القانون الاداريفي الواجهة

الأمن المائي في المغرب: من تدبير الندرة إلى استدامة الموارد في ظل التقلبات المنا

هذا البحث منشور في مجلة القانون والأعمال الدولية — الإصدار رقم 63 الخاص بشهر أبريل 2026

رابط تسجيل الإصدار في DOI: https://doi.org/10.63585/WDCG8854

للنشر والاستعلام: mforki22@gmail.com  |  واتساب: 00212687407665

الأمن المائي في المغرب: من تدبير الندرة إلى استدامة الموارد في ظل التقلبات المنا

المائية — الأمن المائي في المغرب: من تدبير الندرة إلى استدامة الموارد في ظل التقلبات المناخية Water Security in Morocco: From Managing Scarcity to Sustainable Res…

الأمن المائي في المغرب: من تدبير الندرة إلى استدامة الموارد في ظل التقلبات المناخية

Water Security in Morocco: From Managing Scarcity to Sustainable Resource Stewardship in the Context of Climate Variability

الباحثة : ضياء العلوي المستعين

طالبة باحثة بسلك الدكتوراه بجامعة سيدي محمد بن عبد الله -كلية الشريعة-

الدكتور : أحمد الأمراني

استاذ بكلية الشريعة بفاس ومنسق ماستر المساعدة الاجتماعية والقانون

الملخص:

يتناول هذا البحث تطور المقاربة المغربية في مجال الأمن المائي، من تدبير ظرفي لندرة الموارد إلى بناء استراتيجية مستدامة قائمة على تنويع مصادر التعبئة وتعزيز المناعة المائية. ويرصد أثر التقلبات المناخية على التساقطات والسدود والفرشات المائية، كما يحلل المخاطر الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بغياب التدبير الاستباقي، بما في ذلك الجفاف والفيضانات. ويستعرض البحث المشاريع الهيكلية الكبرى، كتحلية مياه البحر والربط بين الأحواض وتوسيع شبكة السدود، إلى جانب المقاربات المستدامة كإعادة استعمال المياه العادمة وترشيد الاستهلاك. ويخلص إلى أن استدامة الأمن المائي ترتبط باستمرار الإصلاحات وتعزيز التخطيط المندمج طويل الأمد.

الكلمات المفتاحية: الأمن المائي – التقلبات المناخية – تحلية مياه البحر – الاستدامة

Abstract:

This study examines the evolution of Morocco’s approach to water security, moving from short-term scarcity management toward a sustainable strategy based on diversified water supply sources and strengthened water resilience. It analyzes the impact of climate variability on rainfall patterns, dam levels, and groundwater resources, as well as the socio-economic risks associated with the absence of anticipatory management, including droughts and floods. The paper highlights major structural projects such as seawater desalination, inter-basin water transfers, and dam expansion, alongside sustainable measures like wastewater reuse and water-use efficiency. It concludes that long-term water security depends on sustained reforms and integrated strategic planning.

Keywords: Water Security – Climate Variability – Seawater Desalination – Sustainability

مقدمة

يشكل الماء في السياق المعاصر أحد أعمدة الأمن الإنساني والاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية، ولم يعد ينظر إليه باعتباره مجرد مورد طبيعي، بل بوصفه عنصرا استراتيجيا يرتبط بالسيادة الوطنية والعدالة المجالية والرهانات الجيوسياسية. وفي ظل التحولات المناخية المتسارعة، وارتفاع درجات الحرارة، وتزايد وتيرة الظواهر القصوى من جفاف وفيضانات، أضحى الأمن المائي معيارا أساسيا لقياس قدرة الدول على الصمود والتكيف.

وتندرج منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط ضمن أكثر المناطق هشاشة مناخيا، حيث تشير التقارير الدولية إلى تراجع متوقع في الموارد المائية السطحية والجوفية، وعدم انتظام التساقطات في الزمان والمكان. وفي هذا الإطار، يواجه المغرب، بحكم موقعه الجغرافي وخصائصه المناخية شبه الجافة، تحديات مركبة تتعلق بندرة المياه، وتزايد الطلب نتيجة النمو الديمغرافي والتوسع الحضري، وضغط القطاع الفلاحي والصناعي على الموارد المائية.

وقد عرفت المملكة خلال السنوات الأخيرة تواليا لسنوات جفاف حاد، تراجع معها منسوب السدود إلى مستويات مقلقة، وانخفضت تغذية الفرشات المائية، مما أثر على القطاع الفلاحي وسلاسل الإنتاج، وأثار نقاشا مجتمعيا واسعا حول مستقبل الأمن المائي. غير أن الظرفية المائية لسنة 2025–2026، التي تميزت بتساقطات تفوق المعدل العادي بنسبة 24% وارتفاع ملحوظ في نسبة ملء السدود، أعادت طرح سؤال جوهري: هل يكفي موسم مطير لتجاوز أزمة بنيوية؟ أم أن الأمر يتطلب رؤية استراتيجية بعيدة المدى؟

وفي هذا السياق، برز التحول المغربي من منطق “إدارة الندرة” إلى منطق “بناء المناعة المائية” باعتباره خيارا استراتيجيا أعلى، تجسد في إطلاق مشاريع هيكلية كبرى شملت تحلية مياه البحر، والربط بين الأحواض المائية، وتعلية السدود، وتسريع بناء سدود جديدة، وتفعيل البرنامج الوطني للتطهير السائل، إلى جانب إصلاح الإطار القانوني والمؤسساتي للماء.

ولا يكتمل فهم هذا التحول دون استحضار البعد القانوني المنظم للموارد المائية، إذ يشكل القانون رقم 36.15 المتعلق بالماء الإطار التشريعي المؤسس لحكامة الماء بالمغرب، حيث كرس مبدأ الملك العمومي المائي، وأقر مقاربة التدبير المندمج على مستوى الأحواض المائية، وأرسى آليات الترخيص والامتياز واستغلال الموارد المائية، بما في ذلك تحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه العادمة، كما عزز مبادئ “المستعمل يؤدي” و”الملوث يؤدي”. ويجعل هذا التأطير القانوني من موضوع الأمن المائي مسألة تدخل في نطاق القانون الخاص من زاوية تنظيم الاستغلال، والعقود، والامتيازات، والشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتحديد المسؤوليات والضمانات القانونية المرتبطة باستعمال المورد المائي.

غير أن هذا التحول، بما يحمله من أبعاد بنيوية واستراتيجية وقانونية، يثير سؤالا محوريا حول مدى قدرته على تجاوز الطابع الظرفي لتدبير الندرة، والانتقال فعلا إلى بناء منظومة مائية مستدامة ومحصنة ضد التقلبات المناخية.

ومن هنا تنطلق هذه الدراسة من الإشكالية التالية: إلى أي حد استطاع المغرب الانتقال من تدبير ظرفي لندرة المياه إلى بناء استراتيجية مستدامة للأمن المائي قادرة على مواجهة التقلبات المناخية وتعزيز الاستقرار الوطني؟

وتتفرع عن هذه الإشكالية الأسئلة التالية:

_ ما طبيعة الظرفية المناخية التي يعيشها المغرب، وما أثرها على الموارد المائية؟

_ما المخاطر المحتملة في حال غياب تدبير استباقي للندرة المائية؟

_ ما مدى نجاعة المشاريع الهيكلية الكبرى في تعزيز العرض المائي؟

_ كيف تسهم المقاربات المستدامة، كإعادة استعمال المياه العادمة وترشيد الاستهلاك، في بناء مناعة مائية طويلة الأمد؟

_ هل يمثل التحسن الظرفي في التساقطات مؤشرا على تجاوز الأزمة أم فرصة لتعزيز الإصلاحات؟

وللإجابة عن ذلك، فقد اعتمدت هذه الدراسة على منهج مركب يجمع بين المنهج الوصفي التحليلي لرصد تطور المؤشرات المناخية والمائية وتحليل آثارها على المنظومة الاقتصادية والاجتماعية، والمنهج الاستقرائي من خلال استقراء المعطيات الرسمية والبرامج الوطنية ذات الصلة بالسياسة المائية واستخلاص دلالاتها، إلى جانب المنهج التقييمي لتقدير مدى نجاعة السياسات العمومية والمشاريع الهيكلية في مجال الماء، فضلا عن المقاربة الاستشرافية لاستحضار رهانات استدامة الأمن المائي في أفق 2030 و2050، في ضوء التقلبات المناخية والتحولات التنموية التي يعرفها المغرب. وقد تم الاستناد إلى تقارير رسمية، ومعطيات إحصائية حديثة، ودراسات تحليلية، ووثائق استراتيجية، إضافة إلى النصوص القانونية المؤطرة لقطاع الماء.

وانسجاما مع طبيعة الإشكالية، تم تقسيم الدراسة إلى مبحثين رئيسيين وخاتمة:

المبحث الأول: الظرفية المناخية وأثرها على الموارد المائية في المغرب

المبحث الثاني: الاستراتيجية المغربية في تدبير الندرة وبناء الأمن المائي

خاتمة

المبحث الأول: الظرفية المناخية وأثرها على الموارد المائية في المغرب

يشكل تحليل الظرفية المناخية مدخلا أساسيا لفهم التحولات التي عرفها قطاع الماء بالمغرب خلال العقدين الأخيرين، إذ لا يمكن تقييم السياسات المائية أو تقدير جدوى المشاريع الهيكلية دون استحضار السياق الطبيعي والمناخي الذي تتحرك فيه هذه السياسات. فالمغرب، بحكم موقعه ضمن الحزام شبه الجاف لحوض البحر الأبيض المتوسط، يتسم بتذبذب واضح في التساقطات المطرية، وعدم انتظامها زمنيا ومجاليا، إلى جانب تزايد حدة الظواهر المناخية القصوى بفعل التغيرات المناخية العالمية.

وعليه، فإن هذا المبحث يسعى إلى تفكيك العلاقة بين الظرفية المناخية والموارد المائية بالمغرب، وذلك من خلال رصد تقلبات التساقطات وانعكاساتها المباشرة على السدود والفرشات المائية والقطاع الفلاحي في (المطلب الأول)؛ ثم استشراف المخاطر المحتملة في حال غياب تدبير استباقي لهذه التحولات المناخية، وما قد يترتب عنها من تداعيات اجتماعية واقتصادية تمس الاستقرار الوطني في (المطلب الثاني).

المطلب الأول: تقلبات التساقطات وانعكاساتها

يمثل تذبذب التساقطات المطرية السمة الأبرز للنظام المناخي بالمغرب، حيث تتراوح الموارد المائية بين الوفرة الظرفية والخصاص الحاد وفق دورات مناخية غير منتظمة، وقد ازداد هذا التذبذب حدة في العقود الأخيرة بفعل تأثيرات التغير المناخي، التي أدت إلى تراجع المعدلات المتوسطة للأمطار في بعض الأحواض، مقابل تسجيل فترات قصيرة من التساقطات الغزيرة أو الاستثنائية.

ولا تقتصر آثار هذه التقلبات على الجانب الطبيعي فحسب، بل تمتد لتشمل منظومة التخزين المائي، والفرشات الجوفية، والقطاع الفلاحي، وسلاسل الإنتاج المرتبطة به. ومن ثم، فإن تحليل تطور معدلات الأمطار ومنسوب السدود، إلى جانب دراسة تأثير الجفاف على الموارد الجوفية والفلاحة، يشكل مدخلا ضروريا لفهم هشاشة التوازن المائي الوطني.

الفرع الأول: تطور معدلات الأمطار ومنسوب السدود

يتميز النظام المناخي بالمغرب بطابع شبه جاف، يتسم بعدم انتظام التساقطات من حيث التوزيع الزمني والمجالي، وهو ما يجعل الموارد المائية عرضة لتقلبات حادة بين سنوات الوفرة وسنوات العجز. وقد أظهرت المعطيات الرسمية المعتمدة على المعدل المرجعي للفترة (1990–2020) أن المغرب عرف خلال العقد الأخير تواليا لسنوات جفاف أثرت بشكل مباشر على الواردات المائية ونسب ملء السدود، قبل أن يسجل موسم 2025–2026 تحسنا ملحوظا في المؤشرات المطرية والمخزونات السطحية32.

وبخصوص الواردات المائية خلال هذه السنة، فإنه في أقل من شهرين فقط، بلغت الواردات المائية 11 مليارا و700 مليون متر مكعب، في حين مجموع الواردات خلال سنتي 2023-2024 و2024-2025 لم يتجاوز 9 مليارات و100 مليون متر مكعب في السنة كاملة، مما يدل أن هذه السنة عرفت طابعا استثنائيا للواردات المسجلة في ظرف وجيز، وبفارق 24%فوق المعدل السنوي العادي المعتمد على متوسط (1990–2020)33، وهو ما يمثل دينامية استثنائية في تغذية السدود.

وهو ما أسفر ذلك عن ارتفاع نسبة ملء السدود من 28% إلى 48% في ظرف وجيز، لتصل النسبة الإجمالية بتاريخ 14 فبراير 2026 إلى 69,8%، بما يعادل 11,7 مليار متر مكعب من الموارد المائية المخزنة.34

غير أن قراءة هذه المؤشرات في سياقها الزمني الطويل تظهر أن التحسن المسجل يظل ظرفيا وموسميا، إذ عرفت المملكة خلال سنوات 2020–2023 انخفاضا حادا في المخزون المائي بسبب توالي الجفاف، ما أدى إلى تراجع نسب الملء إلى مستويات مقلقة في بعض الأحواض. ويؤكد ذلك أن المنحنى العام يبقى متذبذبا، وأن وفرة موسم واحد لا تعني استقرارا هيكليا للمنظومة المائية.

غير أن فعالية التخزين تبقى رهينة بعوامل طبيعية وتقنية، من أبرزها:

ظاهرة التوحل التي تقلص السعة الاستيعابية لبعض السدود؛

التغيرات المناخية التي تؤثر على انتظام الجريان السطحي.

ومن ثم، فإن التحسن المسجل في نسب الملء لا ينبغي أن يفهم باعتباره نهاية لأزمة الندرة، بل فرصة لتعزيز البنية التحتية، وتسريع المشاريع المهيكلة، وتكريس منطق الاستباق بدل رد الفعل.

إن تطور معدلات الأمطار ومنسوب السدود بالمغرب يعكس معادلة دقيقة بين الظرفية المناخية والسياسة المائية. وإن بناء الأمن المائي لا يقوم فقط على وفرة الأمطار التي يمن الله بها، بل على قدرة السياسات السياسات العمومية في كيفية تعبئة الموارد وتخزينها وتوزيعها. وبالتالي، فإن بناء الأمن المائي لا يرتكز فقط على وفرة المطر، بل على قدرة الدولة على تحويل كل موسم مطير إلى رصيد استراتيجي طويل الأمد.

الفرع الثاني: تأثير الجفاف على الفرشات المائية والقطاع الفلاحي

لا تنحصر آثار توالي سنوات الجفاف في تراجع المخزون السطحي بالسدود فقط، بل امتدت إلى الموارد الجوفية التي تمثل احتياطا استراتيجيا تلجأ إليه البلاد خلال فترات الخصاص، وهو ما أدى إلى تسجيل عجز بنيوي في الميزان المائي الجوفي بعدد من الأحواض نتيجة الاستغلال المكثف، خاصة في المناطق ذات النشاط الفلاحي الكثيف، حيث أصبح الضغط على الفرشات المائية يتجاوز في بعض الحالات معدلات التغذية الطبيعية، مما يهدد استدامتها على المدى المتوسط والبعيد.

وتزداد حدة الإشكال بالنظر إلى أن القطاع الفلاحي يستهلك النسبة الأكبر من الموارد المائية الوطنية، فحسب التقرير الصادر عن المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية لسنة 2022 25 تحت عنوان “أي مستقبل مائي للمغرب”، فإن نموذج التدبير المائي قد بلغ حدوده، حيث ارتفع حجم المياه المسحوبة من السدود الكبرى إلى 4030 مليون متر مكعب خلال سنة 2018 /2019، كما بلغت النسبة المخصصة للفلاحة 87%39، مما يجعله الأكثر تأثرا بتقلبات التساقطات. ففي سنوات الجفاف، تتقلص المساحات المزروعة، خاصة في الزراعات البورية، وينخفض الإنتاج الفلاحي، وهو ما ينعكس مباشرة على معدلات النمو الاقتصادي، بالنظر إلى الارتباط الوثيق بين القيمة المضافة الفلاحية والناتج الداخلي الخام.

ولا يقتصر أثر الجفاف على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد إلى البعد الاجتماعي، حيث يؤدي تراجع النشاط الفلاحي إلى هشاشة الدخل القروي، وزيادة معدلات الهجرة الداخلية نحو المدن، وارتفاع الضغط على الخدمات الحضرية40.

استنزاف الفرشات المائية نتيجة اللجوء المكثف إلى الضخ لتعويض نقص المياه السطحية؛

تراجع القدرة الإنتاجية الفلاحية بما يهدد الأمن الغذائي ويزيد من هشاشة الاقتصاد القروي.

ويمثل الاستغلال المفرط للموارد الجوفية دون تجديد كاف أحد أكبر التحديات أمام استدامة الأمن المائي الوطني41. كما شدد قانون الماء 36-15 على ضرورة ضبط الاستغلال عبر آليات الترخيص، وإحداث شرطة المياه، وتفعيل مبدأ “المستعمل يؤدي” و”الملوث يؤدي” حفاظا على التوازن البيئي42.

ومن ثم، فإن بناء الأمن المائي لا يتحقق فقط بتعبئة موارد إضافية، بل يقتضي كذلك:

_ تقنين استغلال المياه الجوفية؛

_ تعميم تقنيات الري الموضعي لترشيد الاستهلاك؛

_ تسريع برامج إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة؛

_ حماية الفرشات من التلوث والاستنزاف.

وبذلك، يصبح الانتقال من منطق التكيف الظرفي مع الجفاف إلى منطق بناء المناعة المائية خيارا استراتيجيا ضروريا لضمان استدامة الموارد وتحقيق التوازن بين الأمن المائي والأمن الغذائي.

المطلب الثاني: المخاطر المحتملة لغياب التدبير الاستباقي

إن المعطيات المناخية وتقلبات التساقطات وتأثيرها على منسوب السدود والفرشات المائية والقطاع الفلاحي، تبقى مهما بلغت دقتها، توصيفا للواقع، بينما جوهر الإشكال يكمن في كيفية التعامل مع هذا الواقع: هل يكتفى برد الفعل عند حدوث الخصاص؟ أم يبنى نموذج استراتيجي يحصن البلاد من آثار التقلبات المستقبلية؟

وأن الخطر الحقيقي لا ينبع فقط من الندرة الطبيعية، بل من هشاشة منظومات التدبير، وضعف التخطيط بعيد المدى، وتأخر الاستثمار في البنيات التحتية. ومن هنا، فإن تقلبات الأمطار التي تم تناولها سابقا تتحول – في غياب رؤية استباقية – إلى عامل مضاعف للمخاطر الاجتماعية والاقتصادية، وربما إلى مصدر اختلالات تمس الاستقرار الوطني.

وفي السياق المغربي، حيث يرتبط الماء بالفلاحة، والتشغيل القروي، والتوازن المجالي، فإن أي اختلال مستمر في تدبيره قد ينعكس على النمو الاقتصادي، والأمن الغذائي، والانسجام الاجتماعي.

الفرع الأول: التداعيات الاجتماعية والاقتصادية لاختلال التوازن المائي (الجفاف والفيضانات)

لا يقتصر خطر الظرفية المناخية على الجفاف وحده، بل يشمل كذلك الأمطار الغزيرة المفاجئة التي قد تتحول – في حال غياب تدبير استباقي – إلى فيضانات مدمرة. ومن ثم، فإن الإشكال لا يتعلق فقط بندرة الماء، بل باختلال التوازن بين فترات الخصاص وفترات الوفرة، وما يرافق ذلك من آثار اقتصادية واجتماعية.

أولا: الآثار الاجتماعية والاقتصادية للجفاف

تشير تقارير البنك الدولي ومنظمة الأغذية والزراعة إلى أن الدول ذات المناخ شبه الجاف تكون أكثر عرضة لتقلبات النمو بسبب ارتباط قطاعاتها الحيوية بالمياه43. وفي المغرب، حيث يستهلك القطاع الفلاحي أكثر من 80% من الموارد المائية44، فإن توالي سنوات الجفاف يؤدي إلى:

تراجع مداخيل الفلاحين، لا سيما صغار المنتجين؛

ارتفاع أسعار الأعلاف والمواد الغذائية؛

تقلص فرص الشغل في الوسط القروي؛