التكامل بين اللاتمركز واللامركزية نحو حكامة ترابية فعالة لتحقيق التنمية الجهوية – الباحث : فؤاد غاني – الباحثة : فاطمة الزهراء الحاجي
التكامل بين اللاتمركز واللامركزية نحو حكامة ترابية فعالة لتحقيق التنمية الجهوية
الباحث : فؤاد غاني
باحث بسلك الدكتوراه – القانون العام. جامعة محمد الخامس – كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية -السويسي –الرباط
الباحثة : فاطمة الزهراء الحاجي
باحثة بسلك الدكتوراه – القانون العام. جامعة سيدي محمد بن عبد الله – كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية فاس
هذا البحث منشور في مجلة القانون والأعمال الدولية الإصدار رقم 60 الخاص بشهر أكتوبر/ نونبر 2025
رابط تسجيل الاصدار في DOI
https://doi.org/10.63585/EJTM3163
للنشر و الاستعلام
mforki22@gmail.com
الواتساب 00212687407665

التكامل بين اللاتمركز واللامركزية نحو حكامة ترابية فعالة لتحقيق التنمية الجهوية
الباحث : فؤاد غاني
باحث بسلك الدكتوراه – القانون العام. جامعة محمد الخامس – كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية -السويسي –الرباط
الباحثة : فاطمة الزهراء الحاجي
باحثة بسلك الدكتوراه – القانون العام. جامعة سيدي محمد بن عبد الله – كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية فاس
ملخص :
يشكل التدبير الترابي مدخلاً للتنمية وترسيخ الديمقراطية المحلية عبر ثنائية اللامركزية واللاتمركز. وتبقى فعالية اللامركزية رهينة بوجود إدارة لاممركزة قوية تتوفر على الصلاحيات والموارد اللازمة. ومن ثَمّ فإن تحقيق التكامل والالتقائية بينهما يعد شرطاً لنجاعة السياسات العمومية الترابية.
الكلمات المفتاحية : اللاتمركز الإداري – التنمية الجهوية – الولاة والعمال
The complementarity between deconcentration and decentralization towards effective territorial governance for achieving regional development.
GHANI FOUAD
PhD . Resesearcher Faculty of Legal , Economic and Social Sciences Mohammed V University – Souissi –Rabat
FATIMA ZAHRA ELHAJJI
PhD . Resesearcher Faculty of Legal, Economic and Social Sciences, Sidi Mohamed Ben Abdellah University – Fez
Abstract :
Territorial governance constitutes an entry point for development and the consolidation of local democracy through the duality of decentralization and deconcentration. The effectiveness of decentralization remains contingent upon the existence of a strong deconcentrated administration endowed with adequate powers and resources. Therefore, achieving complementarity and convergence between the two is a prerequisite for the effectiveness of territorial public policie
Key words : Administrative Decentralisation – Regional Development – Governors and Workers.
مقدمة
يشكل موضوع التدبير الترابي أحد أبرز رهانات الدولة الحديثة في سعيها نحو تكريس الحكامة الجيدة وتحقيق التنمية المندمجة. فالإدارة الترابية لم تعد مجرد أداة تقنية لتسيير المرفق العام، بل غدت إطاراً استراتيجياً لبلورة السياسات العمومية وتوجيهها وفق مقاربة تشاركية قادرة على إشراك مختلف الفاعلين الترابيين. ومن هذا المنطلق، برزت أهمية إصلاح التنظيم الترابي من خلال تعميق اللامركزية وتفعيل اللاتمركز الإداري باعتبارهما وجهين متكاملين لمسار واحد، يروم تجاوز إكراهات التدبير الممركز والاستجابة الفعلية لانتظارات المواطنين.
فاللامركزية إذن لن يتأتى لها أن تكتمل إلا إذا واكبها اللاتمركز بنفس الفعالية في ميدان الإمكانيات الضرورية والصلاحيات الكفيلة بأن تضمن للمصالح اللاممركزة نوعا من الاستقلالية، وتمكنها من أن تلعب الدور المفروض إلى جانب الجماعات الترابية [1].
ويشكل اللاتمركز الإداري أحد الأعمدة الأساسية لمواكبة التنظيم الترابي القائم على الجهوية المتقدمة، وإن تفعيله كسياسة عمومية على المستوى الترابي يقتضي نقلا حقيقيا للسلط والوسائل، وتخويل الاعتمادات لفائدة المصالح للاممركزة على المستوى الترابي من أجل القيام بالمهام المنوطة بها من جهة، ومن أجل دعم التنمية الجهوية من جهة أخرى.
ولعل نهج سياسة حقيقية لعدم التركيز الإداري، زيادة على نقل حقيقي للسلط والوسائل، فهي أيضا تضع أمام المنتخبين المحليين أعوانا للدولة يكونون مسؤولين حقيقيين، أي مقلدين بسلطة القرار فيما يخص الشؤون والقضايا المتعلقة بدائرتهم الترابية [2].
وفي ظل التحولات التي عرفها المغرب، ولا سيما مع إقرار دستور 2011 وما حمله من مكانة متقدمة للجهات والجماعات الترابية، أصبح من اللازم إعادة النظر في توزيع السلط والصلاحيات بين المركز والمحيط. إذ لم يعد كافياً منح الجماعات الترابية اختصاصات واسعة دون توفير آليات إسناد حقيقية، وفي مقدمتها نظام اللاتمركز الذي يتيح للإدارة الترابية وسائل التدخل القريبة والفعالة.
ويكشف تتبع الخطابات الملكية ومجمل الإصلاحات التشريعية عن إرادة واضحة في الدفع نحو تكامل حقيقي بين اللامركزية واللاتمركز، بما يعزز الالتقائية في التدخلات العمومية ويضمن نجاعة السياسات التنموية على المستوى المحلي والجهوي. فالتنمية الترابية لم تعد ممكنة دون هذه الثنائية الفاعلة التي تؤطر العلاقة بين السلطة المنتخبة والسلطة المعينة، في أفق تحقيق الاندماج المنشود بين التخطيط الوطني والبرمجة الترابية.
الإشكالية :
انطلاقاً من ذلك، يثير هذا المقال إشكالية جوهرية تتمحور حول كيف يمكن تحقيق التكامل الفعلي بين نظامي اللاتمركز الإداري واللامركزية الترابية، بما يضمن تجويد الحكامة الترابية ؟
الأسئلة الفرعية:
كما سوف نعالج الإشكالية المحورية من خلال عدد من الأسئلة الفرعية من بينها:
- ما هي مكانة نظام اللاتمركز في دعم التنمية الترابية ؟
- ما هي الإجراءات والآليات الكفيلة بالنهوض بقدرات الإدارة الترابية لمواكبة تطور اللامركزية؟
- ما هي السبل الكفيلة بتطوير نظام اللاتمركز لمواكبة تطور اللامركزية وضمان الالتقائية بين مختلف الفاعلين الترابيين؟
أهمية الموضوع:
تتمثل أهمية هذه الدراسة في كون التدبير الترابي أداة مركزية لتحقيق التنمية الجهوية وتعزيز الديمقراطية المحلية، من خلال تكامل اللامركزية مع اللاتمركز الإداري. هذا التكامل يساهم في تقريب مراكز اتخاذ القرار من المواطنين، وتوزيع الصلاحيات والموارد بشكل فعّال، مما يعزز فعالية السياسات العمومية ويحد من الاختلالات الترابية.
أهداف الدراسة:
– تحليل دور التكامل بين اللاتمركز واللامركزية في تحقيق حكامة ترابية فعّالة.
– تقييم دور المصالح اللاممركزة في دعم الجماعات الترابية وتنمية المناطق المحلية.
– اقتراح آليات تطوير نظام اللاتمركز لمواكبة اللامركزية وضمان التناسق بين مختلف مستويات الإدارة الترابية.
المناهج المعتمدة:
تم اعتماد المنهج الوصفي لتحليل الإطار القانوني والتنظيمي، والمنهج التحليلي لدراسة أثر المصالح اللاممركزة على التنمية الترابية، والمنهج الاستقرائي لاستخلاص النتائج والتوصيات لتعزيز فاعلية التدبير الترابي.
يشكل التدبير الترابي ركيزة أساسية في بلورة وتوجيه السياسات العمومية المندمجة والتشاركية، باعتباره الإطار الأمثل لجعل المجال الترابي عنصراً محورياً في تحقيق التنمية وإرساء ثقافة الديمقراطية المحلية [3]. وفي هذا السياق، ساهم التنظيم الجهوي للإدارة الترابية في تعزيز قيمة اللامركزية، وفتح المجال أمام استجابة أكثر قرباً وفعالية لحاجيات المواطنين الاجتماعية والاقتصادية والتنموية. وقد أفضى ذلك إلى منح الجهة مكانة دستورية متقدمة، بعدما استنفد الإطار الإقليمي أدواره التقليدية، وعجزت الأقاليم والجماعات، في صيغتها الكلاسيكية، عن تحقيق تنمية متكاملة أو معالجة الاختلالات القائمة.
ويشكل اللاتمركز الإداري أحد المحاور الأساسية لتحديث الإدارة وتجديد طرق تدبير المرفق العمومي، والحد من التدبير الممركز كمدخل رئيسي لإصلاح أنماط تسيير هياكل الدولة، كما يهتم بانشغالات متداخلة فيما بينها، كتقريب مراكز اتخاذ القرار وتقديم خدمات مجاورة وذات جودة عبر وضع البنيات الإدارية اللازمة كاليات لتنفيذ إستراتيجية الدولة على المستوى الترابي، كما يعتبر اللاتمركز الإداري إطارا يسمح بتوحيد الجهود وعقلنة الموارد والإمكانات المتاحة وضمان تمثيلية ترابية لمختلف القطاعات [4] .
ولهذا الغرض يشكل اللاتركيز ضرورة لتعزيز المقاربة الجهوية المتقدمة وذلك بسبب الدور الجوهري الذي يمكن أن يلعبه هذا النظام لإعادة تنظيم الإدارة وإعادة توزيع السلط بين المركز والمحيط بقصد تحسين تدبير الشأن الترابي للمساهمة في تحقيق التنمية، لذلك يجب أن يكون هناك تكامل بين كل من اللاتمركز واللامركزية ( المطلب الأول) ولابد كذلك بنفس القدر والعزم من إيجاد سبل لتطوير نظام اللاتمركز لمواكبة اللامركزية (المطلب الثاني)
المطلب الأول: التكامل بين اللاتمركز واللامركزية
تحتل اللامركزية المدعومة باللاتمركز مكانة هامة في الترسانة القانونية للحكامة الترابية الجيدة ، ووسيلة أساسية لدمقرطة تدبير الشؤون العامة عن طريق مشاركة المحيط في اتخاذ القرار الجهوي، تخفيفا للثقل السلطوي للمركز الذي أصبح يشكل أحد الأسباب الرئيسية لتعذر التنمية الجهوية، أما اللاتمركز فهو أداة أساسية لتدعيم اللامركزية وتقليص الفوارق و الاختلالات [5]، ومن هنا يمكن القول أن دواعي مكانة اللاتمركز في دعم التنمية الترابية ( الفقرة الأولى) مسألة بديهية ولا شك فيها، كما أن ترابط العلاقة بين اللاتمركز واللامركزية ( الفقرة الثانية) هو تحقيق نفس الهدف ألا وهو بلوغ تنمية ترابية [6].
الفقرة الأولى: مكانة نظام اللاتمركز في دعم التنمية الترابية
يعتبر النهوض والرقي بالشأن العام المحلي، وبالخصوص دعم وإنعاش التنمية الترابية، الهدف الأساسي والرئيسي الذي من أجله اعتمد المغرب نظام اللاتمركز، فالإدارة المركزية مهما كانت إمكانيتها المادية والبشرية وأدواتها أو وسائلها لن تستطيع تلبية الرغبات المختلفة على المستوى الترابي، وبالرغم من أن اعتماد أسلوب اللامركزية الترابية استطاع أن يحرر الدولة من بعض الالتزامات والواجبات فإنه يبقى ناقصا دون دعمه وتطويره باعتماد اللاتركيز خاصة وأن الهدف منهما واحد وهو تفعيل وإنعاش التنمية الترابية[7] .
إلا أن التنمية الترابية تستلزم أساسا ومن أجل تقدمها وسيرها منظومتين متكاملتين لابد منهما، منظومة اللامركزية الترابية وهي مبنية ومركبة ولكنها ناقصة غير مكتملة ومنظومة اللاتركيز الإداري وهي موضوعة بجانب الأولى إلا أنها غير مبنية ولا مركبة [8]، فإذا كانت اللامركزية تمنح سلطة التقرير في الأمور إلى هيئة منتخبة ومستقلة تباشر اختصاصاتها تحت مراقبة ممثل السلطة المركزية، فهذا لا يمنع الإدارة المركزية من تفويض بعض الاختصاصات لمصالحها اللاممركزة على المستوى الترابي الذي يقوم أساسا على منح بعض رؤساء هذه المصالح على مستوى الجهات والأقاليم والعمالات والجماعات حق البث نهائيا في بعض الأمور دون الحاجة إلى الرجوع إلى الوزير الوصي على القطاع بالمركز[9].
و يبقى الهدف من التنزيل لبعض الصلاحيات يرجع الى تخفيف العبء عن الإدارة المركزية وتحقيق الانسجام في نشاط الدولة على المستوى الترابي [10]، زيادة على ذلك فهي تضع أمام المنتخبين المحليين أعوانا للدولة يكونون مسؤولين حقيقيين، أي مقلدين بسلطة القرار فيما يرجع للشؤون والقضايا المتعلقة بدائرتهم الترابية [11].
فاللامركزية لن يتأتى لها أن تكتمل إلا إذا واكبها اللاتمركز بنفس الفعالية من خلال الإمكانيات الضرورية والصلاحيات الكفيلة بأن تضمن للمصالح اللاممركزة نوعا من الاستقلالية ، وتمكنها من أن تلعب الدور المفروض إلى جانب الجماعات الترابية [12] .
وإن إحداث مصالح اللاممركزة مواكبة للوحدات اللامركزية، ما هو إلا تمكين تلك المصالح من التطور والقدرة على دعم ومعالجة القضايا الترابية، فهي أدوات للتنمية في يد الدولة تمكنها من تحقيق خدمات لا ممركزة لسد النقص الحاصل في الخدمات الأساسية اللازمة للتنمية الترابية .[13]
كما تبرز مكانة اللاتمركز الواسع ضمن الاهتمامات العالقة في بنية الخطب الملكية . من خلال التأكيد على ضرورة إصلاح نظام اللاتركيز بقوله : ” إن اعتزازنا بالخطوات الهامة التي قطعها نظامنا اللامركزي ، لا يعادله إلا حرصنا على تثبيت دعائمه بنظام الجهوية الواسعة واللاتمركز الإداري ومهما يكن تقدمنا في مجال ترسيخ النظام اللامركزي ، فإنه سيظل ناقصا ، ما لم يدعمه إصلاح نظام الجهات، وبناء أقطاب جهوية متجانسة ، واعتماد التدبير غير المتمركز للشأن العام الترابي، لذا نعتبر أنه قد آن الأوان للعمل على تسريع مسلسل اللاتمركز الإداري وتوسيع صلاحياته باعتباره لازمة ضرورية المواكبة الجهوية المتقدمة ، التي تعمل جادين على تحقيقها .[14]
كما جاء أيضا في خطاب الذكرى الثامنة لعيد العرش لتكريس تلك المطالبة بضرورة الإصلاح بقوله: وترسيخا للدعامة الترابية، فإننا مصممون على توطيد اللاتمركز والجهوية مع وجوب تلازم الجهوية الناجعة، مع تفعيل نظام اللاتمركز الواسع والملموس في إطار أقطاب محددة، تفوض لها السلطات المركزية الصلاحيات والموارد اللازمة من خلال مقاربة جهوية مندمجة .[15]
أما في خطابه بمناسبة الذكرى الثالثة والثلاثين للمسيرة الخضراء، فقد بدى الملك أكثر تأكيدا وعزما على ضرورة إصلاح وتحديث نظام اللاتمركز بحيث قطع الشك باليقين وجزم أنه ” مهما وفرنا للجهوية من تقدم فستظل محدودة، ما لم تقترن بتعزيز مسار اللاتمركز، لذلك يتعين إعطاء دفعة قوية لعمل الدولة على المستوى الترابي، خاصة في مجال إعادة تنظيم الإدارة المحلية وجعلها أكثر تناسقا وفعالية وتقوية التأطير عن قرب ” [16] .
ولعله يعتبر من البديهيات التأكيد على مسألة اللاتمركز الإداري في الخطب الملكية وفي مجموعة من المناسبات، لأنه يشكل أهم عنصر وفاعل مؤثر في منظومة التنمية الترابية ، نظرا للدور الذي يلعبه اللاتمركز في سلامة وتنفيذ الخطط والأهداف و البرامج التنموية ، فالأوراش والمشاريع التنموية لا تستقيم ولا يتم تنفيذها بالشكل المطلوب إلا إذا كانت الإدارة الترابية قابلة لاستيعاب المفاهيم والممارسات والأساليب والوسائل الحديثة في التدبير والإدارة، وتوظيفها لخدمة ومواكبة أهداف التنمية، فمكانة نظام اللاتمركز في تحقيق أو دعم التنمية، مسألة باتت ضرورية ولازمة [17] .
وانطلاقا من المكانة الهامة التي أضحى التدبير الترابي اللامتمركز يتبوؤها ولكي يتم إنجاح ذلك الرهان لابد من دعم قدرات الإدارة الترابية وفق منطق الفعالية والمرونة والجودة حتى تصبح دعامة أساسية من دعامات التنمية الترابية، فالتجربة الفرنسية على سبيل المثال منحت المصالح اللاممركزة للوزارات من القدرة والحرية، ما يمكنها من تبني إستراتيجية حقيقية للتنمية وبلورة مخططات متكاملة للتعامل مع الأشخاص اللامركزية وذلك في حدود الاختصاصات والصلاحيات التي تتمتع بها لخلق شراكات الامركزية [18].
الفقرة الثانية: ترابط العلاقة بين اللاتمركز واللامركزية
إن مفهوم اللامركزية، يتجانس ويتكامل بشكل كبير مع مفهوم اللاتمركز، أي أن المفهومين يتكونان من نفس الحروف تقريبا، ويؤديان إلى نفس الهدف، فكلاهما يعمل على الحد من احتكار الوظيفة الإدارية من قبل السلطة المركزية وكلاهما يستهدف تسيير الشؤون الترابية، ولعل هذا التشابه في الحروف والاشتراك في الهدف يكشف على أن اللاتمركز خطوة نحو تحقيق اللامركزية، لأن الجماعات الترابية تحتاج لممارسة اختصاصاتها بصفة ملائمة، أن تجد في عين المكان مخاطبين أكفاء في مصالح الدولة، قادرين على اتخاذ القرار[19].
لذلك فإن توسيع وتطوير نظام عدم التركيز الإداري ليس وسيلة لتحسين فعالية إدارة الدولة فقط بل هو شرط مسبق لإنجاح مسلسل اللامركزية ، ومن هذا المنطلق ولما كان من المتفق عليه سياسيا وقانونا حديثا وقديما وفي جميع الدول التي اختارت الأسلوب اللامركزي أن اللاتمركز لازمة لقيام اللامركزية[20].
لذلك فإنه يتوجب على المغرب أن يرقى بسياسته في مجال اللاتمركز، لأن اللامركزية كنظام ديمقراطي وكقاعدة إدارية ذات جودة لتدبير الشأن العام الترابي لا يمكن لها أن تصل إلى الأهداف المرجوة منها، دون اعتماد سياسة حقيقية وفعالة في ميدان عدم التمركز الإداري [21].
فهذا الأخير وحده كفيل بأن يستعمل كوسيلة فعالة لإحلال الحوار المباشر بين المصالح اللاممركزة والجماعات الترابية، مما سيمكن من تجاوز العديد من الاكراهات التي تعترض مسار التنمية الترابية، لأن تعدد المتدخلين في التدبير العمومي يطرح مشاكل وتساؤلات كبيرة من حيث الغموض والتنازع والإعادة في القيام بنفس المهام، بعبارة أخرى تكرار نفس الأعمال والأنشطة والممارسة التسييرية والتدبيرية من قبل الجماعات الترابية والمصالح اللاممركزة، ومن ثم إهدار وتضييع الجهد والزمن التنموي بدون جدوى وبلا فائدة، وعلى هذا الأساس وقصد تحقيق الاندماج والتعاون والتعاضد والتكامل في التدخلات والممارسات المختلفة على المستوى الجهوي لابد من تخطيط وإعداد وتدبير توقعي، ولابد من وضع إستراتيجية عملية دقيقة ومحكمة للعمل والتدخل العمومي الجهوي [22].
هذه الإستراتيجية التدبيرية الموحدة ستغطي الموضوعات المختلفة للحكامة الترابية دون أن تكون هناك تجزئة أو تكرار للتدخلات العمومية ما دام الهدف واحد، أو بعبارة أخرى يفرض تحقيق الثنائية الفاعلة في منظومة الحكامة الترابية العمل على الجمع في مخطط بين الأنماط التدبيرية المختلفة، وذلك بشكل يكمل بعضها بعضا مع تتبعها وتقييمها قصد ملاءمتها مع متطلبات تحقيق التنمية الترابية.
فالحكامة الترابية ليست مجرد حالة من الشفافية والمساءلة، بل هي أيضا تحقيق نوع من التكامل والتفاعل الإيجابي أي الوصول إلى تحقيق الثنائية الفاعلة بين إدارة اللاتمركز والإدارة الجهوية وباقي الجماعات الترابية الأخرى [23]، ومن أجل ذلك فقد تم التأكيد مرارا وتكرارا وفي كثير من المناسبات على أهمية إتباع المقاربة المندمجة قصد ملاءمة نظام اللاتمركز مع متطلبات الجهوية.
وبالتالي لابد من العمل بالمنطق الاستراتيجي، حيث ينبغي أن تتفاعل كافة الأطراف المتدخلة المكونة لنظام اللاتمركز والجهات و باقي الجماعات الترابية الأخرى، لتحقيق مستوى أفضل لكافة جوانب التدبير العمومي الترابي إذ لا يمكن أن نتحدث عن التنمية الترابية، دون تكريس الثنائية الفاعلة والتناسق الفعلي، فالحكامة الترابية لا يمكن أن تتحقق إلا في ظل وجود تعاون وتكامل وتفاعل إيجابي بين مختلف مكونات النظام الترابي، بناء على منهجية قوامها التعددية الفاعلة في الممارسات التدبيرية الترابية [24] .
وتأكيدا للتصور العام للثنائية الفاعلة في إطار الحكامة الجيدة، فإن التنمية من خلال التدبير الترابي الواسع للوحدات الجهوية والتي من المنتظر أن تكون أكثر استقلالا، يقتضي أن تتوفر لها الشروط والإمكانات والموارد الكافية لتنميتها.
وإن الدول التي نجحت في قيادة التنمية هي تلك الدول التي تتوفر على القدرة والكفاءة في تنظيم وتعبئة كل الفاعلين حول مشروع مشترك في ظل مبدأ التعاون والإشراك الفعلي لمختلف الفاعلين الترابيين.
وداخل هذا التصور يحتاج تطوير العلاقة بين اللاتمركز واللامركزية في بعض الحالات إلى تنظيم وتأطير أكبر من أجل الرفع من نجاعتها و حسن أدائها، وإن ضرورة تطوير هذه العلاقة تفرض نفسها بحدة أكبر كلما كانت هناك الموارد ( البشرية والمالية) المطلوبة.[25]
المطلب الثاني: سبل تطوير نظام اللاتمركز لمواكبة اللامركزية
لقد نهج المغرب في وقت مبكر اللامركزية تدريجية وبصفة رسمية منذ صدور الميثاق الجماعي، ومنذ ذلك التاريخ حظيت اللامركزية باهتمام كبير من قبل الدولة من خلال عدة إصلاحات تستهدف تطوير اللامركزية.
فإرساء اللامركزية الترابية منذ الستينات كان نتيجة لإدارة التأطير السياسي أكثر مما كان انشغالا لملائمة التدبير العمومي مع متطلبات التنمية الترابية، لكن واقع التدبير العمومي يفرض على نجاح اللامركزية أن تكون بتدعيم أو انسجام مع عدم التركيز. وعدم التركيز لا يعني خلق المصالح اللاممركزة فقط بل يجب أن تتوفر هذه المصالح على الوسائل المادية وعلى سلطة اتخاذ القرار على الصعيد الترابي دون اللجوء إلى الإدارة المركزية (الفقرة الأولى من أجل تحقيق أو تكريس التقائية بين هذه المصالح والوحدات اللامركزية على المستوى والترابي (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: النهوض بقدرات الإدارة الترابية لمواكبة تطور اللامركزية
إذا كان اللاتمركز الإداري لمصالح الدولة يعتبر تنظيما إداريا مواكبا للتنظيم الترابي اللامركزي للمملكة القائم على الجهوية المتقدمة وأداة رئيسية لتفعيل السياسات العامة للدولة على المستوى الترابي[26]. فإن ذلك يستوجب نقل السلط والوسائل وتحويل الاعتمادات الفائدة المصالح اللاممركزة على المستوى الترابي، لتكون محورا فعليا لكل الوظائف المحلية وتقديم المساعدة اللازمة للجماعات الترابية بمستوياتها الثلاث [27].
لكن الصعوبات التي تطرح بخصوص هذه المواكبة هو كيفية تعامل الجماعات الترابية مع المصالح اللاممركزة، التي تتصف بالضعف في اتخاذ القرارات، وكذا الضعف من الناحية المادية [28].
فلا يكفي إحداث البنيات الإدارية بشكل غير ممركز على صعيد الجهات والعمالات الأقاليم والجماعات لنقول إنه تم اعتماد أسلوب اللاتركيز بل لابد من تكريس اللاتمركز على مستوى الموارد المالية وعلى مستوى اتخاذ القرار على الصعيد الترابي دون اللجوء إلى الإدارة المركزية.
فميثاق اللاتمركز الإداري ينص في الفصل 17 على تحويل رؤساء المصالح اللاممركزة على الصعيد الجهوي صفة أمرين بالصرف جهويين، لتمكينهم من تدبير الاعتمادات المرصودة لهذه المصالح، وكذا تمكين الرؤساء المذكورين من صلاحيات تدبير المسار المهني للموارد البشرية الخاضعة لسلطتهم على الصعيدين الجهوي والإقليمي، و من ناحية نقل هاته الصلاحيات للمصالح اللاممركزة، يعتبر التصميم المديري للاتمركز الإداري المختص بنقل مجموع الاختصاصات مع مراعاة طبيعة كل وزارة كالموارد المالية والبشرية لتمكين المصالح اللاممركزة للدولة من ممارسة اختصاصاتها [29].
وهذه الاعتمادات المالية يجب ألا تكون متمركزة كي تتماشى ومنطلق اللاتمركز الإداري ، الذي يعد أداة ضرورية لإحلال الحوار بين المصالح اللاممركزة و الجماعات الترابية خصوصا وأن هذه الأخيرة استفادة في السنوات الأخيرة من نقل لعدة اختصاصات، كما تمتعت بعدة تطورات أضفت عليها نوعا من الدينامية والحركية [30].
فالمصالح اللاممركزة تعرف ضعف في اتخاذ القرار المالي على المستوى الترابي بالنسبة للالتزام النهائي بالنفقات وهو التزام يظل غالبا حبيس المصادقة القبلية للإدارة المركزية، لذا يشكل الحصول على الاعتمادات المالية في الوقت المناسب دائما إحدى المشاكل أو العراقيل التي تحول دون تنفيذ الأعمال في الوقت المحدد [31].
إن الضعف الذي يعرفه التدبير اللامتمركز للاعتمادات يؤكد شيء واحد ألا وهو انغلاق تدبير ميزانية الدولة، وعدم مواكبتها لانفتاح ميزانية الجماعات الترابية، وبالتالي الرجوع إلى المقاربة التقليدية التي تؤكد مركزية سلطة القرار.
فهذه الاعتمادات أو تمركزها لا يتماشى ومنطلق اللاتمركز الإداري، كما أنه لا يساير الوحدات اللامركزية التي لها استقلالية في اتخاذ القرارات على المستوى المالي [32]
وتبعا لذلك تبقى الإدارة المركزية هي المتحكم الرئيسي في الاعتمادات المالية، و تجعل الأجهزة المركزية بعيدة عن الجماعات الترابية المستفيدة من عمليات صرف هذه الاعتمادات وهو ما يعيق مسلسل اللاتمركز الإداري في شقه المالي وضعف المردودية وغياب الفعالية في تدبير الشأن العام المحلى [33].
الفقرة الثانية: تكريس الالتقائية بين السلطة المنتخبة والسلطة المعينة
لقد أصبحت مسألة تحقيق تكامل وتناسق أدوار مختلف المتدخلين في الشأن العام الترابي، مطلبا أساسيا لبلوغ الحكامة الترابية، وذلك من خلال إيجاد آليات للمواكبة والتعاون والعمل التنموي المشترك[34].
وبالنظر للمكانة المحورية لممثلي السلطة المركزية الولاة والعمال في النهوض بالحكامة الترابية وتحقيق التنمية المنشودة، خاصة من خلال قيامهم بأدوار التنسيق والمساعدة والمواكبة والتعاون تجاه الجماعات الترابية [35]، فإن الدستور المغربي لسنة 2011 ، قد جاء في الحقيقة بالعديد من الإصلاحات التي من شأنها تجويد هذه الأدوار . حيث أضفى المشرع الدستوري على اختصاصاتهم عدة تعديلات وتغيرات إيجابية تميزت بنوع من التحديد للعلاقة التي تربطهم مع السلطة المركزية ناهيك عن إضفاء بعض من الدينامية الجديدة على المستوى الترابي في علاقتهم مع المصالح اللاممركزة والهيات المنتخبة للجماعات الترابية، بما يضمن ملائمة وظائف الإدارة الترابية مع متطلبات التنمية على مستوى طبيعة الأدوار والعلاقات ومع مقومات توجه اللاتمركز الواسع في إطار الجهوية المتقدمة [36].
فإقرار مبدأ الجهوية في عدم التركيز واعتماد الجهة مستوى لأي عمل لا ممركز وتحويل المسؤولين فيها سلطات تقريرية حقيقية هو نابع من اعتبار المستوى الجهوي الإطار الأكثر ملاءمة للسياسات الاقتصادية والاجتماعية والمناسب لتجديد أسلوب التدبير العمومي، فالإطار الجهوي يمكن من عدم تشتيت الجهود وتمركز القرار الترابي.
ثم إن المجال الجهوي سيشكل مجالا مفضلا لإحلال سياسة عدم التركيز وستتيح للإدارة المركزية مراقبة وتأمين استمرارية أنشطة عن طريق الوالي كممثل للسلطة المركزية [37]، كما أن هذه الرقابة تمارس أيضا على الوحدات اللامركزية ( الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات) ، وفق منظور جديد لإعادة تنظيم الاختصاصات بين السلطة المنتخبة والسلطة المعينة، إذ أصبح ممثلو الإدارة الترابية ملزمين باحترام مبادئ التنظيم الترابي اللامركزي، وفي مقدمتها مبدأ التدبير الحر بما يفيد أن الجماعات الترابية تمارس اختصاصاتها بما هو موكول لها في النصوص القانوني، في حين تحتفظ الدولة بحق المراقبة البعدية، بأن تترك مساحة من الحرية للمدير الترابي في ممارسة اختصاصاته، في مقابل مساءلته عن النتائج التي أنجزها [38].
وانطلاقا من هذا التصور تصبح المراقبة التي سيمارسها الولاة والعمال على أعمال وتدخلات الجماعات الترابية ستتم بنوع من المرونة، لتكييفها مع مستجدات الديمقراطية المحلية عن طريق إعادة تهيئة مهامهم، وتوجيهها نحو مواكبة ومساعدة رؤساء الجماعات الترابية [39].
وبهذا المنطق فالدستور الجديد يخصص للولاة والعمال وظائف تليق بوضعيتهم كرجال سلطة، تماشيا مع الموقع الدستوري الجديد للجماعات الترابية في قيادة برامج التنمية والتصميم الجهوي لإعداد التراب، بوصفهما وثيقتين للتخطيط الجهوي على المدى المتوسط والمدى البعيد، وفرصة ثمينة مع ضمان التقائيتهم مع التوجهات الإستراتيجية والسياسية للدولة، وذلك بالتنسيق مع والي الجهة بصفته ممثل للسلطة المركزية ومنسق للمصالح اللامتمركزة [40].
واعتبارا لدورهم التنسيقي يعلب الولاة والعمال دورا أساسيا في تأمين التناسق وتضافر البرامج والمشاريع بين مجمل المصالح اللاممركزة والمجالس المنتخبة والاستجابة لحاجيات مجال اختصاصهم الترابي، حيث إن المهمة التي يقوم بها الوالي من شأنها أن تساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في الرفع من مستوى التنمية الترابية [41]، لأن المشاريع الواجب إنجازها والوسائل المتعين استعمالها تفرضان وحدة في العمل تتطلب الانخراط لمختلف الفاعلين الترابيين بما يمكنهم من دعم الجماعات الترابية في تنزيل مشاريعها التنموية ، ونشير على سبيل المثال إلى أنه يمكن لرئيس مجلس الجهة، أثناء إعداد التصميم الجهوي لإعداد التراب أن يطلب المساعدة التقنية عن طريق والي الجهة، من المصالح للاممركزة للإدارة المركزية ومن الجماعات الترابية الأخرى [42].
كما تنصب آلية المساعدة لرؤساء الجماعات الترابية، خاصة رؤساء المجالس الجهوية في تنفيذ المخططات والبرامج التنموية بشكل يجعل من المساعدة أداة للتعاون بين رئيس الجهة والوالي، لضمان التناسق والالتقائية لقيادة سياسية التنمية الجهوية [43].
ويستمد الوالي شرعية تقديم المساعدة في تنفيذ المخططات التنموية من صفته كممثل للسلطة المركزية في الجهة، وباعتباره المسؤول الأول عن تنفيذ السياسة التنموية للحكومة، وبهذه الصفة يمكنه تقديم التوجيهات والآراء التي من شأنها أن تساعد على تنزيل وتنفيذ المخططات والبرامج التنموية والعمل على ملاءمتها مع التوجه الوطني ومع ما تتوفر عليه الجماعات الترابية من موارد وإمكانيات [44].
غير أن هذا التدخل تحت غطاء التنسيق والمساعدة رغم إيجابيات في مساعدة ومواكبة مجالس الجهات والعمالات والأقاليم فإن له معنى سلبي، فقد يتخذ شكل التدخل في تدبير الشؤون الجهوية والمحلية لهذه الجماعات، من خلال ربط تقديم المساعدة التي يتطلبها تنفيذ المخططات التنموية، مع إعمال بعض التوجهات المقترحة من قبل الولاة والعمال وهو ما من شأنه أن يحد من استقلالية الجماعات الترابية بالتالي يصيب في العمق الإصلاحات القانونية والتنظيمية المكتسبة الخاصة بالجهوية [45].
ناهيك عن مواكبتها في ممارسة اختصاصات الموكولة إليها ولا سيما في إنجاز مشاريعها الاستثمارية وتمكينها من كل أشكال المساعدة اللازمة، وتعزيز آليات الحوار والتشاور مع كافة المتدخلين على مستوى الجهة وعلى مستوى العمالات والأقاليم و الجماعات [46].
وتتجلى المساعدة الممكن تقديمها أيضا من ممثلي الإدارة المركزية لرؤساء المجالس المنتخبة في عدة مستويات، فعلى المستوى التقني تقتضي المساعدة وضع التجهيزات والوسائل اللوجستيكية التي يتوفرون عليها رهن إشارة الجماعات الترابية وتقديم المعطيات والدراسات اللازمة لذلك، إضافة إلى تقديم الإمكانيات المتاحة لديهم في الولوج للمعلومات والتمويل العمومي بحكم دورهم التنسيقي [47].
بالإضافة إلى العمل على إرساء أسس شراكة فاعلة مع الجماعات الترابية وهيئاتها والمصالح اللاممركزة ذات الاختصاص الترابي في مختلف المجالات ولا سيما عن طريق إبرام اتفاقيات أو عقود باسم الدولة وبناء على تفويض خاص مع التقيد بالتوجهات العامة للدولة وبرامج التنمية الجهوية المعتمدة [48].
ومجمل القول يلاحظ أن المشرع قد عمل على منح صلاحيات لولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم في مجال التنمية الترابية، إذ سمح لهم بتقديم المساعدة لرؤساء الجماعات الترابية لتنفيذ البرامج والمخططات التنموية ثم عمل على تحقيق أو بلوغ نوع من التكامل الوظيفي بين الإدارة المركزية المتمثلة في المصالح اللاممركزة وبين الوحدات اللامركزية كأبرز فاعلين على المستوى الترابي في جو من التعاون والتعاضد [49]، ولكن هذه المساعدة قد تتخذ شكل تدخل في تدبير الشؤون الترابية وتحد من استقلالية الجماعات الترابية [50] .
خاتمة :
يمكن القول في ضوء ما سبق، إن التدبير الترابي يمثل الركيزة الأساسية لإرساء السياسات العمومية المندمجة والتشاركية، حيث يوفر الإطار الملائم لتحقيق التنمية الترابية وتعزيز الديمقراطية المحلية. وقد برزت أهمية كل من اللامركزية واللاتمركز الإداري في تعزيز فعالية التدبير العمومي، من خلال توزيع الصلاحيات والموارد وتمكين مختلف الفاعلين الترابيين من ممارسة أدوارهم وفق مقاربة تكاملية ومتوازنة.
وقد أظهرت الدراسة أن التكامل بين اللامركزية واللاتمركز ليس خياراً تنظيمياً فحسب، بل هو شرط أساسي لضمان فعالية السياسات العمومية على المستوى الترابي، إذ تتيح اللامركزية للمجالس المنتخبة سلطة اتخاذ القرار، بينما يضمن اللاتمركز استمرارية البرامج والسياسات وتنسيق الجهود بين مختلف المصالح الإدارية، بما يحقق الانسجام بين السلطات المنتخبة والمعينة.
كما تبين أن تطوير نظام اللاتمركز لمواكبة اللامركزية يشكل أداة استراتيجية لتجاوز العقبات التي تواجه التنمية الترابية، عبر تعزيز قدرات الإدارة الترابية، وتوفير الموارد المالية والبشرية اللازمة، وتكريس الالتقائية بين مختلف المتدخلين، بما يضمن انسجام الخطط والمشاريع مع التوجهات الوطنية والاحتياجات المحلية.
وفي الختام، فإن نجاح السياسات العمومية الترابية يعتمد على قدرة الدولة على إرساء نظام متكامل ومرن يجمع بين اللامركزية واللاتمركز، ويحقق الحكامة الترابية الفعالة، ويعزز الشراكة بين السلطة المركزية والمجالس المنتخبة، بما يسهم في تحقيق التنمية المستدامة والارتقاء بمستوى المعيشة على الصعيد المحلي والجهوي.
لائحة المراجع :
- كتب :
- عادل تميم الجهوية المتقدمة بين إشكالية توزيع الاختصاصات والتأطير الدستورى دراسة مقارنة، مطبعة إفزارن، طنجة، الطبعة الأولى، 2017.
- عبد الرفيع زعنون، تكبير التنمية الترابية بالمغرب ” دراسة مقارنة “، مطبعة الأمنية، الرباط، الطبعة الأولى، 2020.
- المصطفى قريشي، ملاءمة نظام اللاتمركز الإداري بالمغرب مع متطلبات الجهوية المتقدمة ، مطبعة دار السلام، الرباط، الطبعة الأولى، 2017.
- مكاوى تصير، تدبير مالية الجماعات الترابية، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط، الطبعة الأولى 2011.
- المهدي بنمير، اللامركزية والشأن العام المحلي أية آفاق في ظل المفهوم الجديد للسلطة سلسلة اللامركزية والجماعات المحلية، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش، الطبعة الأولى 2000.
- مقالات :
- حميد أبولاس، ضرورة تلازم اللامركزية باللاتركيز الإداري لتعزيز التقائية السياسات العمومية الترابية وإنجاح ورش الجهوية المتقدمة ، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 152 ، ماي – يونيو 2020
- خليل اللواح ، ميثاق اللاتمركز الإداري بين الفعالية والمحدودية ، مجلة البوغاز للدراسات القانونية والقضائية العدد 1 ، يوليوز.
- رشيد ملوعي، تطوير نظام اللاتمركز رهان حتمي لخيار الجهوية المتقدمة، المجلة المغربية للدراسات القانونية و الاقتصادية، عدد مزدوج : 2-1 يناير، 2017 .
- عماد ابركان التنمية الترابية بالمغرب بين الخصوصية ومتطلبات الدعامة مجلة الشؤون القانونية والقضائية، العدد الثاني، يناير، 2017.
- محمد أحجام، تدبير المجال في ضوء السياسة الجديدة للتمركز الإداري الفاعلون والعلاقات مجلة آراء للعلوم الإنسانية والاجتماعية والقانونية عند خاص حول الأدوار التنموية للجماعات الترابية بالمغرب ، العدد الأول، 2019
- رسائل :
- الراحي العياشي إصلاح الانتمركز الإداري بالمغرب، رسالة لنيل شهادة الماستر في القانون العام، جامعة محمد الخامس بالرباط كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – أكدال، السنة الجامعية 2018 – 2019.
- هدى قشاش مساهمة الانتركيز الإداري في فعالية التدبير العمومي، رسالة لنيل شهادة الماستر في القانون العاب جامعة محمد الخامس بالرباط كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – السويسي السنة الجامعية 2018 – 2020.
- قوانين :
- مرسوم رقم 2.17.618 صادر في 18 من ربيع الآخر 1440 الموافق لـ 26 دجنبر 2018، بمثابة ميثاق وطني للاتمركز الإداري، جريدة الرسمية عدد 6738، الصادرة بتاريخ 19 ربيع الآخر 1440 الموافق لـ 27 دجنبر 2018
- مرسوم رقم 2.17.538 صادر في 28 شتنبر 2017 المتعلق بتحديد مسطرة اعداد التصميم الجهوي لإعداد التراب وتحينه 205 وتقيمه، جريدة رسمية عدد 6618 ، بتاريخ 2 نونبر 2017
- تقارير :
- تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، متطلبات الجهوية المتقدمة وتحديات إدماج السياسات القطاعية، إحالة ذاتية رقم 22 / 2016.
- خطب ملكية :
- مقتطفات من الخطاب الملكي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، بمناسبة الذكرى الثامنة لتربع على العرش ، يوم الاثنين يوليوز 2007، بمدينة طنجة.
- مقتطفات من الخطاب الملكي الذي وجه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، بمناسبة الذكرى الثالثة والثلاثون للمسيرة الخضراء، يوم 6 نونبر 2008.
- المراجع الاجنبية :
La bibliographie
- Les Ouvrages:
- Olivier Diederichs et Ivan luben: la déconcentration, imprimerie Presses Universitaires de France, Paris, 1ére édition 1995
- Les Articles:
- El Habib El Alami, le contrôle des collectivités territoriales au maroc: quel rôle pour le ministère de I ‘intérieur ? REMALD, numéro double 122-133, mai – Aout, 2015
- Jamal Machouh la diplomatie décentralisée, radioscopie de la coopération entre les régions Provence Alpes côte d’azure (France) et Tanger, Tetouan (Maroc), REMALD. N° 101 Novembre – décembre, 2011
- Lahcen Brouksy, la déconcentration ses mécanisme et ses limites », publication la revue marocaine de finance publique et d’économie, N°: 8, 1992
- Michel Rousset, la déconcentration, mythe et réalité, REMALD, N°: 9,1994
- Mohamed amine Ben Abdellah, contribution à la doctrine du territoriale au Maroc Vel 2 REMALD, collection manuels et travaux universitaires, N°:77, 1ère édition, 2008
- – رشيد ملوعي، تطوير نظام اللاتمركز رهان حتمي لخيار الجهوية المتقدمة، المجلة المغربية للدراسات القانونية و الاقتصادية، عدد مزدوج : 2-1 يناير، 2017 ، ص : 44. ↑
- – Michel Rousset, la déconcentration, mythe et réalité, REMALD, N°: 9,1994, p: 46. ↑
- – خليل اللواح ، ميثاق اللاتمركز الإداري بين الفعالية والمحدودية ، مجلة البوغاز للدراسات القانونية والقضائية العدد 1 ، يوليوز 2019، ص : 57. ↑
- – المصطفى قريشي، ملاءمة نظام اللاتمركز الإداري بالمغرب مع متطلبات الجهوية المتقدمة ، مطبعة دار السلام، الرباط، الطبعة الأولى، 2017 ، ص : 29 ↑
- Olivier Diederichs et Ivan luben: la déconcentration, imprimerie Presses Universitaires de France, Paris, 1ére édition 1995, p: 24. ↑
- – المصطفى قريشي، ملاءمة نظام اللاتمركز الإداري بالمغرب مع متطلبات الجهوية المتقدمة، مرجع سابق، ص : 130 ↑
- عماد ابركان التنمية الترابية بالمغرب بين الخصوصية ومتطلبات الدعامة مجلة الشؤون القانونية والقضائية، العدد الثاني، يناير، 2017 ، ص : 189. ↑
- – عماد ابركان ، نفس المرجع، ص : 191. ↑
- – حميد أبولاس، ضرورة تلازم اللامركزية باللاتركيز الإداري لتعزيز التقائية السياسات العمومية الترابية وإنجاح ورش الجهوية المتقدمة ، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 152 ، ماي – يونيو 2020، ص : 109 ↑
- – المصطفى قريشي، ملاءمة نظام اللاتمركز الإداري بالمغرب مع متطلبات الجهوية المتقدمة، مرجع سابق، ص 131. ↑
- . Michel Rousset, la déconcentration, mythe et réalité, op.cit, p: 46. ↑
- – رشيد ملوعي، تطوير نظام الانتمركز رهان حتمي الخيار الجهوية المتقدمة المحلة المغربية للدراسات القانونية والاقتصادية، ص : 44. ↑
- . Lahcen Brouksy, la déconcentration ses mécanisme et ses limites », publication la revue marocaine de finance publique et d’économie, N°: 8, 1992, p: 64. ↑
- مقتطف من خطاب الملك الموجه إلى المشاركين في الملتقى الوطني حول الجماعات المحلية بأكادير سنة 2006 ، أنظر أيضا المصطفى قريشي، ملاءمة الالتمركز الإداري بالمغرب مع متطلبات الجهوية المتقدمة، مرجع سابق، ص : 138. ↑
- – مقتطفات من الخطاب الملكي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، بمناسبة الذكرى الثامنة لتربع على العرش ، يوم الاثنين يوليوز 2007، بمدينة طنجة. ↑
- مقتطفات من الخطاب الملكي الذي وجه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، بمناسبة الذكرى الثالثة والثلاثون للمسيرة الخضراء، يوم 6 نونبر 2008. ↑
- المصطفى قريشي، ملاءمة الالتمركز الإداري بالمغرب مع متطلبات الجهوية المتقدمة، مرجع سابق، ص : 399. ↑
- Jamal Machouh la diplomatie décentralisée, radioscopie de la coopération entre les régions Provence Alpes côte d’azure (France) et Tanger, Tetouan (Maroc), REMALD. N° 101 Novembre – décembre, 2011, p.p: 41-4 ↑
- المصطفى قريشي، ملاءمة الانتمركز الإداري بالمغرب مع متطلبات الجهوية المتقدمة، مرجع سابق، ص : 136 ↑
- Olivier Diederichs et Ivan luben: la déconcentration, op.cit, p: 25 ↑
- المهدي بنمير، اللامركزية والشأن العام المحلي أية آفاق في ظل المفهوم الجديد للسلطة سلسلة اللامركزية والجماعات المحلية، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش، الطبعة الأولى 2000، ص : 188 ↑
- Michel Rousset, la déconcentration, mythe et réalité, op.cit, p:44 ↑
- Mohamed amine Ben Abdellah, contribution à la doctrine du territoriale au Maroc Vel 2 REMALD, collection manuels et travaux universitaires, N°:77, 1ère édition, 2008, p.p: 225-269. ↑
- المصطفى قريشي، ملاءمة الانتمركز الإداري بالمغرب مع متطلبات الجهوية المتقدمة، مرجع سابق، ص : 368. ↑
- المصطفى قريشي، نفس المرجع ، ص : 369 ↑
- – المادة 3 ، مرسوم رقم 2.17.618 صادر في 18 من ربيع الآخر 1440 الموافق لـ 26 دجنبر 2018، بمثابة ميثاق وطني للاتمركز الإداري، جريدة الرسمية عدد 6738، الصادرة بتاريخ 19 ربيع الآخر 1440 الموافق لـ 27 دجنبر 2018 ↑
- – هدى قشاش مساهمة الانتركيز الإداري في فعالية التدبير العمومي، رسالة لنيل شهادة الماستر في القانون العاب جامعة محمد الخامس بالرباط كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – السويسي السنة الجامعية 2018 – 2020، ص : 31 ↑
- – الراحي العياشي إصلاح الانتمركز الإداري بالمغرب، رسالة لنيل شهادة الماستر في القانون العام، جامعة محمد الخامس بالرباط كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – أكدال، السنة الجامعية 2018 – 2019، ص : 96 ↑
- – هدى قشاش، مساهمة الالتركيز الإداري في فعالية التدبير العمومي، مرجع سابق، ص : 44. ↑
- – مكاوى تصير، تدبير مالية الجماعات الترابية، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط، الطبعة الأولى 2011 ، ص 141. ↑
- – المصطفى قريشي، ملاءمة اللاتمركز الإداري بالمغرب مع متطلبات الجهوية المتقدمة، مرجع سابق، ص : 71. ↑
- – الراجي العياشي، إصلاح الانتمركز الإداري بالمغرب، مرجع سابق، ص 98. ↑
- – نفس المرجع، ص : 100 ↑
- – المصطفى قريشي، ملاءمة الانتمركز الإداري بالمغرب مع متطلبات الجهوية المتقدمة، مرجع سابق، ص : 104 ↑
- – المادة 27 من مرسوم ميثاق الانتمركز الإداري ، مرجع سابق . ↑
- – عبد الرفيع زعنون، تكبير التنمية الترابية بالمغرب ” دراسة مقارنة “، مطبعة الأمنية، الرباط، الطبعة الأولى، 2020.، ص : 104. ↑
- – محمد أحجام، تدبير المجال في ضوء السياسة الجديدة للتمركز الإداري الفاعلون والعلاقات مجلة آراء للعلوم الإنسانية والاجتماعية والقانونية عند خاص حول الأدوار التنموية للجماعات الترابية بالمغرب ، العدد الأول، 2019 ، ص : 163 ↑
- – عبد الرفيع زعنون، تدبير التنمية الترابية بالمغرب ” دراسة مقارنة “، مرجع سابق، ص : 105 ↑
- – El Habib El Alami, le contrôle des collectivités territoriales au maroc: quel rôle pour le ministère de I ‘intérieur ? REMALD, numéro double 122-133, mai – Aout, 2015, p: 133. ↑
- – تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، متطلبات الجهوية المتقدمة وتحديات إدماج السياسات القطاعية، إحالة ذاتية رقم 22 / 2016 ، ص : 74 ↑
- -Michel Rousset, la déconcentration, mythe et réalité op.cit. p: 51. ↑
- – المادة 8 من مرسوم رقم 2.17.538 صادر في 28 شتنبر 2017 المتعلق بتحديد مسطرة اعداد التصميم الجهوي لإعداد التراب وتحينه 205 وتقيمه، جريدة رسمية عدد 6618 ، بتاريخ 2 نونبر 2017 ↑
- – Ahmed Bouachik, la régionalisation avancée dans la constitution marocaine de 2011, op. cit, p: 231. ↑
- – عبد الربيع عنون، تكبير التنمية الترابية بالمغرب” دراسة مقارنة “، مرجع سابق، ص : 106 ↑
- – عادل تميم الجهوية المتقدمة بين إشكالية توزيع الاختصاصات والتأطير الدستورى دراسة مقارنة، مطبعة إفزارن، طنجة، الطبعة الأولى، 2017، ص: 103. ↑
- – محمد أحجام، تدبير المجال في ضوء السياسة الجديدة لالتمركز الإداري، مرجع سابق، ص : 165. ↑
- – عبد الربيع زعنون، تدبير التنمية الترابية بالمغرب ” دراسة مقارنة “، مرجع سابق، ص 107 ↑
- – محمد أحجام، تدبير المجال في ضوء السياسة الجديدة لانتمركز الإداري، مرجع سابق، ص : 165. ↑
- – محمد أحجام، تدبير المجال في ضوء السياسة الجديدة لانتمركز الإداري، مرجع سابق ، ص : 167 ↑
- – عبد الربيع زعنون ، تدبير التنمية الترابية بالمغرب ” دراسة مقارنة “، مرجع سابق، ص : 108 ↑





