الكتاب في أدب التراجم والمناقب فلا يعاب عليه المبالغة في الوصف؛ إذ هكذا هي لغة الأدب، يغلب عليها الخيال، إلا أن المصنِّف ومن ينقل عنه يتحرون الصدق في الوصف وإن بدا للقارئ أنه أسرف في الأسلوب أو بجّل وقدّس وتحيّز، فالغرض تقريب شخصية صاحب الترجمة إلى الأذهان بأسلوب بلاغي تستحليه النفس وتستملحه وتطرب له، وهو أشبه بفصاحة قسّ بن ساعدة وبلاغة سحبان بن وائل، إن تكلم المصنِّف أجزل وأوجز، بعيدا عن فهاهة باقل، وأحيانا تعجز اللغة عن البيان، يقول في بعضهم: ”فالوصف يتقاصر عن مزاياه، ويعجز عن وصفه ويتحاماه (…) وما قلناه من أوصافه فمما علم من حاله“[6]. وهذه حقيقة مشهورة بين الدهماء لا تخفى على أحد إلا من كان خفاشيا أو ذا هوى -وكلاهما محروم مسجون-، أو ذا غباء «وما بهِ خُوطِبَ ما لا يَعقِلُ».

ولا يعاب عليه أنه اكتفى بترجمة العلماء والصلحاء مقصيا غيرهم من العوام (التاريخ من أسفل)؛ إذ لو كان قصده ترجمة العوام لفعل، وما ذلك بعسير على لبيب، فـ«ـاجتنب خللا».

وقد نظمتُ أبياتا في الكتاب فقلتُ:

سِفْرٌ لَهُ فَضْلٌ عَلَى مَنْ طَالَعَهْ

يَحْوِي كُنُوزًا فِي فُنُونٍ مَاتِعَهْ

فِي عِلْمِ شَرْعٍ وَاجْتِمَاعٍ وَالقَضَا

لِسْنٍ وَتَارِيخٍ سُلُوكٍ مُرْتَضَى

وَالقَصْدُ إِتْحَافُ الوَرَى بِالتَّرْجَمَهْ

عَنْ عَالِمٍ مَعْ صَالِحٍ مَا أَعْظَمَهْ

قَوْمٌ عُنُوا بِالْعِلْمِ نَالُوا مَنْزِلَا

وَالصِّدْقُ فِي تَحْصِيلِهِ قَدِ انْجَلَى

لَيْسُوا عَلَى حَالٍ وَلَا طَبْعٍ وَلَا

عَيْشٍ فَرِيدٍ بَلْ شُكُولٍ فَاعْقِلَا

تَعْبِيرُهُ جَزْلٌ فَصِيحٌ يُشْبِهُهْ

سَحْبَانُ قُسٌّ لَا كَبَاقِلْ يُفْسِدُهْ

إِيَّاكَ أَنْ تَقْضِي بِإِسْرَافٍ عَلَى

وَصْفٍ فَقَصْدُ السِّفْرِ تَقْرِيبٌ جَلَا

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى ٱله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

  1. إرغام أولياء الشيطان بذكر مناقب أولياء الرحمان (الطبقات الصغرى)، لمحمد عبد الرؤوف المناوي، تحقيق: محمد أديب الجادر، دار صادر-بيروت، (4/ 47).
  2. شفاء السائل وتهذيب المسائل، لابن خلدون، تحقيق: محمد مطيع الحافظ، دار الفكر المعاصر- بيروت ودار الفكر- دمشق، ط: 1/ 1996م، (ص: 70).
  3. إرغام أولياء الشيطان بذكر مناقب أولياء الرحمان (الطبقات الصغرى)، لمحمد عبد الرؤوف المناوي، (4/ 51).
  4. إرغام أولياء الشيطان بذكر مناقب أولياء الرحمان (الطبقات الصغرى)، لمحمد عبد الرؤوف المناوي، (4/ 54).
  5. بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لابن رشد الحفيد، تحقيق وتعليق وتخريج: ماجد الحموي، دار ابن حزم- بيروت، ط: 1/ 1995م، (ص: 1764).
  6. نيل الابتهاج بتطريز الديباج، لأحمد بابا التنبكتي، منشورات كلية الدعوة الإسلامية- طرابلس، ط: 1/ 1989م، (ص: 501).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى