في الواجهةمقالات قانونية

الديمقراطية التشاركية الترابية

 

الديمقراطية التشاركية الترابية

ذ. يونس ابلاغ: باحث في القانون العام

تقوم الديمقراطية التشاركية الترابية على الارتقاء بالجماعات الترابية لتكون فاعلا أساسيا في مجال تعزيز الحقوق والحريات، باعتبارها شريكا رئيسيا للدولة. وبذلك يجب أن تضطلع الوحدات الترابية بمهمة تنفيذ وأجرأة السياسات العمومية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية على المستوى الترابي.

تشكل الجماعات الترابية إدارة القرب في تدبير الشؤون المحلية والجهوية المتعلقة بتلبية حاجيات المواطنات والمواطنين. وقد انتقلت هذه الهيئات اللامركزية من الوظيفة التقليدية للوظيفة الحديثة القائمة على الديمقراطية التشاركية والمساهمة في مختلف المجالات المرتبطة بالشأن المحلي والجهوي.

فبهدف تقوية مكانة الجماعات الترابية في إعمال الديمقراطية التشاركية، من ضمن أهداف أخرى، عملت السلطات العمومية تفعيلا للفصل 146 من دستور 2011 على إصدار ثلاثة قوانين تنظيمية متعلقة بالجماعات الترابية بمستوياتها الثلاث، والتي تمثلت في كل من القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات والقانون التنظيمي رقم 112.14 المتعلق بالعمالات والأقاليم ثم القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات.

وقد تمَثّل الهدف الأساسي المتعلق بتقوية وتعزيز السلطات العمومية لمكانة الوحدات الترابية في إعمالها للديمقراطية التشاركية الترابية فيما نصت عليه القوانين التنظيمية المذكورة، وفيما أسندته من اختصاصات لهذه الوحدات. إن هذا الإطار القانوني شكل دعامة أساسية لتطبيق الشفافية في التدبير الإداري للجماعات الترابية على اعتبار أنها عنصرا أساسيا لضمان حقوق الإنسان محليا وجهويا.

ولأن القوانين التنظيمية المذكورة قد خولت للمواطنات والمواطنين ولجمعيات المجتمع المدني حق المشاركة في اتخاذ القرارات على المستوى المحلي والجهوي عن طريق تقديم العرائض لدى المجالس المنتخبة، فإن من حق كل مواطن متضرر من قرار صادر عن الجماعات الترابية اللجوء للقضاء للمطالبة بالإلغاء أو بالتعويض عن الضرر الناتج عن هذا القرار.

               في السياق نفسه،

أُعطي للمواطنات والمواطنين الحق في الحصول على المعلومات المتوفرة لدى الجماعات الترابية من خلال إلزامها بإمدادهم بكل المعلومات التي يحتاجونها مع وجوب نشر بعض المقررات والقرارات الصادرة عن الجماعات المعنية كما أوضح ذلك دستور 2011، سايرته القوانين التنظيمية سالفة الذكر.

إن الجماعات الترابية أضحت في شتى المجالات فاعلا رئيسيا لضمان حقوق المواطن بما فيها حقه في حيه وفي مدينته وفي المجال الذي يعيش فيه. فتماشيا مع التزامات الدولة على المستوى الدولي والوطني، ألزمت المنظومة القانونية المعمول بها الهيئات اللامركزية باتخاذ التدابير اللازمة لإعمال حقوق الإنسان التقليدية والحديثة منها كالمتعلقة بالحق في العيش في بيئة سليمة قصد حمايتها من كل الأضرار التي قد تلحق بها، وذلك لضمان محيط بيئي سليم لعيش السكان، وبالتالي فعالية تدخلات الوحدات اللامركزية في إعمال الحقوق المذكورة، آكانت كلاسيكية أو حديثة.

إن الفصل 139 من دستور 2011 سبق له، وبهدف تقوية مكانة المجتمع المدني في إعداد وتتبع برامج التنمية الموضوعة من طرف الجماعات الترابية، أن ألزم مجالسها بوضع آليات تشاركية للحوار والتشاور لتسيير مساهمة الفعاليات المدنية في إعداد وتتبع هذه البرامج. ولهذه الغاية، وتطبيقا للمقتضى الدستوري المشار إليه، كانت المادة 117 من نص القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات واضحة عند تأكيدها على إحداث الجهة لثلاث هيئات استشارية:

– هيئة استشارية بشراكة مع فعاليات المجتمع المدني تختص بدراسة القضايا الجهوية المتعلقة بتفعيل مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع؛
– هيئة استشارية تختص بدراسة القضايا المتعلقة باهتمامات الشباب؛
– هيئة استشارية بشراكة مع الفاعلين الاقتصاديين بالجهة تهتم بدراسة قضايا الجهة ذات الطابع الاقتصادي.

وقد نصت المادة 111 من القانون التنظيمي رقم 112.14 المتعلق بالعمالات والأقاليم على إحداث هيئة استشارية بشراكة مع فعاليات المجتمع المدني تختص بدراسة قضايا العمالة أو الإقليم المتعلقة بتفعيل مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع.

أما القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات،

فأكدت مادته 120 على ضرورة إحداث مجالس الجماعات لهيئات استشارية بشراكة مع الفعاليات المدنية تختص بدراسة القضايا المتعلقة بتفعيل مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع تسمى “هيئة المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع”.

لكن، وإذا كان الأمر كذلك بأن يكون قوام مشاركة المواطن وتدخلات المجتمع المدني في هذا الباب الضغط في إطار القانون على الدولة وعلى الجماعات الترابية لإقرار الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية والتي من المفروض أن تتم بعد أن يحددها ويضبطها مسبقا تصور مشترك حول الارتقاء بالحي والمدينة والمجال، وفقا للأشكال التي تقوم بها الحكومات المحلية في بعض النظم المقارنة بتعزيزها لحماية حقوق الإنسان، بما في ذلك تعميم حقوق الإنسان في الإدارة المحلية وفي الدوائر العامة بغية حصر أفضل الممارسات وأهم التحديات، آلا يجب أن نتساءل ونُساءل المجتمع المدني نفسه في هذا الباب عن مبادراته التي ظلت غائبة، مقارنة مع عدد الجمعيات على المستوى الوطني؟

إن مشاركة المجتمع المدني في إعداد وتنفيذ وتقييم التشريعات والسياسات والقرارات العمومية والبرامج التنموية ومساءلتهم للمرافق والخدمات العمومية أضحت مع مرور الوقت ضرورية، وفي الوقت الحالي واجبة وإلزامية على اعتبار أنه كيف يمكن تصور عيش داخل مجتمع ما منظم ببرامج ومؤطر بقوانين تريدها السلطات العمومية بطريقة لا يريدها المواطن؟ وكيف يمكن لهذه السلطات العمومية أن تعمل على إشراك المواطن دون أن تبادر الفعاليات المدنية من جهتها لذلك؟

إن الفعاليات المدنية يجب عليها أن تتعاقد في كل ما ذكر أعلاه لتكريس المشاركة المدنية في الحكامة المحلية والجهوية. أما السلطات العمومية، فيجب عليها في اتجاه الارتقاء بمكانة المجتمع المدني أن تستثمر كل مبادراته في إطار القانون. كل ذلك بتكثيف النقاش والتشاور والتنسيق مع استثمار آلية العرائض التي يكون الهدف منها مطالبة المجالس المنتخبة بإدراج النقاط التي تدخل ضمن صلاحياتها ضمن جدول أعمالها، وطبعا بالتركيز عن مدى اكتراث هذه الجماعات باعتبارها القريبة من المواطنين في أحيائهم بإقرار الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock