بحوث قانونية

اجراءات التحقيق في الدعوى

v           تقديم :

[xyz-ihs snippet=”adsenseAkhbar”]

     بغية تحقيق  العدالة و توفير الأمن القضائي بين المتقاضين ، عمل المشرع المغربي على تنظيم قواعد المسطرة المدنية حتى تتلائم و الصالح العام ، و من بين هذه الإجراءات التي نظمها، نجد إجراءات التحقيق و التي من خلالها يسعى المتقاضي إلى إقامة الدليل أمام القضاء بالطريقة التي يحددها القانون لتأكيد حق متنازع فيه له أثر قانوني. [1] و بالتالي تنظيم اجراءات غايتها إثبات الحق.

     حقيقة أن الإثبات ليس ركنا من أركان الحق ، فالحق يوجد بقوة القانون ، متى توافرت الشروط اللازمة لنشوئه بغض النظر عن وسيلة إثباته، غير أن الحق بدون دليل إثبات يكون عرضة للضياع إذا ما تمت المنازعة فيه. و الإثبات بقواعده الموضوعية و الإجرائية يحقق مصلحة خاصة للأفراد لأنه يمكنهم من تأكيد حقوقهم و إظهارها ، ورد المنازعات بشأنها ، كما يحقق مصلحة عامة للمجتمع تتمثل في إقرار السلم و الأمن الإجتماعي بين المواطنين ، و ذلك عن طريق رفع دعوى أمام القضاء وفق القواعد و الإجراءات التي نص عليها القانون و نظمها في مساطر خاصة .

     و التحقيق من أهم مراحل الدعوى ، إذ يقوم الخصوم خلال هذه المرحلة بطرح ادعاءاتهم و مزاعمهم للمناقشة مع السعي لإثبات صحتها ووجاهتها. كما تقوم المحكمة بجمع كافة العناصر و الأدلة التي ستمكنها من الفصل في النزاع و ذلك بواسطة إجراءات التحقيق كما سبق و أشرنا لذلك ، و لا نعني بإجراءات التحقيق هنا تلك الإجراءات التي يتخذها قاضي التحقيق الجنائي لأن لها قواعدها الخاصة في إطار قانون المسطرة الجنائية ، بل هي إجراءات تتعلق بالإثبات المدني ، فالمقاربة اللفظية قصد بها تشريعيا إبراز أن للقاضي المدني نفس الدور التنقيبي و التدخل الذي يتمتع به القاضي الجنائي في بحثه عن الأدلة و تسيير الدعوى و إثبات الوقائع و الكشف عن الحقيقة .

 إلا أنه تجدر الإشارة في هذا الإطار إلى أن سوء تطبيق هذه الإجراءات يؤدي على الإضرار بحقوق الدفاع و تطويل أمد النزاع، و بالتالي عدم تحقيق الغاية المنشودة و هو الأمن القضائي .

     و من تم و في محاولة للإحاطة بالموضوع من كل جوانبه ، وجب أولا الوقوف على الإشكالات التي يطرحها و مناقشتها ، حتى نتمكن من تجاوزها و بالتالي تحقيق العدالة الإجتماعية .

     و من بين هذه الإشكالات نجد إشكالية تحديد مفهوم و نطاق إجراءات التحقيق ، أي عدم إعطاء المشرع تعريفا دقيقا و قارا لإجراءات التحقيق ما يفتح الباب على مصراعيه لاعتماد وسائل متعددة ، و هذا ما أكده الفصل 55 ، إذ جاء بذكر إجراءات التحقيق على سبيل المثال و ليس على سبيل الحصر ، ثم نجد إشكالا آخر لا يقل أهمية عن سابقه و هو حصر إجراءات التحقيق و تصنيفها تصنيفا يراعي طبيعتها و موضوعها و شكلها أي أن  المشرع لم يميز بين إجراءات التحقيق المنصوص عليها في الفصل 55 و إجراءات التحقيق المسطرية و المنصوص عليها في الفصل    و بالتالي الوقوف على القواعد العامة و الخصائص المشتركة لكافة إجراءات التحقيق و القواعد الخاصة بها .

     مع العلم أن كل الإجراءات من إجراءات التحقيق يطرح من خلال تنظيمه و تطوره و خلفياته و آفاقه و إشكالية أو عدة إشكاليات فرعية كحضورية الخبرة و إنجازها من طرف شخص معنوي ، و امتداد معاينة الأماكن إلى معاينة الأشخاص و المنقولات ، و تعقيد إجرائي تحقيق الخطوط و الزور الفرعي و جمعهما في تنظيم واحد ، و عدم تنظيم إجراءين للتحقيق هما الحضور الشخصي و الأمر بتقديم المستندات بالرغم من أهميتهما و صعوبة ضبط إجراءات التحقيق المسطرية و احترام تسلسلها بدايتها إلى نهايتها.

     فكل هذه الإشكاليات سنتطرق لها في بحثنا هذا مع محاولة إيجاد حلول لها ، و لأجل هذا الغرض ارتأينا تقسيم هذا المبحث إلى مبحثين : فالمبحث الأول خصصناه للإطار القانوني و التاريخي لإجراءات التحقيق و نتطرق فيه إلى تحديد مفهوم و نطاق إجراءات التحقيق ، و إعطاء نظرة عامة و تاريخية لمسطرة التحقيق في قانون المسطرة المدنية .

     أما المبحث الثاني فقد ارتأينا أن نتطرق فيه لإجراءات التحقيق سواء منها العادية أو المسطرية ذلك نظرا لأهمية هذا الموضوع ، و بناء عليه سيكون مخطط البحث كالآتي 

 

v   المبحث الأول : الإطار التاريخي و القانوني لإجراءات التحقيق.

Ø    المطلب الأول : الإطار التاريخي لإجراءات التحقيق

Ø    المطلب الثاني : مفهوم ونطاق لإجراءات التحقيق

v   المبحث الثاني : إجراءات التحقيق.

Ø    المطلب الأول : إجراءات التحقيق العادية

أولا :  القواعد العامة و المشتركة لإجراءات التحقيق العادية.

ثانيا : القواعد الخاصة لمختلف إجراءات التحقيق العادية

Ø    المطلب الثاني : إجراءات التحقيق المسطرية.

v   خاتمة

 

 

المبحث الأول: الإطار التاريخي والقانوني لإجراءات التحقيق.

    قبل الحديث عن مفهوم إجراءات التحقيق في ق م م لابد من أن نعطي صورة ولو موجزة عن هذه الإجراءات من الناحية التاريخية، انطلاقا من ق 12 غشت 1913 وصولا إلى القانون الحالي المؤرخ في 28 شتنبر 1974.

    ومن تم وفي محاولة لتسليط الضوء على هذا التطور التاريخي الذي عرفته المسطرة المدنية، سنحاول الإجابة عن عدة إشكالات كانت ولازالت محمل نقاش. وبالتالي فتح مجال لدراسة ما جاءت به المسطرة القديمة ومقارنتها بالمسطرة الجديدة، ومدى تأثر المشرع المغربي بنظيره الفرنسي.

   وعليه وحتى تكون أمام دراسة قانونية للإشكالات التي تطرحها إجراءات التحقيق، وجب أولا الوقوف على تحديد مفهوم ونطاقا هذه الإجراءات، أي وبصيغة أخرى، ما مدى تحقيق المشرع المغربي للغاية المنشودة من إجراءات التحقيق.

وعلى هذا الأساس سنعمد على تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين أساسيين وهما:

Ø                المطلب الأول: الإطار التاريخي لإجراءات التحقيق.

Ø                المطلب الثاني: الإطار القانوني لإجراءات التحقيق.

 

Ø                المطلب الأول: الإطار التاريخي لإجراءات التحقيق.

     إن التطور التاريخي الذي عرفه التشريع المغربي لم يأت من العدم، وإنما كان نتيجة مراحل تاريخية واجتماعية معينة، مهدت الطريق أمامه لإصلاحات في مختلف القوانين والمساطر، ومسطرة التحقيق باعتبارها موضوع دراستنا في هذا العرض، عرفت هي الأخرى تطورا مهما.

وبالتالي سنتطرق له من خلال دراسة ومقارنة بين ق م م المؤرخ في 12 غشت 1913 و ق م م ج المؤرخ في 28 شتنبر 1974.

1- مسطرة التحقيق في ق م م القديم (12 غشت 1974)

      إن الميزة التي طبعت ق م م ق هي تأثرها بشكل واضح بمسطرة التحقيق المعمول بها التشريع الفرنسي[2]. وقد اعتبر هذا التأثير طبيعيا على اعتبار أن الأمر يتعلق بمسطرة أنشأت فوق أرض المغرب استنادا لاتفاقية الحماية[3]، لأن هذه القوانين كانت موجهة للرعايا الفرنسيين والأجانب لذلك كانت أقرب إلى قوانينهم الوطنية.

غير أن الملاحظ في تنظيم المشرع لمسطرة التحقيق في قانون المسطرة المدنية تأثره بقوانين إجرائية إدارية وليس بقوانين إجرائية مدنية، ويرجع السبب في ذلك أن واضع مشروع ق م م المغربي القديم قاضي إداري فرنسي اسمه (كرنبوم بالان)[4].

وتتميز مسطرة التحقيق في ق م م القديم بما يلي:

ü  احداثها لمؤسسة المقرر:

 وهو قاض يتكلف بتسيير مسطرة التحقيق بصورة تنقيبية تدخلية لا يترك فيها للخصوم إلا دورا ثانويا وبهذا يتميز المقرر عن المؤسسات التي عرفها ق م م الفرنسي، كالقاضي المكلف بتسيير المسطرة[5] وقاضي التحضير واللذان يسيران مسطرة التحقيق بصورة إتهامية يعطى فيها للخصوم الدور الرئيسي.

ü  كانت مسطرة التحقيق في ق م م ق تعتبر إجراءات التحقيق كمسألة عارضة في الدعوى فقط :

 حيث يكون لقاضي الصلح بناء على طلب الخصوم أو أحدهم، ومن تلقاء نفسه أن يأمر قبل البث في موضوع الدعوى بإجراء عمل من أعمال الخبرة، أو بالمعاينة أو بسماع شهادة الشهود أو تحقيق الخطوط أو أي إجراء آخر للتحقيق[6].

ü  تم تنظيم إجراءات التحقيق العادية التالية:

 الخبرة، المعاينة، سماع الشهود، تحقيق الخطوط لاستجواب حول الوقائع والفصول، الحضور الشخصي، وتم فصل اليمين والزور الفرعي عن بقية إجراءات التحقيق وتنظيمها بصفة مستقلة، وفي هذا الإطار ثم تنظيم اليمين كإجراء للتحقيق واليمين المهنية للترجمة والخبراء والمحامين والقضاة وكتاب الضبط بصفة مجتمعه[7]. (ف 379 إلى ف 386)،هذا من جهة.

 أما من جهة أخرى فقد عرفت مسطرة التحقيق في ق م م عدة تعديلات أهمها:

ü  الأمر بالتخلي:

وهو إجراء يتم به إنهاء التحقيق من طرف المقرر الذي تم إلزامه بوضع تقرير كتابي    بعد إنهائه التحقيق وذلك بمقتضى ظ 27/4/1920.

ü  فصل واستقلال مسطرة التحقيق في القانون المغربي عن القانون الفرنسي، وإضفاء لمسة مغربية منبثقة من العمل القضائي، وضغوطات واقتراحات هيئة المحامين بالمغرب وذلك بمقتضى ظ 29 مارس 1954[8].  

انطلاقا من هذا الظهير، تم إعفاء المقرر من كثير من الإجراءات ذات الطابع الإداري حتى يتفرغ لعمله القضائي، حيث أعطيت له ولأول مرة صلاحية الأمر بإجراءات التحقيق العادية كالخبرة ومعاينة الأماكن والأبحاث على خلاف ما كان عليه في السابق، حيث كان لا يحق له ذلك بل يتعين عليه إحالة القضية على هيئة الحكم لتقدر هي ما إذا كان ضروريا الأمر بأحد هذه الإجراءات.

 

2- مسطرة التحقيق في ق م م الحالي.

     إن قانون المسطرة المدنية الحالي المؤرخ في 28 شتنبر 1974، والمعدل لاحقا بمقتضى ظ 10 شتنبر 1993، هو قانون جديد معدل من حيث الشكل والهيكلة أما من حيث المضمون فهو امتداد لقانون المسطرة المدنية القديم وفق صيغته المعدلة بمقتضى ظ 29 مارس 1954.

       ويمكن القول أنه كان على المشرع المغربي في هذا التعديل أن يراعي التعديلات التي عرفتها المسطرة المدنية الفرنسية قبل 1974[9] إن كان متشبعا بالتجربة الفرنسية وبالتالي مواكبة التطور الحاصل في هذا المجال.

  ويلاحظ أن مسطرة التحقيق قي ق م م الحالي أبقت على مؤسسة المقرر أمام محاكم الاستئناف في حين تم إلغاؤها أمام المحاكم الابتدائية إلى حدود 10 شتنبر 1993.

     بالإضافة إلى ذلك نجد مؤسسة المستشار المقرر بالمجلس الأعلى الذي يتولى تحضير القضايا أمام هذا المجلس وذلك بإجراءات تختلف عن تلك التي يتبعها المستشار المقرر بمحاكم الاستئناف كما نظم المشرع المغربي إجراءات التحقيق العادية على الشكل التالي: الخبرة، معاينة الأماكن، تحقيق الخطوط والزور الفرعي، الأبحاث، اليمين في المواد من 55 إلى 102 أما الحضور الشخصي  فلم يتم تنظيمه كاجراء مستقل للتحقيق،خلافا لما كان عليه الأمر في ق م م القديم ف 178[10]، وانما تم تنظيمه في الباب المتعلق بالاجراءات المسطرية.

     ومما سبق إذا كان المشرع من خلال ق م م الجديد قد جاء بمجموعة من التعديلات بخصوص إجراءات التحقيق فهل قام من جهة أخرى بتحديد مفهوم ونطاق هذه الإجراءات خصوصا إذا علمنا أن المشرع في ق م م  ق لم يتحدث عن مفهوم إجراءات التحقيق ولم يعطه تعريفا دقيقا.

أسئلة سنحاول الإجابة عليها انطلاقا من المطلب الثاني الذي خصصناه لمفهوم ونطاق إجراءات التحقيق.

Ø  المطلب الثاني: مفهوم ونطاق إجراءات التحقيق.

      إن الفقه المغربي والمقارن لم يهتم بوضع تعريف محدد ودقيق لإجراءات التحقيق ومرد ذلك كونه كان يركز بشكل أكبر على دراسة الجانب الموضوعي منها، انطلاقا من نظرية الإثبات وخاصة إجراءات الإثبات, بل يمكن القول أن جانبا من الفقه ذهب إلى حد جعل مفهومي إجراءات التحقيق وإجراءات الإثبات متطابقتين.

     ومما تجدر الإشارة إليه أنه مادام هناك علاقة ترابط بين ق م م والقانون  المدني باعتبارهذا الاخير قانون موضوع والأول  قانون شكل، و من جهة ثانية إن قواعد القانون الأول تنظم قواعد القانون الثاني. وبالتالي يمكن إسقاط هذه المعادلة أيضا على كل من إجراءات التحقيق وإجراءات الإثبات، مما سيجعل إجراءات التحقيق التي تم تنظيمها في ق م م هي عبارة عن تنظيم للقواعد الشكلية أو الإجرائية لإثبات التي يتضمنها القانون الموضوعي أو المدني، وبالتالي نجد مثلا أن الأبحاث في قانون الشكل تقابلها شهادة الشهود في قانون الموضوع.[11]

      غير أن هذا التقابل بين القانونين يعاب عليه أنه لم يشمل جميع الإجراءات بحيث إذا ما تفحصنا القانونين معا، وأخص بالذكر ف 55 من ق م م والمادة 404 من ق ل ع نجد أن هناك  إجرائين للتحقيق في قانون الشكل لا يوجد ما يقابلها في قانون الموضوع وهما: الخبرة ومعاينة الأماكن.

       وهذا في حد ذاته اشكال امن الإشكالات التي كان يجب على المشرع أن يجيب عليها من خلال نصوص ق م م، وما يزيد الأمر تعقيدا هو أن المشرع المغربي لم يورد إجراءات التحقيق على سبيل الحصر وإنما أوردها على سبيل المثال. وهذا جاء واضحا بصريح الفصل 55 من ق م م "أو أي إجراء آخر من إجراءات التحقيق".

     كما نلاحظ أن المشرع المغربي قد استعمل لنفس الإجراءات القضائية مصطلحين متباينين، فما يسمى في ق م م الحالي  إجراءات تحقيق مسطرية "كان في ق م م ق يسمى إجراءات عامة للتحقيق[12] فهناك اختلاف كبير بين معنى "الإجراءات العامة للتحقيق"، والمفروض أن يقصد بها القواعد العامة لكافة إجراءات التحقيق، ومعنى إجراءات التحقيق المسطرية", والمفروض أن يقصد بها تنظيم نوع معين من إجراءات التحقيق لدتك أعطي لها وصف "المسطرية"

     وعموما وأمام هذا الفراغ في تعريف هذه الإجراءات فقد عمدت بعض الجهات إلى إعطاء تعريف دقيق لها ومن هذه الجهات الأستاذ محمد المجدوبي الإدريسي الذي عرفها بأنها: "ما تتخذه المحكمة أو المقرر من إجراءات جائز قبولها قانونا للتحقيق في دعوى قائمة أو في دعوى مستقبلية".

     ومن خلال هذا التعريف يمكن القول أن إجراءات التحقيق من الأعمال الإجرائية[13] وأن الغاية منها هي التحقيق في الدعوى[14]. وهذه الإجراءات يجب أن يتم قبولها قانونا[15] وأن تستهدف التحقيق في دعوى قائمة أو مستقبلية.

     هذا بإيجاز فيما يتعلق بمفهوم إجراءات التحقيق، لننتقل بعد ذلك إلى نطاق هذه الإجراءات من خلال المبحث الثاني.

المبحث الثاني :اجراءات التحقيق في الدعوى

      لقد تحدث المشرع المغربي عن اجراءات مختلفة للتحقيق، هذه الاجراءات تتميز بكونها اما اجراءات عادية او مسطرية. وسنحاول الوقوف على كل واحدة منهما بالاعتماد على خطة بحث مقسمة الى مطلبين:

Ø     المطلب الاول سنخصصه اجراءات التحقيق العادية

Ø     والمطلب الثاني سنخصصه اجراءات التحقيق المسطرية

Ø  المطلب الاول:اجراءات التحقيق العادية

تشترك اجراءات التحقيق العادية في بعض القواعد العامة والمشتركة، و التي اشار المشرع المغربي الى بعضها في الفصول 55 الى 58 من ق م م تحت تسمية مقتضيات عامة، فهذه القواعد يمكن ان نصفها بالنظرية العامة لاجرءات التحقيق، والى جانب ذلك عالج المشرع اجراءات خاصة كالخبرة و معاينة الاماكن،واشارايضا الى مسئلة اخرى والمتعلقة بتقديم المستندات والحضور الشخصي.

وعليه سنحاول تقسيم هذا المطلب الى قسمين:

Ø    القسم الاول : القواعد العامة والمشتركة لإجراءات التحقيق

Ø    القسم الثاني : ثانيا: القواعد الخاصة لمختلف إجراءات التحقيق العادية.

 

Ø   أولا: القواعد العامة والمشتركة لإجراءات التحقيق

 إن إجراءات التحقيق العادية  كالخبرة  ومعانية الأماكن والأبحاث  وتحقيق الخطوط  تخضع لمجموعة من القواعد القانونية الشكلية والموضوعية , فهذه القواعد القانونية الشكلية والموضوعية تتميز بكونها عامة ومشتركة بين كافة  إجراءات التحقيق العادية.  وقد ارتأين أن نتطرق إلى القواعد  العامة والمشتركة لإجراءات التحقيق العادية من خلال ثلاث مراحل: مرحلة الأمر بالإجراءات التحقيق ومرحلة تنفيذ اجراءات التحقيق ومرحلة، وقد خصصنا لكل مرحلة محورا مستقلا كالأتي.

:مرحلة الأمر بإجراء التحقيق.

: مرحلة تنفيذ الأمرللقيام بإجراءات التحقيق.

 

1: مرحلة الأمر باجراء التحقيق.

      لكي نحيط بمرحلة الأمر بإجراءات التحقيق سنتطرق إلى نوعية الأمر  باجراءات التحقيق ,سلطات القاضي في مرحلة الأمر بإجراءات التحقيق, ضوابط المرعية عند الأمر بإجراءات التحقيق , القواعد الشكلية للأوامر المتعلقة بإجراءات التحقيق وذلك من خلال أربع محاور .

ü    : نوعية الأمر بالإجراءات التحقيق

إن إجراءات التحقيق  ثم  تصورها في البداية من طرف الفقه والتشريع على أنها مسألة عارضة أو فرعية في دعوى أصلية يأمر بها القاضي أثناء سريان الدعوى الأصلية بقصد التحقيق فيها، أي في إطار المسطرة الرائجة ، غير أن  العمل القضائي اظهر الفائدة  العملية من قبول إجراءات التحقيق مقدمة في شكل طلب أصلي بحيث يصبح إجراء التحقيق هو كل المطلوب في الدعوى .من هنا يتضح أن طبيعة الأمر بإجراءات التحقيق تأتي إما في شكل مسألة  عارضة أو في شكل طلب أصلي .

فإجراءات التحقيق المقدمة في شكل طلب أصلي الغاية منها هي تمكين الخصوم من تهيئة أو المحافظة على أدلة يخشى اندثارها أو تغير معالمها  إذ ما انتظر عرض النزاع أمام قضاء الموضوع كما لو خشي سفر الشاهد الوحيد أو وفاته.

  حيث نجد أن المشرع المغربي قد أجاز هو كذلك إجراءات التحقيق الأصلية بإقراره لدعوى إثبات الحالة سواء في إطار الأوامر المبنية على طلب "ف148 من ق م م "أو في إطار الأوامر ألاستعجالي في 149 ق م م" وقد أعطى الاختصاص للبث في هذا النوع من الدعوى لرئيس المحكمة الابتدائية لكونه يتصف بصفة القاضي الولائي بالنسبة للأوامر المبنية على طلب وصفة القاضي الإستعجالي بالنسبة للأوامر ألاستعجالية. كما نجد أن المشرع المغربي  وهذا من مستحدثات  ق م م الحالي قد أعطى للرئيس الأول لمحكمة الاستئناف الاختصاص الإستعجالي شبيه باختصاص رئيس المحكمة الابتدائية بحيث يحق له أن يأمر بإجراءات التحقيق الأصلية كإثبات الحالة حيث اشترط المشرع لممارسة هذا الاختصاص ثلاث شروط : أولا عنصر لاستعجال , ثانيا عدم المساس بأصل الحق وهما شرطان يشترك فيهما الرئيس الأول للمحكمة الاستئناف مع رئيس المحكمة الابتدائية في ما يخص مناط اختصاصه أما الشرط الثالث والذي ينفرد به رئيس محكمة الاستئناف لوحده هو أن يكون النزاع معروض على محكمة الاستئناف.

 أما إجراءات التحقيق العارضة فهي إجراءات تتم أثناء سريان الدعوى في إطار مسطرة الرائجة وهي كافة إجراءات التحقيق العارضة التي نظمها المشرع المغربي في الفصول من 55 إلى 102 من ق م م وهي الخبرة , معا ينة الأماكن , الأبحاث ,اليمين وتحقيق الخطوط  . بالإضافة إلى إجراءات التحقيق الأخرى كالحضور الشخصي والأمر بتقديم المستندات على اعتبار أن الفصل 55 من ق م م جاء على سبل المثال وليس الحصر . وقد منح المشرع اختصاص الأمر بإجراءات التحقيق المذكورة لكل من القاضي المكلف بالقضية أي القاضي المقرر والمستشار المقرر، حيث نجد أن المشرع المغربي عمد إلى إلاحالة فيما يخص اختصاصات القاضي  المقرر على اختصاصات  المستشار المقرر أمام المحاكم الاستئناف وهكذا نجد أن الفصل 334 من ق م م ينص على ما يلي يتخذ المستشار المقرر لإجراءات لجعل القضية جاهزة للحكم ويأمر بتقديم المستندات التي يرى ضرورتها للتحقيق في الدعوى, ويمكن له بنا على طلب الأطراف أو حتى تلقائيا بعد سماع الأطراف أو استدعائهم للحضور بصفة قانونية لمحكمة الاستئناف، والأمر بأي اجراء للتحقيق من بحث وخبرة وحضور شخصي دون مساس بما يمكن أن تأمر به بعد ذلك من إجراءات في جلسة علنية أو غرفة المشورة ودون مساس بجوهر " الدعوى الأصلية". كما منح المشرع هيئة الحكم الجماعية سواء أمام المحاكم الابتدائية او الاستئنافية حق إصدار اوامرللقيام بإجراءات التحقيق العارضة ،والأصل أن هيئة الحكم الجماعية هي المختصة بالأمر بإجراءات التحقيق العادية إلا أنه لا يحق لها هيئة الحكم الجماعية سواء بالمحاكم الابتدائية أو الاستئنافية أن تصدر أوامرها للقيام بإجراءات التحقيق إذا ما كان القاضي المقرر واضعا يده على القضية أثناء مسطرة التحقيق وقبل أن يصدر الأمر بالتخلي، لأن ذلك يعتبر تطاول على اختصاصه، غير أن هناك استثناء على هذه القاعدة يتمثل في الحالة التي يبادر فيها القاضي المقرر إلى دعوة هيئة الحكم الجماعية أثناء مسطرة التحقيق لعقد جلستها بغرفة المشورة فتقرر هذه الأخيرة بعد الاستماع إليه ضرورة إصدار الأمر بإجراء التحقيق . الفصل 336 \ ح م من ق م م .

وهكذا نرى أن هيئة الحكم الجماعية لها إمكانية إصدار الأوامر بإجراءات التحقيق العادية: كالخبرة والأبحاث واليمين خلال ثلاث مراحل من الدعوة :

المرحلة الأولى : عند إحالة ملف القضية على هيئة الحكم الجماعية من طرف القاضي المقرر وذلك بعد تحديد هذا الأخير لأول جلسة علنية تعقدها هيئة الحكم الجماعية تطبيقا للفصل 329 \ 2من ق م م

المرحلة الثانية : أثناء مسطرة التحقيق كما سبقت الإشارة الى ذلك.

المرحلة الثالثة : بعد إنهاء المستشار المقرر لمسطرة التحقيق و التخلي عن القضية لفائدة هيئة الحكم الجماعية يصدر الأمر بإجراء التحقيق من هيئة الحكم الجماعية بالجلسة العلنية " ف 336 \ 2 ق م م "

أما بالنسبة للمجلس الأعلى  فلم يرد المشرع المغربي إعطاءه سلطة إصدار الأوامر بإجراءات التحقيق باعتباره محكمة قانون لا محكمة واقع، ومهمته مراقبة صحة الأوامر والأحكام القضائية الانتهائية .

 

ü     : سلطات القاضي في مرحلة الأمر بإجراءات التحقيق

 يتمتع القاضي في مرحلة الأمر بإجراءات التحقيق بسلطات حقيقية تمكنه من إبراز دوره التنقيبي في تسيير مسطرة التحقيق, فالقاضي لا يجبر على الأمر بإجراءات التحقيق فله الصلاحية الكاملة برفض أو القبول لطلب الخصوم بالأمر بأحد الإجراءات، إذا ما توفر على جميع العناصر الواقعية للبث في الدعوى وهذا ما أبرزه المشرع المغربي بكلمة " يمكن " والتي استهل بها الفصل 55 من ق م م والذي جاء فيه : » يمكن للقاضي بناء على طلب الأطراف أو احدهم أومن تلقاء أن يأمر قبل البث في جوهر الدعوى بإجراء خبرة أو وقوف على عين المكان أو بحث أو تحقيق خطوط أو أي إجراء أخر من إجراءات التحقيق « .

كما انه يأمر بهذه الإجراءات بصفة تلقائية، فالقاضي لا ينتظر تقديم الخصوم لأدلتهم وحججهم مكتفيا بما يقدمونه له ،بل يسعى هو أيضا من جانبة إلى البحث عن الأدلة بواسطة ما يصدره من أوامر بإجراء التحقيق ،وله كذلك أن يعدل أو يستبدل او يستغني عن إجراءات التحقيق  بحرية مطلقة  . ويعتبر هذا طبيعا اذاما علمنا ان الاحكام التمهيدية بصفة عامة لا تقيد المحكمة , تم إن إجراءات التحقيق لا ترفع يده عن القضية ولا تنزع عنه الاختصاص ،فالاحكام التمهيدية كقاعدة عامة لاتنزع الاختصاص عن الهيئة التي اصدرتها  خلال الاحكام الفاصلة في الموضوع.

ü  : الضوابط المرعية عند الامر باجراءت التحقيق

يتعين على القاضي المختص عند الامر باجراءات التحقيق أن يتقيد بعدة ضوابط قبل الامر بها، واهم هذه الضوابط : ان تكون اجراءات التحقيق مفيدة في التحقيق، بحيث يجب على القاضي ان يتأكد من كون هذا الاجراء مفيد في التحقيق و يسهل الفصل في النزاع ، كما يجب ان لا تكون الاجراءات سد نقص كلي في حجة احد الخصوم، ذلك ان القاضي عندما يتدخل في مجال الاثبات بالامر باجراءات التحقيق ، انما يتقدم فقط بمساعدة تقنية تكميلية لحجة الخصم، فهو لايهدف الحلول محل الخصم في اثبات ادعائه.

 واخيرا يجب ان لا تكون الاجراءات معقدة بل يجب ان تكون اكثر بساطة واقل تعقيدا ولا تكون مكلفة كالخبرة مثلا ال والتي يمكن الاستغناء عنها باجراء تحقيق اقل تكلفة كالاستماع الى شهادة الشهود .

ü  : القواعد الشكلية للاوامر بالاجراءات التحقيق

 إن الاوامر باجراءات التحقيق يجب ان تأخذ شكلا اجرائيا معينا، فهي اما ان تأخذ شكل أو امر استعجالية او اوامر مبنية على طلب، كما يمكن ان تاخذ شكل حكم تمهيدي او تحضيري ، مع االاشارة الى انه من الممكن ان ياتي الامر باجراء التحقيق في شكل حكم فاصل في الموضوع ونعني هنا اليمين الحاسمة , وقد نص المشرع على وجوب تبليغ الخصوم بكافة اجراءات التحقيق الصادرة عن القاضي او المستشار المقرر، والتي تتميز بطبيعة خاصة، فقد نص الفصل 334 من ق م م في فقرته الثانية على انه" لايمكن باي حال ان تمس الاوامر التي تصدر في هذا الشأن الدعوة الاصلية و تبلغ بواسطة كتابة الضبط…"

وفي ما يخص الطعن في الاوامر باجراءات التحقيق فهي تقبل الطعن بجميع طرق الطعن العادية وغير العادية اذا ما توفرت شروط كل طعن. على انه لا يطعن في الاحكام التمهيدية المتعلقة باجراءات التحقيق بصفة مستقلة عن الحكم الفاصل في الموضوع بل في نفس الوقت.

 والملاحظ ان المشرع المغربي قد نص صراحة على ان بعض اجراءات التحقيق لا تقبل أي طعن، ويتعلق الامر هنا بالاوامرالمتعلقة باجراءات التحقيق الصادرة عن القاضي والمستشار المقرر الفقرة الثانية من  ف 334 ق م م

2 : مرحلة تنفيذالاجراءات التحقيق

 ان مرحلة تنفيذ اجراءات التحقيق هي مرحلة لاحقة لمرحلة الامر باجراءات التحقيق . ففي هذه المرحلة يأخذ اجراء التحقيق حركيته وتجسيده على ارض الواقع، والملاحظ ان المشرع المغربي لم يعط لهذه المرحلة اهميتها ولم يقم بتنظيمها، وسنحاول بالرغم من هذا الفراغ التشريعي التطرق بايجاز الى هذه المرحلة بالتعرض لبعض هذه المواضيع :

القاضي المختص بالتنفيذ او مراقبة تنفيذ اجراءات التحقيق.

 المكان وزمان تنفيذ اجراءات التحقيق .

  دور كتابة الضبط خلال مرحلة تنفيذ اجراءات التحقيق .

 حضور الخصوم ووكلائه لعملية تنفيذ اجراءات التحقيق .

 حضور النيابة العامة لعملية تنفيذ اجراءات التحقيق .

  صعوبات تنفيذ اجراءات التحقيق .

  انتهاء عملية تنفيذ اجراءات التحقيق .

ü  : القاضي المختص بتنفيذ الاوامر او مراقبة تنفيذ اجراءات التحقيق :

  في البداية يجب التمييز بين تنفيذ اجراءات التحقيق او مراقبة تنفيذ اجراءات التحقيق . اذا قام القاضي بتنفيذ اجراء التحقيق بنفسه كالاستماع الى شهادة الشهود او الوقوف على عين المكان او توجيه اليمين لاحد الخصوم، فإننا في هذه الحالة نكون امام تنفيذ اجراء التحقيق، اما اذا لم يقم بها بنفسه ،بل اوكل مهمة التنفيذ للخبير فإننا في هذه الحالة نكون امام مراقبة القاضي لتنفيذ اجراء التحقيق . لكن يجب تمييز بين القضاء الفردي والقضاء الجماعي.

1 – القضاء الفردي : ان القاضي الفرد سواء كان قاضيا استعجاليا او قاضيا للموضوع يكون هو المختص بتنفيذ او مراقبة تنفيذ اجراء التحقيق الذي امر به.

2- القضاء الجماعي : في جميع الحالات التي يصدر فيها الامر باجراء التحقيق من طرف القاضي او المستشار المقرر، فإن مهمة تنفيذ او مراقبة تنفيذ  هذا الاجراء تقع على عاتق هذا الاخير لوحده دون هيئة الحكم الجماعية، اما اذا صدر الامر باجراء التحقيق من طرف هيئة الحكم الجماعية فإنه يجب التمييز بين تنفيذ اجراء التحقيق ومراقبة تنفيذه .

    أ- تنفيذ اجراء التحقيق : ان تنفيذ اجراء التحقيق المامور به من طرف هيئة الحكم الجماعية  يقع كأصل على عاتق القاضي اوالمستشار المقرر، على انه يبقى لهيئة الحكم الجماعية ان تقرر في الامر باجراء التحقيق ان تقوم هي بنفسها بتنفيذ الاجراء

     ب- مراقبة اجراءات التحقيق : ان مراقبة تنفيذ اجراءات التحقيق يجرى من طرف القاضي او المستشار المقرر، لانه هيئة التحقيق غير انه يحق لهيئة الحكم الجماعية ان تعهد في قرار الامر باجراء التحقيق لرئيس هيئة الحكم الجماعية لمراقبة تنفيذ هذا الاجراء .

ü  مكان وزمان تنفيذ اجراءات التحقيق 

ان مكان تنفيذ اجراءات التحقيق لايخرج عن حالتين، اما ان يجري التنفيذ  بالمحكمة واما ان يجرى خارجها، فالتنفيذ داخل المحكمة يتم اما في جلسة علنية واما في جلسة سرية ،اما تنفيذ اجراء التحقيق خارج المحكمة فيتم اما من طرف الخبير  واما من طرف القاضي المختص بتنفيذ اجراءات التحقيق، ويكون ذلك عن طريق الانتقال الى عين المكان .

ü  حضور الخصوم ووكلائهم لعملية تنفيذ اجراءات التحقيق

 يقوم الخصوم بالحضور لعملية تنفيذ اجراء التحقيق المامور به من طرف المحكمة، ويكون هذا الحضور اما بصفة شخصية واما عن طريق الوكيل. والخصوم من حيث المبدأ غير ملزمين بالحضور الشخصي لعمليات تنفيذ اجراءات التحقيق ،غير انه في حالات معينة ونظرا لطبيعة اجراءات التحقيق يتعين على الخصوم ان يحضرو بصفة شخصية كما هو الحال مثلا في الخبرة الطبية او تحقيق الخطوط او الحضور الشخصي .

Ø  ثانيا: القواعد الخاصة لمختلف إجراءات التحقيق العادية.

  لقد تحدث المشرع المغربي في الفصل 55 من ق م م عن إجراءات التحقيق العادية بقوله: "يمكن للقاضي بناء على طلب الأطراف أو أحدهم أو تلقائيا أن يأمر قبل البت في جوهر الدعوى بإجراء خبرة أو وقوف على عين المكان أو بحث أو تحقيق خطوط أو أي إجراء آخر من إجراءات التحقيق.

ومن خلال هذا النص نستخلص ان المشرع لم يحصر اجراءات التحقيق، وانما ترك الباب مفتوحا لاعتماد شتى انواع الاجراءات. لذلك سنحاول معالجة القواعد الخاصة لهذه الاجراءات من خلال الوقوف على انواعها وسنحاول ايضا معالجة بعض الاشكالات التي جاءت بها ،ونحاول قدر الامكان اعطاء راي فيها من خلال تقسيمها الى نوعين: النوع الاول : يتعلق بالاجراءات الغير مرتبطة بوسائل الاثباث-الخبرة والمعاينة

               النوع الثاني: يتعلق بالاجراءات المرتبطة بوسائل الاثباث وهي- الابحاث،اليمين،تحقيق   الخطوط والزورالفرعي

 

1 : الخبرة

الخبرة القضائية هي العمليات والتقارير التي يقوم بها الخبير المعين من طرف المحكمة في مسألة فنية لا يأنس القاضي من نفسه الكفاية العلمية أو الفنية للقيام بها، فيكلف أحد ذوي الاختصاص لجلاء ما غمض عليه من واقع النزاع المعروض عليه، والذي يكون إطلاعه عليه ضروريا للبت في النزاع[16].

وحسب القرار رقم 1375 بتاريخ 30/05/1992 كما جاء فيه "إن مهمة الخبير الذي تعينه المحكمة تنحصر في جلاء أمر تقني يرى القاضي الإطلاع عليه ضروريا للفصل في النزاع المعروض عليه. أما الإجراءات التي تتعلق بالقانون كمعرفة الأرض المتنازع عليها هل هي من الأملاك الخاصة أو من أملاك الدولة أو الجماعات، وهل المدعون يتصرفون في الأرض عن طريق المنفعة والاستغلال فقط أو عن طريق التملك، فهذه كلها إجراءات قانونية من صميم أعمال القاضي الذي لا يجوز أن يتنازل عنها للغير أو يفوض النظر فيه إلهيا.

وإن المحكمة التي اعتمدت على خبرة من هذا النوع تكون قد جردت قضاءها من الأساسا القانون وعرضته للنقض[17].

ü  الاستدعاء للخبرة.

يجب على الخبير أن يستدعي الأطراف ويشعرهم باليوم والساعة الذي تجرى فيه الخبرة  \وعليه أن يشعر كل واحد على حده عند تعددهم برسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل، قبل الميعاد الذي يحدده للقيام بإجراء الخبرة بخمسة أيام على الأقل،وهو ما اكده المجلس الاعلى في القرار رقم 963 بتاريخ 18 / 05 / 1984 والذي جاء فيه"لا يكفي أن يشير الخبير في تقريره إلى أن الطرفين استدعيا بواسطة البريد المضمون إذ من اللازم كما يقضي بذلك الفصل 63 من ق م م أن  يرفق تقريره بالإشعار بالتوصل[18].

ومما يجب ملاحظته أن استدعاء الأطراف من طرف الخبير لحضور الخبرة، إجراء إلزامي حتى ولو كانت الخبرة فنية يستحيل على الأطراف ملاحظة ما يجري فيها ومعرفته ،وهو ما اكده ايضا المجلس الاعلى في القرار عدد 26 بتاريخ 29/12/1977 "يكون ماسا بحقوق الدفاع موجبا للنقض الحكم المطعون فيه الذي اعتمد خبرة أجزاء الخبير دون استدعاء الأطراف للحضور استدعاء الأطراف عن القيام بالخبرة ضروري ولو كانت الخبرة فنية[19].

ü  الطلب أو الأمر بإجراء خبرة.

استنادا إلى مقتضيات الفصل 55 من قانون المسطرة المدنية، فإنه يمكن للمحكمة بناء على طلب الأطراف أو أحدهم أن تأمر قبل البت في جوهر الدعوى بإجراء خبرة، كما أنه من حقها أن تقرر إجراء هذه الخبرة بكيفية تلقائية، ولو بدون طلب الأطراف المعنية أو موافقتهم، كما أنها طبعا غير ملزمة باللجوء إلى إجراء خبرة بكيفية تلقائية.

ü  تجريح الخبير

لا يقبل تجريح الخبير الذي تعينه المحكمة بكيفية تلقائية إلا للقرابة القريبة أو لأسباب خطيرة أخرى، ويتعين على الطرف الطالب تقديم وسائل التجريح داخل أجل خمسة أيام من تبليغه تعيين الخبير.

جاء في قرار المجلس الأعلى رقم 699 بتاريخ 14 مارس 1988، في الملف المدني عدد 3332/86 أنه: "… وحيث يعيب الطاعن القرار المذكور بخرق القانون، والتفسير الخاطئ للفصل 62 من قانون المسطرة المذكور بخرق القانون، والتفسير الخاطئ للفصل 62 من قانون المسطرة المدنية، وانعدام التعليل، والإخلال بحق من حقوق الدفاع، وذلك لكونه فسر الفصل المذكور،تفسيرا خاطئا، إذا أن الطالب لم يسبق له قط أن صرح بأنه يريد تجريح الخبير، وأنه إنما صرح في مقال استئنافه بكون الحكم التمهيدي القاضي باستبدال الخبير السيد هرو محمد صدر في غيبته، ودون جلسة، وأنه لم يعلم به إلى أن توصل من الخبير المذكور باستدعاء لحضور الخبرة، لذلك لم يتأت له أن يطعن داخل الجل المحدد في الخبرة…[20]

لكن فمن جهة أولى، حيث إن تعيين خبير بدل أخر لا يستلزم حضور الأطراف ولا وقوعه في جلسة، وأن جعل الطعن بالتجريح في الخبير ينطلق من يوم التبليغ، لا من يوم التعيين، وأن الثابت من تنصيصات القرار المطعون فيه أن الخبير السيد هرو – الأمين في البناء- قد استدعى الطالب للخبرة، فحصر ورفض محاولة الصلح التي قام بها بينه وبين خصمه، اعتمادا على تقرير الخبرة الذي يعد محررا رسميا، وله تجربته فيما أثبته من وقائع باعتبار أن محرره مكلف بخدمة عامة، فكان على الطالب – والحالة هذه – أن يتقدم منذ ذلك بما قدم يكون لديه من ملاحظات س شأن الخبرة والقائم بها، إلا أنه لم يفعل مما يدل على عدم وجودها أو تخليه عنها …"

 

ü  استبدال الخبرة.

إذا لم يقم بالخبير بالمهمة المسندة إليه، لسبب من الأسباب، أو لم يقبل القيام بها يتعين على القاضي لجعل القضية جاهزة للبت فيها أن يعين خبيرا آخر بدل عن الخبير الذي لم يقم  بمهمته، ويشعر الأطراف فورا بهذا الاستبدال، ويمكن القيام بإجراء الاستبدال في مكتب القاضي، وقد قضى المجلس الأعلى في قراره رقم 699 الصادر بتاريخ 14 / 30 / 1993 "بأنه ليس من اللازم لكي يتم استبدال" الخبير الذي لم يقم بمهمته بأخر أن يتم ذلك بحضور الأطراف ولا في جلسة علنية"[21].

من المعلوم أن الخبرة غير ملزمة للمحكمة، فإذا تعددت الخيرات فإنه يكون لها في إطار سلطتها التقديرية اختيار الخبرة التي تقتنع بها، ولا رقابة عليها إلا من حيث التعليل،وقد جاء في قرار المجلس الأعلى رقم 478، بتاريخ 15 يوليوز 1997، في الملف العقاري عدد 6185/92 أنه: "…وحيث تعيب الطاعنة القرار المطعون فيه بوسيلتين تتلخصان في عدم الرد على ملتمسات الطاعنة، والخطأ في التعليل، ذلك أن محكمة الاستئناف أمرت بإجراء خبرتين، واعتمدت الخبرة الثانية دون أن تذكر شيئا عن الخبرة الأولى باعتبار أنها كانت لصالح الطاعنة التي تملك مع زوجها في الأرض المدعى فيها مساحة تبلغ 219 م، بني منها 216 مترا مربعا، وقد كان على المحكمة ألا تعتمد على خبرة حضورية وغير منطقية، بل كان عليها أن تقارن بين الخبرتين، وإذا اتضح لها تناقض بينهما، تقف على عين المكان أو تعين خبرة مضادة للوصول إلى الحقيقة …لكن ردا على ما أثير في الوسيلتين معا، فإن محكمة الاستئناف بعد أن أمرت بإجراء خبرة أولى، لم يتفق عليها الطرفان، قضت بإجراء خبرة ثانية عهدت بها إلى ثلاثة خبراء، أثبتوا في تقريرهم أن الخبرة تمت بحضور الطرفين بعد استدعائهما بصفة قانونية، وأنه ثبت من تطبيق رسمي شراء الطرفين أن المتعرضة ضمت إلى أرضها من أرض المدعي مساحة تبلغ 50،70 مترا نربعا، وقد وازنت المحكمة بين الخبرتين المأمور بهما، وانتهت إلى القول باعتماد الخبرة الثلاثية الثانية لاقتناعها بأن ما ورد فيها هو الحل المناسب للنزاع، الأمر الذي كان معه القرار مؤسسا ومعللا بما يكفي، وما عابته عليه الوسيلتان غير سديد …

إن عدم إيداع طالب الخبرة أتعابها في الأجل المحدد من طرف القاضي يؤدي إلى صرف النظر عن الخبرة، وإن كان يبقى الخيار للمحكمة في أن تستجيب للطلب الذي صدر الأمر بإجراء الخبرة فيه أو ترفضه حسبما تستنتجه من دراستها للقضية في إطار سلطتها التقديرية.

وصرف النظر عن الخبرة اكد عليه الشرع بصريح  الفصل 56 من قانون المسطرة المدنية الذي ينص في فقرته الثانية على أنه يصرف عن الإجراء في حالة عدم إيداع المبلغ في الأجل المحدد من طرف القاضي للبت في الدعوى، ويمكن رفض الطلب الذي يصدر الأمر بإجراء التحقيق فيه.

ü  اليمين القانونية لمزاولة الخبرة

أداء اليمين من طرف الخبير غير المدرج في جدول الخبراء يعتبر إجراء جوهريا لأداء الخبرة ولو بعد إجرائها، وفي هذا الاتجاه ذهب المجلس الاعلى في احدى قراراته واخص بالذكر قرار رقم 612 بتاريخ 13 مارس 1985، في الملف عدد 504 أنه: "… حيث عابت الوسيلتان على القرار عدم الارتكاز على أساس قانوني وخرق حقوق الدفاع، ذلك أن الحكم الابتدائي اعتمد خبرة غير قانونية، وقد أثار مخالفتها للفصل 59 من قانون المسطرة المدنية لكون الخبيرين غير مدرجين بالجدول، ومع ذلك لم يؤديا اليمين القانونية، ولم يلزمهما القرار التمهيدي بأدائها، وقد سكتت المحكمة عن هذا الدفع، كما أن الخبيرين لم يستدعيا الأطراف للحضور في الخبرة.فجاءت لكل ذلك مخالفة لمقتضيات الفصلين 59 و 63 من قانون المسطرة المدنية، وأن المحكمة باعتبارها خبرة غير قانونية، تكون قد خرقت المقتضيين المذكورين، وعرضت قرارها للنقض…[22]

ü  تقدير قيمة الخبرة

إن النتائج التي قد تسفر عنها الخبرة، حتى ولو كانت بأمر من المحكمة، لا تلزمها في شيء، فتقدير قيمة الخبرة موكول لقضاة الموضوع دون أية رقابة عليهم من طرف المجلس الأعلى ما لم ينع عليه أي تحريف لها.

وجاء في قرار المجلس الأعلى رقم 1179 بتاريخ 10 مارس 1999، في الملف المدني عدد 4000/93 أنه: "… لكن خلافا لما أثارته الطاعنة … واعتبارا لكون تقرير الخبرة يعد من عناصر الإثبات التي تخضع للسلطة التقديرية لقضاة الموضوع دون رقابة عليهم من طرف المجلس الأعلى ما لم ينع عليهم أي تحريف لها، فإن محكمة الاستءناف لما ظهر لها من الخبرة المنجزة في القضية أن الطاعنة أخلت بالتزاماتها، وحكمت عليها بالتعويض المذكور، تكون قد ركزت قرارها على أساس قانوني، وعللته تعليلا كافيا. مما يجعل الوسيلتين معا غير متركزتين على أساس…"

2: معاينة الأماكن:

 يدخل في اطارمعاينة الاماكن =الطلب أو الأمر بالمعاينة، سكوت المحكمة عن الرد على طلب المعاينة، القواعد المنظمة للمعاينة=.

ü  الطلب أو الأمر بالمعاينة

انطلاقا من مقتضيات الفصل 67 من قانون المسطرة المدنية، فإن المعاينة كإجراء من إجراءات التحقيق يمكن أن تقوم بها المحكمة من تلقاء من نفسها، كما يمكن لها اللجوء إليها بناء على طلب أحد الأطراف.

جاء في قرار المجلس الأعلى رقم 2940 بتاريخ 10 نوفمبر 1993 أنه: "… إن الوقوف على عين المكان من طرف المحكمة أو تعيين خبير للقيام بذلك، إجراء من إجراءات التحقيق، تقوم به المحكمة من تلقاء نفسها، أو بطلب من أحد الأطراف لتستبين موقع القضاء، وتكون فكرة شاملة عن النزاع، فإذا استان لها ذلك، واستجمعت عناصر النزاع، فلا عليها إن لم تقم بالمعاينة أو الخبرة، ولو طلب منها، متى كان قضاؤها مستساغا…"[23]

ü  سكوت المحكمة عن الرد على طلب المعاينة

إذا كانت المعاينة وسيلة من وسائل التحقيق في القضية المعروضة على المحكمة، يمكن لها اللجوء إليها إما تلقائيا، أو بناء على طلب الأطراف أو أحدهم، فإنه إذا تقدم أي من الأطراف بطلب إجراء معاينة، وسكتت المحكمة عن الرد على طلبه بدون تبرير ذلك، فإن هذا السكوت غير المبرر يجعل حكمها منعدم الأساس القانوني، وخارقا لحقوق الدفاع، وهذا ما ذهب اليه المجلس الأعلى فب القراررقم 1124 بتاريخ 27 أكتوبر 1987، في الملف الشرعي عدد 5293/84 والذي جاء فيه فإنه كان واجبا على المحكمة في نطاق قانون المسطرة للتوفر على عناصر البت في النزاع أن تأمر بإجراء معاينة على عين المدعى فيه، لمعرفة من يقيم به، حتى إذا كشفت عن الحقيقة في ذلك فصلت في النزاع على ضوء نتيجة هذه المعاينة، والمحكمة زيادة عن كونها لم تقم بأية معاينة، فإنها لم تجب عن طلب الطاعنين المثار أمامها المتعلق بإجراء المعاينة المذكورة، مما جاء معه حكمها غير مبني على أساس قانوني وناقص التعليل الموازي لانعدامه، كما أهدرت من جهة أخرى حقا من حقوق دفاع الطاعنين بعدم جوابها عن طلب المعاينة، مما جاء معه حكمها معرضا للنقض…[24]

ü  القواعد المنظمة للمعاينة

إذا أمرت المحكمة بالمعاينة، وجب على القاضي المكلف بالقضية، أو القاضي المقرر، أن يقوم بنفسه على عين المكان، وله وحده حق الاستماع إلى الأشخاص الذين يعينهم ويقوم بمحضرهم بالعمليات التي يراها مفيدة.

يحرر محضر الانتقال، ويوقع من طرف رئيس الهيئة التي قامت به وكاتب الضبط، او من قبل القاضي المقرر أو القاضي امقرر أو القاضي المكلف بالقضية وكاتب الالضبط، ويودع بكتابة الضبط رهن إشارة الأطراف.

جاء في قرار المجلس الأعلى رقم 25 بتاريخ 23 يناير 1980، في الملف المدني عدد 65946 أنه لما اعتدت المحكمة في قضائها على محضر المعاينة التي قام بها كاتب الضبط وحده ورفضت دفوع الخصم في هذا الشأن تكون قد خرقت مقتضيات الفصول 67، 69، 70 من ق م م وعرضت قضائها للنقض.

 

 

ü  مصاريف المعاينة

إذا كان يمكن للمحكمة بناء على طلب الطراف أو أحدهم، وقبل البت في جوهر الدعوى أن تأمر بإجراء معاينة على عين المكان، فإن عدم أدء المصاريف الخاصة بهذا افجراء من قبل طالبه، رغم الإشعار بذلك، يعتبر تخليا عن طلبها.

وقد جاء في قرار المجلس الأعلى رقم 1080 بتاريخ 18 فبراير 1998، في الملف المدني عدد 2291/92 أنه:

إلا أن الطاعن رغم إشعاره بموطنه المختار بأداء صائر التنقل والحضور في اليوم المحدد لذلك افجراء لم يفعل ما أمر به، وحضر الطرفان بجلسة المناقشة، واسندا النظر للمحكمة دون أن يتمسك الطاعن بطلب إجراء المعاينة مما اعتبرته المحكمة تراجعا منه عن الطلب المذكور، فجاء قرارها بذلك معللا بما يكفي لتبريره، وكان ما عابه الطاعن على القرار غير جدير بالاعتبار…[25]

 

3: البحث

ü  البحث والسلطة التقديرية للمحكمة.

إذا ادعى أحد الأطراف واقعة ما، ولم يثبتها أمام المحكمة، فإن هذه الأخيرة غير ملزمة بإجراء بحث لإثباتها، فإجراء البحث من عدمه موكول إلى السلطة التقديرية للمحكمة، وهذا الامر اكده المجلس الأعلى في القرار رقم 1017 بتاريخ 24 أبريل 1991، في الملف المدني عدد 90.532 الذي جاء فيه:

لكن حيث إن المحكمة غير ملزمة بإجراء بحث لإثبات واقعة إدعاء أحد الخصوم ولم يستطع إثباتها، ومن تم فرفضها مزاعم الطالب بعلة أنه لم يدل بما يثبت تنازل المطلوب له عن مبلغ الدين الثابث بكمبيالات في ذمته يعتبر تعليلا كافيا، والوسيلة على غير أساس…[26]

ü  المحكمة غير ملزمة بإجراء بحث إذا كانت عناصر الملف كافية.

إذا كان للمحكمة أن تجري تلقائيا أو بناء على طلب الأطراف أو أحدهم بحثا في الملف المعروض عليها، فإنها لا تكون ملزمة بإجراءا أي بحث إذا وجدت في عناصرها ما يكفيها لاستخلاص النتائج لفض النزاع.

وجاء في قرار المجلس الأعلى رقم 206 بتاريخ 25 فبراير 1985، في الملف الاجتماعي عدد 99578 أنه: "… وحيث إنه من جهة أخرى، سواء بمقتضى الفصل 754 من ق ل ع أو الفصل 280 من ق م م فإن محكمة الموضوع غير ملزمة بإجراء أي بحث طالما أنها وجدت في عناصر الملف ما يكفيها لاستخلاص النتائج المفيدة لفض النزاع. [27]

ü  عدم الاستجابة لطلب إجراء بحث دون تعليل خرق لحقوق الدفاع.

إذا كان للمحكمة الأمر بإجراء بحث، وذلك بهدف تنويرها، واستكمالا لتكوين قناعتها، وبصفة عامة كلما رأت فائدة في الأمر بهذا الإجراء سواء بكيفية تلقائية أو بناء على طلب الأطراف أو أحدهم، فإنه لا يمكن لها عدم الاستجابة إلى هذا الطلب دون تعليل هذا الرفض، وإلا عد ذلك مساسا بحقوق الدفاع.

وجاء في قرار المجلس الأعلى رقم 483 بتاريخ 5 أكتوبر 1987، في الملف الاجتماعي عدد 8087/87 أنه: "… وحيث تعيب الطاعنة على القرار المطعون فيه خرق مقتضيات الفصلين 399 و 754 من قانون الالتزامات والعقود، والمساس بحقوق الدفاع، وانعدام التعليل وعدم الارتكاز على أساس قانوني، ذلك أن محكمة الاستئناف في قضائها المطعون فيه، رفضت الاستجابة لطلب الطاعنة الرامي إلى إجراء بحث لإثبات حقيقة تخلي الأجير عن عمله، بدعوى أنها منحت الفرصة في المرحلة الابتدائية لإثبات ما تدعيه، غير أنها لم تحظر لجلسة البحث، في حين أن الطاعنة لم يقع استدعاؤها على الشكل القانوني لهذه الجلسة أمام المحكمة الابتدائية، ولا يمكن بالتالي مؤاخذتها على عدم حضورها لتلك الجلسة، وأن رفض طلبها الرامي إلى إجراء بحث جديد أمام المحكمة الاستئنافية غير معلل، ويشكل مساسا بحقوق الدفاع…[28]

 

4: اليمين

اليمين: هو تصريح يؤكد به الشخص "مدعيا أو مدعى عليه" ما يدعيه أوما يحاول أن ينفيه عنه، وهي وسيلة يلتجأ إليها كل من يعوزه الدليل على أن تكون هناك علاقة تربط بين الأطراف المتنازعة أي الحالف والمحلوف له، حتى تكون الواقعة المراد إثباتها أو نفيها ممكنة الوقوع.

واليمين كما نص على ذلك المشرع المغربي نوعان: يمين متممة وحاسمة.

 فاليمين المتممة: هي التي تتمم حجة ناقصة لا تكفي وحدها لإقامة الدليل لصالح من توفرت له، واليمين المتممة في نظر الاجتهاد القضائي هي وسيلة لإثبات دليل غير كامل، وليس دليلا له. وفي هذا الصدد ذهب القضاء المغربي في إحدى قراراته أنه بناء على مقتضيات الفصل 87 من ق م م فإن للمحكمة الحق فيما إذا اعتبرت أن الفصليم اللذين أدلى بهما بداية حجة أن توجه اليمين المتممة إلى المدعي وأن المحكمة التي كلفت المدعي بأداء اليمين تكون قد جعلت لقضاءها أساسا من القانون[29].

أما اليمين الحاسمة: فهي تسمى كذلك لأنها تحسم بشكل نهائي في موضوع النزاع، وهذا النوع من اليمين يلتجأ إليها أحد الأطراف الذي يرى أن أداءها من طرف الخصم سيبقى متروكا لضميره[30]. وتعتبر اليمين الحاسمة في نظر الاجتهاد القضائي وسيلة من وسائل الإثبات غير العادية لا تحكم بها المحكمة من تلقاء نفسها، وإنما بناء على طلب.

والجدير بالذكر أنه إذا كانت مقتضيات الفقرة الأولى من الفصل 55 من ق م م تنص على أنه يمكن للمحكمة بناء على طلب الأطراف أو أحدهم أو تلقائيا أن تأمر قبل البت في جوهر الدعوى بإجراء خبرة أو  وقوف على عين المكان أو الحث على تحقيق خطوط، او إجراء آخر من إجراءات التحقيق، فإن الاجتهاد القضائي للمجلس الأعلى يستثني من ذلك قواعد اليمين الحاسمة، فهذه الخيرة لا تحكم بها المحكمة تلقائيا، كما أن الحكم القضائي الذي لايستجيب للطلب الرامي إلى توجيهها يكون خارقا لقاعدة مسطرية من صميم النظام العام.

وفي هذا الصدد ذهب المجلس الأعلى في إحدى قراراته"وحيث يعيب الطاعنان القرار المذكور بخرق قاعدة مسطرية واضر بهما- خرق مقتضيات الفصل 85 من ق.م.م – ذلك أنهما طلبا في مقالهما الاستئنافي توجيه اليمين إلى المطلوب في نطاق مقتضيات الفصل85 المذكور، إلا أن المحكمة اكتفت بالاستماع إلى شهود لفيف أثناء جلسات البحث، دون توجيه اليمين المطلوبة إلى المطلوب، رغم إدلاء نائبهما بالإذن الخاص منهما له في توجيه تلك اليمين إلى المطلوب، وذلك يشكل خرقا لقاعدة مسطرية، مما كان معه قرارها المطعون فيه عرضة للنقض"[31]

وللإشارة فاليمين الحاسمة قد يترتب عنها عقوبات زجرية نص عليها المشرع الجنائي في الفصل 337 منه في حالة أدائها زورا ويتحقق هذا الامر عندما يتم أداء اليمين الحاسمة من طرف الشخص الذي طلبت منه، ثم يكتشف بعد ذلك من طلب أدائها أو موجه اليمين الحجة الكتابية الكاملة لإثبات حقه الذي أدى المدين اليمين الحاسمة لنفيه، وعليه يكون لموجهها إقامة دعوى جنحية سواء بشكاية مباشرة أمام المحكمة طالبا معاقبة الحالف لارتكابه جنحة شهادة الزور المنصوص عليها وكما سبق الذكر الفصل 337 من ق ج والذي جاء فيه " كل شخص وجهت إليه اليمين أو ردت عليه في المواد المدنية أدى أداء اليمين كاذبا يعاقب بالحبس من سنة إلى 5 سنوات وغرامة من 120 إلى 2000 درهم ويمكن أن يتقدم إلى النيابة العامة في الموضوع والذي يتولى متابعة الحالف الكاذب وعندها يتدخل موجه اليمين في الدعوى العمومية طرفا مدنيا[32]. مطالبا بتعويض الضرر المادي والأدبي اللذين لحقا به من جراء ضياع حقه بسبب الحكم المبني على يمين كاذبة.  ومن الإشكالات المطروحة بخصوص الزور في اليمين الحاسمة أن موجهها لا يبقى له الحق في أن يقدم دعوى للمطالبة بإعادة النظر في الحكم الصادر بناء على اليمين الحاسمة والتي ثبت زورها، اعتمادا على الفصل 402 من ق م م الآتي بعده لان الفقرة الثالثة منه تسمح بإعادة النظر إذا بني الحكم على مستندات اعترف أو صرح بأنها مزورة بعد صدور الحكم، بينما الحكم المبني على يمين حاسمة كاذبة لا يدخل في هذا النطاق ولا يمكن لمن صدر الحكم ضده أن يطلب إبطال الحكم المبني على يمين حاسمة كاذبة ، على بحكم أن هذه الأخيرة تنهي النزاع بصفة لارجعة فيه، و يجعل الحكم الصادر بناء عليها لا يقبل الطعن.

ولا يبقى للمتضرر سوى أن يطلب بتعويض عن الضرر الحاصل له بسبب اليمين، وفي رأينا أن هذا الأمر كان يجب على المشرع أن يتفاداه من خلال ادراج فقرة إضافية في الفصل المتعلق بإعادة النظر وأخص بالذكر هنا الفصل 402 من ق م م ينص على اعتبار أن أداء اليمين الحاسمة زورا يترتب عليه إعادة النظر في الحكم الصادر عن المحكمة[33].

وبالتالي كيف يمكن للمحكمة ألا تعيد النظر في دعوى بث فيهابناء على وسيلة تبث فيها بعد أنها مزورة وخصوصا إذا علمنا أنه تم الاكتفاء فقط بهذه الوسيلة للفصل في النزاع دونما حاجة إلى أية أدلة مادية على اعتبار أنها تنهي النزاع بصفة لا رجعة فيه. وعليه فمن غير المنطقي أن يطلب أحد الأطراف مثلا من الطرف الآخر أداء اليمين الحاسمة للفصل في النزاع بينهما ويقوم الطرف الثاني بأدائها زورا بنية الوصول الى مراده، وبعد صدور الحكم يكتشف الطرف الاخرعلى أن اليمين تم تأديتها زورا، ومع ذلك يعتبر إعادة النظر مرفوضا في هذه الحالة.

اليس في هذا الأمر ضرر للطرف الذي ظن على أن توجيه اليمين الحاسمة للطرف الآخر ربما قد تعيد له حقه؟

نظن على أن هذا الأمر فيه نوع من الحيف وانه كان يجب على المشرع الحسم فيه نهائيا من خلال إدراج وكما سبق الذكر فقرة تنص على عتبار كل حكم صادر يبنى على يمين حاسمة كاذبة يوجب إعادة النظر.

لأنه في بعض الأحيان قد يكون الشيء المتنازع حوله أمام المحكمة أهم من التعويض الذي سيحصل عليه عند تحريكه للدعوى العمومية مما يجعل الضرر كبيرا وقد لا يمكن أن يصلحه التعويض بقدر ما يمكن إصلاحه إعادة النظر.

وعموما فاليمين بنوعيها تبقى من الوسائل التي يسعى من وراءها القضاء الحصول حكم ووضع حد للنزاع القائم بين الأطراف حتى وإن اختلف الدور الذي تلعبه كل يمين.

 

5: تحقيق الخطوط والزور الفرعي.

لقد أدرج المشرع المغربي كل من تحقيق الخطوط والزور الفرعي في باب واحد ونظن أن السبب الذي دفعه إلى الجمع بينهما في هذا الباب هو اعتبار أن الزور الفرعي المنصوص عليه في الفصول من 91 إلى 102 من ق م م لا يمكن أن يتحقق إلا إذا مس السندات وغيرها من الأشياء التي تحدث عنها المشرع في  الفصلين 89 و 90 من ق م م ، الشيء الذي يفضي إلينا على أن الإجرائين –تحقيق الخطوط والزور الفرعي – هما وجهين لعملة واحدة، لذلك نظن على أن المشرع عندما جمع بينهما في باب واحد ولم يخصص لكل واحدة منهما باب مستقل،قد اصاب في قراره وحصر بذلك الاشياء التي يمكن ان يطالها ما يسمى بالزور الفرعي.

ومن جهة ثانية فان تخصيص المشرع لباب مستقل للزور الفرعي من شانه ان يوسع من قائمة الاشياء التي يمكن ان يطالها الزور، ولن يبقى الامر منحصرا على ما حدده المشرع في الفصلين  89 و90 من ق.م.م. كما قد يحدث نوعا من الخلط بينه وبين الزور الجنائي .

والجدير بالذكر فالمشرع من خلال جرده لتحقيق الخطوط في الفصل 55 من ق م م كإجراء للتحقيق، يكون قد أشار للزور الفرعي بشكل ضمني واعتبره أيضا إجراء للتحقيق، بخلاف التوجه الذي تبناه المشرع المغربي في ق م م القديم، حيث لم يقم بتعداد الزور الفرعي كإجراء للتحقيق على غرار اليمين الذي خصص له باب مستقل. ويرجع السبب في ذلك على اعتبار أن الفصل 55 من ق م م أخذ من الفصل 87 من ق م م القديم وهذا الأخير جاء في إطار تنظيم المسطرة أمام محاكم الصلح. ومحاكم الصلح لم يكن لها الحق في إجراء مسطرة الزور الفرعي وبالتالي كان من الواجب ألا تتم الإشارة إلى الزور الفرعي في تعداده[34].

ومما سبق سنحاول معالجة تحقيق الخطوط والزور الفرعي وذلك من خلال محورين:

أ: تحقيق الخطوط

بالرجوع إلى مقتضيات الفصل 89 من ق م م نجده ينص "إذا أنكر خصم ما نسب إليه من كتابة …"

فمن خلال هذا الفصل يتضح لنا أن إنكار الخصم لما نسب إليه من كتابة الوثيقة المدلى بها ضده أو بتوقيعه عليها وتمسك بها من قدمها بعد إنذاره من طرف القاضي. وقع هذا الأخير على الوثيقة وأمر بتحقيق خط هذه الوثيقة،أو التوقيع عليها بعد ان يؤشر  القاضي المقرر أو القاضي المكلف بالقضية على هذه المستنتجات كي لا يقع استبدالها بأخرى، ومضاهاتها بمكتوبات أخرى للمنسوبة إليه الوثيقة ومقارنة توقيعه بعدة توقيعات أخرى يؤمر بها من طرف القاضي، أو من طرف الخبير في الخطوط الذي يعينه القاضي لذلك . وإذا ثبت من تحقيق الخطوط صحة توقيع المستند أو  من طرف من أنكره اعتبر السند صحيحا. وحكم على المنكر بغارمة من مائة إلى ثلاثمائة درهم لفائدة الخزينة، دون أن يمنع هذا الحكم من إقامة دعوى التعويض التي يمكن لمقدم الوثيقة والمستفيد منها أن يقيمها. وإذا لم يتبث أن الخط أو التوقيع له، اعتبرت الوثيقة لاغية بالنسبة لهذه القضية وأبعدت من الملف، واعتبرت كأن لم تكن[35]، وفي هذا الصدد ذهب القضاء المغربي في إحدى قراراته، أنه إذا أنكر الخصم توقيعه على الكمبيالة المطلوبة منه أداء قيمتها، وأكد هذا الإنكار بتوكيل خاص إلى محاميه مشهود على إمضائه، ولم تقم المحكمة بمسطرة التحقيق الخطوط بعلة أن الدعوى لم توجه ضد شخص معين تكون قد خرقت مقتضيات الفصول 89 – 92 من ق م م وعرضت قضاءها للنقض[36].

والملاحظ من خلال هذا القرار أن تحقيق الخطوط هو إجراء مهم يجب أن تآمر فيه المحكمة خصوصا إذا تعلق بوثيقة هي موضوع النزاع أو التي ستؤدي إلى الفصل فيه.

وعموما فتحقيق الخطوط هو إجراء مهم لا يجب على المحكمة أن تغض الطرف عنه وإلا تعرض قضاءها للنقض.

ب: الزور الفرعي.

تحدث المشرع المغربي عن الزور الفرعي من الفصل 92 إلى 102 من ق م م وهذه الفصول تبين لنا الإجراءات التي يجب إتباعها لإثبات الزور في المستندات المقدمة للمحكمة، سواء كانت هذه المستندات رسمية أو أو عرفية بخلاف تحقيق الخطوط الذي لا يطال إلا المستندات العرفية[37]، والإدعاء بالزور ليس دفعا يستدعي من المحكمة القيام بأي إجراء، وإنما هو كما يستفاد خاصة من الفصل 92 من ق م م ، طعن يجب أن يقدم في شكل دعوى أصلية أو عارضة، تكون هي المنطلق للقيام بالإجراءات المنصوص عليها في القانون[38]، كما يكون الإدعاء بالزور اما مدنيا أوجنائيا، وهما بذلك يختلفان، ويتجلى هذا الاختلاف بينهما  في كون الأول قد لا يهدف إلى الإدعاء بالزور الجنائي بمعنى أن المدعي يستهدف من ورائه فقط إبطال الوثيقة وإبعادها عن ملف القضية، بينما الثاني – الزور الجنائي – فإنه يستهدف بالإضافة إلى إبطال الوثيقة، معاقبة مرتكب التزوير ومستعمله[39].

لكن من جهة  ثانية إذا رفعت الدعوى الجنائية وكانت دعوى الزور المدني مرفوعة يجب على المحكمة التي تنظر الدعوى المدنية أن توقف البث في القضية إلى أن ينتهي الحكم في الدعوى الجنائية ويصبح باثا، اعمالا للقاعدة المعروفة الجنائي يعقل المدني.

فإذا قضت المحكمة الجنائية بتزوير الوثيقة موضوع الدعوى أو بعدم تزويرها يكون لهذا الحكم الباث حجية أمام المحكمة المدنية ويتعين عليها أن تعتبر الوثيقة كذلك، ولا يمكنها أن تعيد البحث من جديد.

والإدعاء بالزور المدني، إما أن يكون إدعاء أصليا أو إدعاء فرعيا[40]. والطعن فيه يتحقق بمسطرة خاصة، بحيث إذا استجابت المحكمة لطالب الطعن فإنه يقع عليها إنذار الطرف المقدم للمستند المطعون فيه للإفصاح عن رغبته في التمسك به أو التخلي عن التمسك به، أو إدلائه بغيره مما يثبت دعواه.

وخلاصة القول إن إجراءات التحقيق سواء التي ورد تعدادها أو التي لم يرد تعدادها في الفصل 55 تعتبر مهمة للحسم في النزاع إذا ما أمر بها من طرف القاضي أو المستشار المقرر باعتبارها إجراءات تتعلق بتقديم وسائل الإثبات، وهي بذلك تختلف عن إجراءات تتعلق أساسا بتبليغ المذكرات الدفاعية وتسيير المسطرة القضائية. والتي سماها المشرع بإجراءات التحقيق المسطرية تمييزا لها عن سابقتها.

فما هي إجراءات التحقيق المسطرية؟

Ø  المطلب الثاني : إجراءات التحقيق المسطرية

لقد وصف المشرع المغربي إجراءات التحقيق المسطري بأنها تلك الإجراءات التي يتبعها القاضي المقرر عند تسييره مسطرة التحقيق منها الأمر بتبليغ المقال وتعيين أول جلسة علنية والأمر بتبليغ المذكرات الدفاعية والمستنتجات وإطلاع الخصوم على المستندات والآراء المدلى بها في ملف القضية والأمر بالتخلي وإدراج القضية بالجلسة العلنية.

وقد يذهب البعض إلى القول أن إجراءات التحقيق المسطرية لا يمكن اعتبارها إجراءات للتحقيق وفق المفهوم الضيق لهذا المصطلح والذي يقصد به إجراءات تقديم الأدلة كالأبحاث أو تحقيق الخطوط أو الزور الفرعي أو اليمين، خاصة وأن إجراءات التحقيق المسطرية لا تصدر في شكل حكم تمهيدي أو فاصل في الموضوع أو أمر استعجالي على خلاف إجراءات التحقيق العادية ،كما أنها لا تتعلق بإجراءات تقديم وسائل الاثبات المدنية كالاقرار الكتابي أو الشهادة أو اليمين[41]،  بل تتعلق أساسا بتسليم المذكرات الدفاعية وتسيير المسطرة القضائية وعليه وتكريسا لهذا الاتجاه نرى على ان التشريع الفرنسي لم يدخل ما نسميه بإجراءات التحقيق المسطرية في الباب المتعلق باجراءات التحقيق، بل خصها بتنظيم مستقل في إطار الباب المتعلق بالمستندات وبالتالي كانت هناك خلفيات أو أسباب دفعت المشرع المغربي إلى اعتبار إجراءات التحقيق المسطرية إجراءات تحقيق وفق المفهوم الواسع لهذا المصطلح ومن جملة هذه الأسباب ما يلي[42]:

أ – أن إجراءات التحقيق المسطرية إجراءات تاتي في مرحلة التحقيق والتي تبتدأ باصدار أم بتبليغ المقال وتنتهي بإقفال باب الاتباث بإصدار أمر بالتخلي لذا من الطبيعي تسمية هذه الإجراءات بإجراءات التحقيق لأنها تأتي في مرحلة التحقيق .

ب – أن إجراءات التحقيق المسطرية تتعلق أساسا بتبليغ المقالات والمذكرات الدفاعية والإطلاع على مستندات القضية ،فالمذكرات والمستندات تعتبر في شكلها ومضمونها أدلة كتابية تستند إليها المحكمة في الإتباث والتحقيق وعليه فان إجراءات التحقيق المسطرية كشبيهاتها إجراءات التحقيق العادية كالأبحاث واليمين تتعلق بإجراءات تقديم أحد الأدلة المدنية والذي هو الدليل الكتابي [43]

وتبعا لما سلف ذكره نرى أن نطاق إجراءات التحقيق في قانون المسطرة المدنية المغربي الحالي لا يقتصر على الإجراءات المنصوص عليها في الفصول 55 إلى 102 من ق.م.م وهي الخبرة معاينة الأماكن، الأبحاث، اليمين، كالخطوط والزور الفرعي بل امتد ليشمل إجراءات أخرى وعلى الخصوص تلك المنصوص عليها في الفصول 328 إلى 336 من ق.م.م والمتعلقة بإجراءات التحقيق المسطرية أمام محاكم الاستئناف وتلك المنصوص عليها في الفصول 362الى 367 من ق.م.م والمتعلقة بإجراءات التحقيق أمام المجلس الأعلى والمنصوص عليها في الفصول 280الى 282 من ق.م.م والمتعلقة بإجراءات التحقيق في القضايا الاجتماعية والمنصوص عليها في الفصلين 386 و 387 من ق.م.م والمتعلقة بدعوى الزور أمام المجلس الأعلى أو المنصوص عليها في الفصلين 148 و149 من ق.م.م والمتعلقة بدعوى اثباث الحالة .

وسنقتصر على نموذج واحد من هذه النماذج  تطبق فيه إجراءات التحقيق المسطرية والأمر يتعلق هنا بإجراءات التحقيق المسطرية أمام محاكم الاستئناف، فكما هو معلوم انه بعد تقديم مقال الاستئناف أمام المحكمة الابتدائية الذي أصدرت الحكم المستأنف وتسجيلها الاستئناف في سجل خاص وجردها لوثائق الملف وبعثه له إلى محكمة الاستئناف بدون تأخير بالإضافة إلى ما يجب أن يقوم به الطرف المستأنف من إجراءات تتعلق بالمقال الاستئناف وغيرها مع احترامه للأجل المنصوص عليه قانونا[44] .ويعين الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بعد إحالة الملف عليه من كتاب الضبط التابعة له المستشار المقرر ويسلم له الملف داخل أجل 24 ساعة إلا أن هذا الأجل لا يحترم عادة ولم يرتب عليه المشرع جزاء وإنما هو أجل استنهاضي يقصد منه الحث على الإسراع في الإجراءات .

و يقوم المستشار المقرر بتسجيل الملف في السجل الممسوك من طرفه ويصدر تعليمات لكتابة الضبط بتبليغ نسخة من المقال إلى الجانب المستأنف. [45]

تبليغ نسخة من مقال الدعوى ( 329 قمم ) مع تعيين تاريخ النظر في القضية لأول جلسة علنية مع الإشارة الى وجوب تقديم مذكرة الدفاع والمستندات المؤيدة قبل الجلسة وفي أجل يحدده لذلك .وفي هذا الصدد ذهب القضاء المغربي وتطبيقا للفصل 334 م.م انه يتعين على المستشار المقرر أن يتخذ الإجراءات التي تجعل القضية جاهزة وبأمر المتقاضين بتقديم المستندات التي يرى ضرورتها للتحقيق في الدعوى .

إن المحكمة التي استبعدت وثيقة حاسمة في الدعوى بعلة أنها لا تقرأ مع أنه مشار في طرتها إلى مراجعها وهي محفوظة في محكمة التوثيق ولم يكلف المدلي بها بالإدلاء بنسخة أخرى مقروءة تكون قد خرقت مقتضيات الفصل المستدل به وعرضت قضاءها للنقض.[46]

وعطفا على ما سبق يقوم المستشار المقرر بعد إحالة القضية علية في الجلسة بجميع إجراءات التحقيق التي يراها ضرورية لإلقاء الضوء على القضية وجعلها جاهزة للبت فيها كالاستماع إلى الشهود في مكتبه بحضور أطراف النزاع أو تعيين خبير أو الانتقال إلى عين المكان إلا أن هذه الإجراءات كلها لا تمس بما يمكن للمحكمة أن تأمر به بعد ذلك في جلسة علنية أو في غرفة المشورة[47]،بحيث يكون من حقها أن تستمع إلى الشهود أو تعين خبيرا اخر أو تقرر الوقوف على عين المكان فتنتقل الهيأة بكاملها  بعد أن ينتهي المستشار المقرر من الإجراءات التي يراها ضرورية لجعل القضية جاهزة أو إذا لم يجب من كان مكلف بالجواب أو بالتعقيب أصدر المستشار المقرر رغم توصله وانقضى الأجل الذي منحه له أمرا بالتخلي وعين الحلبة العلنية التي تدرج فيها القضية وإذا وردت مذكرات بعد صدور الأمر بالتخلي سحبث من الملف وصغت رهن إشارة واضحها في كتابة الضبط .

إلا أنه يمكن لمحكمة الاستئناف بهدف الوصول إلى الحقيقة وإصدار قرار عادل – إن وجدت بعد ذلك وثائق حاسمة في الدعوى أدلى بها بعد إصدار أمر التخلي أو رأت أن هناك بعض الإيضاحات لم يستوضحها المستشار المقرر، عدلت عن الأمر بالتخلي وأخرجت القضية من المداولة بقرار معلل وأدرجتها في جلسة علنية أخرى لإتمام الإجراءات التي أخرجت القضية من المداولة من أجلها، ولها أن ترجع القضية للمستشار المقرر الذي يقوم بجميع الإجراءات التي تدعو إليها الضرورة كإجراء خبرة أو الوقوف على عين المكان أو تحقيق الخطوط والزور الفرعي[48].

إلا أن المستشار المقرر يكتفي بوضع تقرير بذلك موضحا فيه الوقائع وملخص مذكرات الأطراف والنتائج دون أن يبدي رأيه في الموضوع ويضاف المحضر إلى الملف الذي يعرض على الهيأة لتتخذ فيه ما تراه. هذا من جهة.

ومن جهة ثانية اذا كان القاضي أو المستشار المقرر يمكن له القيام بإجراءات التحقيق فانه من جهة أخرى يعفى فيها المقرر من التحقيق حيث نص المشرع المغربي في ق.م.م على حالات معينة تعفى فيها المحكمة من إجراء التحقيق بحيث يتم الانتقال مباشرة من تقييد الدعوى إلى مرحلة الحكم وذلك دون أن يتم تعيين القاضي أو المستشار المقرر ويعتقد أنه في هذه الحالات لا يتم تبليغ نسخة المقال للطرف المدعى عليه لأن ذلك يشكل ايدانا بإفتتاح التحقيق وهوالأمر الذي استغني عنه وعليه فإن الحالات التي اجاز فيها المشرع الإعفاء تقسم الى نوعين: اولاهما عدم مراعات شكليات المقال، وثانيهما هو معرفة حل القضية مقدما بصفة يقينية .

 

خاتمة :

 

إن تنظيم إجراءات التحقيق في الدعوى المدنية في القانون المغربي، ارث تشريعي مأخوذ من قوانين أجنبية يرجع تاريخ بعضها إلى ما يقارب ثلاثة قرون. ويتسم هذا التنظيم بغلبة الشكلية، وعدم مسايرته العمل القضائي،وعدم مواكبته للمستجدات الحديثة و التطور العلمي،مما يضفي عليه طابعا تقليديا متجاوزا. كما انه لم يتصور إجراءات التحقيق ضمن هذا التنظيم إلا كمسطرة عارضة في الدعوى، مما يصعب معه اعتبارها دعوى أصلية في بعض الحالات كدعوى تحقيق الخطوط. ولقد حان الوقت للتخلص من هذا الإرث التشريعي، بوضع تنظيم متكامل وعصري لهذه الإجراءات

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفهرس

 

المبحث الأول: الإطار التاريخي والقانوني لإجراءات التحقيق……………………………………..ص1

المطلب الأول: الإطار التاريخي لإجراءات التحقيق ……………………………………………ص1

 مسطرة التحقيق في ق م م القديم (12 غشت1974……………………………………..ص1

 مسطرة التحقيق في ق م م الحالي…………………………………………………………ص3

المبحث الثاني :اجراءات التحقيق في الدعوى………………………………………………………ص5

     المطلب الاول:اجراءات التحقيق العادية………………………………………………………..ص5

            أولا: القواعد العامة والمشتركة لإجراءات التحقيق………………………………………ص5

              مرحلة الأمر باجراء التحقيق…………………………………………………………….ص6

                مرحلة تنفيذالاجراءات التحقيق…………………………………………………………ص9

            ثانيا: القواعد الخاصة لمختلف إجراءات التحقيق العادية………………………………ص10

 الخبرة……………………………………………………………………………………ص10

  معاينة الأماكن…………………………………………………………………………..ص11

 البحث…………………………………………………………………………………….ص16

 اليمين…………………………………………………………………………………….ص17

 تحقيق الخطوط والزور الفرعي………………………………………………………..ص20

     المطلب الثاني : إجراءات التحقيق المسطرية…………………………………………………..ص22

 

 

 


[1]  العلوي العبدلاوي ادريس ، وسائل الإثبات في التشريع المدني المغربي ، المحمدية المطبعة : فضالة ، الطبعة الأولى 1977 ص 4 و 5.

[2]– ق 23 يوليوز 1989 المتعلق بالمسطرة المتبعة أمام مجالس الأقاليم، مرسوم 5 غشت المتعلق  بالمسطرة الN° 197,24/7/1889 et N°    217, 10/8/1889. متبعة أمام مجالس المنازعات الإدارية بالمستعمرات. Journal officiel de la république française

[3]– اتفاقية الحماية بين فرنسا والمغرب أبرمت بتاريخ 30 مارس 1912 حيث أن الفصل الأول من اتفاقية الحماية كان يعطي فرنسا الحق في إجراء إصلاحات قضائية بالمغرب.

[4] – أنظر تقرير كرنيوم بالان لتقديم مشروع المسطرة المدنية لرئيس الجمهورية الفرنسية (ج. ر 12 – 9 – 1913 ) عدد 64 س 2.

[5] – الفصل 78 من ق. م.م.ق

[6] – إحداث بمقتضى مرسوم ق مؤرخ في 30 – 10 – 1935 والذي عرفت سلطاته توسعا بمقتضى قانوني 15 – 07 – 1944 و 22- 12 – 1958 ثم إحداث مؤسسة قاضي التحضير بمقتضى قانون 13 – 10 – 65 والمعدل في 7 – 12 – 67.

[7] – محمد المحجوبي الإدريسي إجراءات التحقيق في الدعوى في ق. م . م المغربي – رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في في ق الخاص ط 1 سنة 1996 ص 20.

[8] – محمد المحجوبي م.س ص 21 وللزيادة في التفاصيل أنظر مجلة المحاكم المغربية عدد 1046 بتاريخ 10 يونيو 1949، عدد 1066 بتاريخ 10-5-1950. المؤتمر الأول ب 27 و 28 ماي 1949 بالرباط. والثاني ب 28 و 29 أبريل 1950 بالدارالبيضاء.

[9] – مراسيم 9 شتنبر 1971 و 20 يوليوز 1972 و 28 غشت 1972 و 17 دجنبر 1973.

[10] – محمد المحجوبي، م. س . ص 24.

[11] –  محمد المحجوبي، م. س . ص 24.

[12] – من (ف 145 إلى 156 مكرر مرتين)

[13] – يعرف الفقه الأعمال الإجرائية بأنها العمال التي يرتب عليها ق مباشرة *** إجرائيا وتكون جزءا من الخصومة ، وللزيادة في التفاصيل راجع والي فتحي "الوسيط في قانون القضاء المدني " ط 2، 1981 ص 412.

[14] – يعرف الفقه التحقيق بأنه "مرحلة من الدعوى تثار فيها مناقشة الوسائل الواقعية والقانونية المدعمة لكل طلب أو دفع بحيث سعي كل قاضي إلى إقناع القاضي بصحة إدعاءاته أو بعدم صحة إدعاءات خصمه كما أن القاضي يسعى من جانبه إلى الإلمام بواقع النزاع والتأكد من مطابقتها للحقيقة.

[15] – وقد عبر عن ذلك ق 143 من ق م م الفرنسي بقوله أن الوقائع التي يتوقف عليها حل النزاع يمكن أن تكون بناء على طلب الأطراف أو تلقائيا محل جميع إجراءات التحقيق الجائز قبولها قانونا.

– عبدالعزيزتوفيق،الخبرة في الميدان الجنائي،مجلة المحاكم المغربية،عدد12،ص21[16]

– قرار المجلس الأعلى رقم 1375،بتاريخ30/05/1992.[17]

–  قرار المجلس الأعلى رقم 963 بتاريخ 18/05/1984. [18]

–  قرار المجلس الأعلى رقم 26 بتاريخ 29/03/1977. [19]

– قضاء المجلس الأعلى،عدد41،ص88وما يليها.

-انظر أيضا: –  قرار المجلس الأعلى رقم 51، بتاريخ 19بناير1977،في الملف عدد 53093،منشور بمجلة الملحق القضائي،عدد2،ص79.

–  قرار المجلس الأعلى رقم 622،الصادر بتاريخ14/03/1993. [21]

  عبدالعزيزتوفيق،شرح ق.م.م والتنظيم القضائي، الجزء الثاني، المكتبة القانونية،الطيعة الثانية،1998ص231.

راجع أيضا :مجلة المحامي،العدد7،1986،ص85.

– قرار غير منشور،أشار إليه الاستاد عبد العزيزتوفيق،م.س،ص181.[23]

–  قضاء المجلس الأعلى،عدد45،1991،ص71 وما بعدها. [24]

   قضاء المجلس الأعلى، العددان53/54،1999،ص253. -[25]

[26] –  قضاء المجلس الأعلى،عدد47،1995،ص100.

[27] – مجلة المحاكم المغربية، العدد39،1985،ص170

[28] – مجلة المحاكم المغربية، العدد51، 1987،ص97 ومايليها.

[29] – قرار عدد 3028 بتاريخ 17/11/1993 غير منشور.

[30] – عبد الوهاب العشماوي.. إجراءات الإثبات ص 213.

[31] – قرار عدد 5090/ملف مدني عدد 350/95، 1997.

[32] – أنظر محمد المحجوبي الإدريسي إجراءات التحقيق في الدعوى،م.س،ص

وللزيادة في التفاصيل راجع: العشماوي، م س ج 2 ص 635.

[33] – عبدالعزيز توفيق، م.س،ص215.

[34] – أنظر محمد المحجوبي الإدريسي إجراءات التحقيق في الدعوى،م.س،ص…

[35]– عبدالعزيز توفيق، م.س،ص220

[36] – قرار رقم 2987 بتاريخ 4/12/1991 غير منشور.

[37] – عبدالعزيز توفيق، م.س،ص226.

[38] -………………………………………………………………………………………………………… ص 274

[39] – للزيادة في التفاصيل راجع الفصل 102 من ق م م.

[40] – الإدعاء الأصلي يكون بمقال ابتدائي أمام المحكمة الابتدائية يلجأ إليه من وقع التمسك ضد يستند، فيتقدم إلى المحكمة الابتدائية طالبا الحكم بزورية المستند الذي يتمسك به المدعى عليه، والذي يمكن أن يكون مدعيا بما في المستند المطلوب الحكم بزوريته.

أما الزور الفرعي فيكون بشكل دفع يثيره المدعى عليه المطلوب الحكم عليه بما في المستند يقدمه بمقال مضاد يضاف إلى نفس الدعوى يطلب فيه الحكم بزورية السند الذي قدمه خصمه وإبطال مفعوله، ويضم المقال الفرعي إلى المقال الأصلي للدعوى وبذلك سمي "الزور الفرعي" يقدم الزور الفرعي في أية مرحلة كانت عليه الدعوى ابتدائيا أو استثنائيا أو نقضا.زور

[41] – راجع المادة 404 من ق ل ع

[42] – محمد المحجوبي الإدريسي م س ص 247.

[43] – محمد المحجوبي الإدريسي م س ص 247.

[44] –  عبدالعزيز توفيق، م.س،ص…

[45] – عبدالعزيز توفيق، م.س،ص108

[46] -فرار رقم 2189،يتاريخ28/9/1992،غير منشور.

[47] – راجع الفصل 334 من ق.م.م

[48] – انظر الفصل 336 من ق.م.م

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق