في الواجهةمقالات قانونية

الجهوية المتقدمة في ضوء النموذج التنموي الجديد –  نوفل ادروز

نوفل ادروز

طالب باحث في القانون العام والعلوم السياسية

خريج ماستر القانون العام الداخلي وتنظيم الجماعات التربية

عنوان المقال : “الجهوية المتقدمة في ضوء النموذج التنموي الجديد”

 

دعا العاهل المغربي في خطابه بتاريخ 13 أكتوبر 2017 بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثانية من الولاية التشريعية العاشرة للبرلمان إلى إعادة النظر في النموذج التنموي، الذي تبناه العاهل المغربي منذ توليه الحكم بتاريخ يوليوز 1999، والتفكير في إنتاج نموذج تنموي جديد يلبي حاجات المواطنين، ويحد من الفوارق المجالية، ويسهم في تحقيق العدالة الاجتماعية.

وخلال خطاب عيد العرش بتاريخ 29 يوليو 2019، أكد الملك على ضرورة بلورة مشروع تنموي جديد للبلاد قابل للتنفيذ، وقادر على تقويم مختلف الاختلالات التي يشهدها المغرب، مع الحديث عن إحداث لجنة استشارية تعمل على وضع وإعداد تقرير شامل عن الوضع الراهن للتنمية في المغرب.

هذه اللجنة التي عين الملك بتاريخ 19 نونبر 2019 السيد شكيب بنموسى رئيسا لها، كما قام بتعيين أعضاء اللجنة الخاصة بها، والتي تتشكل من 35 شخصية من المسؤولين والخبراء والأكاديميين، الذين لهم دراية واسعة بمختلف الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية.

وفي يوم 25 ماي 2021 وضع رئيس لجنة النموذج التنموي التقرير[1] بين يدي الملك بالقصر الملكي بفاس، وقد تميز هذا التقرير باعتماد مقاربة تشاركية وذلك بتفاعلها مع كافة الأطراف (المؤسسات، الفاعلين الاقتصاديين والمواطنين، …)[2].

وبين ثنايا التقرير، نستشف أن ورش الجهوية المتقدمة أخذ حيزا كبيرا منه، حيث راهن بقوة على الجهة واعتبرها فضاءات حيوية لتنزيل السياسات العمومية، ومصدرا مهما لخلق الثروة المادية واللامادية، كما أن لها دور أساسي في تعزيز التنمية المندمجة والشاملة والمستدامة.

لقد وصل الإصلاح الجهوي ذروته بصدور دستور 2011[3]، حيث جاء في فصله الأول أن “التنظيم الترابي تنظيم لامركزي يعتمد على الجهوية المتقدمة..”، بل جرى تخصيص الباب التاسع كاملا بعنوان ” الجهات والجماعات الترابية الأخرى”، وهذا تعبير صريح يعترف بمكانة الوحدات الترابية في النسق الدستوري المغربي. هذا الإصلاح استكمل ملامحه بصدور القانون التنظيمي 14. 111 للجهات[4] الذي رسم خارطة طريق مفصلة لتنزيل مختلف المشاريع التنموية، وأسند للجهات صلاحيات واسعة تصب في مصلحة المواطنين.

لكن رغم كل هذه المجهودات المبذولة من طرف الدولة المغربية لتنزيل الجهوية المتقدمة تظل غير كافية، أمام تفاقم التفاوتات المجالية والفوارق الاجتماعية التي لاتزال قائمة، واتضح ذلك بشكل جلي أثناء جائحة كورونا وبعدها، حيث عرت –إن صح التعبير-الواقع الاقتصادي المغربي وأزمت الوضع الاجتماعي أكثر مما هو متأزم، وهذا ما حاولت لجنة النموذج التنموي

التركيز عليه في التقرير.

انطلاقا مما سبق، فإن معالجة هذا الموضوع يتطلب منا طرح السؤال المحوري التالي:

ما هي أهم المداخل الكفيلة لإنجاح ورش الجهوية المتقدمة وفق تصورات النموذج التنموي الجديد؟

وفي هذا الصدد، نجد أن لجنة النموذج التنموي قدمت مجموعة من الوسائل لإصلاح تعثر تنزيل الجهوية المتقدمة ويمكن طرحها على الشكل التالي:

  • التسريع في تنزيل الجهوية المتقدمة موازاة مع لاتمركز فعلي
  • تعزيز الموارد المالية للجهة والجماعات الترابية الأخرى
  • النهوض بالتنمية الاقتصادية على مستوى الجهات
  • إعادة هيكلة المجالات الترابية للاستجابة لمتطلبات التنمية

 

أولا: التسريع في تنزيل الجهوية المتقدمة موازاة مع لاتمركز فعلي

في السابق كان ينظر إلى اللاتمركز كبديل للامركزية بمعنى أن اللاتمركز كان يشكل المحرك الأساسي للعمل الإداري، غير أنه بعد صدور القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات والإقليم والجهة في 7 يوليو 2015 أصبح ينظر للاتمركز كنتيجة منطقية وتحصيل حاصل للامركزية، بمعنى تعايش اللامركزية واللاتمركز كل منهم يعمل في نطاق اختصاصه. فالمادة الثانية من الميثاق تنص على أن «اللاتمركز الإداري يعتبر مواكبا للتنظيم التراب اللامركزي للمملكة» مم يشكل اعترافا للجماعات الترابية بدورها الحيوي في إجارة وتسيير الشأن التراب[5].

هذه المواكبة من شأنها خلق ثنائية عضوية إدارية على المستوى المحلي الترابي، حيث وضعت الجماعات الترابية والمصالح اللاممركزة على قدم المساواة. فالمادة الثالثة من المرسوم رقم 618 -17 -2 بمثابة ميثاق وطني تنص على أن «اللاتمركز الإداري قوامه نقل السلط والوسائل» وتم إدخال مبدأ التفريع في توزيع المهام[6].

كما أن المادة الخامسة تؤكد أن الجهة تعتبر «الفضاء التراب الملائم لبلورة السياسة الوطنية للاتمركز الإداري» وتمت تقوية دور والي الجهة الذي أصبح يلعب «الدور المحوري، باعتباره ممثلا للسلطة المركزية على المستوى الجهوي». إذن، إعادة صياغة التنظيم الإداري المبني على اللامركزية واللاتمركز، هو نظام تنظيم الإدارة والمصالح الحكومية والترابية من قبل الدولة «المركزية» والمبني على توزيع وتفويض الاختصاصات بين مختلف أجهزة الإدارة اللاممركزة وأجهزة إدارة اللامركزية[7].

ووعيا بالأهمية القصوى التي يحتلها اللاتمركز الإداري وعلاقته بالجهوية المتقدمة في النقاش العمومي، تدعو لجنة النموذج التنموي إلى تسريع عملية الجهوية المتقدمة، موازاة مع لاتمركز فعلي وإنهاء التلكؤ الذي أخر تطبيقها.

ويجب أن يكون هذا اللاتمركز مرادفا للتفريع، وأن يتماشى مع الخصوصيات الترابية لكل جهة، وأن ينبني على العمل المشترك ما بين الوزارات والقرب، وتنشيط وتعبئة الطاقات التي تزخر بها المجالات الترابية، لهذا الغرض يجب أجرأة التصاميم المديرية للاتمركز بصفة أكثر عزما عن طريق نقل حقيقي للسلطات والوسائل، وليس فحسب عن طريق تفويض التوقيعات..[8].

كما توصي اللجنة بإحداث إدارة خاصة مكلفة بالشؤون الجهوية، لتعزيز دور الوالي فيما يتعلق بالتنسيق بين مصالح الدولة الخارجية لتغذو شريكا حقيقيا لممثلي الجهات.

وبالمناسبة سبق للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن انتقد الإدارة المركزية المغربية في مقاربتها لتدبير مصالحها اللاممركزة، حيث لم تستطع التخلص من الممارسات ذات النزوع المركزي، وظلت تنتهج المقاربة العمودية، وأبدت تمنعا “دوغمائيا” تجاه مسلسل اللاتمركز متذرعة بشتى الأسباب[9].

لهذا فتبني سياسة لاتمركز حقيقية وتمتيع المصالح اللاممركزة بسلطات واختصاصات واسعة خاصة في علاقتها بالجهات، تعتبر ضرورة ملحة قصد إنجاح ورش الجهوية المتقدمة، على اعتبار أن الورش المفتوح يستدعي اليوم وجود مخاطبين أكفاء في مصالح الدولة قادرين على اتخاذ القرار على المستوى المطلوب[10].

 

ثانيا: تعزيز الموارد المالية للجهة والجماعات الترابية الأخرى

كما هو معلوم، أن مالية الجماعات الترابية تحتل مكانة محورية في السياسات العمومية الترابية، باعتبارها الأداة الأنسب لتنفيذ السياسات التنموية على المستوى الترابي، فالعمليات المالية تستجيب لحاجات الساكنة المحلية، وتحقق الأهداف المرجوة. بيد أن الجماعات الترابية لا يمكنها القيام بمهامها دون توفرها على وسائل مادية ومالية، قادرة على تحقيق البرامج التنموية المتوخاة منها.

ولضمان تمويل تنزيل الجهوية المتقدمة، كرست المادة 141 من دستور 2011 مبدأين هامين:

1 تخصيص موارد مالية من الدولة لفائدة الجماعات الترابية حيث نصت على أنه: «تتوفر الجهات والجماعات الترابية الأخرى، على موارد مالية ذاتية، وموارد مالية مرصودة من قبل الدولة»؛

2 اقتران نقل الاختصاصات من الدولة إلى الجهات والجماعات الترابية الأخرى بتحويل الموارد المالية اللازمة لتنفيذها، من خلال التنصيص على أن «كل اختصاص تنقله الدولة إلى الجهات والجماعات الترابية الأخرى يكون مقترنا بتحويل الموارد المطابقة له.[11]«

والملاحظ أن اللجنة في التقرير أوصت بتعزيـز المـوارد المالية للجماعات الترابية، وتنويعها ومشـاركتها فيمـا بينهـا، فضلا عـن تنمية مواردهـا البشـرية.[12]

ويترجم ذلك من خلال الرفع من التحويلات المالية المنجزة من طرف الدولة، موازاة مع نقل الاختصاصات المرتبطة جزئيا بالموارد الضريبية المستخلصة على مستوى كل جهة، وكذا الرفع من الموارد الذاتية للجماعات الترابية من خلال تبسيط وتحسين الجبايات المحلية.

كما يمكن للجهات والجماعات الترابية الأخرى اللجوء إلى الشراكات بين القطاعين العام والخاص، من أجل دعم تنفيذ المشاريع التنموية الجهوية التي تتلاءم مع هذا النوع من التمويل، واعتماد الجهة على صندوق التجهيز الجماعي الذي يجب تعزيز قدراته حتى لا ينحصر دوره في تمويل المشاريع الكبرى، وإنما أيضا في مرحلة تصميم هذه المشاريع وإعدادها تقنيا.

كما تدعو لجنة النموذج التنموي إلى اعتماد ما أطلقت عليه “جهوية الخدمات بالبنيات التحتية” من خلال إسناد بعض الخدمات للجهة كأشغال بناء وصيانة الطرق الإقليمية والجماعية، تصميم التنقل والنقل الجهوي …[13] كما تقترح تعبئة الموارد البشـرية من خلال اعتماد آليات سلسة لإعادة تخصيـص المـوارد البشـرية، انطلاقا مـن الإدارة المركزيـة أو عـن طريـق التعاقـد والتوظيـف المباشـر، من طرف الجماعـات الترابيـة، للخبـرات والكفــاءات التي تحتـاج إليهــا[14].

وتجدر الإشارة أن هذه المقترحات المتضمنة في التقرير، تنسجم بشكل كبير مع توصيات المناظرة الوطنية الأولى للجهوية المتقدمة المنظمة بتاريخ 20 و21 دجنبر2019 بأكادير، حيث أوصى المشاركون فيها على ضرورة مواصلة الدولة مبادراتها لدعم قدرات الجهات في مجال الحكامة والتدبير المالي، والعمل على تنويع مصادر تمويل الجهات عبر حلول مبتكرة من أجل تمويل برامجها الاستثمارية وتحديد حد أدنى مشترك من الاختصاصات التي يتعين البدء بنقلها إلى الجهات، مع إعطاء الأولوية للصلاحيات المرتبطة بمجالات وخدمات تهم مباشرة المواطنين، وتؤدي إلى تحسين مستوى عيشهم.

إجمالا، بات من الضروري تحفيز الجماعات الترابية على تطوير مداخيلها الذاتية عبر نهج حكامة جيدة للجبايات المحلية، وعبر التدبير النشيط لممتلكاتها، وكذلك تشجيع ثقافة التعاون وخلق مجموعات بين الجماعات والشراكات والتعاقدات[15].

ثالثا: النهوض بالتنمية الاقتصادية على مستوى الجهات

للرفع من وتيرة التنمية الاقتصادية، يدعو النموذج التنموي الجديد إلى دعم المقاولات، وخلق فرص الشغل على المستوى الجهوي من أجل إرساء بنية جهوية دامجة للشباب في سوق الشغل، كما ينبغي إحداث صناديق لدعم وتشجيع الأنشطة الاقتصادية الجهوية للنهوض بالاستثمار، وتشجيع العمل المقاولاتي وإرساء مشاريع تنموية واسعة النطاق.

كما تقترح اللجنة إحداث هيئات جهوية تحت مسمى ” السلطات الجهوية للتنمية” تسند إليها إدارة مختلف المشاريع التنموية، وتطوير الجهات لمناطق اقتصادية مرتبطة بالنسيج الاقتصادي، تستجيب لحاجيات وطلبات المقاولات بتنسيق مع مختلف الفاعلين الجهويين، مع تحديد وعاء عقاري ملائم يستجيب لحاجيات الساكنة.

كما يمكن للجهات أن تستفيد من الاقتصاد الاجتماعي كأداة لتعزيز العدالة الاجتماعية، وذلك من خلال إشراك ” القطاع الثالث للاقتصاد” المتمثل في المجتمع المدني، والتعاونيات والمنظمات غير الحكومية، والمؤسسات العمومية والمقاولات المكلفة بالمصالح الجماعية، مع تمكين هؤلاء من مختلف الوسائل والإمكانات الضرورية، وبتآزر مــع النسيج المحلي للمقاولات الصغيـرة جدا والجامعات ومراكز التكوين والبحث-التطوير بالجهـة.

لهذا نجد المادة 82 من القانون التنظيمي للجهة تنص على إنعاش الاقتصاد الاجتماعي والمنتجات الجهوية، من أجل الوصول إلى غاية واحدة: خلق وظائف وتطوير قدر أكبر من التماسك الاجتماعي[16].

فكل المتدخلين في نطاق الاقتصاد الاجتماعي التضامني تبنون المبادئ التي تنبني على الفائدة والنفع الجمعي، وغياب الجانب الذي يهدف إلى الربح أو على الربح المحدود، وذلك في إطار الأرباح التي تجنى والتي يعاد ضخها واستثمرها في مشروع جمعي آخر. ولعل هذا ما يشكل نوعا من الحكامة الديمقراطية، التي تغلب الفرد على رأس المال وتستلزم انخراط كل الأطراف[17].

وكل ذلك من أجل تحقيق الرفاهية الاجتماعية، والتوزيع العادل للثروات بين أفراد المجتمع، إلى جانب النهوض بالتشغيل وترسيخ التنمية المستدامة والعدالة القائمة على التوازن بين الجهات.

رابعا: إعادة هيكلة المجالات الترابية للاستجابة لمتطلبات التنمية

إن الرهان على البعد الترابي الجهوي في تحقيق التنمية، لا يمكن أن يتحقق بالشكل المطلوب، إلا بإعادة النظر في العمليات المرتبطة بتنظيم وتخصيص المجالات الترابية، وملاءمتها مع متطلبات التنمية[18].

لهذا يدعو النموذج التنموي الجديد إلى إعادة تنظيم ترابي متجدد يضع المواطن في صلب السياسات العمومية، ويمكن من توزيع أنجع للخدمات العمومية لتصل إلى أصغر وحدة ترابية “الدوار”.

ويتطلب ذلك الاعتراف بمكانة “الدوار” كوحدة ترابية أساسية، ومكانا تم تحديده وتهيئته، مع الأخذ بعين الاعتبار ديناميات التنمية الخاصة بالمناطق.

ولإضفاء البعد التشاركي على هذا المشروع، تقترح اللجنة إحداث لجن على مستوى الجماعة تضم ممثلين عن مختلف الدواوير، لضمان تمفصل منطقي وحيوي بين أماكن العيش ومستويات اللامركزية الإدارية.

ومن شأن هذه الوسيلة أن تتيح خلق إطار ملائم، لتشجيع وتحديد مبادرات ومشاريع صاعدة من طرف فعاليات المجتمع المدني المحلي، تستجيب لمختلف التحديات والمتطلبات الاجتماعية الترابية.

كما تقترح اللجنة أيضا، ضرورة إعادة التفكير في توزيع الخدمات العمومية بالعالم القروي عبر استثمار “الدائرة” باعتبارها حلقة وسيطة بين الجماعة والإقليم، والارتقاء بمكانتها من مجرد وحدة إدارية كما هو عليه الحال الآن إلى بنية للتنسيق قائمة بذاتها، لتصبح الدائرة وحدة إدارية للقرب ونقطة التقاء في جدلية الاعتماد المتبادل في معادلة المجال الحضري والمجال القروي.

وفي هذا السياق انتقد الأستاذ ” أحمد حضراني” مسألة اعتبار “الدوار” كوحدة ترابية أساسية، وتساءل هل ستدرج في إطار اللاتمركز الإداري أم اللامركزية الترابية؟ لاسيما وأن التقرير استعمل عبارة ” وحدة ترابية”. وإذا كان التقرير يقترح جماعة ترابية أخرى فهذا الأمر خطير –حسب تعبيره- حيث سيؤدي هذا إلى تضخم على مستوى الهياكل الترابية، في الوقت الذي ينادي فيه البعض إلى حذف المجالس الإقليمية نظرا لدورها الباهت، والاكتفاء فقط بمجالس الجماعات –القاعدية- ومجالس الجهات[19].

وباستحضار السياق التاريخي سنجد أن المهدي بنبركة سبق أن نادى في محاضرة له ألقاها في صيف 1957 – بمناسبة تخرج فوج جديد من رجال السلطة من مركز التكوين بأكدال التابع لوزارة الداخلية-، بتدبير شؤون ” العالم القروي” من قبل مجالس قروية في حدود ترابية معينة – تضم عدد معين من السكان، يكون على رأسها منتخب يعبر من خلالها سكانها عن حاجاتهم المحلية، مع توسيع الحريات السياسية للمواطنين من خلال تسيير الفلاحين والتجار والحرفيين شؤونهم بأنفسهم في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والصحية والتربوية، وأن يقتصر دور ممثلي السلطة أي العامل ورؤساء الدواوير والقائد مساعدة المنتخبين فقط في تدبير شؤونهم اليومية[20].

وبهذا المقترح يكون المهدي بنبركة قد نحا في اتجاه إقرار ديمقراطية تقوم على أساس التدبير المحلي لشؤون السكان بأنفسهم من خلال تقسيم ترابي يتم تعريفه وتحديده وتنميطه من منطلق أساسي هو: أن كل دوار أو مدشر أو حي يجب أن يشكل، ويكون موضوع جماعة ترابية محلية، تضم مجموعة من السكان لهم حدود معروفة ومضبوطة، ولهم خصوصيات ومميزات، وقيم اجتماعية وعادات وتقاليد وأعراف وأمجاد، أفرزتها الخصوصيات الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية[21].

صفوة القول، إن مقترح لجنة النموذج التنموي الجديد المتمثل في تسريع التنزيل الفعلي لورش الجهوية المتقدمة، يبقى مجرد رؤية إصلاحية-حالمة ذات طابع استشاري، ولا يمكن تنزيلها بشكل فعلي دون توفر إرادة سياسية من طرف مختلف صناع القرار العمومي على المستويين الوطني والترابي.

هذه الإرادة التي ينبغي أن تترجم من خلال تبني استراتيجية تأخذ مصالح المواطنين كأولوية، وخلق شبكة أو مناخ أنسب للتواصل يشارك فيه مختلف الفاعلين –من بينهم المجتمع المدني – بغية بلورة خارطة طريق لبحث سبل تنزيل أنجع لهذا الورش الملكي الاسترايتيجي، وصناعة قرار عمومي منسجم، يتفاعل بشكل حقيقي مع متطلبات النموذج التنموي الجديد.

[1]  تقريرالنموذج التنموي الجديد: تحرير الطاقات واستعادة الثقة لتسريع وتيرة التقدم وتحقيق الرفاه للجميع، التقرير العام، أبريل 2021، منشور على الموقع الإلكتروني www.csmd.ma.

[2]  هذا ما ورد بملخص المشاورات والمساهمات، راجع موقع لجنة النموذج التنموي.

[3]  دستور المملكة لسنة 2011 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1-11-91 بتاريخ 27 من شعبان 1432 ( 29يوليو (2011، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر بتاريخ 28 من شعبان 1432 ( 30 يوليو 2011.(

[4]  ظهير شريف رقم 1.15.83 صادر في 20 من رمضان 1436 (7 يوليو 2015) بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 111.14 متعلق بالجهات، جريدة رسمية عدد 6380 بتاريخ 6 شوال 1436 (23 يوليو 2015).

[5]  محمد نبيه، الجهوية المتقدمة بين اللامركزية واللاتمركز (الجانب القانوني والمحاسبي)، الطبعة الأولى 2019، ص 252.

[6]  محمد نبيه، الجهوية المتقدمة بين اللامركزية واللاتمركز… ، مرجع سابق، ص 252.

[7]  محمد نبيه، مرجع سابق، ص 252.

[8]  تقريرالنموذج التنموي الجديد، ص 118.

[9]  أنظر تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي، متطلبات الجهوية المتقدمة وتحديات إدماج السياسة القطاعية، إحالة ذاتية رقم 22-2016.

[10]   لحسن ملال وزهير لعميم، متطلبات اللاتمركز الإداري في ظل الجهوية المتقدمة، المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية/ألمانيا-برلين-العدد الرابع عشر شباط-فرابير 2022، ص166.

[11]    ملف المالية المحلية: تكريس فعالية التدبير العمومي، مساهمة الدولة في موارد الجماعات الترابية، مجلة المالية العدد 29-يناير 2016، ص 10.

[12]  تقرير النموذج التنموي الجديد، ص 118.

[13]  تقرير النموذج التنموي الجديد، ص 119.

[14]  تقرير النموذج التنموي الجديد، ص 118.

[15]  ملف المالية المحلية: تكريس فعالية التدبير العمومي، مساهمة الدولة في موارد الجماعات الترابية، مرجع سابق، ص 10.

[16]  محمد نبيه، مرجع سابق، ص 200.

[17]  محمد نبيه، مرجع سابق، ص 200.

[18]  مصطفى بلكوزي، الجهوية المتقدمة رافعة لإنجاح النموذج التنموي الجديد، قراءات متقاطعة حول مكانة ودور الإدارة في التقرير حول النموذج التنموي الجديد، إصدارات المرصد المغربي للإدارة العمومية -يناير 2022، ص 29.

[19]  بمناسبة دورة تكوينية نظمت بمقاطعة المعارف بالدار البيضاء بتاريخ 11 نونبر 2021 بعنوان ” الحكامة الترابية في تنزيل النموذج التنموي الجديد”، من تأطير الأستاذين أحمد حضراني والمختار المنتظم (الدورة متوفرة بموقع اليوتيوب).

[20]  أنظر محمد عابد الجابري، في غمار السياسية: فكرا وممارسة الكتاب الثاني، سلسلة مواقف: 5_8 منشورات الشبكة العربية للأبحاث والنشر 2009، من ص 138 إلى 141.

[21]  راجع عبد الله شنفار، حينما نادت المعارضة العام 1965 باعتبار (الدوار) و(الدشر) جماعة ترابية وسلطة تنظيمية وشخصية اعتبارية، منشور بالموقع الإلكتروني:  https://italiatelegraph.com/news-75841?fbclid=IwAR1g52uy9aTWoN7y4q76FV6dVMJvawZzS_OFr6FsplqeZYEj7LoGj66S6Kk

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى