في الواجهةمقالات قانونيةوجهات النظر

التظلمات “الافتراضية” للأمنيين : أيــة قراءات ممكنة ؟

التظلمات “الافتراضية”(1) للأمنيين : أيــة قراءات ممكنة ؟

-عزيز لعويسي

سرق المشهد الأمني الأضواء في الأيام الأخيرة، عقب انتشار “تسجيلات صوتية” لأمنيين بالعالم الافتراضي، توحدت مضامينها ،رغم اختلاف السياقات والظروف، في رفع”التظلمات” عبر بساط أزرق يتقاسمه جمهور عريض من المشاهدين والمتتبعين في الداخل كما في الخارج، وهي تصرفات بالقدر ما تفتح النقاش حول واقع المؤسسات الأمنية وظروف عمل موظفيها وحجم انتظاراتهم وتطلعاتهم، بالقدر ما تطرح إشكاليات قانونية متعددة المستويات، من منطلق أن العمل الأمني تتحكم فيه ضوابط مهنية ونصوص تشريعية وتنظيمية داخلية تحدد معالم العمل الأمني في جميع المستويات، لامناص من احترامها والتقيد بها. هذه الإشكاليات القانونية مرتبطة في مجملها ب”الإخلال بالضوابط المهنية” و”المس بواجب التحفظ” و”انتهاك السر المهني” و”المس بوقار الوظيفة” و”الإخلال بسمعتها”، وهي أفعال وتصرفات خُصصت لها عقوبات إدارية مختلفة تنسجم وحجم الفعل المقترف، تسائل “الموظف” الذي ارتمى في حضن البساط الأزرق لرفع التظلمات دون سلوك المساطر الإدارية، وتسائل  في نفس الآن التصرفات الصادرة عن بعض المسؤولين الإداريين، الذين قد تثار مسؤولياتهم على مستوى محدودية التواصل وضعف الإنصات وتعطيل عجلة التظلمات الإدارية…إلخ، وهي تصرفات قد يشكل بعضها أو جلها، تفسيرا لصعود بعض الأمنيين إلى منابر مواقع التواصل الاجتماعي لرفع التظلمات -بشكل مباشر- إلى المدير العام للأمن الوطني، دون تقدير حجم ما أقدموا وما سيقدمون عليه من مخالفات إدارية معاقب عليها بموجب التشريع الداخلي، وعليــه وبعد أن قاربنا جانبا من الموضوع في مقال سابق تحت عنوان “التظلم الافتراضي لرجال الأمن ومنزلق الإخلال المهني”(2)، وبعد أن تبين لنا أن الرؤية التي تحكمت في هذا المقال، تقتضي المزيد من التوسيع والإيضاح، قررنا تدعيم المقال الأول بمقال ثان، في محاولة متواضعة لإثارة المزيد من القضايا والإشكاليات التي أثارتها وقد تثيرها “التظلمات الافتراضية” التي يبدو أنها وجدت ضالتها في العالم الافتراضي، إدراكا منا -أولا- أن ما وقع، هو موضوع شائك يتقاطع فيه “الأمني” و”القانوني” و”الإداري”، كما تتقاطع فيه الأبعاد “الموضوعية” و”الذاتية”ذات الصلة بالرؤساء والمرؤوسين على حد سواء، وإسهاما منا – ثانيا- في خلق نقاش متعدد الرؤى والزوايا حول”الشأن الأمني” الذي يعــد شأنا مجتمعيــا بامتيــــاز.  وبناء على ذلك، سنقارب هذه التظلمات الافتراضية وفق رؤية ثلاثية الأبعاد (أولا)، ثم سنعمل على قراءة المادتين 12 و14 من النظام الأساسي المتعلق بموظفي الأمن الوطني، في محاولة لإيجاد ترابطات بين مقتضياتها وبين ما تخلل “التظلمات الافتراضية” من أفعال وتصرفات (ثانيا).

في نفس السياق

رجال الأمن بين التظلمات الإدارية والإخلال بأخلاقيات المهنة

أولا : رؤية ثلاثية الأبعاد للتظلمات الافتراضية: (جاذبية العالم الافتراضي، الموظف/صاحب التظلم، الرؤساء):

يلامس البعد الأول جاذبية “العالم الافتراضي” الذي أصبح يتيح إمكانيات كبيرة “سلسلة” و”مرنة” أمام الأشخاص بمختلف أعمارهم وأجناسهم ووضعياتهم الاجتماعية، لنشر الأفكار والحوادث والتظلمات ومقاسمتها في ظرف وجيز مع ملايين المشاهدين والمتتبعين عبر العالم، وهي عملية لا تتطلب سوى هاتف نقال أو حاسوب مربوط بشبكة “الانترنيت” والضغط على زر”النشر” أو”التقاسم”، بدون قيود ولاتعقيدات.

 

أما البعد الثاني، فيرتبط بالموظف ذاته الذي أعلن عن تظلمه الافتراضي بعيدا عن القنوات الإدارية ذات الصلة بالتظلمات، وفي هذا الصدد لابد من توضيح الصورة؛ فأن يقوم بعض الأمنيين بزيهم الرسمي بتسجيل  “مقاطع فيديو” وثقوا فيها معطيات وتظلمات شخصية وتقاسموها على الأنترنيت” مع ملايين من المشاهدين، دون أن يهتموا بالمصلحة التي يشتغلون بها، ودون تقدير حجم تداعيات ذلك على إدارتهم المشغلة أو ما قد يطالهم من عقوبات، فهذا يعكس واقعا نفسيا واجتماعيا متأزما مثيرا لليأس والإحباط والتذمر،يدفع إلىى “المغامرة” غير محسوبة العواقب، وكأن كل طرق “روما” انقطعت ، ماعدا طريقا واحدا هو الطريق المفضي إلى العالم الأزرق، حيث لا قيود ولا حدود ولا تحكم ولا شطط  ولا عدم اكتراث، ولا يمكن توقع أن يتوجه “رجل أمن” إلى العالم الافتراضي ويشهر بنفسه ويعلن عن تظلمه أمام ملايين من المشاهدين بما في ذلك أسرته وعائلته وأصدقائه وزملائه في العمل، لو وجد أمامه رئيسا مباشرا “متواصلا” و “مستمعا” و”مرنا ” يولي التظلمات ما تستحق من عناية واهتمام.

مقال لنفس الكاتب

التظلم الافتراضي لرجال الأمن و منزلق الإخلال المهــنـــــي.

 أما البعد الثالث، فيرتبط ببعض المصالح اللاممركزة التي أضحت تستقبل جيلا صاعدا من الأطر الشابة ذات خبرات وكفايات تواصلية متشبعة بثقافة الحوار والانفتاح، لكن بالمقابل يحتمل أن توجد بداخل هذه المصالح المذكورة بعض العقليات التي مازالت أسيرة ثقافة طواها النسيان قد تعيق “التواصل” وتعرقل “مساطر التظلمات” أو “طلبات الانتقال” أو “تدبير الملفات الطبية” وفقا للقانون وما تقتضيه المساطر الإدارية ذات الصلة.. إلخ، مما قد ينتج مناخا من الانفعال واليأس والإحباط وسط بعض الموظفين الذين قد يتيهون بين أمواج الألم والفشل والمعاناة الصامتة مهنيا أو نفسيا أو اجتماعيا.

 

 مع الإشارة إلى أن الأبعاد الثلاثة يمكن أن تستوعب التسجيلات المنشورة على الفضاء الأزرق، لكن ينبغي التأكيد على اختلاف وتباين المحددات الخصوصية التي تحكمت في كل حالة على حدة، علما أن حالة “تاوريـــرت” التي حضيت بتجاوب إيجابي من قبل المديرية العامة للأمن الوطني، يمكن أن تكون قد أثرت “إيجابا” في التسجيلات التي أعقبتها، ودفعت بأصحابها إلى اقتحام “البساط الأزرق” من بوابته الواسعة متسلحين بما يكفي من الجرأة والشجاعة والرغبة الجامحة في إيصال “صوت” أو”تظلم” طاله إما التجاهل أو عدم الاكتراث.

 

وفي سياق متصل، وباستقراء ما ورد في التسجيلات الصوتية المنشورة، فقد أثار بعضها قضية “الشواهد الطبية” المقدمة من قبل بعض الموظفين، والتي قد تثير – في بعض الحالات – “ردات فعل” يشوبها أحيانا الرفض والغضب من جانب بعض الرؤساء المباشرين، والذي قد يصل حد الطعن في مصداقية الشواهد الطبية المسلمة، مما ينتج عنه توثر العلاقات بين الرؤساء والمرؤوسين الذين يتقدمون بهذه الشواهد، وهنا لامناص من الإشارة إلى أن الرؤساء مطالبين بالتعامل الإيجابي مع حق مكفول بموجب قانون الوظيفة العمومية، عبر تفعيل القانون وأجرأة المساطر الإدارية ذات الصلة؛ ذلك أنه إذا أثبتت عملية “الفحص المضاد” التي يباشرها “طبيب مختص”، أن الموظف في “حالة مرضية فعلية،” فما على الإدارة إلا أن تلتزم بتعليمات الطبيب الذي باشر الخبرة الطبية المضادة، وإذا تبث العكس (حالة التمارض)، فإنه من حقها اتخاذ ما تراه مناسبا من عقوبات إدارية في حق الموظف المعني .

 

– ثانيا :  قراءة في المادتيــن 12 و14 من النظام الأساسي لموظفي الأمن الوطني :

استقراء لمقتضيات الظهير الشريف المتعلق بالمديرية العامة للأمن الوطني والنظام الأساسي لموظفي الأمن الوطني(3)، وفي محاولة لإيجاد خيط رفيع وناظم بين تسجيلات الفيديو المنشورة والواجبات أو الالتزامات المفروضة على موظفي الأمن الوطني، يمكن التوقف على التوالي عند المادة 12 (الفقرة الأولى) والمادة 14(الفقرة الثانية).

 

  • الفقرة الأولى: قراءة في المادة 12 (الالتزام بقواعد الانضباط، التقيد بواجب التحفظـ، احترام السر المهني):

نصت المادة 12 في فقرتها الثانية على أنه ” يلتزم موظفو الأمن الوطني، بالقيام بمهامهم ولو خارج أوقات العمل، كما يتعين عليهم الالتزام بقواعد الانضباط والتقيد بواجب التحفظ واحترام السر المهني، ولو بعد انتهاء مهامهم”، وبالتالي فمقتضى هذه المادة يضع موظفي الأمن الوطني أمام جملة من القواعد التي لامناص من التقيد بها والامتثال لها، ويتعلق الأمر بكل من “الالتزام بقواعد الانضباط” و”التقيد بواجب التحفظ” و”احترام السر المهني”، وهي مفاهيم “فضفاضة” و”مبهمة” يصعب حصرها أو تأطيرها حتى يكون الأمنيون أنفسهم على بينة بها، للحيلولة دون الوقوع في أي منزلق يمكن أن يعرضهم إلى المساءلة الإدارية.

 

أ) الانضباط المهني :

يمكن استنطاق  هذا المفهوم من خلال التساؤلات الآتية: هل هو مرتبط بالواقع المهني (أوقات العمل) أم يتجاوز حدود ذلك؟ ثم ما هي التصرفات التي يمكن أن تندرج في خانة “الإخلال بالانضباط المهني؟

 في هذا الصدد، إذا كانت بعض السلوكات والتصرفات تشكل إخلالا واضحا لقواعد الانضباط المهني من قبيل “عدم أداء التحية للرؤساء” أو”التأخر عن العمل” أو”عدم حلق اللحية” أو “عدم حمل لوازم العمل ” أو”عدم احترام الرؤساء” أو”سب الزملاء” أو” عدم تنفيذ التعليمات الصادرة عن الرؤساء“…إلخ، فهناك تصرفات أخرى تبقى موضوع تساؤل، يتم بعضها خارج أوقات العمل ويكون مسرحها “عالم افتراضي “، من قبيل”فتح حسابات شخصية” بمواقع التواصل الاجتماعي بأسماء حقيقية أو مستعارة أو الانخراط في مجموعات على”الفيس بوك” أو”الواتساب” أو القيام ب”تغريدات” أو كتابة “تعاليق” أو”تقاسم “فيديوهات”، وتوضيحا للصورة، يمكن افتراض صورة “رجل أمن” ظهر في شريط فيديو يعلن من خلاله عن تظلمه، وهو يسب الرؤساء المباشرين أو الزملاء، أو يرتدي زي رسمي ممزق أو متسخ، ومثل هذه التصرفات التي فرضتها الحياة العصرية ذات الصلة بمواكبة “الثورة الرقمية“، هل تعد” إخلالا بقواعد الانضباط المهني”؟ وهل يمكن وضعها على قدم المساواة مع “موظف” أو “رجل أمن” لم يمتثل لتعليمات رئيسه المباشر أو لم يتعامل معه بما يقتضيه واجب الطاعة والاحترام أو كثير التأخرات. ولايمكن في هذا الصدد، المجازفة وإصدار “أحكام” بخصوص هذه التصرفات “الافتراضية” التي لا يستوعبها النص التشريعي.

 

ب) التقيد بواجب التحفظ :

هذا المفهوم يثير أيضا صعوبات واضحة، لا من حيث تحديد “ماهيته، أو الإحاطة الحصرية بمختلف الأفعال أو السلوكات أو التصرفات الصادرة عن رجال الأمن، والتي يمكن أن تشكل مسا صارخا بهذا الواجب. وفي هذا الصدد وباستقراء مقتضيات دستور 2011، نجد أنه أشار إلى “واجب التحفظ” في إطار الباب السابع المتعلق ب”السلطة القضائية” وتحديدا في المادة 111 التي نصت على أن  “للقضاة الحق في حرية التعبير بما يتلاءم مع واجب التحفظ والأخلاقيات القضائية”، وإذا كان المشرع الدستوري قد منح للقضاة “الحق في حرية التعبير” باعتبارهم ضامنين لسيادة القانون وجزءا لا يتجزأ من المجتمع القانوني، مما يتوجب أن تتاح لهم الفرصة للمشاركة في المناقشات حول الإصلاحات القانونية والقضائية، فمقابل ذلك فهذا الحق يخضع لبعض القيود التي تفرضها الوظيفة القضائية، بمعنى أن القاضي له حق ممارسة حرية التعبير بما يتلائم مع واجب التحفظ والأخلاقيات القضائية، لأن ممارسة القضاة لهذا الحق بدون قيود قد ينال من استقلالهم ونزاهتهم، من قبيل الكشف عن ملابسات قضية ما أو معلومات معينة إلى أحد طرفي النزاع أو إلى وسائل الإعلام(4) .

 

وعليه، فإذا كانت المعالم الكبرى لواجب التحفظ في “نطاقه القضائي”تبدو واضحة المعالم، وترتبط أساسا بالقيود المفروضة على القضاة في عدم الإفصاح أو الإدلاء أو التعبير عن أية معطيات أو وجهات نظر شخصية ذات الصلة بالعمل القضائي، من شأنها المساس بالمبادئ والأخلاقيات القضائية ومن ضمنها “الاستقلالية” و”النزاهة” و”الحياد”، فإن المفهوم – واجب التحفظ- في “نطاقه الأمني” أو”الشرطي” تتحكم فيه معطيات أخرى مرتبطة أساسا بطبيعة وخصوصيات العمل الأمني، والعمومية التي تعتري هذا المفهوم -كما تمت الإشارة إلى ذلك- تفتح الباب على مصراعيه للتساؤل حول المقصود ب”واجب التحفظ” في التشريع الأمني أو الشرطي، أخدا بعين الاعتبار أن الأمر يزداد تعقيدا، من منطلق أن هذا المفهوم يتخذ دلالات ومستويات مختلفة بحسب “وضعية مزاولة المهام” حسب التخصصات الأمنية/ الشرطية (شرطة قضائية،أمن عمومي،استعلامات عامة…) أو” وضعية المطالبة بالحق”.

فمفهوم “واجب التحفظ” في مجال الشرطة القضائية -مثلا- لا يثير أي لبس، بالنظر إلى طبيعة وخصوصية عمل الضابطة القضائية الذي يقتضي مباشرة التحريات والأبحاث التلبسية أو التمهيدية، مما يفرض على ضابط الشرطة القضائية التحلي بالحياد والاستقلالية والنزاهة والتعامل مع الأطراف المتنازعة على قدم المساواة، دون إبداء الرأي حول القضايا التي يباشر الأبحاث بشأنها أو الإفصاح عن معلومات لوسائل الإعلام أو للعموم بخصوص شخص موقوف أو قضية جارية.

 

أما فيما يتعلق بوضعية “المطالبة بالحق”، فإذا كان مفهوم “واجب التحفظ” يرتبط بمفردات ” التستر” أو”الكتمان” أو “الحياد، فإن ذلك قد يطرح بعض الإشكاليات خاصة في بعض الحالات التي يعاني فيها الموظف أو يتضرر من خلل مسطري إداري (تعطيل الطلبات،  عرقلة التظلمات،…)،بشكل يجعله في وضعية “المطالب بالحق” حيث يمكن التساؤل في هذا الصدد، عن حدوده ومنتهـاه؛ فهل يلتزم الموظف بما يقتضيه واجب التحفظ وواجب طاعة الرؤساء؟ أم يحق له انتهاك هذا الواجب، بالتعبير والتصريح وإبداء الرأي والموقف؟

 فإذا تقيد الموظف بواجب التحفظ، باعتباره كتمانا وتسترا، ولو تجاه بعض الخروقات المسطرية الإدارية، يمكن أن يساهم في تكريس سلوكات وتصرفات إدارية لابد من القطع معها، وإذا كسر حاجز  هذا الواجب(بالمفهوم السالف) عن طريق المطالبة بحق من الحقوق القانونية، يكون قد ساهم في الكشف عن الخروقات وبالتالي الإسهام في تخليق العمل الإداري والارتقاء به وضمان الحق أو الحقوق المطالب بها.

 

ج) احترام السر المهني :

أشارت المادة 12 إلى ضرورة “احترام السر المهني“، وهو مفهوم واسع وفضفاض، يسمح بالتساؤل عن الأفعال أو الأقوال التي تدخل في نطاق “الأسرار المهنية” أو السلوكات أو التصرفات التي من شأن إتيانها أن يكون إفشاء للسر المهني. وفي هذا الصدد لابد من الإشارة ابتداء إلى أن الدولة حين تقوم بإلحاق موظف بإحدى وظائفها في مرفق من المرافق العمومية، فإنها بذلك تأثمنه على كل ما يحتويه ذلك المرفق من أسرار وخبايا يطلع عليها بحكم وظيفته، وقد يؤدي إفشاؤها إلى تعريض المصلحة العامة للخطر أو تعريض سير المرفق العام للتوقف أو إصابة مصالح المواطنين بالضرر، ومن هنا كان على الموظف العام واجب المحافظة على الأسرار التي يطلع عليها بحكم وظيفته وعدم إفشائها أو تسريبها خارج ميدانها، وإلا تعرض للمساءلة التأديبية والجنائية (5).

 

وعليه ، يمكن ربط المفهوم بضرورة المحافظة على الأسرار والخبايا التي يتعرف عليها موظف الأمن الوطني بصفته موظفا عموميا، بمناسبة ممارسته لوظيفته، والتي من شأن إفشائها تعريض المصلحة العامة للخطر أو توقيف سير المرفق العمومي أو إلحاق الضرر بمصالح المواطنين.  

وبالرجوع إلى مقتضيات المادة 12، يلاحظ أنها وسعت من النطاق الزمني للسر المهني والذي يسري أيضا على الموظفين ولو بعد انتهاء مهامهم. والحديث عن هذا المفهوم  لا يمكن أن يمر دون الإشارة إلى عمل الضابطة القضائية فيما يتعلق بالمحافظة على سرية الأبحاث والتحريات ، كما يحضر في بعض المصالح كالاستعلامات العامة حيث يطلع الموظف على بعض الخبايا والأسرار التي لامناص من المحافظة عليها بعدم إفشائها أو تسريبها إلى العموم، كما يحضر على مستوى المصالح الإدارية التي تمسك  الملفات الشخصية للموظفين والتي تستدعي التحفظ والكتمان احتراما للخصوصيات الشخصية وغير ذلك من المصالح، لكن هذا لا يمنع أيضا من التساؤل عن حدود السر المهني في المجال الأمني أو الشرطي (أين يبدأ؟ أين ينتهي؟) وما الحدود الفاصلة بينه وبين”حرية التعبير” و”الحق في المعلومة”؟ ثم التساؤل عن طبيعة بعض التصريحات التي يمكن أن تمرر عبر “التظلمات الافتراضية” ذات الصلة بالبيت “الداخلي” على شكل تظلم من الرؤساء أو انتقاد بعض المساطر الإدارية أو الإشارة إلى قضايا جارية وغيرها، فيما إذا كانت تدخل في خانة إفشاء الأسرار المهنية أم تصب في اتجاه “واجب التحفظ” و”الإخلال بالضوابط المهنية”؟ .

 

– الفقرة الثانية : قراءة في المادة 14 (المنع من ممارسة أي عمل أو تصرف أو سلوك من شأنه المساس بوقار الوظيفة والإخلال بسمعتها):

نصت المادة المادة 14 في فقرتها الأولى على ما يلي ” يمنع على كل موظف أن يمارس أي عمل أو تصرف أو سلوك  من شأنه أن يمس بوقار وظيفته أو يخل بسمعتها “، وهذه المادة تتسم بدورها بخاصية الغموض والإبهام، وتفتح شهية السؤال حول التصرفات أو السلوكات التي من شأنها أن تمس بوقار الوظيفة الشرطية أو تخل بسمعتها؛ وفي هذا الإطار يمكن إدراج بعض التصرفات التي تمس بشكل واضح بوقار الوظيفة وسمعتها من قبيل:  تدخين “سيجارة” بالزي الرسمي أثناء ممارسة العمل بالشارع العام، أو عدم أداء التحية للمواطن فيما يتعلق بشرطة السير والجولان أو مخاطبته بأساليب غير لائقة حاملة للتسلط والتحكم، أو الجلوس في مقهى بالزي الرسمي، أو الولوج إلى ملهى ليلي بالزي الرسمي خارج أوقات العمل، أو التحرش بالشارع العام، أو التسوق بالشارع العام بالزي الرسمي،أو ارتداء زي رسمي متسخ أو ممزق، أو ارتداء سراويل ممزقة أو اللجوء إلى حلاقة مثيرة للانتباه، أو القيام بعملية “الأوطوسطوب” بالشارع العام،أو التربص أمام الحانات من أجل اصطياد السكارى من أجل ابتزازهم، أو التربص للإيقاع ببعض مخالفي قانون السير من سائقي السيارات والدراجات بحثا عن مقابل، أو أكل “سوندويتشات”بالشارع العام أمام أعين المارة، أو إظهار الغضب أو التمرد أو السخط من الوضعية المهنية أمام مرأى ومسمع المواطنين، أو مرافقة أو مجالسة أو معاشرة رفاق السوء من المنحرفين … إلخ.

 

هذه السلوكات والتصرفات التي تم إيرادها على سبيل المثال لا الحصر، لا يمكن قطعا أن يختلف إثنان في إدانتها واستنكارها لما لها من تأثيرات على الوظيفة الشرطية من حيث المساس بوقارها وسمعتها. لكن “تسجيلات الفيديو” المنشورة من قبل أمنيين، تضعنا وجها لوجه أمام تصرفات “افتراضية” مستجدة مرتبطة بالعالم الافتراضي، تثير بعض الإشكاليات، ذات الصلة بسمعة الوظيفة الأمنية ووقارها ، لكن يصعب في هذا المستوى، الجزم والحسم في “تكييف” تصرف أو تصرفات افتراضية لاتستوعبها النصوص القانونية الداخلية ذات الصلة.

 

عموما، فالتظلمات الافتراضية المنشورة، جاءت حاملة لتصريحات بعضها خرج عن نطاق “التظلم” وقادته حرارة الحماسة إلى كشف النقاب عن مشاكل داخلية مرتبطة بالبيت الداخلي ونقلها إلى الرأي العام، وهذه التصرفات الافتراضية يمكن أن تسري عليها مقتضيات المادتين 12 و14 المشار إليهما سلفا سواء تعلق الأمر بالمساس بواجب التحفظ أو الإخلال بالضوابط أو إفشاء السر المهني أو  المساس بوقار الوظيفة الشرطية وسمعتها، لكن لا مناص من القول أن مقتضيات المادتين المذكورتين أصبحتا متجاوزين من منطلقين، أولهما سقوطهما في الإبهام والعمومية، مما يمنح الإدارة المشغلة سلطات واسعة في تكييف ما يصدر عن موظفيها من أفعال وتصرفات، ثانيهما تجاوزهما من طرف المتغيرات “الرقمية”، مما يفرض على المشرع الأمني إعادة النظر في المادتين معا من أجل حصر الأفعال التي تشكل مخالفات صريحة للتشريعات والضوابط الأمنية لتضييق دائرة التأويل واستيعاب ما يمكن أن يصدر من مخالفات افتراضية، وكذا لجعل الموظف الأمني على بينة من الأفعال التي تشكل إخلالا بمقتضيات النظام الأساسي، وأخذها بعين الاعتبار قبل الإقدام على أية خطوة غير محسوبة العواقب، من شأنها أن تخل بالضوابط المهنية وهو لا يدري، وترمي به بالتالي، في خانة العقاب الإداري.

 

صفوة القول، أن “التظلمات الأمنية الافتراضية” وإن كان بعضها “مبررا” من “ناحية الواقع” (ضعف آليات التواصل، محدودية قنوات رفع التظلمات، الرغبة في رفع الضرر…)، فجميعها غير مبررة وغير مقبولة من “ناحية القانون” والتشريعات والضوابط الأمنية، والتي تسائل بنفس الدرجة بعض المسؤولين الإداريين الذين لايسايرون التوجهات العامة للمديرية العامة للأمن الوطني التي تسير قدما نحو التحديث والتواصل والانفتاح على محيطها المجتمعي، وأمامها اليوم – الإدارة الأمنية – رهان القطع مع بعض العقليات المتجاوزة – رؤساء ومرؤوسين- سواء على المستوى المركزي أو على مستوى المصالح اللاممركزة، وفتح المجــال للأطر  المشهود لها بالكفاءة العلمية والمهنية والاستقامة والنزاهة ونكران الذات، المتشبعة بثقافة التحديث والقادرة على تنزيلها على مستوى واقع الممارسة، وهي فرصة للتنصيص على ضرورة التقيد بالتشريعات الداخلية والامتثال للضوابط الأمنية صونا للمؤسسة الأمنية/الشرطية وحفاظا على وقارها وسمعتها، مع التذكير أنه لا مناص من “التعجيل” بإعادة الاعتبار إلى المنظومة التشريعية الداخلية القائمة، بشكل يجعلها تستوعب بعض الأفعال أو التصرفات التي يكون”العالم الافتراضي مسرحا لها، و مواكبة التحولات “الرقمية” ذات الصلة بتكنولوجيا الإعلام والاتصال، من خلال إحداث “بوابة رسمية” إلكترونية مفتوحة أمام الموظفين لرفع الشكايات أو التظلمات، إما على مستوى”ولايات الأمن” أو على المستوى”المركزي” على غرار بعض الإدارات (موقع الخزينة العامة، بعض صناديق التقاعد …إلخ) التي قطعت أشواطا مهمة على مستوى التواصل والتفاعل وحسن الاستجابة لشكايات زبنائها أو مستخدميها، وخطوة من هذا القبيل، ستضع حدا للممارسات الافتراضية التي قد يمس بعضها بوقار المؤسسة الأمنية وسمعتها، وتعزز آليات الحكامة الأمنية الجيدة وتكبح جماح التعقيدات الإدارية الدافعة للقلق والإحباط والتظلم.

 

 

 

-هوامش:

(1) اصطلحنا على هذه التظلمات ب”الافتراضية”، نسبة إلى”العالم الافتراضي” الذي يشكل مسرحا لها.

(2) ينظر في هذا الصدد مقالنا المنشور بالمواقع الالكترونية التالية : موقع” مجلة القانون والأعمال”، موقع “مجلة القانونية”، “موقع”هسبريس”،”موقع”بلبريس”، موقع “السفير24″، موقع”الإعلامي”، موقع”أنفاس بريس”، موقع”أخبارنا”، موقع” جريدة أصوات” ، موقع”أخبارنا”، موقع”جريدة الألباب المغربية”، موقع” مسا الخير”، موقع”ياوطن” …إلخ.

(3) ظهير شريف رقم 213-09-1 صادر في 8 ربيع الأول 1431 (23 فبراير 2010) يتعلق بالمديرية العامة للأمن الوطني والنظام الأساسي لموظفي الأمن الوطني، ج ر. بتاريخ 1 مارس 2010، ص 611 .

(4) كريم لحرش، الدستور الجديد للمملكة “شرح وتحليل”، سلسلة العمل التشريعي والاجتهاد القضائي، العدد 3،مطبعة النجاح الجديدة الدارالبيضاء السنة 2012،ص 135.

(5) مليكة الصروخ، القانون الاداري “دراسة مقارنة”، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة السابعة، 2010 ،ص 408.

 

 

 

-كاتب رأي، أستاذ التاريخ والجغرافيا بالسلك التأهيلي، ضابط شرطة قضائية سابقا، باحث في القانون وقضايا الأمن والتربية والتكوين.

Laaouissiaziz1@gmail.com

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock