آلية تسوية النزاعات في عقود الفيديك – الكتاب الأحمر نموذجاً – الدكتورة المحامية آلاء أحمد شاهين
“The Dispute Resolution Mechanism under FIDIC (The Red Book as a Model)”
آلية تسوية النزاعات في عقود الفيديك – الكتاب الأحمر نموذجاً
“The Dispute Resolution Mechanism under FIDIC (The Red Book as a Model)”
الدكتورة المحامية آلاء أحمد شاهين
جامعة الشام الخاصة دمشق – الجمهورية العربية السورية
هذا البحث منشور في مجلة القانون والأعمال الدولية الإصدار رقم 60 الخاص بشهر أكتوبر/ نونبر 2025
رابط تسجيل الاصدار في DOI
https://doi.org/10.63585/EJTM3163
للنشر و الاستعلام
mforki22@gmail.com
الواتساب 00212687407665

آلية تسوية النزاعات في عقود الفيديك )الكتاب الأحمر نموذجاً)
“The Dispute Resolution Mechanism under FIDIC (The Red Book as a Model)”
الدكتورة المحامية آلاء أحمد شاهين
جامعة الشام الخاصة دمشق – الجمهورية العربية السورية
ملخص :
ترصد الدراسة أهمية الإطار القانوني لعقود الإنشاءات في ظل التحولات الاقتصادية التي تشهدها الدول العربية في مرحلة الإعمار وإعادة الإعمار، مع التركيز على عقود الفيديك، خاصة العقد الأحمر الخاص بالأعمال الهندسية المدنية. فقد برزت الحاجة إلى آليات قانونية واضحة تنظم العلاقات بين المقاول ورب العمل وتوفر وسائل فعّالة لحل النزاعات.
اعتمد الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين (FIDIC) على إرساء أدوات مرنة تجمع بين الوسائل الودية والتحكيم التجاري الدولي، مثل دور المهندس الاستشاري في طبعة 1987 وما يترتب على قراراته من قوة قانونية، ثم دور مجلس فض النزاعات في طبعة 1999 وإشكالية تحديد الطبيعة القانونية لأعماله.
وتخلص الدراسة إلى أن هذه الآليات، سواء الودية أو التحكيمية، تشكّل حجر الأساس في معالجة النزاعات المرتبطة بمشاريع البنية التحتية الضخمة، وتطرح تحديات نظرية وعملية ما زالت محل نقاش فقهي واسع، خاصة في السياق السوري.
كلمات مفتاحية: الفيديك الأحمر– المهندس الاستشاري – مجلس فض النزاعات – التحكيم التجاري الدولي .
Abstract :
This study highlights the importance of the legal framework governing construction contracts in light of the economic transformations taking place in Arab countries during the current phase of reconstruction. It focuses in particular on FIDIC contracts, especially the Red Book for civil engineering works, which underscore the need for clear mechanisms to regulate relations between contractors and employers and to provide effective means of dispute resolution.
The International Federation of Consulting Engineers (FIDIC) has introduced flexible tools combining amicable methods and international commercial arbitration, such as the role of the consulting engineer under the 1987 edition and the legal force of his decisions, as well as the role of the Dispute Adjudication Board introduced in the 1999 edition, along with the challenge of defining the legal nature of its work.
The study concludes that these mechanisms, whether amicable or arbitral, constitute the cornerstone for addressing disputes in large-scale infrastructure projects and raise theoretical and practical challenges that remain subject to wide scholarly debate, particularly in the Syrian context.
Keywords: FIDIC Red Book – Consulting Engineer – Dispute Adjudication Board (DAB) – International Commercial Arbitration.
مقدمة :
تعتبر صناعة الإنشاءات بشكل عام و مقاولات البناء والتشييد بشكل خاص من أهم مجالات الاستثمار المحلي والأجنبي في المرحلة الراهنة، ولاسيما في أقطار مثل القطر العربي السوري والعراق واليمن وليبيا وغيرها من الدول العربية، نظراً لما تعانيه البنية الاقتصادية في تلكم الدول من حاجة فعلية للإعمار وإعادة الإعمار، مما يشكل فرصة حقيقية أمام الشركات العالمية للانخراط بمشاريع البنية التحتية ، إلا أن أمر لا يتم بهذه البساطة بل فهو بحاجة قبل كل شيء إلى بنية تحتية قانونية قد تجد ضالتها في عقود قوس قزح الفيديك (THE FIDIC RAINBOW) التي شكلت على مدى السنوات المنصرمة ألف باء أعمال المقاولات الدولية .
لقد شهدت السنوات الماضية في الوطن العربي عموماً والقطر العربي السوري خصوصاً صدور عدد من القوانين المتعلقة بالتطوير العقاري، ولما كانت الدول العربية بأمس الحاجة للاستثمار بهذا القطاع لاسيما ونحن مقبلين على مرحلة بناء وإعادة إعمار وما يتطلبه ذلك من مشاريع انشائية ضخمة لن تخرج بالشكل المطلوب إذا لم تؤسس على أرضية قانونية صلبة، وهنا يأتي دور عقود الفيديك خاصةً وأن الجهات المانحة لقروض تمويل وتنفيذ المشاريع الحيوية و التنموية لا تتعامل إلا بنظام الفيديك، لدرجة أن الحديث على الصعيد المحلي يدور الآن حول قدرة أحكام الفيديك بالحلول محل القانون 51 لعام 2004 الناظم لعقود الجهات العامة في سورية ودفتر الشروط العامة الصادرة بالمرسوم 450 من نفس العام الذي لم يعد يناسب استراتيجيات المرحلة القادمة.
نظراً للطبيعة الخاصة لهذه العقود النموذجية الصادرة عن الاتحاد الدولي للمهندسيين الاستشاريين فإن النزاعات التي قد تتولد عنها أصبحت الشغل الشاغل للمهتمين بهذا المجال على كافة الأصعدة الاقتصادية والقانونية والفنية، كونها تتطلب أسلوب خاص في تسويتها بما يتناسب مع طابعها العابر للأقاليم، ورقم أعمالها الضخم، وأهدافها الجيوستراتيجية، بحيث يضمن حقوق وواجبات أطرافها من خلال زرع الطمأنينة في أنفسهم بجدوى آليات المتبعة في فض خلافاتهم بحال نشوئها، ودون أن يؤدي ذلك للإحجام عن الانخراط بها وبالتالي تراجع الاقتصاد على المستويين الدولي والداخلي.
أهمية البحث : من الضروري أن يكون للبحث العلمي دور فعال في عملية التهيئة والإعداد لمرحلة إعادة الإعمار في سورية وهنا تكمن أهمية البحث الذي ربط الواقع النظري مع الواقع العلمي لقطاع الاستثمار الإنشائي من خلال دراسة آلية فض وتسوية النزاعات التي يفرزها عقد “مقاولات أعمال الهندسة المدنية” الذي نظمه كتاب الفيديك الأحمر الجديد لعام 1999م، وذلك بعيداً عن فكرة القضاء الوطني الذي لا يتناسب مع الطبيعة الخاصة لهذا العقد، ولا مع الهدف المرجو منه، حيث تحلل هذه الدراسة أساليب حل النزاعات البديلة التي استحدثتها قواعد الفيديك بدءاً بدور المهندس الاستشاري بهذا المجال مروراً بمجلس فض وتسوية النزاعات ووصولاً إلى التحكيم .
إشكالية البحث : تتجلى إشكالية الدراسة بالصيغة الاستفهامية التالية : في حال نشوب نزاع متعلق بأحد أشهر عقود الفيديك وهو عقد مقاولات أعمال الهندسة المدنية كيف السبيل إلى حلها ؟ أو بعبارة أخرى ما هي الآليات القانونية المتبعة في تسويتها من الناحية العملية من الألف إلى الياء ؟ وهل يختلف الأمر في ظل أحكام الكتاب الأحمر الجديد 1999م عنه في ظل أحكام الطبعة السابقة من ذات الكتاب ؟
منهجية البحث : نظراً للطابع القانوني المتفرد لهذا البحث من حيث ارتباطه بأحكام القانون الدولي الخاص من جهة، والقانون الدولي للاستثمار من جهة أخرى، إضافة لقانون التجارة الدولية والقوانين الوطنية ذات الصلة ، فإن اعتمادنا كان على المنهج الوصفي من خلال وصف الظاهرة القانونية محل الدراسة وتفنيد معطياتها، من خلال التركيز بالدرجة الأولى على قواعد الكتاب الأحمر الجديد 1999م ، إضافة إلى المنهج التحليلي التأصيلي من خلال إيجاد نوع من المقاربة الموضوعية بين العام والخاص بما يحقق مرونة الانتقال من الكليات إلى الجزئيات أو العكس وفقاً لمتطلبات معالجة الأفكار وكل ذلك بأسلوب قانوني علمي مقارن .
مخطط البحث : تم اعتماد المنهج اللاتيني في تقسيم الدراسة إلى مبحثين وكل مبحث إلى مطلبين على النحو التالي :
المبحث الأول : بدائل التحكيم في عقود الفيديك
المطلب الأول : عقود الفيدك
المطلب الثاني : التسوية الودية للنزاعات في عقود الفيديك
المبحث الثاني : التحكيم في عقود الفيدك
المطلب الأول : ماهية التحكيم
المطلب الثاني : التحكيم كوسيلة لتسوية النزاعات في عقود الفيدك
خاتمة
المبحث الأول : بدائل التحكيم في عقود الفيديك
كيّف مركز تسوية النزاعات الاستثمارية CIRDI[1] في سابقة Salini Construttori S.P.A V Royaume du Maroc بالقضية رقم ARB\00\4 لعام 2001م[2] المشروع الدولي للإنشاءات الهندسية المدنية أو ما يسمى بعقد مقاولات أعمال الهندسة المدنية الذي قننته قواعد الفيديك بالكتاب الأحمر بأنه “مشروع استثماري” وعليه فإن نظر النزاعات المرتبطة به تدخل ضمن اختصاص هذا المركز التحكيمي وفقاً للمادة 25 من اتفاقية واشنطن الخاصة بتسوية النزاعات الاستثمارية بين الدول ورعايا الدول الأخرى لعام 1965 م[3]، ولكن هل من طرق أخرى لفض هذه النزاعات بعيداً عن التحكيم الأمر الذي سنتعرف عليه بالمطلبين التاليين : فما المقصود بعقود الفيديك؟ (مطلب أول) وما هي الطرق الودية في تسوية نزاعاتها؟ (مطلب ثاني).
المطلب الأول : عقود الفيديك
لم يتفق الفقهاء القانونيين على تسمية عربية موحدة لعقود الفيديك، إذ تعددت المصطلحات المستخدمة في هذا المجال بين عقود المقاولات الدولية، وعقود الهندسة، وعقود الإنشاءات الدولية، وعقود الاستشارات الهندسية، وعقود الأشغال العامة و غيرها من التسميات[4]، لذلك آثرنا استخدام الكتابة العربية (الفيديك) للمصطلح اللاتيني FIDIC كونها الأكثر شيوعاً على الصعيد الدولي، والأكثر قدرة على التعبير عن ماهية هذه العقود والهدف الذي وجدت من أجله .
أولاً: الفيديك: أضحت الفيديك اليوم مرجعاً دولياً معتمداً في قطاع الاستثمارات الانشائية مما يحتم علينا بدايةً التعرف عليها عن كثب قبل الخوض في مسألة فض النزاعات التي تثور بشأنها.
1 – تعريف الفيديك :ال FIDIC اختصار للأحرف الأولى للتسمية الفرنسية للاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين Fédération International Ingénieurs-Conseils وهو وفقاً لنظامه الأساسي الجديد المعتمد من قبل جمعيته العامة في سبتمبر عام 2005م؛ والذي حل محل سابقة المعتمد في يونيو 1995م[5] اتحاد عالمي غير حكومي متخصص مقره في جنيف، وقد أسس الفيديك في بلجيكا عام 1913 بمساهمة الجمعية الفرنسية والسويسرية والبلجيكية للمهندسين الاستشاريين وهو اليوم يضم جمعيات المهندسين الاستشارين في معظم دول العالم[6]، وتتجلى أهم أعماله بإعداد ونشر نماذج تعاقدية Machanism Contractual تتصل بأعمال المقاولات بأنواعها المختلفة وتسمى هذه العقود التي يصدرها بعقود الفيديك نسبة إليه، وتتضمن الشروط العامة والخاصة لأنماط مختلفة من عقود البناء والتشييد والانشاءات يتم اختيار الأنسب منها وفقاً لطبيعة موضوع التعاقد، بحيث تحقق التوازن بين حقوق والتزامات أطرافها، وتحدد مراكزهم القانونية بهدف تنظيم أعمال البناء وتوحيد القواعد القانونية المطبقة بشأنها، ويمكن استخدامها على نطاق واسع في أنواع مختلفة من المشاريع الهندسية المحلية والدولية كونها تتميز هذه العقود بالمرونة المطلوبة بظل المتغيرات المتسارعة في عالم مشاريع الإنشاءات وتنص على إجراء التأمينات الضرورية لطرفي عقد المقاولة كأحد طرق تلافي النزاع في هذا النوع من العقود[7]، وتكتسب عقود الفيديك أهميتها بالدرجة الأولى كونها تندرج ضمن طائفة العقود النموذجية فما المقصود بالعقود النموذجية ؟
العقد كما هو معروف : “توافق إرادتين أو أكثر على إحداث أثر قانوني معين من خلال إنشاء التزام أو نقله أو الغاءه”، أما مصطلح نموذجي فهو مأخوذ من نموذج، والنموذج لغةً: المثال الذي يحتذى به، أو بعبارة أخرى ما يضرب به المثل، وجمعه نماذج[8]، وعليه فإن العقد النموذجي هو العقد المحتذى به من قبل الأطراف المتعاقدة، وفي الاصطلاح القانوني عرّف الفقهاء العقود النموذجية التي وجدت أول ما وجدت على الصعيد الاقتصادي كوسيلة لتوحيد أحكام التجارة الدولية بل أكثر وسائل التوحيد أهميةً؛ بأنها : “مجموعة من الأحكام أو الشروط النموذجية المفرغة في صيغة مكتوبة يتفق عليها المشتغلين في تجارة معينة في زمان ومكان معينين ويلتزمون بإرادتهم الحرة بإتباع أحكامها في كل ما يتعلق بهذه التجارة، يتم إعدادها من قبل جهات دولية بما يتناسب مع التطبيقات التجارية الدولية بحيث يختار منها الأطراف ما يتفق واحتياجاتهم وظروفهم التعاقدية الخاصة “[9]، وهذا المفهوم للعقود النموذجية برأينا ينطبق على عقود الفيديك مما يجعلها تتمتع بامتياز بوصف العقد المحتذى به في قطاع الاستثمارات الإنشائية العابرة للحدود، ولا تقف أهمية عقود الفيديك عند مسألة انضواءها تحت مظلة العقود النموذجية بل تمتد لتشمل الأهداف التي وجدت من أجلها وهي:
أ-وضع إطار تعاقدي مسبق لتخطي مشكلات الإنشاءات المحلية والدولية.
ب-تحقيق مبدأ الكفاية الذاتية لعقود البناء والتشييد.
2 – أنواع عقود الفيديك : أصدر الاتحاد الدولى للمهندسين الاستشاريين عدة أنواع من العقود النموذجية ( FORMS OF CONTRACTS) في مجال البناء والتشييد يطلق عليها اسم قوس قزح الفيديك (THE FIDIC RAINBOW) نسبة إلى تعدد ألوان أغلفة كتب كل نوع من هذه العقود وبقصد تمييزها عن مثيلاتها، حيث خصص كل لون لنوعية معينة من العقود تتحد فيما بينها حسب اختصاص عملها والمجال الذي تتناوله، وتتجلى أنواع هذه العقود في [10]:
أ-الكتاب الأحمر (le livre rouge) : وهو الكتاب الذي تتمركز حوله هذه الدراسة إذ يعد أحد أكثر عقود الفيديك استخداماً فى الواقع العملى، ويتضمن نموذج الشروط العقدية لمقاولات أعمال الهندسة المدنية، صدرت طبعته الأولى في 1957م، وسمي بالكتاب الأحمر نظراً إلى لون غلافه، ثم صدرت طبعته الثانية في 1969 والثالثة في 1977 و الرابعة في 1987، وفي عام 1995 صدر نظام تسوية المنازعات عقود الفيديك وملحق عن كيفية تطبيقه وفق قواعد الكتاب الأحمر، أما في عام 1999 فقد صدرت الطبعة الخامسة له وسميت بالكتاب الأحمر الجديد، ويقوم المقاول فى هذا النوع من العقود بتنفيذ أعمال البناء وفقاً لتفاصيل التصميمات المقدمة من صاحب العمل أو من ينوب عنه أو مهندسيه، ويكون دور المهندس فيها هو الإشراف وإعداد التقديرات الهندسية الخاصة بمشروع المقاولة، ومع ذلك فيمكن أن يُطلب من المقاول تصميم جزء فقط من الأعمال المدنية والميكانيكية والكهربائية أو البناء، بالإضافة إلى عمله الأصلي كمقاول بناء وتشييد، أما إذا طُلب منه تصميم معظم الأعمال الفنية الخاصة بالكهرباء أو الميكانيك أو أعمال الالكتروميكانيك فإنه يكون من الملائم استخدام الشروط التعاقدية الواردة فى الكتاب الأصفر لتخصصه في هذه النوعية من أعمال المقاولات .
ب- الكتاب الأصفر (le livre jaune) : يتضمن شروط عقد مقاولات أعمال الهندسة الميكانيكية والكهربائية المصممة من المقاول، صدرت طبعته الأولى عام 1963 وتسمى بالكتاب الأصفر القديم، وفي عام 1980 صدرت طبعته الثانية، وعام 1987 صدرت الطبعة الثالثة ، كما صدر ملحق تطبيق نظام تسوية نزاعات الفيديك وفقاً لقواعد الكتاب الأصفر في عام 1995، أما الكتاب الأصفر الجديد فقد صدر في 1999م، وفى سبتمبر 2008 نشر الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين الكتاب الذهبي والذى يعد امتداداً للكتاب الأصفر حيث يتضمن شروط تصميم وبناء وتشغيل المشاريع وبعض القواعد الواردة في الكتب الأخرى، ويهدف إلى توفير نماذج للعقود الدولية بشأن تصميم وتنفيذ وتشغيل المشاريع الإنشائية الدولية، ويركز المسؤولية على المقاول في جميع مراحل تنفيذ العقد، كما ينظم المخاطر التي يتحملها كل طرف من أطراف العقد واستخدام فكرة “القوة القاهرة” بدلا من فكرة “المخاطر التي لا يمكن التنبؤ بها” والتي يتحملها المقاول حسب بنود هذا العقد. ومن الجدير بالذكر أن الكتابان الأحمر والأصفر من أهم عقود الفيديك انتشاراً وعملاً نظراً لتنظيمهما لأهم نوعين من أنواع المقاولات وهي مقاولات التعمير والإنشاء وهندسة الكهرباء والميكانيك .
ج- الكتاب الفضي (le livre argent): يتضمن شروط عقد المشاريع المتكاملة (هندسة، شراء إنشاء، تسليم مفتاح) وتسمى بعقود مشروعات تسليم المفتاح ،”contrats cles enmain” صدر عام 1999م وفيه يتولى المقاول إعداد التصميم والتوريد والإنشاء وفقا للوصف الدقيق المقدم من صاحب العمل بشأن المشروع والغرض منه، وكذلك إجراء الاختبارات عند الانتهاء من المشروع الهندسي، وتسليمه مجهزاً كاملا للعمل، ويضمن المقاول بمقتضى هذه النوعية من العقود سلامة المشروع من أية مخاطر في عمليتي التصميم والتنفيذ، ويهدف هذا العقد إلى الحد من إدخال تعديل للأسعار أو مدة التنفيذ، ولم يرد فيه دور واضح للمهندس، وهو يشكل تطوراً للعقود سالفة الذكر مجتمعة ويلائم مشروعات إنشاء محطات توليد الطاقة والمنشآت البترولية والبتروكيماوية، ومنشآت معالجه المياه، وشبكات الاتصالات السلكية واللاسلكية، والمطارات، والموانئ البحرية.
د- الكتاب الأخضر ( le livre vert) هو نموذج لعقود البناء أو الأعمال الهندسية ذات القيمة المالية الصغيرة نسبياً أو قصيرة المدة، ويسمى “العقد الموجز ” short form of contract for construction، ويقوم المقاول في هذا النوع من العقود بتنفيذ أعمال البناء أو الأعمال المدنية والميكانيكية والكهربائية وفقاً للتصميم الذى يتم بمعرفة صاحب العمل أو من ينوب عنه أو المقاول أو بالاشتراك فيما بينهما، وقد صدر عام 1999م وروعي فيه الاختصار وبساطة اللغة بما يتناسب مع طبيعة الأعمال التي يحكمها .
ومن الجدير بالذكر أن الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشارين كان قد أصدر عام 1994م الطبعة الثانية من نظام طرح المناقصات أو العطاءات FIDIC Tendering procedure للتعريف بالنظام الذي يوصي الفيديك باتباعه لاختيار العرض الأنسب وتقييم العطاءات الخاصة بعقود أعمال الهندسة المدنية، أضف لكل ما سبق إصدار الفيديك مؤخراً للطبعة جديدة من عقود قوس قزح الفيديك بأنواعها المختلفة في 2017م والتي احتوت على جملة من الأحكام الجديدة المختلفة عن سابقتها[11] إلا أن الحديث عن هذه الطبعة الجديدة الآن ما زال مبكراً لاسيما وأن الوصول إليها بهدف معالجتها وتحليلها ما زال من الصعوبة بمكان ما .
ثانياً: الأساس القانوني لتطبيق قواعد الفيديك : تكتسب القواعد التي تتضمنها عقود الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشارين (الفيديك) قوتها القانونية الملزمة وبالتالي تستطيع إنتاج جميع مفاعيلها وآثارها القانونية إما بالاستناد إلى أسس تعاقدية أو بالاستناد إلى أسس غير تعاقدية، فكيف يتجلى ذلك؟
1 – الأساس التعاقدي لإعمال قواعد الفيديك : لطالما كان مبدأ سلطان الإرادة أحد أهم مرتكزات عقود التجارة الدولية[12] الأمر الذي كرسته الأنظمة القانونية المقارنة على الصعيدين الدولي والمحلي، وتبناه معظم الفقهاء القانونيين، كما أكدته السوابق التحكيمية والقضائية في أكثر من مناسبة[13]، وإذ تتضاعف أهميه هذا المبدأ في مجال الاستثمار الدولي نظراً لدوره في تحديد القواعد الناظمة للعمل بهذا القطاع الاستثماري أو ذاك، ففي قطاع الانشاءات الدولية الذي يشكل محور هذه الدراسة تغدو إرادة الأفراد بمثابة القانون الناظم لعلاقتهم العقدية من حيث تكوينها وآثارها وشروطها، الأمر الذي أكدته محكمة التحكيم الدولية التابعة لغرفة التجارة الدولية في جملة من السوابق التحكيمية المتعلقة بعقود الفيديك نذكر منها على سبيل المثال القضية رقم 16083 لعام 2010م والقضية رقم 17164 لعام 2013 م[14]، فمن خلال اتفاق المتعاقدين على إعمال قواعد وشروط العقود النموذجية للفيديك كلياً أو حتى جزئياً على مختلف جوانب العلاقة القانونية فيما بينهم تكتسب قوتها القانونية أمام القاضي أو المحكم ، ويتم ذلك من الناحية العملية بإحدى الطرق التالية[15]:
أ- إما أن يختار الأطراف الاكتفاء باستعمال الصيغة المطبوعة الجاهزة للعقد الذي يريدون دون حاجة لإفراغ اتفاقهم بصيغة كتابية أخرى، حيث تعتبر هذه الصيغة عقد قائم بذاته لا يقوم أطرافه بمهمة أخرى سوى عملية ملء للفراغات .
ب- أو أن يختار الأطراف الارتباط بعقد خاص يصوغونه فيما بينهم مع تضمينه بند يحيل للأحكام الواردة في العقد النموذجي للفيديك، ولا تعتبر عندها الشروط العامة لهذا العقد النموذجي عقد مستقل قائم بذاته وإنما هي تابعة ومكملة للعقد الأصلي.
ولكن يبقى السؤال بحال لم يتبن الأطراف أحكام عقود الفيديك لا صراحة ولا حتى ضمناَ، فما هي القوة القانونية لتلك الأحكام أمام المحكم أو حتى القاضي الوطني؟ هل يستطيع تطبيقها من تلقاء نفسه وإلى أي مدى يستطيع ذلك ؟
2 – الأساس غير التعاقدي لإعمال قواعد الفيديك: إن تمتع العقد بالصفتين التجارية والدولية يولد برأينا جملة من الآثار القانونية التي قد يعتمد عليها القاضي أو المحكم في تطبيق قواعد وأحكام عقود الفيديك في كل مرة يعجز فيها عن تلمس مبدأ سلطان الإرادة .
أ-دور القانون واجب التطبيق : يلعب القانون الواجب التطبيق على العلاقة القانونية ما بين أطراف عقد الفيديك دورأ مفصلياً في تحديد الأحكام الناظمة لهذه العلاقة؛ وعلى رأسها الآليات المتبعة في تسوية وفض النزاعات التي قد تنشأ عنها، وذلك في كل مرة تعجز فيها الإرادة عن الإلمام بجميع هذه الأحكام أو على الأقل لا تستطيع الإلمام بها بالشكل المطلوب، وهنا يظهر دور النص القانوني في سد هذه الثغرة، فإذا كان القانون الواجب التطبيق على العقد الدولي للانشاءات الهندسية قد كرس إعمال قواعد الفيديك على هذا النوع من العلاقات القانونية يغدو تطبيق أحكامها من قبل القاضي أو المحكم أمر مفروغ منه حتى بحال غياب الاتفاق الصريح أو الضمني على ذلك، فعلى سبيل المثال في دولة الكويت تم اعتماد قواعد الفيديك ضمن الشروط العامة لمناقصات الأشغال العامة تحت مسمى الشروط الحقوقية لسنة 1971 وتم إدخال بعض التعديلات عليها للتوافق مع القوانين الكويتية المحلية كان أخرها في عام 2003م[16] ، لكن الإشكالية تثور بحال كان القانون الواجب التطبيق على العقد الدولي موضوع النزاع قد خلا من نص قانوني من هذا النوع ، فهل يحق للقاضي أو المحكم تطبيق قواعد الصادرة عن الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين (الفيديك) وعلى أي أساس قانوني؟
ب-غياب النص القانوني: على الصعيد الوطني لا تقتصر مصادر القاعدة القانونية على النص التشريعي بل تشمل مصادر أخرى[17] يلجأ إليها القاضي للحكم بالمسألة المعروضة أمامه تحت طائلة تعرضه لتهمة انكار العدالة، والأمر سيان على الصعيد الدولي وفقاً لما أثبتته السوابق التحكيمية المتتالية في هذا المجال التي تعتبر بحد ذاتها من المصادر الأساسية لقانون التجارة الدولية LexMercatoria ، هذه المصادر التي تشمل إضافة للقواعد الموضوعية المكتوبة القواعد الموضوعية غير المكتوبة المستمدة من العادات والأعراف السائدة بين المشتغلين بهذا القطاع أو ذاك، إضافة للمبادئ العامة للقانون المستمدة من مفاهيم القانون الطبيعي للمجتمع والتي كرسها التحكيم التجاري الدولي[18]، وعلى ذلك فالمحكم في عقود الإنشاءات الهندسية الدولية مخول برأينا بتطبيق أحكام وقواعد الفيديك من تلقاء ذاته وحتى لو يتمسك بتطبيقها أطراف النزاع (المقاول أو صاحب العمل) ومن باب أولى طبعاً بحال التمسك بها من قبلهم؛ بشرطين أساسين : الأول عدم اتفاق أطراف العقد على استبعاد تطبيقها صراحة أو ضمناً باعتبار أن الاتفاق مقدم على العرف من جهة، وفيما لو كيفنا هذا النوع من القواعد بأنها قواعد قانونية مكملة يلتزم المحكم بتطبيقها في حال عدم الاتفاق على إقصائها كلياً أو جزئياً. والشرط الثاني : عدم وجود قاعدة قانونية آمرة أو قاعدة نظام عام تمنع من تطبيقها ، أما الأساس القانوني لإعمالها برأينا فهو تواتر الاعتماد عليها بهذا النوع من العقود حتى أصبحت تتمتع بالقوة القانونية الملزمة بوصفها عرفاً قائماً بذاته، وليس هذا فحسب بل إنها أصبحت تعكس شكلاً من الأشكال المكتوبة أو المقننة لقواعد الاستثمار بالقطاع الإنشائي على الصعيد الدولي؛ تلك القواعد التي تشكل بمجموعها نظاماً قانونياً قائماً بذاته له مصادره الذاتية و قضاؤه الخاص مما يلزم المحكم بتطبيقها كلياً أو جزئياً باعتبارها قانون اختصاص المحكم أو ال Lex Fori[19] حتى بالحالة التي لا يكون فيها المحكم مفوضاً بالصلح .
المطلب الثاني : الطرق الودية في تسوية نزاعات عقود الفيديك
لعل أبرز ما يميز الطرق الودية لحل المنازعات في قطاع الاستثمار ويبرر أهمية اللجوء إليها هو محدودية تكاليفها مقارنة بالقضاء والتحكيم ،إضافة لقدرتها على تحقيق مكاسب مشتركة وحل النزاع بأقصر فترة ممكنة دون التأثير على المدة الزمنية لتنفيذ المشروع، إضافة لضمان السرية والخصوصية ، والاستئناس بالقرارات المتخذة في هذا النوع من أساليب حل النزاع فيما لو تم اللجوء لاحقاً للقضاء أو التحكيم[20] .
أولاً: تسوية النزاعات وفقاً للبند 67 من عقود الفيديك 1987: وتسمى بالطبعة الرابعة لكتاب الفيديك الأحمر والتي تميزت بإيلاء المهندس الاستشاري دوراً مفصلياً في حل نزاعات المقاول ورب العمل ، وجعلت المرور به شرط للجوء إلى التحكيم ، الأمر الذي جعلها عرضةً للانتقاد .
1 – المهندس الاستشاري: تعتبر الهندسة بتخصصاتها المختلفة أحد أبرز عوامل نهوض الدول وتحضر الأمم، وهنا تكمن أهمية دور المهندس لاسيما في هذه المرحلة التي تمر بها البلاد العربية .
أ – تعريف المهندس: عرفته المادة 1.1.2.3 من الكتاب الأحمر للفيديك 1999 بأنه : “الشخص المعين من قبل صاحب العمل والمسمى في ملحق المناقصة ليعمل كمهندس لأغراض العقد، أو أي شخص أخر يسمى من وقت لأخر من قبل صاحب العمل بعد إعلام المقاول وفق البند الفرعي 3.4”[21]، وهذا التعريف يتطابق بدوره مع تعريف المهندس بالكتاب الأصفر وكلاهما لا يختلفان كثيراً عما جاءت به النسخة السابقة للكتاب الأحمر لعام 1987م حيث عرفت المهندس بالمادة 1.1.أ.4 بأنه: ” الشخص المعين من قبل صاحب العمل والمسمى وفق القسم 2 من هذه الشروط ليقوم بدور المهندس وفقاً لأغراض العقد . [22]”
ويؤخذ على هذين التعريفين برأينا أنهما لم يوضحا الشكل القانوني للمهندس، فهل عمله مقتصر على الشخص طبيعي دون الشخص الاعتباري ؟ كما أن أياً منهما لم يحدد الطبيعة القانونية لدور المهندس في عقود الفيديك، ولا طبيعة علاقته بأطراف هذا العقد وهما المقاول ورب العمل، أضف لهذا وذاك أنهما لم يتطرقا بالأساس لماهية أعمال المهندس بهذا النوع من العقود لا من الناحية القانونية ولا من الناحية التقنية الهندسية، ولعل السبب بذلك وجود مواد أخرى في شروط الفيديك تحدد حقوقه والتزاماته، إلا أن أمر كهذا برأينا لا يبرر أن يكون تعريف المهندس مبهماً بهذا الشكل، أضف لهذا كله أن تلك التعاريف أغفلت تحديد ضمن أي نوع من أنواع علم الهندسة أو ضمن أي تخصص من تخصصات هذا العلم يندرج عمل هذا المهندس فهل يندرج ضمن أعمال الهندسة المعمارية أم الهندسة المدنية أم الهندسة الصناعية أم البيئية أم الكهربائية أم ماذا ؟ وحتى على اعتبار أننا نتحدث عن الكتاب الأحمر للفيديك المختص بعقد مقاولات أعمال الهندسة المدنية بالتالي فإن المقصود بالمهندس هنا هو المهندس المختص بهذا الفرع من فروع علم الهندسة بطبيعة الحال، إلا أن التسليم بذلك غير صحيح لأن هذا النوع من أنواع العقود يمكن أن يشمل أعمال هندسية أخرى غير مقتصرة على هذا التخصص الهندسي فقط، وعدا عن كل ذلك فإن تلك التعريفات لم توضح ما إذا كان عمل المهندس “استشاري” فقط بحيث سيطلق عليه بهذه الحالة لقب المهندس الاستشاري أم يمتد لما وراء ذلك بحيث لا يكون هذا اللقب مناسباً له ؟؟
وبرأينا فإن وضع أي تعريف للمهندس في أي نوع من أنواع عقود الفيديك إن لم يأخذ بعين الاعتبار الأسئلة القانونية السابقة فإنه سيبقى عاجزاً عن تحقيق الغاية المرجوة منه، ولما كانت مسألة وضع التعريفات تخرج عن أهداف هذه الدراسة فإننا سننتقل مباشرة للحديث عن دور المهندس كبديل عن التحكيم في تسوية نزاعات عقود الفيديك وفقاً للكتاب الأحمر بنسخته الرابعة .
ب – دور المهندس في تسوية النزاع: كانت النسخة الرابعة من كتاب الفيديك الأحمر لعام 1987 تستلزم إحالة أي نزاع يثور بين رب العمل والمقاول إلى المهندس قبل اللجوء للتحكيم، ووفقاً للمادة 67 من هذه النسخة يشترط لإحالة النزاع إلى المهندس :
- وجود خلاف بين المقاول وصاحب العمل .
- أن يتعلق الخلاف بموضوع العقد أثناء أو بعد الانتهاء من تنفيذه .
- إحالة النزاع للمهندس بموجب خطاب مكتوب وهذا القيد الشكلي لم يكن موجوداً في طبعة 1977 .
يصدر المهندس قراره خلال 84 يوم من تاريخ إحالة النزاع إليه، وفي حال لم يلق قراره قبول لدى أحد الطرفين أو كلاهما، أو بحال تضرر أحدهما منه، أو في حال لم يصدر القرار خلال المدة المحددة لذلك، يحق للمتضرر خلال 70 يوم من استلام الرد أو انقضاء 84 يوم على إحالة النزاع دون رد إرسال إشعار للطرف الأخر برغبته باللجوء للتحكيم، والذي لا يتم بشكل نهائي إلا بمرور 56 يوم من تاريخ استلام خطاب العزم على اللجوء للتحكيم؛ وهذه المدة هي مدة التسوية الودية للنزاع التي تحدث عنها البند 67/2 كتاب الفيديك الأحمر 1987م دون أن يحدد معالمها، إلا أن أبرز صورها تتجلى عملياً بالمفاوضات المباشرة ومساعي التوفيق والوساطة بين الأطراف[23]، فالمفاوضة بين المقاول ورب العمل وسيلة أساسية لفض المنازعات وتعتبر أبسط وأسرع الطرق لإنهائها، أما التوفيق والوساطة يعني تدخل طرف محايد من غير أطراف النزاع ليساعد على حل الخلاف بتقريب وجهات وإزالة سوء التفاهم بين الأطراف، وفي حال انتهاء مرحلة التسوية الودية دون التوصل لنتيجة تبدأ اجراءات التحكيم فوراً، و بجميع الأحوال فإن اللجوء للتحكيم لا يؤثر على تنفيذ أعمال و التزامات الأطراف .
2 – الطبيعة القانونية لعمل المهندس: محكم ؟ شبه محكم ؟ وسيط ؟ أم ماذا ؟ إن تشابه الأدوار بين المهندس والمحكم دفع جانب من الفقه والقضاء للقول بأن وظيفة المهندس هي وظيفة تحكيمية فهو محكم[24] أو على الأقل شبه محكم[25]، وهذا الاتجاه الذي تأثرت به دول القانون العمومي common law، في حين انتقدته أنظمة القانون المدني [26]civil lawوهي محقه بذلك إذ تعتريه برأينا العديد من المغالطات القانونية نذكر منها:
أ-المهندس غير ملزم بإتباع اجراءات التحكيم المتعلقة بتبادل مذكرات الدفاع والطلبات وغيرها بين الأطراف .
ب-لا يجبر المهندس على إصدار قراره في الخصومة المحالة إليه في حين يجبر المحكم على ذلك[27].
ج-لا يتمتع قرار المهندس بنفس القوة القانونية التي يتمتع بها قرار المحكم، إذ يجوز رفض تنفيذه من قبل أي طرف أما الحكم التحكيمي فإنه واجب التنفيذ بعد إكسائه الصيغة التنفيذية.
د-تختلف إجراءات تعيين المهندس ورده عن تلك المتبعة بالنسبة للمحكم .
ه-إن اللجوء للمهندس أمر اجرائي مفروض بموجب قواعد الفيديك، في حين أن اللجوء للتحكيم يتم إما بموجب شرط أو مشارطة التحكيم .
و-لا يتمتع المهندس بنفس سلطات وصلاحيات المحكم، كما أن نطاق عمله مقتصر على نزاعات محددة من حيث موضوعها وأطرافها الأمر الذي لا نجده بالنسبة للمحكم .
ز-لا يتصور الطعن بدعوى البطلان بالنسبة لقرار المهندس وإنما كل ما هنالك أنه بحال لم يعجب الأطراف يحق لهم اللجوء للتحكيم .
ح-المادة 67 من كتاب الفيديك الأحمر 1987م استخدمت مصطلح قرار decision وليس مصطلح حكم awardsللدلالة على أعمال المهندس .
ط-تقسم المادة 67 أنفة الذكر طرق تسوية النزاع لمرحلتين فلو فرضنا أن المهندس يقوم بوظيفة المحكم فلا داعي عندها لوجود المرحلة الثانية وهي مرحلة التحكيم .
ي-اتفاقية نيويورك لعام 1958 بشأن الاعتراف بتنفيذ الأحكام الأجنبية ولاسيما المادة 12 منها نصت على: “الأحكام التحكيمية هي تلك التي تصدر عن محكمين يعينون بمناسبة كل قضية أو تصدر عن مؤسسات التحكيم الدائمة التي يقدم لها الأطراف طلب التحكيم”، وهذا التعريف لا يتفق مع عمل المهندس أو طبيعة قرار الصادر عنه .
ك-كيّف مجلس اللوردات البريطاني في سابقة Sutcliffe V Thackrah & others لعام 1974 العلاقة بين المهندس ورب العمل بأنها علاقة وكالة، فكيف يكون وكيل لأحد الأطراف المتنازعة ويجمع بذلك بين الخصم والحكم؟ مما ينسف فكرة الحياد الذي يقوم عليها نظام التحكيم .
إن الحجج السابقة كفيلة بنسف فكرة اعتبار المهندس محكم والنظر لدوره كدور تحكيمي، بل حتى أن قضاء دول القانون العمومي بدأ بالعدول عن هذه النظرية الأمر الذي تجلى بحكم لمحكمة انكلترا وويلز العليا في سابقة Amec Civil Engineering Ltd v The Secretary of State for Transport لعام 2004م؛ حيث جاء به ما يفيد بأن دور المهندس في هذا المجال يختلف عن دور المحكمين الذين يعملون بإطار قانون التحكيم البريطاني لعام 1996م[28]. الأمر الذي دفع البعض[29] للقول بأن دوره أشبه بدور الوسيط لاسيما أن قراراته غير ملزمة إلا إذا قرر الأطراف الالتزام بها، وعلى أساس أنه يحق للأطراف في عقود التجارة الدولية عموماً تضمين عقودهم شرط اللجوء للوساطة والتوفيق قبل اللجوء للتحكيم، ولكن وبالرغم من أن هذا الرأي قد يبدو أكثر قرباً للمنطق القانوني مقارنة بسابقه إلا أنه لا يخلو برأينا من النقد؛ إذ وفقاً لقواعد الوساطة الصادرة عن غرفة التجارة الدولية والتي دخلت حيز التنفيذ في الأول من كانون الثاني لعام 2014 ولاسيما بالمادة 1/3 منه عرف الوسيط بأنه: “شخص محايد يتولى إجراء أو إجراءات التسوية المعنية”، والمعنى ذاته أكدته المادة 1/3 والمادة 6 الفقرتين 4 و5 من القانون النموذجي اللاونسترال المتعلق بالوساطة التجارية الدولية المعدل مؤخراً في 2018م، أضف لهذا وذاك أن المادة 10/2 من قواعد الوساطة الصادرة عن غرفة التجارة الدولية أجازت للأطراف الذين يلجئون للوساطة اللجوء للتحكيم أو القضاء بنفس الوقت ما لم يتفقوا على خلاف ذلك كتابياً، وما لم يكن ذلك محظوراً بموجب القانون الواجب التطبيق، وأمر كهذا غير متصور في نزاعات الفيديك إذ لا يمكن للأطراف اللجوء للتحكيم قبل اللجوء للمهندس والمرور بمرحلة التسوية الودية، وكأن اللجوء إليه لجوء إلزامي بعكس اللجوء للوسيط الذي يتميز بطابع اختياري .
3 – القوة القانونية لقرار المهندس: والسؤال الذي يطرح نفسه بهذا الصدد ما هو الأساس القانوني لإعمال مفاعيل قرار المهندس أمام القضاء الوطني للدولة محل تنفيذ مضمونه ؟؟
إن الإجابة على هذا السؤال شديدة الصلة بالسؤال السابق حول الطبيعة القانونية لعمل المهندس، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على القوة القانونية للقرار الصادر عنه، والذي كما شرحنا بالأسطر السابقة لا هو بالحكم القضائي ولا هو بالحكم التحكيمي، ونحن نرى بأن القوة القانونية لقرار المهندس الذي ارتضاه الأطراف نابعة من إرادة الأطراف نفسها، ودليل ذلك موقف غرفة التجارة الدولية بباريس في القرار رقم 10619 لعامي 2000 و2001م (بين مقاول ايطالي هو المدعي وجهة عامة في إحدى الدول الافريقية بوصفها صاحب العمل المدعى عليه، أما المهندس فكان شركة ألمانية) عندما أقرت الطبيعة القانونية الملزمة لقرار المهندس ضمن شرطين: الأول يتجلى باتجاه إرادة الأطراف لتبني الأثر الفوري والملزم لهذا قرار، والثاني يتحقق بصدوره وفق الإجراءات والأصول المنصوص عليها في كتاب الفيديك الأحمر 1987م الذي كان ينظم العلاقة القانونية محل النزاع أنذاك، ولاسيما ما هو متعلق منها بالمدة الزمنية اللازمة لصدوره[30]، وعليه وعطفاً على ذلك فإن آلية تنفيذ مضمون قرار المهندس برأينا تماماً كآلية تنفيذ العقود في النظم القانونية الوطنية ، فالالتزامات التعاقدية في المنظومة القانونية المحلية والمقارنة تنفذ رضاءً أو بقوة القانون بحال ثبت إخلال أحد الأطراف بتنفيذها بالشكل المطلوب، أما عن طريقة التنفيذ فإما أن يكون عينياً أو بطريق التعويض بحال تعذر الأداء العيني للالتزام، مع إمكانية مطالبة المضرور بفسخ العقد من أساسه إذا كان ذلك أجدى نفعاً له، إلا أن الإشكالية الكبرى التي تظهر أمام القاضي بهذه الحالة هي مسألة وضع تكييف قانوني مناسب لهذا العقد إن صح اعتباره كذلك في كل مرة يكون فيها محلاً للنزاع .
ثانياً: تسوية النزاعات وفقاً للبند 20 من عقود الفيديك 1999: ويسمى بالكتاب الأحمر الجديد الذي تميز بالاستعاضة عن المهندس بمجلس مختص بمسائل تسوية النزاعات بين أطراف عقد المقاولات المدنية مع بقاء بعض الرواسب لدور هذا الأخير .
1 – ماهية مجلس فض النزاعات Dispute Adjudication Board : بسبب الانتقادات الحادة لدور المهندس الاستشاري السابق التعرض له، وقطعاً للشك باليقين حول استقلالية قراره ، ظهرت الحاجة لوجود جهاز متخصص يلجأ إليه أطراف عقد الفيديك لحل المنازعات التي قد تثور فيما بينهم، الأمر الذي ظهر في سلسلة تعديلات بنود تسوية المنازعات بعقود الفيديك منذ عام 1995، إذ كانت الولايات المتحدة الأمريكية أول من تبنى هذه الفكرة بصدد تنفيذ مشروع سد Boundary Dam في واشنطن، ثم أخذت الفكرة بالتطور تدريجياً، وقد ساير الفيديك هذا التطور عندما أصدر عقد التصميم والتشييد وتسليم المفتاح عام 1995 وسمي بالكتاب البرتقالي؛ حيث كرس بالبند 20 منه أسلوب فض المنازعات عن طريق مجلس فض النزاعات الذي يتم تعيينه باتفاق الأطراف المتنازعة، وفي عام 1996 أصدر الفيديك ملحق مستقل للكتابين الأحمر والأصفر اتبع بهما نفس الأسلوب، إلا أن النقطة المفصلية كانت بصدور سلسلة قوس قزح الفيديك لسنة 1999م؛ حيث كرست صراحة دور المجلس في فض النزاعات بين المقاول ورب العمل[31] في جميع أنواع عقوده (الكتاب الأحمر والأصفر والفضي والذهبي والأخضر)، فما هي ماهية هذا المجلس ؟ وما طبيعة القرارات الصادرة عنه؟
أ – تعريف المجلس: عرفت المادة 1-1-2-9 من عقود المقاولات الإنشائية مجلس فض المنازعات بأنه : “الشخص أو الثلاثة أشخاص المسمون في العقد أو الذين تم تعيينهم بموجب البند الفرعي 20/2، أو الذين تم تعيينهم بموجب البند الفرعي 20/3 للفشل في الاتفاق على مجلس فض المنازعات ” ومن الجدير بالذكر أنه وفقاً لقواعد الكتاب الأحمر الجديد لا قيد على حرية الأطراف باستبدال المهندس بمجلس فض المنازعات[32] في الشروط الخاصة للعقد بحيث يقوم الأول بدور الأخير .
ب – تعيين أعضاء المجلس:
●الاتفاق على تعيين الأعضاء: الكتاب الأصفر للفيديك يشير بتعيين أعضاء المجلس عند نشوب كل نزاع على حده، والكتاب الفضي يلزم الأطراف بتعيينهم خلال 28 يوم من إخطار أحدهما للآخر برغبته في إحالة النزاع لمجلس فض النزاعات، أما الكتاب الأحمر بالبند 20/2 منه يلزم الأطراف بتعيين أعضاء المجلس بدايةً حتى قبل نشوء النزاع؛ للقيام بمهامهم لحين الانتهاء من تنفيذ العقد، وبحال امتناع أحدهم عن القيام بمهامه أو انتهاء تعيينه يتم تعيين البديل بنفس آلية تعيين الأصيل ، وبشكل عام ينتهي تعيين عضو المجلس في 3 حالات[33] : الأولى: إخطار من رب العمل والمقاول مجتمعان ويصبح نافذ من تاريخ استلام العضو له، والثانية: إخطار يوجهه العضو بالاستقالة إلى كل من المقاول ورب العمل ويصبح بدوره نافذ من تاريخ استلامهما له، أما الحالة الثالثة فتتجلى بانتهاء أعمال المجلس بصدور المخالصة النهائية من المقاول بالنسبة لمستحقاته لدى رب العمل .
●فشل الاتفاق على تعيين الأعضاء: بحال لم يتفق الأطراف على تعيين العضو أو أعضاء المجلس بالوقت المحدد لذلك، يتعين عليهم اللجوء لسلطة التعيين أو الشخص الرسمي المسمى لهذا الغرض في الشروط الخاصة للعقد أو في ملحق عرض المناقصة، إذ تقوم جهة التعيين بناء على طلب أي من الطرفيين أو كليهما، وبعد إجراء المشاورات مع كلا الفريقين بتعيين عضو المجلس، ويكون هذا التعيين نهائيًا وباتًا، كما يتعين على الفريقين أن يدفعا مكافأة الجهة أو الشخص الذي قام بالتعيين مناصفة .
ما يؤخذ على الكتاب الأحمر الجديد؛ صحيح أنه لم يجعل من دور المهندس خطوة إلزامية سابقة لمسألة مباشرة الإجراءات التحكيمة كما فعل في طبعته الرابعة لعام 1987 مستبدلاً إياه بمجلس فض النزاعات، إلا أنه لم يلغي دور المهندس بمسائل تسوية النزاعات بشكل نهائي، وإنما أبقى على دوره المزدوج وهذا ما يؤخذ عليه، فالمهندس وفقاً لقواعد الفيديك 1999م يجمع بشخصه بين النقيضين من خلال قيامه بنوعين من المهام : الأول يتضمن ما يقوم به المهندس بصفته وكيلاً عن صاحب العمل وهذا النوع من الأعمال لا يتولد عنها أي إشكالية تذكر باعتبارها أمر تفرضه الطبيعة القانونية لعلاقته مع صاحب العمل، نذكر منها على سبيل المثال : التصميم الهندسي – تقديم الاستشارات الهندسية – الرقابة على الجودة – نقل المعلومات – مراجعة وثائق الدفع المرحلية والنهائية – متابعة عملية تنفيذ المشروع خطوة بخطوة – إصدار التوجيهات – التواجد في مواقع العمل – تقديم التفسيرات وأعمال أخرى[34] . إلا أن الإشكالية تثور بالنسبة للنوع الثاني من المهام التي يمارسها المهندس بعيداَ كل البعد عما تمليه عليه علاقته برب العمل، بل والمرتبطة بشكل مباشر بمسألة تسوية النزاعات التي قد تظهر بين المقاول ورب العمل، وهي ما يطلق عليها عملية التحديد العادل Fair Determination والتي نص عليها البند 3.5 من كتاب الفيديك الأحمر الجديد 1999م، ويقصد بمصطلح التحديد العادل قيام المهندس كطرف ثالث محايد بتحديد واجبات وحقوق أطراف عقد الفيديك بمناسبة ظهور خلاف بينهما فيما لو فشلت الجهود المبذولة بين المهندس وطرفي العقد بالتوصل لاتفاق لحل الخلاف، أخذاً بعين الاعتبار أحكام للعقد المبرم بينهما وكل الظروف الأخرى ذات الصلة على رأسها أحكام القانون الواجب التطبيق على العلاقة، وبالرغم من كون المهندس أكفأ الأشخاص للقيام بهذا الدور؛ نظراً لاحتكاكه المباشر بالمشروع محل العقد، إلا أن قيامه به على أكمل وجه يحتم عليه بطبيعة الحال الخروج من عباءة رب العمل فإلى أي مدى يمكننا ضمان ذلك ؟
ونحن نرى أن الكتاب الأحمر الجديد من خلال حكم كهذا يدور ضمن حلقة مفرغة ويقع بذات الإشكالية التي وقع بها كتاب الفيديك بطبعته الرابعة سنة 1987م، وكان يتعين على واضعي الكتاب الأحمر الجديد التنبه لهذه المسألة الدقيقة نظراً لما قد تولده من آثار خطيرة على عملية فض المنازعات في عقود الفيديك ، إلا أن عزائنا الوحيد أن الفرق بين طبعة 1999 وطبعة 1987 هو أنه بهذه الأخيرة كان اللجوء للمهندس مرحلة إجبارية سابقة للتحكيم، أما بالأولى فاللجوء لمجلس فض المنازعات لا إلى المهندس هو الشرط الإجباري السابق للتحكيم[35]، وعليه فإن حرية الأطراف المتعاقدة بهذا الصدد كفيلة برأينا للالتفاف على هذه الثغرة .
ج – سلطات المجلس: تمتد صلاحيات مجلس فض المنازعات لتشمل الأعمال التالية:
- تحديد الإجراءات التي ينبغي تطبيقها للبت بالنزاع.
- البت بولاية الاختصاص نفسها ونطاق أي نزاع يعرض عليه.
- التحقق من الوقائع المطلوبة لاتخاذ القرار.
- إدارة جلسات الاستماع.
- الاستفادة من المعرفة المتخصصة لأعضائه.
- البت بمسألة دفع رسوم التمويل والفوائد وفقاً للعقد.
- اتخاذ التدابير المؤقتة أو التحفظية.
- إعادة طرح ومراجعة وتقييم أي رأي أو أمر أو قرار أو شهادة أو تقييم يصدر من المهندس ويتعلق بموضوع النزاع.
2- قرار مجلس فض النزاعات: كيف يصدر هذا القرار و ما هي الآثار المتربة على صدوره ؟
أ– صدور القرار: يصدر قرار مجلس فض وتسوية النزاعات بالإجماع أو بالأغلبية خلال المدة المحددة لذلك وهي 84 يوم بحال عدم الاتفاق على مدة أخرى بين المجلس وأطراف النزاع، ويكون القرار مبنياً على أسبابه كما يتعين الإشارة فيه إلى أنه صدر بناءً على المادة 20/4 من شروط الفيديك 1999م .
ب – الأثر القانوني للقرار وقوته القانونية الملزمة: إن معالجة هذه المسألة تتطلب منا التفرقة بين حالتين:
- الحالة الأولى عدم قبول الأطراف بالقرار : في حال عدم قبول رب العمل أو المقاول بقرار المجلس يستطيع أيا منهما إرسال إشعار للآخر يفيد بذلك خلال 28 يوم من تاريخ استلامه للقرار، ويجب أن يحدد هذا الإشعار الأمر المتنازع عليه تحديداً دقيقاً، وأن يتضمن أسباب رفض القرار مع بيان وجهة نظر رفضه، والإشارة إلى أن الاعتراض تم بناءً على المادة 20/4 من عقود الفيديك 1999م ، وبحال عدم تقديم هكذا إشعار يفقد الأطراف حقهم باللجوء للتحكيم، ومن الجدير بالذكر أنه يسبق اللجوء للتحكيم بهذه الحالة مرحلة التسوية الودية التي تحدث عنها البند 20/5 من كتاب الفيديك الأحمر 1999م والمتمثلة بالمفاوضة والوساطة[36]، وعند فشل جهود التسوية تبدأ بنهاية اليوم الخامس والستين على إرسال إشعار عدم الرضا إجراءات التحكيم التي سنتعرف عليها بالأسطر القادمة . ومن الجدير بالذكر أن إمكانية مباشرة إجراءات التحكيم دون الحاجة للمرور بمرحلة التسوية الودية كاستثناء على القاعدة العامة أمر متصور في حالتين[37] وفقاً للمواد 20.7 و 20.8 من قواعد الكتاب الأحمر الجديد 1999م : أولاهما عدم امتثال أي طرف لقرار المجلس وبنفس الوقت عدم إرسال أي إشعار للاعتراض عليه خلال المدة المحددة لذلك مما يجعله مكتسباً الصفة النهائية الملزمة، إذ يتم اللجوء للتحكيم بهذه الحالة للبت بمسألة تنفيذ القرار لا من أجل إعادة طرح ذات النزاع الذي صدر فيه القرار، والحالة الثانية بحال عدم وجود المجلس من أساسه؛ وهذا يتصور مثلاً بحال انتهاء مدة تعيينه إذ يمكن عندها اللجوء مباشرة للتحكيم دون المرور بدرجة التسوية الودية .
- الحالة الثانية قبول الأطراف بالقرار: بحال لم يقدم أياً من رب العمل أو المقاول اعتراضه على القرار خلال المدة المحددة لذلك فهذا دليل على القبول به، ومن ثمة لا يكون النزاع عندها قابلاً للتحكيم، ويتعين على كل طرف من أطراف النزاع الاستمرار بتنفيذ التزاماته وفقاً لما تضمنه القرار، وعلى فرض إخلال أحدهما بذلك فللآخر أن يحيل مسألة عدم تنفيذ القرار بحد ذاتها إلى التحكيم وليس النزاع الذي صدر فيه القرار[38]، وبجميع الأحوال وفقاً لدليل إرشادات عقود الفيديك لعام 2000 م يجوز للطرف الذي صدر لصالحه القرار وأصبح نهائياً أن يشرع بتنفيذه جبراً وفقاً لما يسمح به القانون الواجب التطبيق على محل النزاع، والسؤال المطروح هنا هل يمكن تنفيذ قرار كهذا جبراً ؟؟ على أي أساس قانوني؟؟
إن الإجابة على تساؤل مهم كهذا يحتم علينا بداية تحديد الطبيعة القانونية للحكم الصادر عن مجلس فض النزاعات؛ إذ برأينا وبظل غياب النص وفقاً للمنظومة القانونية السورية والمقارنة؛ لا يمكن اعتبار قرار المجلس حكم قضائي وبالتالي إعمال حكم المواد 308 وحتى 310 من قانون أصول المحاكمات المدنية السوري رقم 1 لعام 2016م وما يشابهها في القوانين المقارنة برفع دعوة مبتدئة أمام محكمة البداية المدنية التي يراد تنفيذ الحكم بدائرتها، لأن يشترط بالحكم بهذه الحالة أن يكون صادراً عن هيئة قضائية مختصة، ومجلس فض النزاعات لا يعتبر هيئة ذات طبيعة قضائية ، كما لا يمكن اعتباره حكم تحكيمي يتمتع بحجية الأمر المقضي به ويكون ملزماً وقابلاً للتنفيذ تلقائياً من قبل الأطراف أو إجبارياً بعد إكسائه صيغة التنفيذ وفق المادة 53 من قانون التحكيم السوري رقم 4 لعام 2008 م وقوانين التحكيم المقارنة، ونحن نرى بإمكانية استفادة القاضي من حكم المادة 275 من قانون أصول المحاكمات المدنية السوري المتعلقة بالأسناد التنفيذية والتي عُرفت بأنها: “الأحكام والقرارات والعقود الرسمية وصكوك الزواج والأوراق الأخرى التي يعطيها القانون قوة التنفيذ “. ولكن يبقى السؤال هل يتمتع قرار مجلس فض المنازعات بقوة التنفيذ وفقاً للمنظومة القانونية السورية وحتى المقارنة؟
في الواقع لا يوجد إجابة واضحة على هذا السؤال؛ ونحن نرى بأن القوة التنفيذية لحكم مجلس فض النزاعات معطاة له بموجب قواعد الفيديك الأحمر 1999م، وعليه فيما لو كانت المنظومة القانونية السورية تعترف بالقوة القانونية لأحكام عقود الفيديك فإن هذا سينعكس بطبيعة الحال على مسألة تمتع قرار المجلس بقوة التنفيذ وإلا فلا، إلا أن حتى أمر كهذا لا إجابة عليه بالقانون السوري قياساً مثلاً على نص المادة 241 من قانون التجارة السوري رقم 33/2007 التي تنص على : ” تخضع الاعتمادات المستندية إلى القواعد والأعراف الموحدة الصادرة عن غرفة التجارة الدولية “، ونحن إذ نقترح نصاً مماثلاً لهذا النص فيما يتعلق بعقود الفيديك، ولكن بظل غيابه وغياب اجتهادات محكمة النقض، فإن هذا لا يمنع القاضي الناظر بالنزاع برأينا من تبني هذه القواعد وما تتضمنه من أحكام على رأسها تلك المتعلقة بإكساب حكم مجلس فض المنازعات صيغة التنفيذ الجبرية، أما عن الأساس القانوني لذلك فهو برأينا سلطته في تطبيق القاعدة القانونية بمصادرها المختلفة وعلى رأسها العرف، إذ تكتسب هذه قواعد الفيديك قوتها القانونية في مشاريع الإنشاءات والمقاولات الدولية من تواتر الاعتماد عليها حتى وصلت لدرجة اعتبار تطبيقها من قبل المشتغلين بهذا القطاع الاستثماري بمثابه عرف له قوته القانونية الملزمة، وحتى فيما لو أردنا الذهاب أبعد من ذلك فإن الأساس القانوني لتطبيق قواعد كهذه من قبل القاضي قد يندرج تحت مظلة مبادئ القانون الطبيعي وما يتفرع عنها من قواعد عدالة وإنصاف واستقامة تجارية، وعلى ذلك لا يبقى برأينا أمام صاحب المصلحة بحال تعذر التنفيذ الاختياري لقرار المجلس سوى التوجه لدائرة التنفيذ المراد تنفيذ قرار مجلس فض المنازعات ضمنها لتنظيم إضبارة تنفيذية والطلب من رئيس التنفيذ المباشرة بتنفيذ القرار جبراً وفقاً للأسس المتبعة في المنظومة القانونية ذات الصلة .
المبحث الثاني : التحكيم في عقود الفيديك
تشير أحدث الإحصائيات[39] أن تبني التحكيم التجاري الدولي كألية لفض النزاعات في عقود الاستثمارات الدولية بمختلف قطاعاتها ولاسيما قطاع الإعمار أدى لزيادة عدد هذه العقود وانتشارها في كل دول العالم، ولاسيما في دول العالم الثالث، فما هو التحكيم التجاري الدولي؟ (مطلب أول ) وكيف يتجلى دوره كوسيلة لتسوية النزاعات في عقود الفيديك؟ (مطلب ثاني)
المطلب الأول : التحكيم التجاري الدولي
تعتبر النزاعات الهندسية من النزاعات التي تحتاج إلى وقت وجهد كافيين للوصول بها إلى محاكمة عادلة لا مجال معها للتأخير والتأجيل أو النقص في الدراية القانونية والهندسية على حد سواء، الأمر الذي يحتاج لوجود محكمين قادرين على فصل النزاع بحرفية وقول كلمة الحق بين الأطراف المتنازعة .
أولاً: التحكيم التجاري الدولي: التحكيم لغة من مصدر الفعل حكم، وهو التفويض بالحكم، ويقال حكمت بين القوم أي فصلت بينهم[40]، أما اصطلاحاً فقد تعددت التعريفات المعطاة للتحكيم نظراً لتعدد النظريات المتبعة في تحديد طبيعته القانونية إلا أنها لا تخرج برأينا عن اعتباره : ” أسلوب للفصل بالنزاعات العقدية أو غير العقدية التي ثارت أو من المحتمل أن تثور بواسطة طرف ثالث “، أما مفهوم التحكيم التجاري الدولي بشكل خاص فلا يمكن التوصل إليه برأينا إلا بعد تحديد معايير كل من تجارية التحكيم ودوليته على الشكل التالي :
1 – معايير تجارية التحكيم : قد لا تثير معايير تجارية التحكيم إشكاليات قانونية كبرى؛ إذ يطبق بشأنها معيار محدد على الصعيدين الدولي والوطني، وهو معيار تجارية العلاقة القانونية محل العملية التحكيمة، سواء أكانت من طابع تعاقدي أم غير تعاقدي[41] .
أ – على الصعيد الدولي: حدد قانون الأونسترال النموذجي للتحكيم التجاري الدولي 1985 وتعديلاته المعتمدة في 2006م معايير دولية التحكيم التجاري صراحة كما سنرى بالأسطر القادمة، لكنه لم يحدد معايير تجاريته من باب أولى، إلا أن واضعي هذا القانون عقبّوا على هامش نص المادة الأولى من القانون نفسه على مصطلح “التحكيم التجاري” الذي ورد فيها بقولهم: “ينبغي تفسير مصطلح التحكيم التجاري تفسيراً واسعاً بحيث يشمل المسائل الناشئة عن جميع العلاقات ذات الطبيعة التجارية تعاقدية كانت أم غير تعاقدية، وضربوا أمثلة عديدة على العلاقات ذات الطبيعة التجارية تتجلى بأي معاملة تجارية لتوريد السلع أو الخدمات أو تبادلها، اتفاقات التوزيع، التمثيل التجاري أو الوكالة التجارية، إدارة الحقوق لدى الغير، التأجير الشرائي (التمويل)، تشييد المصانع، الخدمات الاستشارية، الأعمال الهندسية، إصدار التراخيص، الاستثمار، التمويل، الأعمال المصرفية، التأمين، اتفاق أو امتياز الاستغلال، نقل الركاب براً أو بحراً أو جواً أو بالسكك الحديدية، المشاريع المشتركة وغيرها من أشكال التعاون الصناعي أو التجاري “.
ب – على الصعيد الوطني : حدد المشرع السوري صراحةً معيار تجارية التحكيم وهذه خطوة تحسب له، فوفقاً للمادة الاولى من قانون التحكيم السوري فإن التحكيم التجاري: هو التحكيم الذي يكون موضوع النزاع فيه ناشئ عن علاقة قانونية ذات طابع اقتصادي عقدية كانت أم غير عقدية، ولعل استخدام المشرع السوري لمصطلح اقتصادي يعكس لديه برأينا الرغبة بتوسيع نطاق معيار تجارية التحكيم لأبعد حد، ولم يختلف موقف المشرع المصري بالمادة 2 من قانون التحكيم المصري رقم 27 لعام 1994 وتعديلاته عن نظيره السوري، كما لا يختلف موقف أنظمة دول القانون العمومي عن دول القانون المدني بهذا الصدد فلو أخذنا على سبيل المثال قانون التحكيم التجاري الدولي لمقاطعة British Colombia الكندية رقم 233 لعام 1996 وتعديلاته الأخيرة في عام 2018 لوجدناه ينص بالمادة الأولى فقرة 6 منه على اعتبار التحكيم التجاري هو التحكيم المتعلق بعلاقة قانونية ذات طبيعة تجارية معدداً بالمادة نفسها بعض الأعمال التجارية على سبيل المثال لا الحصر[42].
2 – معايير دولية التحكيم : إن كان معيار تجارية التحكيم لا يثير إشكاليات قانونية تذكر؛ فالأمر ليس كذلك بالنسبة لمعيار دولية التحكيم، فعلى خلاف التحكيم الوطني أو المحلي الذي يتعلق بنزاع وطني بجميع عناصره فإن أحد عناصر التحكيم الدولي ترتبط بلا شك بعوامل خارجية، ونحن لا نتحدث هنا عن التحكيم الذي ينصب على حل المنازعات الدولية المرتبطة بالقانون الدولي العام كما في حالة التحكيم بالمشروعات المشتركة بين الدول بوصفها أحد أشخاص القانون الدولي العام[43]، وإنما عن التحكيم بالمنازعات الدولية المرتبطة بالقانون الدولي الخاص حتى وإن كانت الدولة طرف فيها. لقد استحدث الفقه والقضاء العديد من المعايير لحكم هذه المسألة وسوف نتعرض بعجالة لأكثرها شيوعاً[44] والتي تتجلى بالمعيار الجغرافي والمعيار الاقتصادي والمعيار القانوني :
أ – المعيار الجغرافي: ضمن هذا المعيار نفسه وجد اتجاهان أحدهما مضيق يركز على جنسية المكان الذي صدر فيه الحكم، فوفقاً له يكون التحكيم دولياً في كل مرة يصدر فيها الحكم التحكيمي في مكان مختلف عن المكان الذي انعقد فيه اتفاق التحكيم، وهذا ما تبنته اتفاقية نيويورك 1958 بالمادة الأولى منها التي تتحدث عن نطاق تطبيقها، ويؤخذ على هذا الاتجاه برأينا أنه يصلح للقول بأجنبية حكم التحكيم لا دوليته؛ لأن اتفاقية نيويورك بالأساس متعلقة بالاعتراف وتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية لا الدولية وهناك فرق بينهما، أما الاتجاه الموسع فقد تبناه القانون النموذجي للأونسترال بشأن التحكيم التجاري الدولي بالمادة 3 منه بقوله: يكون أي تحكيم دولياً :1 – إذا كان مقر أعمال طرفي اتفاق التحكيم وقت عقد ذلك الاتفاق واقعتين في دولتين مختلفتين.2 – إذا كان أحد الأماكن التالية واقعاً خارج الدولة التي يقع فيها مقر عمل الطرفين: أ- مكان التحكيم إذا كان محدداً في اتفاق التحكيم أو طبقاً له ب– أي مكان ينفذ فيه جزء هام من الالتزامات الناشئة عن العلاقة التجارية أو المكان الذي يكون لموضوع النزاع أوثق الصلة به. 3 – إذا اتفق الطرفان صراحة على أن موضوع اتفاق التحكيم متعلق بأكثر من دولة واحدة “، ويؤخذ على موقف الأونسترال برأينا أن التحكيم قد يكون دولياً حتى لو لم يخرج عن حدود الدولة الواحدة لا من حيث إجراءاته ولا من حيث موضوعه هذا من جهة، ومن جهة أخرى ما المقصود بالجزء الهام من الالتزامات الناشئة عن العلاقة التجارية وكيف يتم تحديد المكان الأوثق صلة بالنزاع ؟ ثم هل تكفي إرادة الإطراف لإسباغ الصفة الدولية على التحكيم لمجرد أنها اتجهت لذلك؟
ب – المعيار الاقتصادي : وفقاً لهذا المحدد فإن كل تحكيم متصل بالتجارة الدولية هو تحكيم ذي طبيعة دولية بصرف النظر عن أي اعتبار جغرافي أو قانوني أخر، وقد تبنى قانون المرافعات المدنية الفرنسي لعام 1981 هذا الاتجاه بالمادة 1492 منه والتي نصت على : ” يعتبر دولياً التحكيم الذي يتعلق بمصالح التجارة الدولية “، ولم يختلف موقف المشرع الفرنسي في المادة 1505 من قانون التحكيم الفرنسي الجديد لعام 2011م ، و يعاب على هذا المعيار برأينا قصوره لجهة أنه فسر الماء بالماء فمن باب أولى يتعين عليه أن يحدد معايير دولية التجارة والتي ما زالت حتى الآن محلاً للجدل القانوني للقول بعد ذلك بدولية التحكيم المرتبط بها، لذا نجد الاتفاقية الأوروبية للتحكيم التجاري الدولي المنعقدة في جنيف 1961 بالمادة الأولى منها لم تأخذ بهذا المعيار بشكل منفرد وإنما أخذت به إلى جانب المعيار الجغرافي السابق شرحه[45]، وعلى نفس المنوال سار المشرعان السوري ونظيره المصري[46].
ج – المعيار القانوني : يسبغ هذا المعيار الذي تبناه الفقيه Luzatto[47] الصفة الدولية على التحكيم في كل مرة يتجرد فيها عن الإطار الوطني الضيق، الأمر الذي يتم من خلال خروج النزاع عن القواعد الإجرائية والموضوعية الوطنية، وهذا الخروج إما أن يتم بإرادة الأطراف أنفسهم ومثال ذلك اتفاقهم على خضوع التحكيم لقواعد ال LexMercatoria ، أو بإرادة خارجية كوجود معاهدة أو اتفاقية تفرض ذلك ومثالها اتفاقية واشنطن لعام 1965 المتعلقة بالنزاعات الاستثمارية واتفاقية برن لعام 1961 المتعلقة بنقل البضائع بالسكك الحديدة التي كرست سلطة التحكيم للفصل بالمنازعات المرتبطة بها ، كما قد توجب اللجوء للتحكيم الشروط العامة في العقود الدولية مثل البيوع الدولية وأيضاً شروط الفيديك وهي محور دراستنا. لكن وبالرغم من وجاهة هذا الرأي إلا أنه لم يبين ما إذا كان معيار إقصاء القانون الوطني مقتصر على الناحية الإجرائية أم الموضوعية أم كلاهما معاً، أضف لذلك أن هناك مسائل معينة لابد فيها من العودة لأحكام القانون الوطني وعلى رأسها مسألة الأهلية، وعليه فلا يتصور الإقصاء المطلق للأنظمة القانونية الوطنية الأمر الذي تم تأكيده من قبل محكمة التحكيم التابعة لغرفة التجارة الدولية بالقضية رقم 16247 لعام 2016م؛ حيث طبقت قواعد القانون الوطني بالمسائل التي لم تعالجها قواعد الفيديك[48]. وبرأينا فإن الاعتماد المطلق على معيار واحد من هذه المعايير أمر بعيد عن المنطق القانوني فكل منها يكمل عيوب الأخر ويسد نواقصه، ويبقى للقاضي الناظر بالنزاع حول دولية التحكيم من عدمه سلطة تقديرية بهذا المجال وفقاً لكل حالة على حده، وهذه برأينا من مسائل القانون التي يتعين أن يخضع فيها لرقابة محكمة التمييز أو محكمة النقض نظراً للأثر المفصلي لمسألة كهذه على مسار النزاع برمته.
ثانياً: الطبيعة القانونية للتحكيم التجاري الدولي: لا تختلف محددات الطبيعة القانونية للتحكيم التجاري الدولي عن محددات الطبيعة القانونية لنظام التحكيم كلل وإن لم يتمتع بالصفتين الدولية والتجارية، ونظراً لأهمية هذه المسألة وما ينتج عنها من آثار قانونية فقد تجاذبتها جملة من النظريات الفقهية والقضائية في مسعى منها لإرساء تكييف قانوني سليم للعملية التحكيمية.
1 – النظرية العقدية: يرى أنصار هذه النظرية[49] أن مركز الثقل في نظام التحكيم هو سلطان الإرادة المتجسد باتفاق التحكيم، مما يتكفل بإضفاء الصفة العقدية عليه، إذ غلّب هؤلاء المعيار الشكلي على المعيار الموضوعي في تكييف التحكيم[50]، إلا أن النظرية كهذه تعرضت للعديد من الانتقادات نذكر منها:
أ-إن الطابع الاتفاقي لنظام التحكيم لا يكفي وحده لاعتباره نظام عقدي؛ إذ هناك فرق بين المصدر والوظيفة، فإذا كان مصدر التحكيم هو الاتفاق فإن وظيفته ذات مصدر قانوني، فعندما يفصل المحكم بالنزاع فإنه لا يطبق إرادة الأطراف وإنما إرادة القانون .
ب-إرادة الأطراف وحدها غير كافية للجوء إلى التحكيم لو لم يؤطر القانون هذه الإرادة ويضمن ما يتفرع عنها من آثار قانونية.
ج-إن المعيار الذي اعتمده أنصار هذه النظرية في تحديد الطبيعة القانونية للتحكيم يتجاهل العمل الذي يقوم به المحكم والذي تغلب عليه الصفة القضائية، فالعمل القضائي لا يقتصر على وجود خصومة قضائية.
د-إن إجازة اللجوء إلى التحكيم ليست إجازة شاملة ومطلقة وإنما هي مقيدة بمسائل النظام العام من جهة وبالأمور التي لا يجوز فيها التحكيم من جهة أخرى.
ه-ليس كل تحكيم هو تحكيم اختياري فماذا عن وجود التحكيم الإجباري[51] ؟
و-عدم تنفيذ الحكم التحكيمي إلا بقرار قضائي بحال الامتناع عن تنفيذه رضاءً لا يكفي للتذرع بطابعه الاتفاقي فالأحكام القضائية الأجنبية أيضاً لا تنفذ إلا بأمر من القاضي الوطني.
2 – النظرية القضائية: اعتبر أنصارها[52] أن التحكيم نظام قضائي قائم بذاته يتضمن عناصر العمل القضائي من ادعاء وخصومة وجهة ناظرة بالنزاع؛ مغلبين بعكس النظرية السابقة المعيار الموضوعي على المعيار الشكلي في تكييف التحكيم، فالمحكم بنظرهم قاضي مفوض من الدولة يستمد سلطاته من نص القانون، إلا أن هذه النظرية بدورها لم تسلم من الانتقادات :
أ-إقرار القانون لنظام التحكيم لا يغير من حقيقة أن اتفاق التحكيم هو المصدر المباشر لقيام المحكم بوظيفته.
ب-إن النشأة التاريخية للتحكيم السابقة لنشأة قضاء الدولة كفيلة بذاتها باستبعاد هذه النظرية.
ج-لا يكتسب الحكم التحكيمي الصيغة التنفيذية إلا بصدور أمر بذلك من القضاء فلو كان حكماً قضائياً لما احتاج لذلك.
د-إن حجية الحكم التحكيم لا تتعلق بالنظام العام كما هو حال حجية الأحكام القضائية.
ه-وإن تشابه دور المحكم مع دور القاضي فهذا لا يجعل منه قاضياً ولا يخضعه لما يخضع له القضاة بموجب القوانين الخاصة بهم.
و-هناك اختلاف بالهدف بين التحكيم والقضاء فالتحكيم يهدف لتحقيق العدالة الخاصة في حين يهدف القضاء لإرساء قواعد العدالة العامة أو العدالة المجتمعية.
3 – النظرية المختلطة: رغبةً بتلافي مآخذ النظريتين السابقتين ابتدع جانب من الفقه[53] نظرية جامعة تتجاوز الخطأ المتمثل بإضفاء صفة واحدة على نظام التحكيم بالوقت الذي يتمتع به هذا النظام بالصفة المزدوجة؛ فهو من جهة اتفاقي يبدأ باتفاق التحكيم، ومن جهة أخرى قانوني ينتهي بصدور الحكم، وعلى هذه الخطى سار العديد من المشرعين الوطنيين منهم المشرع السوري عندما عرّف التحكيم بأنه “أسلوب قانوني اتفاقي”، و بالرغم من وجاهة هذا الرأي إلا أنه لم يخلو من النقد:
أ-إذا سلمنا بصحة هذه النظرية يبقى السؤال عن الوقت الذي يتحول فيه التحكيم من الصفة العقدية إلى الصفة القضائية؟ هل يتم ذلك ابتداءً من وقت اللجوء إليه؟ أم عند صدور الحكم التحكيمي على اعتبار أن إكسائه صيغة التنفيذ لا يمنحه الحجية وإنما يجعله قابلاً للتنفيذ فقط؟ أم على النقيض من هذا وذاك فإنه لا يكتسب أي قوة قانونية إلا بإكسائه صيغة التنفيذ من قبل القاضي الوطني المختص؟
ب-عدا عن هذا وذاك فإن ما قام به أنصار هذه النظرية هو في الواقع ليس عملية تكييف قانوني للتحكيم وإنما هو عملية تحديد للعناصر العقدية والقضائية فيه، إذ تبقى الإشكالية بحال الأخذ بهذه النظرية في السؤال الآتي: ما هي المسائل التي تحكمها إرادة الأطراف وما هي المسائل التي تحكمها إرادة القانون؟ الأمر الذي قد يدخلنا في دوامة من التناقضات؟
ج-يجب عدم الخلط بين القضاء كمرفق عام وفكرة القضاء البسيط المتمثل بالقدرة على حل النزاعات وفقاً للأنظمة والقوانين، إذ يجب التمييز بين القضاء وتطبيق القانون وبين التحكيم وتطبيق القواعد الموضوعية فالقاضي عند عدم وجود النص يطبق قواعد العدالة والقانون الطبيعي وهو نفس الدور الذي يقوم به المحكم عندما يكون مفوضاً بالصلح.
4 – النظرية المستقلة: لم ترق أياً من النظريات السابقة لأنصار النظرية المستقلة نظراً للانتقادات التي طالت كلاً منها، مما دفعهم[54] للقول بأن نظام التحكيم هو نظام مستقل قائم بذاته ذي طبيعة خاصة لا هو بالنظام العقدي ولا هو بالنظام القانوني ولا هو بالنظام المختلط، وأكبر دليل على ذلك اختلاف التنظيم القانوني لكل من التحكيم والقضاء؛ فالتحكيم يحكمه قانون التحكيم والقضاء تحكمه قواعد الاختصاص واجراءات التقاضي المنصوص عليها بقوانين أصول المحاكمات، وبالرغم من تأييدنا لهذه النظرية إلا أنها انتقدت من حيث أنها لم ترد التحكيم إلى أساس قانوني معين، فمسألة تحديد الطبيعة القانونية للشيء يتم بالرجوع إلى أصله وليس إلى الأثر المترتب عليه، فإذا كان أصل التحكيم هو سلطان الإرادة كان ذا طبيعة عقدية وإذا كان أصله النص القانوني كان التحكيم ذا طبيعة قضائية.
المطلب الثاني : التحكيم كوسيلة لتسوية النزاعات في عقود الفيديك
من خلال قراءتنا التحليلية لأحكام الفيديك الأحمر بنسخها المختلفة نستنتج بأن التحكيم كوسيلة لتسوية النزاعات في عقود الفيديك يختلف عن الوسائل البديلة التي تم التعرض لها بالمبحث الأول من هذه الدراسة؛ فاللجوء إلى التحكيم لا يقتصر فقط على النزاعات التي تثور بين المقاول ورب العمل وإن تم الحديث عنه ضمن هذا الإطار، وإنما قد يتعدى ذلك إلى أي نزاع مرتبط بعقد الفيديك بصرف النظر عن موضوعه وأطرافه، إلا أن خصوصية النزاعات بين المقاول ورب العمل تحتم على أطرافها في سبيل الوصول إلى التحكيم المرور بالوسائل البديلة له بدايةً، في حين أن أمر كهذا غير مشروط في نزاعات هندسية أخرى[55] مثل النزاعات التي قد تثور بين المهندس والمقاول أو بين المهندس وصاحب العمل، وحتى برأينا في النزاعات بين المقاول وصاحب العمل فيما يتعلق بأمور خلافية لم تأتي قواعد الفيديك على ذكرها (كتلك التي تكون بعيدة عن أحقية المطالبة بوقت أو دفعات إضافية من عدمها)، والدليل أنه لو كان الأمر كذلك في الحالة الأخيرة لنصت شروط الفيديك عليه صراحة كما نصت عليه بالحالة الاولى .
أولاً: إجراءات التحكيم: أحالت قواعد الكتاب الأحمر الجديد للفيديك 1999م وتحديداً في المادة 20.6 منها[56] لقواعد التحكيم الصادرة عن غرفة التجارة الدولية فيما يتعلق بالتحكيم كوسيلة لتسوية الخلاف بين المقاول وصاحب العمل في حال عدم اتفاق الأطراف على ما يخالف ذلك، ومن ثم يتبع فى شأن إجراءات التحكيم قواعد التحكيم المتبعة بغرفة التجارة الدولية والتي دخلت أحدث نسخة لها حيز النفاذ في الأول من كانون الثاني لعام 2021م .
1 – شروط اللجوء للتحكيم: وضع الإتحاد الدولى للمهندسين الإستشاريين شروطاً يلزم توافرها قبل لجوء أي من طرفى النزاع للتحكيم للفصل فى المنازعة تتجلى بما يلي :
أ- إحالة النزاع ابتداءً لمجلس فصل المنازعات متى كان المجلس موجوداً .
ب- أن يخطر أحد الأطراف الطرف الآخر باعتراضه علي قرار مجلس فض المنازعات، خلال مدة لا تجاوز 28 يوماً من تاريخ تسلمه القرار وذلك حال صدور قرار من المجلس، أما إذا لم يكن ثمة قرار من المجلس فيلزم أن يعلن أحد الأطراف الطرف الآخر بأنه في سبيله للجوء للتحكيم وذلك خلال مدة لا تجاوز 28 يوماً تبدأ من تاريخ انقضاء الـ 84 يوماً المحددة لإصدار مجلس فض المنازعات لقراره والتي تبدأ من تاريخ تسلم المجلس خطاب إحالة النزاع إليه، وفي حال عدم وجود مجلس فض المنازعات لأي سبب كانقضاء فترة تعيينه مثلاً يمكن إحالة النزاع مباشرة إلى التحكيم كما شرحنا بالأسطر السابقة .
2 – تعيين المحكمين وردهم واستبدالهم:
أ – تعيين المحكم: وفقاً للمادة 12 من قواعد غرفة تجارة باريس 2021م يتم نظر النزاع من قبل محكم واحد أو ثلاثة محكمين، و بحال لم يتفق الأطراف على العدد تقوم المحكمة (أي محكمة التحكيم الدولية التابعة لغرفة التجارة الدولية)[57] بتعيين محكم واحد إلا إذا كانت طبيعة النزاع تستدعي تعيين 3 محكمين، ويتم تسمية المحكم باتفاق الأطراف، أما في التحكيم الثلاثي فيختار كل طرف محكمه وبحال فشل بذلك تقوم المحكمة بهذه المهمة، أما المحكم الثالث فتختاره المحكمة ويكون هو رئيس الهيئة التحكيمية .
ب – رد المحكم: عالجت المادة 14 من قواعد غرفة تجارة باريس أنفة الذكر مسألة الاعتراض على تعيين المحكم تحت عنوان Challenge of arbitrator سواء عند بدء التحكيم أو بوقت لاحق لذلك، حيث أقرت لكل طرف حق الاعتراض على تعيين أياً من المحكمين والمطالبة برده خلا 30 يوم من تاريخ إخطاره بتعيينه، أو 30 يوم من تاريخ علم أحد الأطراف بوقوع الحادثة، أو نشوء الظروف التي تستدعي ذلك.
ج – استبدال المحكم: يتم استبدال المحكم أو أحد المحكمين بأخر وفقاً للمادة 15 من قواعد غرفة باريس إما بطلب من الأطراف أو من قبل المحكمة من تلقاء ذاتها بحالات محددة كالوفاة أو الاستقالة أو الموافقة على طلب رد المحكم، أو في حال تبين أنه لا يستطيع العبء بالمهام الموكلة إليه، أو أنه على الأقل لا يعبأ بها بالشكل المطلوب، وفي حال استبداله تقرر المحكمة لأي مدى يتعين إعادة الإجراءات السابقة على عملية إعادة هيكلة الهيئة التحكيمية من جديد.
3 – سلطات المحكم/هيئة التحكيم [58]: تمتد سلطات المحكم لتشمل الجانبين الإجرائي والموضوعي :
أ – سلطات المحكم من الناحية الإجرائية:
- سلطة المحكم بإدارة الخصومة التحكيمية الأمر الذي يستتبع تحديد لغة التحكيم ومكانه وزمانه وتنظيم جلساته.
- سلطة المحكم بتحديد القانون الواجب التطبيق على الإجراءات في كل مرة يتم فيها استبعاد القانون الواجب التطبيق من قبل المحكم لاعتبارات متعلقة بالنظام العام الإجرائي، أو في حال عدم اختيار القانون الواجب التطبيق من قبل الأطراف أو عدم كفايته.
- سلطة المحكم بتحديد اختصاصه و هو ما يسمى بمبدأ الاختصاص بالاختصاص والذي يثور بحال احتجاج أحد الأطراف ببطلان العقد الناظم للعلاقة الأصلية بينهما أو الاحتجاج بعدم وجود اتفاق التحكيم من أساسه أو عدم صحته أو بطلانه.
ب – سلطات المحكم من الناحية الموضوعية:
- سلطة المحكم باختيار القانون الواجب التطبيق على موضوع النزاع: ويتصور ذلك بحال عدم تحديده من قبل الأطراف أو عدم كفايته أو بحال استبعاده من قبل المحكم لاعتبارات تتعلق بالنظام العام.
- سلطة المحكم بالفصل بموضوع النزاع: وينضوي تحت هذا العنوان العريض سلطة المحكم باتخاذ الإجراءات والتدابير التحفظية المؤقتة كالحجز التحفظي، وسلطاته في مجال الإثبات من خلال الاطلاع على المستندات وتحليل الأدلة وتعيين الخبرة واستدعاء الشهود واستجواب الخصوم وغير ذلك، وأخيراً سلطته في مجال إصدار الحكم التحكيمي وتصحيحه وتفسيره وتكملته.
ثانياً: الحكم التحكيمي : وهو الثمرة المنتظرة من اللجوء للتحكيم ، فكيف يصدر هذا الحكم وما هي الآثار القانونية المترتبة على صدوره ؟
1- صدور الحكم التحكيمي: رغبة في عدم إطالة أمد النزاع ألزمت هيئة التحكيم الدولية التابعة لغرفة التجارة الدولية محكمة التحكيم بأن تصدر حكمها بالنزاع خلال 6 شهور من تاريخ آخر توقيع لمحكمة التحكيم والأطراف على وثيقة التحكيم، أو من تاريخ إعلام محكمة التحكيم باعتماد هيئة التحكيم الدولية للوثيقة، وذلك في حالة عدم توقيع أحد الأطراف على الوثيقة، إلا أنه يجوز مد هذه المدة إذا كان هناك ضرورة لذلك. ويتم إصدار الحكم نظراً للتشكيل الثلاثي لمحكمة التحكيم بأغلبية أراء المحكمين، ويلزم أن يصدر الحكم موضحاً فيه أسبابه، وإذا توصل الأطراف إلى تسوية ودية بعد اتصال محكمة التحكيم بالنزاع، فيمكن إثبات التسوية بحكم التحكيم بناء على طلب الأطراف وبعد موافقة محكمة التحكيم، ولمحكمة التحكيم تصحيح أي خطأ مادى سواء أكان حسابياً أو مطبعياً في حكم التحكيم ولو من تلقاء نفسها شريطةً أن يتم عرض هذا التصحيح على هيئة التحكيم الدولية للموافقة عليه خلال 30 يوماً من تاريخ صدور الحكم، أو بناء علي طلب أي طرف من أطراف النزاع، وفى هذه الحالة تعطى محكمة التحكيم مهلة للطرف الآخر لا تتجاوز 30 يوماً من تاريخ تسلمها طلب التصحيح لإبداء ملاحظاته على ذلك الطلب، وإذا قررت محكمة التحكيم تصحيح أو تفسير الحكم تقوم بعرض مشروع حكمها بعد تعديله على هيئة التحكيم الدولية خلال مدة أقصاها 30 يوماً من تاريخ انقضاء المدة المحددة للطرف الآخر أو خلال أي مدة أخرى تحددها الهيئة، وفى جميع الأحوال يصدر قرار التصحيح أو التفسير في ملحق التحكيم ويكون جزءاً لا يتجزأ منه .
2– أثر الحكم التحكيمي وقوته القانونية: تنتهي الخصومة التحكيمية بصدور القرار النهائي بموضوعها، الأمر الذي يرتب جملة من الآثار القانونية سواء بالنسبة لهيئة التحكيم أم بالنسبة لأطراف النزاع، هذه الآثار نابعة من الحجية القانونية التي يحوزها هذا الحكم، ويقصد بحجية الحكم: ما يتصف به من قوة أو قرينة تمنع من إعادة عرض ما فصل به من نزاع من جديد أمام القضاء إلا بطرق الطعن التي يقررها القانون[59]، أما نطاق هذه الحجية فيتجلى بالنطاق الموضوعي المتعلق بمحل النزاع والنطاق الشخصي المتعلق بأطرافه[60]، فبالنسبة لهيئة التحكيم يترتب على صدور الحكم التحكيمي أولاً التزام الهيئة بتسليم الأطراف صورة عن حكم التحكيم ليقوموا بالإجراءات المترتبة على صدوره ، وثانياً انتهاء ولايتهم على القضية موضوع النزاع ، أما بالنسبة لأطراف النزاع (وهو ما يمنها هنا) فإن صدور الحكم التحكيمي يترتب عليه وفق منطوق المادة 35 من قواعد غرفة التجارة الدولية بأحدث نسخها لعام 2021م[61] ما يلي :
أ – الأثر الإيجابي للحكم التحكيمي : يتمثل بتمسك من صدر الحكم التحكيمي لصالحه بمقتضى هذا الحكم، بمعنى آخر يتجلى الأثر الايجابي لصدور الحكم بالالتزام بتنفيذه، فحجية الحكم التحكيمي لا يعني أنه جاهر للتنفيذ مباشرةً؛ بل يجب أن تصدر فيه صيغة تنفيذية من القضاء الوطني المختص، والأصل أن يتم التنفيذ رضاءً لكن قد يحدث أحياناً أن يتعذر ذلك بسبب امتناع المحكوم له أو مماطلته أو رفضه القيام بذلك بالشكل المطلوب عندها يتم اللجوء للتنفيذ الجبري عن طريق القضاء المختص، فعلى الصعيد الدولي نصت المادتين 3 من اتفاقية نيويورك لعام 1958م على :” تعترف كل من الدول المتعاقدة بحجية حكم التحكيم وتأمر بتنفيذه طبقا لقواعد المرافعات المتبعة في الإقليم المطلوب إليه التنفيذ وطبقا للشروط المنصوص عليها في المواد التالية ولا تفرض للاعتراف أو تنفيذ أحكام المحكمين التي تطبق عليها أحكام الاتفاقية الحالية شروط أكثر شدة ولا رسوم قضائية أكثر ارتفاعا بدرجة ملحوظة من تلك التي تفرض للاعتراف وتنفيذ أحكام المحكمين الوطنيين”، والمادة 4 من نفس الاتفاقية جاء بها: “1- على من يطلب الاعتراف والتنفيذ المنصوص عليهما في المادة السابقة أن يقدم مع الطلب أصل الحكم الرسمي أو صورة من الأصل تجمع الشروط المطلوبة لرسمية السند إضافة لأصل الاتفاق المنصوص عليه في المادة الثانية أو صورة تجمع الشروط المطلوبة لرسمية السند.2- وعلى طالب الاعتراف والتنفيذ إذا كان الحكم أو الاتفاق المشار إليهما غير محرر بلغة البلد الرسمية المطلوب إليها التنفيذ أن يقدم ترجمة لهذه الأوراق بهذه اللغة. ويجب أن يشهد على الترجمة مترجم رسمي أو محلف أو أحد رجال السلك الدبلوماسي أو القنصلي”، أما اتفاقية واشنطن لعام 1965م بشأن تسوية النزاعات الاستثمارية بين الدول ورعايا الدول الأخرى فقد ذهبت أبعد من ذلك بالمادة 54 منها حيث نصت على: “1-تعترف كل دولة متعاقدة بالحكم الذى صدر بناء على أحكام هذه الاتفاقية وتضمن تنفيذ الالتزامات المالية التي يفرضها الحكم كما لو كان حكما نهائياً صادراً من محكمة محلية. 2- على الطرف الذي يرغب في الحصول على الاعتراف بالحكم وتنفيذه على أرض الدولة المتعاقدة أن يقدم صورة طبق الأصل معتمدة من السكرتير العام إلى المحكمة الوطنية المختصة أو إلى سلطة أخرى تحددها الدولة المذكورة لهذا الغرض وعلى كل دولة متعاقدة أن تخطر السكرتير العام بالمحكمة المختصة أو الجهات التي تحددها لهذا الغرض وبكل التغييرات التي تطرأ في هذا الشأن. 3- ويحكم تنفيذ الحكم القوانين السائدة الخاصة بتنفيذ الأحكام القضائية في الدولة التي ينفذ فيها الحكم. أما على الصعيد الداخلي فقد نصت المادة 53 من قانون التحكيم السوري على ما يلي: ” تتمتع أحكام المحكمين الصادرة وفق أحكام هذا القانون بحجية الأمر المقضي به وتكون ملزمة وقابلة للتنفيذ تلقائياً من قبل الأطراف أو بصفة جبرية إذا رفض المحكوم عليه تنفيذها طوعاً بعد إكسائها صيغة التنفيذ “، ومثل هذا النص موجود في أغلب التشريعات العربية المقارنة. ولكن يبقى السؤال هل يقبل الحكم الصادر عن القضاء الوطني بقبول أو رفض إكساء الحكم التحكيمي الصيغة التنفيذية أي طريقة من طرق الطعن ؟؟ الأمر الذي لم تتطرق إليه اتفاقيتي نيويورك وواشنطن كونها تركت المسائل الإجرائية لتحكمها القوانين الوطنية للدول المراد تنفيذ الحكم التحكيمي فيها، مما يحتم علينا البحث ضمن قوانين هذه الدول للإجابة على هذا السؤال المهم ، ففي مصر[62] والسعودية[63] فرّق المشرع بين الحكم الصادر بالتنفيذ والحكم الصادر برفض التنفيذ حيث أجاز التظلم بالنسبة للحكم الأخير دون الأول، وفي سورية لا يوجد نص صريح ناظم لهذه المسألة في قانون التحكيم وكل ما جاءت به المادة 54 منه أنها عقدت الاختصاص لمحكمة الاستئناف التي يجري التحكيم ضمن دائرتها أو محكمة الاستئناف التي اتفق الأطراف على اختصاصها بإكساء حكم التحكيم الصيغة التنفيذية بقرار تتخذه بغرفة المذاكرة بعد تمكين الطرف الأخر من الرد على طلب التنفيذ خلال 10 أيام من تبليغه صورة عنه، ويؤخذ على المشرع السوري أنه وبخلاف نظيريه المصري والسعودي لم يوضح ما إذا كان قرار هذه المحكمة بقبول أو رفض اكساء الحكم التحكيمي الصيغة التنفيذية مبرما أم أنه قابل لأي طريق من طرق الطعن المقررة بالمنظومة القانونية السورية؟؟ مما يحتم علينا بهذه الحالة العطف على للقواعد العامة؛ وطالما أن الأصل بالأشياء الإباحة فبرأينا لو كان المشرع السوري يهدف إلى منع الأطراف من الطعن بحكم محكمة الاستئناف بحالتي القبول والرفض لنص على ذلك صراحة كما فعلت تشريعات الدول المقارنة، إلا أنه لم يفعل وهذا برأينا دليل على جواز الطعن به بالحالتين بنفس الطرق والمدد والأسباب وأمام نفس المراجع القضائية المختصة بنظر الطعون بأحكام محكمة الاستئناف الصادرة بغرفة المذاكرة .
ب – الأثر السلبي للحكم التحكيمي: يتمثل في منع من صدر الحكم ضده (المحكوم عليه) من التداعي بنفس الموضوع مرة أخرى، وفي هذا الصدد لابد من الإشارة إلى اجتهاد نادر لمحكمة النقض السورية اعتبرت فيه أن تطبيق قواعد التحكيم لدى غرفة التجارة الدولية في باريس يولد الآثار القانونية التالية : 1 ـ يمنع الأطراف من التعرض للمواضيع التي فصل بها المحكمون عملاً بأحكام المادة 24 من نظام غرفة التجارة الدولية( وقت صدور هذا الحكم كانت نسخة 1988 من قواعد غرفة التجارة هي النسخة النافذة)[64] 2 ـ يجعل دور المحكمة في اكساء الحكم صيغة التنفيذ يقتصر على التحقق من وجود أي عيب من العيوب المبينة في المادة 5 من اتفاقية نيويورك[65] 3 ـ تنظر الغرفة الدولية في الخلاف ونشوبه بموجب أحكام نظام غرفة التجارة الدولية في باريس 4 ـ لا تلتزم هيئة التحكيم بعقد جلساتها بحضور طرفي النزاع ولا يترتب البطلان على ذلك 5 ـ تبقى العبرة في حقيقة صدور قرار التحكيم صدور قرار من محكمة التحكيم بالمصادقة المسبقة على مشروع القرار الذي يضعه المحكمون(نقض رقم 3942 أساس 7556 تاريخ 18 / 12 / 1991 سجلات النقض). والسؤال الذي يثور هنا هل تعتبر هذه القاعدة قاعدة نظام عام لا يمكن معها التسليم بحق المحكوم عليه باللجوء إلى القضاء الوطني فيما يتعلق بنفس موضوع النزاع ونفس الأطراف؟ وهل هذا الأثر السلبي مقتصر على القضاء الوطني أم أنه يمتد ليشمل أيضاً اللجوء للتحكيم مرة أخرى؟؟
لقد انقسم الفقه والقضاء[66] في معالجة هذه الإشكالية؛ وإن اتفقوا على تمتع الحكم التحكيمي بالحجية القانونية إلا أن مسألة ارتباط هذه الحجية بالنظام العام بقيت مثاراً للجدل، فمنهم من يرى أنه من واجب المحكمة إعمال حجية الحكم التحكيمي من تلقاء نفسها حتى ولو لم يتمسك به الخصوم تماماً كما هو الحال بالنسبة للحكم القضائي باعتبار مسألة كهذه من المسائل المتعلقة بالنظام العام ، في حين أن هناك شبه إجماع على أنه لا يجوز للمحكمة أن تُعمل حجية حكم التحكيم من تلقاء نفسها ما لم يتمسك بها أحد الخصوم كونها وبخلاف الأحكام القضائية تتعلق بالصالح الخاص لا العام ، وبرأينا فإن القول الفصل بمسألة كهذه مرتبط أشد الارتباط بالقول الفصل في مسألة تحديد الطبيعة القانونية للحكم التحكيمي المرتبط بدوره بالطبيعة القانونية للتحكيم والذي سبق التعرض له، بمعنى فلو تم تكييفه بأنه حكم قضائي لصح التسليم بالقول الأول، في حين أنه لو لم يتم تكييفه كذلك لصح التسليم بالقول الثاني، ونحن نرى أنه واستناداً لقاعدة الأصل في الأشياء الإباحة لو أراد المشرع الوطني اعتبار حجية الحكم التحكيمي قاعدة نظام عام لنص على ذلك صراحة، مما يعني برأينا التسليم بحق أي طرف باللجوء للطريق القضائي بحال لم يكن الحكم التحكيمي على قدر تطلعاته .
أما فيما يتعلق بالإجابة على الشق الثاني من السؤال فيما إذا كانت حجية الحكم التحكيمي تثار أمام القاضي فقط أم أمام القاضي والمحكم على حد سواء ؟ بمعنى أخر هل يجوز للأطراف عرض ذات النزاع على التحكيم مرة أخرى و ما الآثار القانونية المترتبة على ذلك ؟
برأينا إن الفرق الجوهري في الإجابة على هذا الشق من السؤال مقارنة بالشق الأول منه يتجلى بأن اللجوء للتحكيم بالأساس لا يتم إلا برضاء الأطراف المتنازعة بخلاف حق اللجوء للقضاء المقرر لكل طرف بصرف النظر إرادة الطرف الآخر، وعلى ذلك لا يوجد برأينا من حيث المبدأ ما يمنع الأطراف من الاتفاق على إعادة عرض ذات النزاع على التحكيم مرة أخرى ولو سبق وتم الفصل به بحكم تحكيمي سابق، إلا أن التسليم بهذا الحق لا يمكن أن يكون بحال من الأحوال تسليماً مطلقاً، إذ لابد بهذه الحالة برأينا من إبطال الحكم التحكيمي الأول وإلغاء الآثار القانونية المترتبة عليه لسببين : الأول: متعلق بتلافي إشكالية الدفع بوجود القرار التحكيمي السابق من قبل أحد الأطراف أو إمكانية إثارة هذا الدفع تلقائياً من قبل الهئية التحكيمية وما يرتبه كل ذلك من آثار قانونية، والسبب الثاني: يتعلق بتجنب إشكالية وقوع حالة من التضارب بالأحكام التحكيمية القائمة المتمتعة بالحجية القانونية الأمر الذي يتولد عنه إشكاليات في التنفيذ .
وفي نهاية البحث فإن السؤال الأخير المطروح: هل من الممكن تجاوز أسلوب التحكيم والطرق المؤدية إليه والتوجه مباشرة للقضاء الوطني من قبل أطراف العقد سواء أتم ذلك قبل بدء التحكيم أو خلال عملية سيره ؟ وبحال التسليم بإمكانية حدوث ذلك ما الأثر القانوني الذي يترتب عليه؟
برأينا لا يعني التزام الأطراف بقواعد قوس قزح الفيديك حرمانهم المطلق من حق اللجوء للقضاء الوطني، الأمر الذي كفلته الشرعة الدولية[67] والوطنية إذ لا يخلو النص عليه في أي دستور من دساتير دول العالم سواء في دول القانون المدني أو القانون العمومي[68] باعتباره حق قانوني أصيل للأفراد لا يمكن الحد من استعماله ومداه إلا وفق القانون (كأن نتحدث مثلاً عن التعسف باستعمال حق اللجوء إلى القضاء والذي يتجلى بالدعاوى الكيدية)، وفيما لو تضمن العقد المبرم بينهما شرط كهذا فهو شرط باطل لمخالفته قواعد النظام العام على الصعيدين الدولي والداخلي، ولكن وبنفس الوقت فإن أمر كهذا لا يبرر لأطراف عقد الفيديك الذين التزموا بشروطه القفز عليها وكأنها لم تكن ؟ فإذا سلمنا بحق أي طرف منهما باللجوء للقضاء قبل أو أثناء التحكيم فهذا لا يعني التسليم بسلطة قضاء هذه الدولة أو تلك للنظر في النزاع، لاسيما في ظل وجود عقد ناظم للعلاقة بين الأطراف يحيل صراحة إلى الآلية التي كرستها قواعد الفيديك في حل وتسوية النزاعات، وبصرف النظر عن النسخة التي تبناها الأطراف لتنظيم العلاقة القانونية فيما بينهم؛ إذ أن لجوء أحدهما بهذه الحالة إلى طرق وآليات أخرى غير متفق عليها يعتبر بمثابة خرق لمقتضيات العقد وعلى رأسها اتفاق التحكيم ، فالقول بغير ذلك يفرغ اتفاق التحكيم من أي قيمة قانونية له، والأكثر من ذلك فإن أمر كهذا يعتبر برأينا خرقاً لمبدأ حسن النية في العقود التجارية الدولية الذي لا يقتصر على مرحلة المفاوضات وإبرام العقد كما لا يقتصر على مرحلة تنفيذه وإنما يمتد ليشمل مرحلة تسوية النزاعات التي قد تتفرع عنه، لكن وعلى فرض حدوث أمر كهذا يبقى من حق الطرف المتضرر الدفع أمام القضاء بوجود اتفاق التحكيم، الأمر الذي يسلب القضاء الوطني سلطة فض النزاع إعمالاً للأثر السلبي لاتفاق التحكيم السابق ذكره. ولكن يبقى السؤال بهذه الحالة عن الطبيعة القانونية للدفع بالتحكيم الأمر الذي حظي بجدل فقهي وقضائي كبيرين[69] نظراً لأهميته البالغة؛ إلا أن هناك شبه إجماع بين مختلف الأنظمة القانونية المقارنة على ضرورة التمسك بهذا الدفع قبل أي دفع أخر تحت طائلة سقوط الحق به لاسيما وأنه لا يندرج ضمن فئة الدفوع التي يمكن للقاضي الوطني إثارتها من تلقاء نفسه [70]، ومن الجدير بالذكر أن حكم القاضي الوطني المتعلق بالدفع باتفاق التحكيم لناحية قبوله أو رفضه قد يكون بدوره قابلاً للطعن بالطرق والأساليب المقررة وفقاً للنظام القانوني الوطني لكل دولة على حده. وعلى فرض فشل المدعى عليه بالدفع بوجود اتفاق التحكيم وما يرتبه من آثار قانونية وبقيت يد القاضي الوطني مسلطة على موضوع النزاع وصدر الحكم الفاصل بموضوع الدعوى واستنفد طرق الطعن بحيث أضحى مبرماً هل يحق عندها للمضرور عرض النزاع نفسه على التحكيم وفقاً لقواعد الفيديك مروراً بالطرق المشترطة للوصول إليه والتي سبق شرحها بالأسطر السابقة؟ بمعنى إذا كان حكم التحكيم لا يستنفذ ولاية القاضي الوطني فهل يستنفذ القضاء ولاية المحكم؟؟ وهل يمكن أن يعتبر قبول عرض النزاع على المحكم أو المحكمين بهذه الحالة بمثابة التنفيذ العيني للالتزام باتفاق التحكيم الذي تم الإخلال به عند اللجوء للقضاء؟ وفي حال قبول فرضية كهذه ما هي القيمة القانونية للتحكم التحكيمي الصادر بهذا النزاع أمام القاضي الوطني الذي سبق وحكم به؟ ثم ماذا لو صدر حكمين متناقضين أحدهما قضائي والأخر تحكيمي في نفس النزاع (على فرض تم اللجوء للقضاء أثناء السير بإجراءات التحكيم) فما الأثر القانوني لذلك؟ وهل صدور الحكم القضائي يمنع من اكساء الحكم التحكيمي الصيغة التنفيذية؟ أم أن اكساء الحكم التحكيمي لصيغته التنفيذية ستتوقف لحين البت بالنزاع المنظور أمام القضاء؟ وماذا لو اكتسب كلاهما الصيغة التنفيذية كيف سيكون السبيل للتوفيق بين المتناقضين؟ وعلى فرض امتثل الأطراف لشرط التحكيم وصدر حكم تحكيمي لم يرضي أحدهما فلجأ عندها لعرض النزاع على القضاء الوطني (وهو أمر لا خلاف على مشروعيته من الناحية القانونية بخلاف الفرضية الأولى)، بالوقت الذي كان فيه الطرف الثاني المستفيد من الحكم التحكيمي قد باشر إجراءات اكسائه الصيغة التنفيذية؟ وهل يحق للمتضرر رفع دعوى بطلان الحكم التحكيمي تزامناً مع دعوى أصل الحق؟ وكيف سيؤثر سلوكه لأحد هذه الطرق على الطريق الأخر؟ والأكثر من ذلك ما هو الأثر القانوني لرفع دعوى البطلان على اجراءات اكساء الحكم التحكيمي الصيغة التنفيذية؟ كل هذه الأسئلة الجوهرية وأسئلة قانونية أخرى تتفرع عنها وعن السؤال الرئيسي الذي طرحناه في البداية تحتاج للمعالجة والتحليل ضمن دراسة قانونية مستقلة لا تستطيع أسطر هذا البحث العبء بها.
خاتمة:
تحتاج صناعة الإنشاءات إلى وجود آليات فعالة لتسوية المنازعات الناشئة عنها بشكل مهني وسريع، حرصاً على تفعيل دورها النهضوي على الصعيدين الاقليمي والدولي، ومن هنا دأب الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين بوصفه المعني الأول بهذه المسألة على تأطير الأحكام الناظمة لهذا القطاع على المستوى العالمي من خلال قوس قزح الفيديك التي أصبحت مع الأيام ألف باء المشتغلين بمجال المقاولات الدولية والمحلية أيضاَ، فقد استحدثت قواعد الفيديك وعلى رأسها كتاب الفيديك الأحمر المتعلق بالإنشاءات المدنية كأحد أكثر أنواع عقود الفيديك رواجاً آليات فعالة لتسوية النزاعات التي قد تثور بين أطراف هذا العقد، وما يميزها أنها عملت على خطين متوازيين، الأول متعلق بوسائل التسوية الودية للنزاعات من خلال تفعيل دور المهندس بالطبعة الرابعة ثم استبداله بمجلس فض النزاعات بالطبعة الخامسة أو ما أطلق عليها الكتاب الأحمر الجديد كشرط أساسي لطرق باب التحكيم بعد فشل التسوية الودية التي لم تحدد قواعد الفيديك صورها صراحة نظراً لتنوعها بدءاً بالمفاوضات المباشرة و صولاً إلى التوفيق الوساطة و غير ذلك ، أما الخط الثاني فهو متعلق بالتحكيم التجاري الدولي التي تحكمه قواعد غرفة التجارة الدولية كوسيلة لفض وتسوية النزاعات الناشئة عن هذا النوع من العلاقات القانونية على مبدأ الكي أخر الطب ، وعلى ذلك فقد خلصت هذه الدراسة إلى جملة من النتائج القانونية كما أوصت بجملة من المقترحات على النحو التالي :
النتائج:
- إن الأساس القانوني لإعمال قواعد الفيديك من قبل المحكم لا يقتصر على إرادة المتعاقدين أو تبنيها من قبل القانون الواجب التطبيق بل يتعدى ذلك للقول بإمكانية إعمالها تلقائياً بوصفها عرف قائم بذاته في كل مرة لا يتفق الأطراف على خلاف ذلك وبما لا يتعارض مع قواعد النظام العام .
- بقيت الطبيعة القانونية لعمل المهندس بظل قواعد الطبعة الرابعة من كتاب الفيديك محلاً للجدل القانوني بين من اعتبره محكم أو على الأقل شبه محكم الأمر الذي أثر بطريقة مباشرة على مسألة القوة القانونية التي يتمتع بها القرار الصادر عنه وآلية تنفيذه على الصعيد الوطني.
- استبدل الكتاب الأحمر الجديد مجلس فض النزاعات بالمهندس نظراً لما شاب دوره من انتقادات إلا أن إشكالية الأحكام الجديدة تظهر في نقطتين؛ الأولى تتعلق بمظاهر الإبقاء على دور هذا المهندس بطريقة أو بأخرى، والثانية تتعلق بتحديد الطبيعة القانونية للقرار الصادر عن هذا المجلس و الآثار المترتبة عليه.
- إن اللجوء إلى التحكيم كقاعدة عامة لا يتم إلا بعد استنفاذ الوسائل البديلة له لتسوية النزاعات بين طرفي عقد الفيديك الأحمر (المقاول ورب العمل) مع وجود استثناءات تبرر طرق باب التحكيم مباشرة.
- إن تحديد الطبيعة القانونية للتحكيم التجاري الدولي تجاذبتها العديد من النظريات القانونية إلا أنه لا خلاف حول طبيعة الآثار الناتجة عن الحكم التحكيمي والتي تتجلى بالأثر الإيجابي وهو تنفيذ الحكم التحكيمي، والآثر السلبي بالامتناع عن عرض النزاع على القضاء الوطني، وبين هذا الأثر وذاك تظهر العديد من الأسئلة والإشكاليات القانونية ذات الأهمية البالغة والتي تعرضنا لها بالمبحث الثاني من هذه الدراسة.
التوصيات:
- حث المشرع العربي على وجه العموم وكل مشرع عانت بلاده من ويلات الحرب والدمار بما في ذلك المشرع السوري على إيجاد بنية قانونية صلبة قادرة على العبء بمتطلبات المرحلة القادمة وهي مرحلة عنوانها البناء والإعمار من خلال الاستفادة من تجارب الدول المقارنة التي أقدمت على تقنين أحكام وقواعد قوس قزح الفيديك كجزء لا يتجزأ من منظومتها القانونية الوطنية.
- تفعيل دور الوسائل البديلة للتحكيم في فض خلافات عقود الفيديك التجارية الدولية دون اعتبارها شرط إجباري مسبق لطرق باب التحكيم، وعدم قصر حق الولوج لأي منهما على نطاق شخصي أو موضوعي محدد من النزاعات.
- تحديث القواعد الناظمة للتحكيم التجاري الدولي خصوصاً في سورية بما يلاءم مقتضيات المرحلة القادمة؛ والعمل على رأب الصدع التشريعي من خلال وضع حلول واضحة ومحددة لكل الإشكاليات القانونية التي قد تثور بظل قوانين التحكيم الحالية تزامناً مع التركيز على فكرة نجاعة التطبيق العملي لهذه النصوص في مجال نزاعات عقود الفيديك وما لف لفيفها.
- حث واضعي قواعد وشروط الفيديك على الاستفادة من الثغرات والعيوب الموجودة بالطبعات السابقة التي أظهرها التطبيق العملي لهذه القواعد على أرض الواقع في السنوات المنصرمة للخروج بأحكام أكثر قدرة على تلبية متطلبات المشتغلين بهذا القطاع الاستثماري الانشائي في الدول النامية والمتقدمة على حدٍ سواء.
قائمة المراجع :
المراجع العربية:
أولاً: الكتب :
* ابن منظور – لسان العرب – دار صادر للطباعة والنشر – ط 1 – جزء 12 – بيروت – 1990م.
* د. أبو زيد رضوان – الأسس العامة في التحكيم التجاري الدولي – دار الفكر العربي – القاهرة – 1981م.
* د. أحمد الشيخ قاسم – التحكيم التجاري الدولي (دراسة مقارنة) – دار الجاحظ للطباعة والنشر – دمشق – 1994م.
* د. أحمد شرف الدين – أصول الصياغة القانونية للعقود – ط 3 – دار النهضة العربية – 2008م.
* د. أحمد محمد الصاوي – الوسائل البديلة للتحكيم في العقود النموذجية للتشييد (نماذج عقد الفيديك) – دار القضاء – ط 1 – أبو ظبي – 2013م.
* د. خالد محمد القاضي – موسوعة التحكيم التجاري الدولي في منازعات المشروعات الدولية المشتركة – دار الشروق – ط 1 – القاهرة – 2002م.
* د. عصام أحمد البهجي – عقود الفيديك وأثرها على التزامات المقاول والمهندس ورب العمل – دار الجامعة الجديدة – مصر – 2008م .
* عيد محمد القصاص – حكم التحكيم – دار النهضة العربية – القاهرة – ط 2 – 2007م .
* د. محمود سمير الشرقاوي – التحكيم التجاري الدولي (دراسة قانونية مقارنة) – دار النهضة العربية – 2011م.
ثانياً: الرسائل العلمية :
* ابراهيم يوسف عبد الحميد ابراهيم – شروط التحكيم في عقود البناء والتشييد (دراسة مقارنة) – رسالة ماجستير – جامعة إفريقيا العالمية – الخرطوم – 2017م .
* أحمد حميد الأنباري – سكوت الإرادة عن تحديد القانون الواجب التطبيق على العقد الدولي (دراسة مقارنة) – رسالة ماجستير – جامعة الشرق الأوسط – 2017م .
* آمال بولغاب – الإطار القانوني لفض منازعات عقود الإنشاءات الدولية – أطروحة دكتوراه – جامعة باتنة 1 – الجزائر – 2015/2016م .
* دينازاد بلغول – سلطات المحكم في التحكيم التجاري الدولي – رسالة ماجستير – جامعة عبد الرحمان ميرة – بجاية – الجزائر – 2012/2013م .
* كنز علي – إدارة المنازعات في مشاريع التشييد في سورية – رسالة ماجستير – كلية الهندسة المدنية – جامعة دمشق – 2014م .
* وئام مصطفى محي الدين مطر – آثار التحكيم وطرق الطعن فيه (دراسة مقارنة) – رسالة ماجستير – جامعة الأزهر – غزة – 1435 ه / 2014م .
ثالثاً: الدوريات والمقالات :
* د. سمير حامد عبد العزيز الجمال – القواعد القانونية المستحدثة في عقود الفيديك – مجلة الشريعة والقانون – العدد 59 – السنة 26 – جامعة الامارات العربية المتحدة – 1433 ه / 2012م .
* د. عبد الله عبد الرحمن الجناحي الخطيب – طبيعة الدفع باتفاق التحكيم في دولة الإمارات العربية المتحدة – مجلة الشريعة والقانون– العدد 59 – السنة 28 – جامعة الإمارات العربية المتحدة – 1435 ه / 2014م .
* محمد فؤاد حريري – دور المهندس الاستشاري في تسوية المنازعات طبقاً لعقود الفيديك النموذجية – مجلة المهندس البحرينية – العدد 59 – ديسمبر 2014م .
* د. نغم حنا رؤوف – العقود النموذجية للجنة الاقتصادية الأوروبية – مجلة جامعة تكريت للعلوم الإنسانية – مجلد 14 – عدد 6 – 2007م .
* وجدي راغب فهمي – هل التحكيم نوع من القضاء ؟ (دراسة انتقادية لنظرية الطبيعة القضائية للتحكيم) – مجلة الحقوق – العددين الأول والثاني – جامعة الكويت – 1991م .
* أ.د. محمد عثمان شبير – التحكيم لتسوية نزاعات المقاولات الإنشائية بين الفقه الإسلامي وعقود (الفيديك) – مؤتمر مجمع الفقه الإسلامي الدولي – الدورة 24 – دبي – 2019م.
المراجع الأجنبية :
أولاً: المراجع الانكليزية :
* Dimitar Kondev – Is dispute adjudication under FIDIC contracts for major works indeed a precondition to arbitration ? – International construction law review – Part 3 – July 2014 .
* Donald Charrett – The commercial value of dispute boards under FIDIC contracts – Turkish commercial law review – Vol.1 – Issues . 3 – 2015.
* Doug Jones – choosing the law or rules to govern the substantive rights of the parties – SACLJ – V. 26 – 2014– available at the official website of Singapore academy of law journal www.journalsonline.academypuplishing.org.sg
* Eugenio Zoppis – DAAB and Dispute Resolution Under the 2017 FIDIC Forms of Contract – Centre for Construction Law and Dispute Resolution King’s College – London – 2018 .
* Issaka Ndekugri & Nigel Smith & Will Hughes – The engineer under FIDIC’S conditions of contract for construction – construction management and economics journal – Vol.25 – UK – 2007.
* Michael Pryles – Application of lexMercatoria in international commercial arbitration – UNSW law journal – V.31:1 – Australia – 2008 – at : www.austlii.edu.au
* Nicholas Gould – Enforcing a dispute board’s decision : Issues and consideration – International construction law review – Part 4 – 2012 .
* Steven Creen, Michael – Legal realism , lex fori and the choice of law revolution – The Yale law journal – Yale university– Vol.104 – US- 1995 – at: www.yalelawjournal.org
* Ulrish Hochuli – Role of engineer under FIDIC standard contracts – International Business Lawyer – vol.19 – 1991.
* Victoria Nabatova – Alternative disputes resolution in the construction industry – bachelor’s thesis – Czech technical university in prage – Czech republic – 2017.
* Updated FIDIC contract 2017 What has changed ? – Arthur Cox law firm publication – London – 2018 – available at : www.arthurcox.com
ثانياً: المراجع الفرنسية :
* Dr. Abdullah M. Aldamour – L’avenir de l’arbitrage de protection des investissements dans les contentieux des contrats internationaux de construction – The 18th International Annual Conference Building and Construction Contracts Between Traditional legal Rules and Developed Legal Systems. On 19-21 April 2010 At Grand Hyatt Dubai.
* Charles Jarrosson – la nation d’arbitrage – paris – L.G.D.j – 1987 .
* Dominique Brown Bweset & Matthias Scherer – Les mode alternatifes de règlement des differends dans le domaine de la construction – LALIVE publication – Genève – Suisse – 2007 .
* Fabien Gélinas – Arbitration and the Challenge of Globalization – J . INT’L – Vol. 17 – Published by Kluwer Law International – 2000 .
- Dr. Abdullah M. Aldamour – L’avenir de l’arbitrage de protection des investissements dans les contentieux des contrats internationaux de construction – The 18th International Annual Conference Building and Construction Contracts Between Traditional legal Rules and Developed Legal Systems. On 19-21 April 2010 At Grand Hyatt Dubai . ↑
- المادة 25/1 من اتفاقية واشنطن : يمتد الاختصاص القانونى للمركز إلى أية خلافات قانونية تنشأ مباشرة عن استثمار بين دولة متعاقدة ( أو أى إقليم فرعى أو أى وكالة تابعة للعضو المتعاقد سبق أن عينته الدولة المتعاقدة إلى المركز ) وبين مواطن من دولة أخرى متعاقدة ،وبشرط أن يوافق طرفى النزاع كتابة على تقديمها للمركز وعند إعطاء الطرفان موافقتهما لا يحق لأي من الطرفين أن يسحب هذه الموافقة دون قبول من الطرف الأخر . ↑
- آمال بولغاب – الإطار القانوني لفض منازعات عقود الإنشاءات الدولية – أطروحة دكتوراه – جامعة باتنة 1 – الجزائر – 2015/2016 م – ص 17 وما يليها . ↑
- النظام الأساسي للفيديك متاح باللغة الانكليزية على الموقع الرسمي له : www.FIDIC.org أخر زيارة في 23/2/2019 م . ↑
- د. عصام أحمد البهجي – عقود الفيديك وأثرها على التزامات المقاول والمهندس ورب العمل – دار الجامعة الجديدة – مصر – 2008 م – ص 17 . ↑
- أ.د. محمد عثمان شبير – مرجع سابق – ص 48. ↑
- موقع معجم المعاني الالكتروني الجامع على الرابط التالي : www.almaany.com الزيارة بتاريخ 1/3/2019م. ↑
- د. نغم حنا رؤوف – العقود النموذجية للجنة الاقتصادية الأوروبية – مجلة جامعة تكريت للعلوم الإنسانية – مجلد 14 – عدد 6 – 2007 م – ص 328 . ↑
- د. سمير حامد عبد العزيز الجمال – القواعد القانونية المستحدثة في عقود الفيديك – مجلة الشريعة والقانون – العدد 59 – السنة 26 – جامعة الامارات العربية المتحدة – 1433 ه / 2012 م – ص 32 وما يليها . ↑
- Updated FIDIC contract 2017 What has changed ? – Arthur Cox law firm publication – London – 2018, also Eugenio Zoppis – DAAB and Dispute Resolution Under the 2017 FIDIC Forms of Contract – Centre for Construction Law and Dispute Resolution – King’s College – London – 2018 . ↑
- أحمد حميد الأنباري – سكوت الإرادة عن تحديد القانون الواجب التطبيق على العقد الدولي (دراسة مقارنة) – رسالة ماجستير – جامعة الشرق الأوسط – 2017 م – ص 49 وما يليها . ↑
- ICC case N.55972 : “ In its final award, when ruling on the applicable law, the arbitral tribunal held that the Nigerian statute served purely local interests and did not qualify as mandatory rules to be applied regardless of the parties’ choice of law”.ICC dispute resolution – Bulletin – 2016 – n.1 – award renderd – January 2011 . ↑
- For more details about ICC arbitration precedent please visit the ICC official website : www.library.iccwbo.org visited on 24\2\2019 ↑
- د. أحمد شرف الدين – أصول الصياغة القانونية للعقود – ط 3 – دار النهضة العربية – 2008 م – ص 126 + 127 . ↑
- للتعرف على هذه الشروط قم بزيارة الموقع الرسمي لوزارة الأشغال العامة في الكويت على الرابط التالي : www.mpw.gov.kw ↑
- على سبيل المثال : إذا كان قانون دولة الامارات العربية المتحدة هو القانون الواجب التطبيق فإنه وفقاً للمادة 2 من قانون المعاملات التجارية الاماراتي رقم 18 لعام 1993 فإنه تسري على التجار والأعمال التجارية ما اتفق عليه المتعاقدان وبما لا يتعارض مع نص تجاري آمر ، وإذا لم يوجد اتفاق خاص سرت قواعد العرف التجاري فيما لم يرد بشأنه نص في هذا القانون أو غيره من القوانين المتعلقة بالمسائل التجارية ، إما اذا لم يوجد عرف تجاري وجب تطبيق الأحكام الخاصة بالمسائل المدنية بما لا يتعارض مع المبادئ العامة للنشاط التجاري وبالعودة إلى قانون المعاملات المدنية لدولة الامارات العربية المتحدة الصادر بالقانون الاتحادي رقم 5 لعام 1985 والمعدل بالقانون الاتحادي رقم 1 لعام 1987 فإنه وحسب المادة الأولى منه اذا لم يوجد نص تشريعي حكم القاضي بموجب قواعد الشريعة الاسلامية وإذا لم يجد حكم بمقتضى العرف بما لا يتعارض مع النظام والآداب العامة بالبلاد . ↑
- ICC Decision Number 7375\ 1996 : “ The general principle of law applicable to international contractual obligation having earned a wide international consensus including notions said to form part of lex mercatoria”. See: Michael Pryles – Application of lexMercatoria in international commercial arbitration – UNSW law journal – V.31:1 – Australia – 2008 – p. 20 at : www.austlii.edu.au visited on 7\9\2016.Also ICC Decision Number 10422 \ 2001 : “ Since there is no ICC legislation nor did the parties agree on the application of any other neutral legislation. As a consequence the arbitral tribunal, in view of the fact that the parties apparently wanted a neutral solution, decided to apply “general principles and rules of international contracts, i.e. the so-called lex mercatoria”. See : Doug Jones – choosing the law or rules to govern the substantive rights of the parties – SACLJ – V. 26 – 2014 – P. 926 – available at the official websit of Singapore academy of law journal www.journalsonline.academypuplishing.org.sg visited on 3\7\2017 . ↑
- Steven Creen, Michael – Legal realism , lex fori and the choice of law revolution – The Yale law journal – Yale university– Vol.104 – US- 1995 – P. 967 at: www.yalelawjournal.org visited on 7\9\2018 ↑
- كنز علي – إدارة المنازعات في مشاريع التشييد في سورية– رسالة ماجستير – كلية الهندسة المدنية – جامعة دمشق – 2014م– ص 110 ↑
- Clause 1.1.2.3 red book 1999: “ engineer means the person appointed by the employer to act as the engineer for the purposes of the contract and named in the appendix to tender, or other person appointed from time to time by the employer and notified to the contractor under sub-clause 3.4 “ ↑
- Clause 1.1.A.4 red book 1987 : “ engineer means the person appointed by the employer to act as engineer for the purposes of the contract and named as such in part II of these condition “ . ↑
- Victoria Nabatova – Alternative disputes resolution in the construction industry – bachelor’s thesis – Czech Technical University In Prage – Czech republic – 2017 – p.10 and after . ↑
- Charles Jarrosson – la nation d’arbitrage – Paris – L.G.D.j – 1987 – p. 712 . ↑
- ICC décision N.4410 \ 1985 journal du droit international – 1985 – p.542 . ↑
- د. أحمد محمد الصاوي – الوسائل البديلة للتحكيم في العقود النموذجية للتشييد (نماذج عقد الفيديك) – دار القضاء – ط 1 – أبو ظبي – 2013 م – ص 56 . ↑
- أ.د. محمد عثمان شبير – مرجع سابق – ص 76. ↑
- For more information about this precedent please visit the address : www.fenwickelliott.com visited on 20\1\2019 . ↑
- Ulrish Hochuli – Role of engineer under FIDIC standard contracts – International Business Lawyer – vol.19 – 1991 – p. 542 . ↑
- Nicholas Gould – Enforcing a dispute board’s decision : Issues and consideration – International construction law review – Part 4 – 2012 – p. 455 . ↑
- يرى البعض أنه كان الأحرى عقد الاختصاص لمجلس فض المنازعات لنظر كافة النزاعات الناشئة عن العقد بما فيها خلافات المقاول الرئيسي والمقاول من الباطن، وذلك لسببين؛ الأول هو دراية المجلس بكافة جوانب العقد، وإحاطته بظروف تنفيذه، بما يعطيه القدرة على إصدار القرار المناسب، والثاني هو تشابك البنية القانونية لعقود المقاولات، وهو ما لا يتصور معه وضع حد فاصل للعلاقات في النزاعات الناشئة عن عقد واحد، مشار إليه لدى أ.د. محمد عثمان شبير – مرجع سابق –79. ↑
- المستشار الدكتور محمد فؤاد الحريري – دور المهندس الاستشاري في تسوية المنازعات طبقاً لعقود الفيديك النموذجية – مجلة المهندس البحرينية – الإصدار 59 – ديسمبر 2014 م – ص 39 . ↑
- د. أحمد محمد الصاوي – مرجع سابق – ص 85 . ↑
- Issaka Ndekugri & Nigel Smith & Will Hughes – The engineer under FIDIC’S conditions of contract for construction – construction management and economics journal – Vol.25 – UK – 2007 – p.791 . ↑
- Dimitar Kondev– Is dispute adjudication under FIDIC contracts for major works indeed a precondition to arbitration ? – International construction law review – Part 3 – July 2014 – p. 262 . ↑
- أ.د. محمد عثمان شبير – مرجع سابق – ص82. ↑
- Dimitar Kondev – op cit – p. 263 and after . ↑
- Donald Charrett – The commercial value of dispute boards under FIDIC contracts – Turkish commercial law review – Vol.1 – Issues . 3 – 2015 – p. 212 . ↑
- Fabien Gélinas – Arbitration and the Challenge of Globalization – J . INT’L – Vol. 17 – Published by Kluwer Law International – 2000 – p.117 + 118 . ↑
- ابن منظور – لسان العرب – دار صادر للطباعة والنشر – ط 1 – جزء 12 – بيروت – 1990م – ص 42 . ↑
- لكن تبقى الإشكالية برأينا في تحديد تجارية العلاقة القانونية محل النزاع من عدمها ولاسيما بالحالة التي يكون فيها العمل تجارياً بالنسبة لأحد الأطراف ومدنياً بالنسبة للأخر. ↑
- Article 1\6 : An arbitration is commercial if it arises out of a relationship of a commercial nature including, but not limited to, the following: (a) a trade transaction for the supply or exchange of goods or services;(b) a distribution agreement;(c) a commercial representation or agency;(d) an exploitation agreement or concession;(e) a joint venture or other related form of industrial or business cooperation;(f) the carriage of goods or passengers by air, sea, rail or road;(g) the construction of works;(h) insurance;(i) licensing;(j) factoring;(k) leasing;(l) consulting;(m) engineering;(n) financing;(o) banking;(p) investing. ↑
- د. خالد محمد القاضي – موسوعة التحكيم التجاري الدولي في منازعات المشروعات الدولية المشتركة – دار الشروق – ط 1 – القاهرة – 2002 م . ↑
- في عرض مختلف المعايير راجع : محمود سمير الشرقاوي – التحكيم التجاري الدولي (دراسة قانونية مقارنة) – دار النهضة العربية – 2011 م – ص 27 . ↑
- -المادة 1 فقرة أ تطبق هذه الاتفاقية : “على اتفاقيات التحكيم المعقودة بهدف فض النزاعات الناشئة أو التي قد تنشأ نتيجة لعمليات التجارة الدولية ما بين أشخاص عاديين أو معنويين على أن يكون لهم عند إنشاء الاتفاقية محل إقامة معتاد أو مركز عمل في دول مختلفة مرتبطة تعاقديًّا بهذه الاتفاقية.” ↑
- المادة 4 / 1 من قانون التحكيم السوري تقابل المادة 3 من قانون التحكيم المصري: “التحكيم التجاري الدولي هو التحكيم الذي يكون موضوع النزاع فيه مرتبطاً بالتجارة الدولية ولو جرى داخل سورية في الأحوال التالية : 1 – إذا كان مركز الأعمال الرئيسي لطرفي اتفاق التحكيم يقع في دولتين مختلفتين وقت إبرام اتفاق التحكيم وإذا كان لأحدهم عدة مراكز للأعمال فالعبرة للمركز الأكثر ارتباطاً بموضوع اتفاق التحكيم وإذا لم يكن له مركز أعمال فالعبرة لمحل إقامته المعتاد . 2 – إذا كان مركز الأعمال الرئيسي لطرفي اتفاق التحكيم في الدولة نفسها وكان مكان إجراء التحكيم أو مكان تنفيذ جزء جوهري من الالتزامات الناشئة عن العلاقة التجارية بين الأطراف أو المكان الأكثر ارتباطاً بموضوع النزاع خارج هذه الدولة .3 – إذا كان موضوع النزاع الذي ينصرف إليه اتفاق التحكيم مرتبط بأكثر من دولة. ” ↑
- القاضي محمد عبد طعيس – معايير دولية التحكيم التجاري – مقال منشور على الموقع الرسمي لمجلة التشريع والقضاء العراقية : www.tqmag.net أخر زيارة بتاريخ 23/2/2019 م . ↑
- ICC decision : “Although the Contract between the Parties was based on FIDIC, the case itself is not directly relevant to FIDIC. The question for the arbitrator was whether the law governing limitation should be the substantive or the procedural law. The arbitrator decided that in exercise of its discretion, under Art 15(1) of the ICC Rules, the substantive law of the Contract (State X) would be applicable to limitation, particularly since all construction works subject to the Contract were carried out in State X” . This precedent available on Corbette & co’s FIDIC cads law table – 2018 at the address : www.corbette.co.uk visited on 22\2\2019 ↑
- د. محمود عبد الرحيم الديب – الطبيعة القانونية للاتفاق التحكيمي (دراسة مقارنة) – بحث مقدم إلى كلية الشريعة و القانون والدراسات الاسلامية – جامعة قطر – 2003 م – متاح بنسخته الالكترونية على الرابط : www.qspace.qu.edu.qa الزيارة في 26/2/2019 ↑
- قبل صدور بروتوكول جنيف لعام 1923 المؤلف من 8 مواد والذي اعترفت الدول المتعاقدة بموجبه باتفاق التحكيم أو شرط التحكيم كان هناك اتجاه لاعتبار التحكيم وعد بالتعاقد وليس عقداً إلا أنه اختفى مع صدور هذا البروتوكول الأخير الذي سلم صراحة باعتبار شرط التحكيم في المنازعات التجارية الدولية هو اتفاق نهائي وليس وعداً بهذا الاتفاق . ↑
- أ.د. محمد عثمان شبير – مرجع سابق- ص42. ↑
- أبو زيد رضوان – الأسس العامة في التحكيم التجاري الدولي – دار الفكر العربي – القاهرة – 1981 – ص 27 . ↑
- Dominique Brown Bweset & Matthias Scherer – Les mode alternatifes de règlement des differends dans le domaine de la construction – LALIVE publication – Genève – Suisse – 2007 – p. 270 . ↑
- وجدي راغب فهمي – هل التحكيم نوع من القضاء ؟ (دراسة انتقادية لنظرية الطبيعة القضائية للتحكيم) – مجلة الحقوق – العددين الأول والثاني – جامعة الكويت – 1991 م – ص 136 . ↑
- ابراهيم يوسف عبد الحميد ابراهيم – شروط التحكيم في عقود البناء والتشييد (دراسة مقارنة) – رسالة ماجستير – جامعة إفريقيا العالمية – الخرطوم – 2017 م – ص 37 وما يليها . ↑
- Clause 20.6.A :” The dispute shall be finally settled under the rules of arbitration of the international chamber of commerce .” ↑
- Article 1\2 of ICC rules 2017 : “ The court doesn’t itself resolve disputes , it administers the resolution of disputes by arbitral tribunals in accordance with the rules of arbitration of ICC “ ↑
- دينازاد بلغول – سلطات المحكم في التحكيم التجاري الدولي – رسالة ماجستير – جامعة عبد الرحمان ميرة – بجاية – الجزائر – 2012/2013 م – ص 5 وما يليها و ص 31 وما يليها . ↑
- عيد محمد القصاص – حكم التحكيم – دار النهضة العربية – القاهرة – ط 2 – 2007 م – ص 172 . ↑
- د. أحمد الشيخ قاسم – التحكيم التجاري الدولي ( دراسة مقارنة) – دار الجاحظ للطباعة والنشر – دمشق – 1994 م – ص 318 . ↑
- Art 35\6 ICC 2017 rules : “ Every award shall be binding on the parties by submitting the dispute to arbitration under the rules, the parties undertake to carry out any award without delay and shall be deemed to have waived their right to any form of recourse in so far as such waiver can validly be made”. ↑
- راجع المادة 58 فقرة 3 من قانون التحكيم المصري . ↑
- راجع المادة 55 فقرة 3 من نظام التحكيم السعودي . ↑
-
Article 24 ICC 1988: Finality and Enforceability Of Award : “1. The arbitral award shall be final. 2. By submitting the dispute to arbitration by the international Chamber of Commerce, the parties shall be deemed to have undertaken to carry out the resulting award without delay and to have waived their right to any form of appeal insofar as such waiver can validly be made.”
- المادة 5 من اتفاقية نيويورك 1958 تنص على : “1- لا يجوز رفض الاعتراف وتنفيذ الحكم بناء على طلب الخصم الذى يجتح عليه بالحكم إلا إذا قدم هذا الخصم للسلطة المختصة في البلد المطلوب إليها الاعتراف والتنفيذ الدليل على:(أأ) أن أطراف الاتفاق المنصوص عليه في المادة الثانية كانوا طبقا للقانون الذي ينطبق عليهم عديمي الأهلية أو أن الاتفاق المذكور غير صحيح وفقا للقانون الذى أخضعة له الأطراف أو عند عدم النص على ذلك طبقا لقانون البلد الذى صدر فيه الحكم.(ب)أن الخصم المطلوب تنفيذ الحكم عليه لم يعلن اعلاناً صحيحا بتعيين المحكم أو بإجراءات التحكيم أو كان من المستحيل عليه لسبب آخر أن يقدم دفاعه. (ج) أن الحكم فصل في نزاع غير وارد في مشارطة التحكيم أو في عقد التحكيم أو تجاوز حدودهما فيما قضي به، ومع ذلك يجوز الاعتراف وتنفيذ جزء من الحكم الخاضع أصلا للتسوية بطريق التحكيم إذا أمكن فصله عن باقي أجزاء الحكم الغير متفق على حلها بهذا الطريق.(د) أن تشكل هيئة التحكيم أو إجراءات التحكيم مخالف لما اتفق عليه الأطراف أو القانون البلد الذي تم فيه التحكيم في حالة عدم الاتفاق.(هـ) أن الحكم لم يصبح ملزما للخصوم أو ألغته أو أوقفته المختصة في البلد التي فيها أو بموجب قانونها صدر الحكم. 2- يجوز للسلطة المختصة في البلد المطلوب إليها الاعتراف وتنفيذ حكم المحكمين أن ترفض الاعتراف والتنفيذ أذا تبين لها:(أ) أن قانون ذلك البلد لا يجيز تسوية النزاع عن طريق التحكيم أو (ب) أن في الاعتراف بحكم المحكمين أو تنفيذه ما يخالف النظام العام في هذا البلد. ” ↑
- انظر في هذه الاتجاهات وئام مصطفى محي الدين مطر – آثار التحكيم وطرق الطعن فيه (دراسة مقارنة) – رسالة ماجستير – جامعة الأزهر – غزة – 1435 ه / 2014 م – ص 34 . ↑
- انظر المادة 8 من الإعلان العالمي لحقوق الانسان لعام 1948 م : ” لكل شخص الحق بأن يلجأ إلى المحاكم الوطنية لإنصافه عن أعمال فيها اعتداء على الحقوق الأساسية التي يمنحها له القانون ” . ↑
- انظر المادة 51 فقرة 3 من الدستور السوري 2012 م: ” حق التقاضي وسلوك سبل الطعن والمراجعة والدفاع أمام القضاء مصون بالقانون وتكفل الدولة المساعدة القضائية لغير القادرين وفقاً للقانون ” . وانظر أيضاً المادة 41 من دستور الامارات العربية المتحدة لعام 1971 وتعديلاته 2009 : ” لكل انسان أن يتقدم بالشكوى إلى الجهات المختصة بما في ذلك الجهات القضائية من امتهان الحقوق والحريات المنصوص عليها في هذا الباب “Also see article 24 of Canadian constitution and it’s amendments in 2011: “Anyone whose rights or freedoms, as guaranteed by this Charter, have been infringed or denied may apply to a court of competent jurisdiction to obtain such remedy as the court considers appropriate and just in the circumstances” .
- د. عبد الله عبد الرحمن الجناحي الخطيب – طبيعة الدفع باتفاق التحكيم في دولة الإمارات العربية المتحدة – مجلة الشريعة والقانون – سنة 28 – عدد 59 – جامعة الإمارات العربية المتحدة – 1435 ه / 2014 م – ص 21 – 73. ↑
- جاء في حكم لمحكمة النقض السورية بالقضية رقم أساس 182 قرار 137 لعام 2017م :”إن الدفع بعدم قبول الدعوى لوجود شرط التحكيم يجب إثارته قبل البحث بالموضوع وقبل أي دفع أخر وإن عدم التمسك به يعد تنازلاً عن هذا الشرط وقبولاً بالعودة إلى القضاء المدني” منشور في مجلة المحامون السورية – السنة 82 – 2017 – ص 595 . ↑
- . مجموعة العمل المالي (FATF)، حول المجموعة، الطبعة الرسمية، 2020، ص 3. ↑





