في الواجهةمقالات قانونية

القانون رقم 14.25: هل يدشن إصلاحا حقيقيا للجبايات الترابية أم يعيد إنتاج المركزية المالية؟ د. يونس مليح

القانون رقم 14.25: هل يدشن إصلاحا حقيقيا للجبايات الترابية أم يعيد إنتاج المركزية المالية؟

د. يونس مليح

أستاذ جامعي

مدير مركز ابن خلدون للدراسات والأبحاث الإدارية والمالية

لم يعد إصلاح الجبايات الترابية في المغرب مجرد نقاش تقني يهم المختصين في المالية المحلية، بل أصبح أحد المفاتيح الكبرى لفهم مستقبل الدولة الاجتماعية والجهوية المتقدمة. ففي الوقت الذي يرفع فيه المغرب شعار العدالة المجالية وتقليص الفوارق بين الجهات، ما تزال الجماعات الترابية تواجه تحديًا جوهريًا يتمثل في ضعف مواردها الذاتية وعدم قدرتها على تمويل اختصاصاتها التنموية.

ويأتي القانون رقم 14.25 المغير والمتمم للقانون رقم 47.06 في سياق وطني خاص، يتسم بتسارع تنزيل ورش الدولة الاجتماعية، وتفعيل مخرجات النموذج التنموي الجديد، وإصلاح المنظومة الجبائية، والاستعداد لاحتضان تظاهرات دولية كبرى، وفي مقدمتها كأس إفريقيا 2025 وكأس العالم 2030، وهي رهانات تفرض على الجماعات الترابية توفير بنية تحتية متطورة وخدمات عمومية ذات جودة عالية. لذلك لم يعد السؤال هو: هل نحتاج إلى إصلاح الجبايات الترابية؟ وإنما أصبح السؤال الحقيقي: هل يمثل القانون 14.25 إصلاحا للمنظومة أم مجرد تحسين لآليات تدبيرها؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي تجاوز القراءة التقنية لمقتضيات القانون، والانتقال إلى قراءة استراتيجية تربط بين الجباية، والتنمية، والعدالة المجالية، واللامركزية المالية.

فإلى أي حد يشكل القانون رقم 14.25 تحولا حقيقيا في مسار إصلاح الجبايات الترابية بالمغرب؟ وهل يستطيع هذا الإصلاح أن يساهم في تحقيق العدالة المجالية وتقوية الاستقلال المالي للجماعات الترابية، أم أنه يظل إصلاحا تقنيا يعالج آليات التحصيل دون معالجة الاختلالات البنيوية التي تنتج الفوارق بين المجالات؟

المحور الأول: القانون 14.25… إصلاح إداري يراهن على النجاعة الجبائية

لا يمكن إنكار أن القانون رقم 14.25 يحمل مستجدات مهمة في مجال تحديث الإدارة الجبائية المحلية. فقد جاء استجابة لتوصيات المناظرة الوطنية الثالثة للجبايات، ولتوجهات القانون الإطار رقم 69.19 المتعلق بالإصلاح الجبائي، كما ينسجم مع توصيات اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي التي دعت إلى بناء منظومة جبائية أكثر عدالة وفعالية.

ومن أهم مستجداته نقل إصدار وتحصيل بعض الرسوم، وعلى رأسها الرسم المهني ورسم السكن ورسم الخدمات الجماعية، إلى مصالح المديرية العامة للضرائب، مع إعادة تنظيم الاختصاصات المتعلقة بالتحصيل وتحيين بعض المقتضيات الخاصة بالرسم على الأراضي الحضرية غير المبنية. ويهدف هذا التوجه إلى توحيد قواعد التدبير الجبائي، والرفع من مردودية التحصيل، والاستفادة من الرقمنة وقواعد البيانات المتوفرة لدى الإدارة الجبائية الوطنية.

ويأتي هذا الإصلاح في ظرفية مالية دقيقة؛ إذ تجاوزت ميزانية الاستثمار العمومي بالمغرب خلال السنوات الأخيرة مستويات غير مسبوقة، كما ارتفعت الاعتمادات المخصصة للجماعات الترابية في إطار دعم تنزيل الجهوية المتقدمة والدولة الاجتماعية. وفي المقابل، ما تزال الموارد الذاتية لعدد كبير من الجماعات محدودة، الأمر الذي يفسر استمرار اعتمادها على التحويلات المركزية.

وتؤكد التجارب الدولية أن تحسين التحصيل الجبائي يمثل مدخلا ضروريا لتعزيز المالية المحلية. ففي إستونيا، التي تعد من أكثر الدول رقمنة للإدارة الضريبية، بلغت نسبة التصريح الإلكتروني مستويات تقارب الشمول الكامل، وهو ما ساهم في رفع الامتثال الضريبي وتقليص كلفة التحصيل. كما اعتمدت سنغافورة نموذجًا رقمياً متقدمًا يقوم على التكامل بين قواعد البيانات الجبائية والعقارية، مما حسن مردودية الضرائب المحلية بصورة ملحوظة.

غير أن نجاح هذه التجارب لم يكن مرتبطًا فقط برقمنة الإدارة، وإنما بوجود قاعدة اقتصادية متوازنة بين الأقاليم، وهو ما يقودنا إلى جوهر الإشكال المغربي.

المحور الثاني: بين العدالة المجالية ومركزية الموارد… هل يكفي إصلاح التحصيل؟

تكمن أهمية القانون 14.25 في كونه يحسن أدوات تدبير الجبايات الترابية، لكنه لا يجيب بشكل كامل عن سؤال العدالة المجالية. فالإشكال الحقيقي لا يتعلق فقط بمن يقوم بالتحصيل، وإنما بمن يملك الوعاء الجبائي أصلاً.

فالدار البيضاء والرباط وطنجة تستفيد من قاعدة اقتصادية وعقارية وتجارية واسعة تجعل مواردها الجبائية مرتفعة بطبيعتها، بينما تبقى جماعات كثيرة في المناطق الجبلية والقروية والحدودية محدودة الموارد حتى مع وجود إدارة جبائية أكثر كفاءة. ومن ثم فإن تحسين التحصيل سيؤدي إلى زيادة مداخيل الجماعات الغنية بالدرجة الأولى، ما لم يواكب ذلك نظام أكثر قوة لإعادة توزيع الموارد بين الجماعات والجهات.

وهنا تبرز أهمية المقارنة مع التجارب الدولية. ففي ألمانيا، يقوم نظام Länderfinanzausgleich على إعادة توزيع جزء من الموارد الضريبية بين الولايات، بما يسمح للولايات الأقل دخلاً بتقديم خدمات عمومية بمستوى قريب من الولايات الأكثر ثراء. وفي كندا، يضمن برنامج Equalization تحويلات مالية منتظمة للمقاطعات الأقل قدرة على تعبئة الإيرادات، بينما تعتمد إسبانيا صندوقًا للتعويض بين الأقاليم يهدف إلى تقليص الفوارق الترابية.

أما في المغرب، فإن صندوق التضامن بين الجهات وصندوق التأهيل الاجتماعي يمثلان خطوة إيجابية، إلا أن حجم مواردهما وآليات اشتغالهما لا تزال بحاجة إلى مزيد من التطوير حتى يصبحا قادرين على لعب دور مماثل لما هو معمول به في التجارب المقارنة.

إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في الانتقال من القباض الجماعي إلى المديرية العامة للضرائب، بل في الانتقال من منطق تحصيل الضريبة إلى منطق إنتاج العدالة المجالية. فالجباية ليست مجرد مورد مالي، وإنما أداة لإعادة توزيع الثروة وتصحيح الاختلالات التنموية بين المجالات.

إن القانون رقم 14.25 يمثل دون شك خطوة متقدمة في تحديث المنظومة الجبائية الترابية، وسيكون له أثر إيجابي على تحسين التحصيل وتبسيط المساطر وتعزيز الرقمنة. غير أن نجاحه الحقيقي لن يقاس بعدد الملفات التي ستنتقل إلى المديرية العامة للضرائب، ولا بحجم الإيرادات الإضافية التي سيتم تحصيلها، وإنما بقدرته على الإسهام في بناء نموذج جديد للعدالة المجالية.

فالمرحلة المقبلة تستدعي الانتقال من إصلاح النصوص إلى إصلاح الفلسفة التي تحكم المالية المحلية، ومن منطق توزيع الاختصاصات إلى منطق توزيع الفرص، ومن الجباية كوسيلة للتمويل إلى الجباية كرافعة للتنمية والإنصاف.

وعندئذ فقط، يمكن القول إن المغرب لم يصلح قانونا للجبايات الترابية فحسب، بل شرع في إصلاح نموذج الدولة الترابية برمته، بما يجعل العدالة المجالية ممارسة مؤسساتية يومية، وليست مجرد مبدأ دستوري أو شعار تنموي.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى