بحوث قانونية

تفسير النصوص القانونية

 

                                                                                                              

 

 

تفسير النصوص القانونية

 

 

 

تعتبر القاعدة القانونية تعبيرا عن إرادة المشرع، لذلك فلتطبيقها جيدا يجب استحضار هذه الإرادة. وهي قد تكون واضحة وعندها لا يثار إشكال، لكنها قد تكون غامضة، وهنا يثار الإشكال، بحيث لا يُعرف ما إذا كانت تستوعب النازلة المطروحة أم لا، هنا بالضبط تقوم الحاجة لتفسير إرادة المشرع، أو البحث عن إرادته الحقيقية. وإِنَّ هذا ما نقصده بالضبط عندما نثير مسألة التفسير القانوني، وإن كان هذا الأخير ضروريا حتى في بعض الحالات التي يبدو فيها النص واضحا، لأنه أثناء تطبيقه قد يأخذ أكثر من معنى مما يثير الحاجة إلى البحث عن الإرادة الحقيقية للمشرع.

وبالموازاة مع ذلك، أشار المشرع المغربي في الفرع الأول من الباب الثاني من القسم السابع من الكتاب الأول في قانون الالتزامات والعقود والذي عنونه تحت اسم : " في تأويل الاتفاقات ".[1]

والله عز وجل هو أول مبين لكتابه العزيز لأنه أَعْلَمُ به، فقد قال جل جلاله " كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون"[2] وقال سبحانه " ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تقديرا"[3]

كما ثبت أن الرسول الكريم  في كثير من الوقائع التي عرضت عليه ولم يوح إليه بحكمها استدل على حكمها بطريق القياس، ومن ذلك أن جاءته جارية قالت : يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الحج شيخا، زمنا لا يستطيع أن يحج، إن حججت عنه أينفعه ذلك ؟ فقال لها : أرأيتِ لو كان على أبيك دين فَقَضَيْتِهِ أكان ينفعه ذلك ؟ قالت : نعم، فقال لها : فدين الله أحق بالقضاء.

وتبعا لهذا، فالتفسير عملية لازمت الظاهرة القانونية منذ ظهورها، فلقد اشتهر بها الإغريق والرومان، كما اشتهر بها الفقه الإسلامي، هذا لأن التفسير هو أحد أاااوسائل المعرفة، استعملت لفهم النصوص القانونية مثلما استعملت لفهم النصوص الدينية.

ويتضح مما سلف، أن التفسير يقتصر على النصوص المكتوبة التي يعبر من خلالها المشرع عن إرادته، والنصوص المكتوبة هي بطبيعة الحال التشريع. لذلك كان محط تفسير فقهاء متخصصين وقضاة، مما يثير طرح مجموعة من التساؤلات من قبيل ما المقصود بالتفسير؟ وماهي أسبابه ودواعيه؟ وما هي الوسائل والطرق التي يعتمدها في إجلاء معاني النص ودلالاته؟ وما هي أنواعه ومختلف مدارسه؟

للإجابة على هذه التساؤلات وغيرها ارتأينا تقسيم هذا الموضوع إلى :

المبحث الأول: ماهية التفسير

المبحث الثاني : أنواع التفسير ومدارسه

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التصميم المعتمد :

A

المبحث الأول: ماهية التفسير

   المطلب الأول: مفــهوم التفسير

           الفقرة الأولى : تـعريف التفسير

          الفقرة الثانية : نطاق التفسير

   المطلب الثاني: دواعي التفسير وطرقه

          الفقرة  الأولى : دواعي التفسير

         الفقرة الثانية : طرق  التفسير

المبحث الثاني : أنواع التفسير ومدارسه

   المطلب الأول : أنواع  التفسير

          الفقرة  الأولى  : التفسير التشريعي

         الفقرة  الثانـــية  : التفسير القضائي

         الفقرة الثالثة : التفسير الفقهي

   المطلب الثاني : مدارس  التفسير

         الفقرة  الأولى  : مدرسة الشرح على المتون

        الفقرة  الثانـــية  : المدرسة التاريخية

        الفقرة الثالثة : المدرسة العلمية

A

المبحث الأول : ماهية التفسير

إن التفسير القانوني في إطار مفهومه العام يعني أن القاعدة القانونية المراد تفسيرها يكتنفها الغموض، ولذلك يسعى المشرع إلى توضيحها. وللوقوف على المعنى الدقيق لماهية التفسير القانوني يجب أولا أن نحدد مفهومه وذلك في المطلب الأول، على أن نخصص المطلب الثاني لتبيان أهم دواعي التفسير وطرقه.

المطلب الأول : مفــهوم التفسير

سنحاول من خلال هذا المطلب أن نحدد المقصود من التفسير وذلك في فقرة أولى، ثم لنخلص في فقرة ثانية إلى نطاق التفسير.

 

الفقرة الأولى : تـعريف التفسير

 

أمام هذا الاختلاف والتنوع في تحديد المقصود من التفسير يمكن أن نورد بعضا من هذه التعاريف على أساس أن نتوصل إلى تعريف نعتمده على الأقل كمنطلق لعرضنا هذا.

ومن تم، يقصد بالتفسير في اللغة مطلق التبيين، إذ يقال فسر الشيء يفسره، أي أبانه[4]

ويعرف التفسير في الاصطلاح القانوني حسب رأي صلاح الدين زكي بأنه :

" تحديد المضمون الحقيقي للقاعدة القانونية بالكشف عن مختلف التطبيقات التي تنسحب عليها أحكامها وإيضاح ما غمض من هذه الأحكام واستكمال النقص فيها ورفع ما قد يبدو في الظاهر من التناقض بين أجزائها أو يلوح من التعارض بينها وبين غيرها من القواعد القانونية "[5].

وهو كذلك تبيين معنى القاعدة القانونية المتضمنة في نص مكتوب، وتحديد المعنى الذي تتضمنه القاعدة القانونية وتبيين نطاقها، حتى يمكن مطابقتها على الظروف الواقعية التي يثار بصددها تطبيق هذه القاعدة، وهو أيضًا الاستدلال على الحكم القانوني وعلى الحالة النموذجية التي وضع لها هذا الحكم من واقع الألفاظ التي عبر بها المشرع عن ذلك.

وأمام صعوبة إيجاد تعريف جامع مانع للتفسير، مما تولد عنه خلاف بين فقهاء القانون، وانقسم هؤلاء في تحديدهم المقصود من التفسير إلى تيارات ومدارس يمكن التمييز فيها بين اتجاهين :

أولا : المفهوم الضيق أو المحدود

 يقصد بالتفسير بالمفهوم الضيق أو المحدود هو إزالة غموض النص وتوضيح ما أبهم من أحكامه، ووفقًا لهذا التصور فإن التفسير لا يقع إلا في حالة غموض النص ولا شأن للتفسير بنقص النصوص أو قصورها أو تعارض أجزاء القانون ، لأن هذه الأمور، حسب وجهة النظر هذه، من اختصاص المشرع لا المُفسر.
      ثانيا : المفهوم الواسع للتفسير

 حيث يقصد به في نظر أصحاب هذا الاتجاه، توضيح ما غمض من ألفاظ النصوص القانونية، وتقويم عيوبها، واستكمال ما نقص من أحكام القانون والتوفيق بين أجزائه المتعارضة وتكييفه على نحو يجاري متطلبات تطور المجتمع وروح العصر. والتفسير بهذا المعنى يلازم تطبيق القانون، سواء كان النص واضحا أو غامضا.[6]

وهو إجراء منهجي تستطيع بواسطته سلطة مختصة أن تبسط حكم أو مجموعة أحكام غامضة أو عنصر من عناصر القاعدة الواجبة التطبيق.

وهذين المفهومين أعلاه يمكناننا من استخلاص مجموعة من المعاني :
 التفسير عملية ذهنية تهدف إلى استخراج النص أو المضمون الحقيقي لقاعدة معينة.
 التفسير يعني وجود اصطلاح مطلوب اكتشاف واستخراج المحتوى الذي يتضمنه .
 التفسير يقتضي وجود سلطة عامة تضطلع عليه وكذلك وجود حكم غامض ومبهم يتطلب التفسير

 

الفقرة الثانية : نطاق التفسير

 

  التفسير لا يرد إلا على التشريع المكتوب، بحيث تعد الكتابة شرطا لقيامه[7] والمقصود

بالتشريع جميع القواعد والنصوص القانونية الصادرة عن سلطة الدولة.

وفي مقابل التشريع نجد العرف والمبادئ العامة للقانون وغيرها، حيث أجمع الفقه على عدم

إخضاعها للتفسير لكون العرف يعمد القاضي لتأكد من وجوده فقط حيث أن الأمر يتعلق في هذه

الحالة بمسألة الإثبات لا غير، في الوقت الذي يتوصل إلى المبادئ العامة للقانون عن طريق الاجتهاد مما يجعله في غنى عن تفسيرها.[8]

المطلب الثاني : دواعي التفسير وطرقه

إن تحديد المقصود بالتفسير بدقة وشمولية لا يستقيم إلا بمعرفة الأسباب الداعية إليه (الفقرة الأولى)، والطرق التي يمكن للمفسر أن يسلكها في تفسيره للنص القانوني (الفقرة الثانية).

 

الفقرة الأولى : دواعي التفسير

 

إن الأسباب الداعية للتفسير كثيرة ومتنوعة لا يمكن الوقوف عليها في عرض مصغر كهذا،

مما يلزمنا الاقتصار على دراسة الأهم منها. وعليه سنقف على نوعين من الأسباب هي: الأسباب الداخلية المتعلقة بذاتية النص (أولا)، والأسباب الخارجية الراجعة إلى الظروف والسياق الذي سن فيها النص القانوني (ثانيا).

 

أولا : الأسباب الداخلية

 1- الخطأ المادي أو المعنوي :

وهو كل تشويه مادي أو معنوي لصياغة النص، بحيث لا يستقيم النص إلا بتصحيح هذا الخطأ.

2 – الغموض أو الإبهام :

ويقصد به عدم وضوح عبارات النص، بحيث يجعله يحتمل أكثر من معنى، ودور المفسر في هذه الحالة اختيار المعنى الأكثر صحة والأقرب إلى الصواب من بين باقي المعاني الأخرى، وكمثال على الغموض الذي قد يشوب النص القانوني مصطلح الليل الذي ورد ذكره في الفصل 510 من القانون الجنائي المغربي[9] حيث يشدد المشرع المغربي من خلال مقتضى هذا الأخير العقوبة على السرقة الواقعة ليلا، ومن تم، فإن لفظ "الليل" له معنيين، إما تخييم الظلام حسب العامية، أو الفترة الممتدة بين غروب الشمس وشروقها من منظور علم الفلك[10].

3 – النقص والسكوت :

لا يمكن أن يتسم النص القانوني بالنقصان إلا إذا كانت عباراته خالية من بعض الألفاظ التي لا يستقيم الحكم إلا بها، أو بعبارة أخرى هو كل ما يصيب النص أو النظام القانوني من ثغرات أو فراغات غير مملوءة. وكمثال على النقص الذي قد يصيب النص القانوني الفصل 124 من ق.ج الذي جاء في فقرته الأولى : " لا جناية ولا جنحة ولا مخالفة :

·        إذا كان الفعل قد أوجبه القانون وأمرت به السلطة الشرعية؛

·        …"

 و باستقراء هذا النص يتضح أن المشرع قد اشترط لاعتبار الفعل مبررا قانونا لابد من توافر شرطان هما: أن يكون الفعل قد أوجبه القانون وأمرت به السلطة الشرعية، وباعتماد الواو بدل "أو" في متن النص (… وأمرت به السلطة الشرعية) يكون المشرع قد أوجب توافر الشرطين لا أحدهما فقط[11].

4 – التناقض والتعارض :

ويتحقق هذا السبب في الحالة التي يكون فيها الحكم الدال عليه النص الأول يخالف الحكم الذي يمكن استنتاجه من النص الثاني، حيث إذا لم يكن بالإمكان التوفيق بين النصين وتطبيقهما معا يعتبر النص المتأخر ناسخا للمتقدم.

ونكون أمام هذه الحالة عندما نصادف قاعدتين متناقضتين في معانيهما، وكمثال على ذلك
ما جاء في الدستور الفرنسي عندما يجد القاضي نفسه في قضية الحجاب الإسلامي بين الحرية الدينية والعلمانية كمبدأين لهما قيمة دستورية.

 

ثانيا : الأسباب الخارجية[12]

يمكن إجمال هذه الأسباب في الانتفاض ضد الشكلانية، وتغير وظيفة القانون وتضخم في أدوار أجهزة الدولة، بالإضافة إلى الأدوار الحقوقية للقاضي.

 1- الانتفاض ضد الشكلانية :

هذه الظاهرة التي تم الاعتماد عليها في مجال القانون شكلت عدة مدارس ومناهج جديدة،
وما ميز هاته الأخيرة هو تنكرها للطبيعة الخيالية للتصور الموروث من التقاليد الجوستينية
( نسبة إلى Justinien et Montesquieu) التي كانت تنظر إلى القاضي كمجرد ناقل ينطق كلمات القانون أي أنه يعتمد فقط المنهجية الاستنباطية دون إدخال أي جديد من تقييمه الشخصي. فعلى العكس من ذلك، فإن عملية الاختيار التي يمارسها القاضي بشأن البدائل المعروضة أمامه يعني ممارسة سلطة تقديرية، وهذا لا يقتضي فقط أخذ الحجج المنطقية المجردة بعين الاعتبار، وإنما كذلك الأخذ بعين الاعتبار جميع المجالات.

 2- تغير وظيفة القانون :

يضاف إلى العوامل التي كان لها الأثر على تنامي دور التفسير المتغير الذي طرأ على دور ووظيفة القانون والدولة، فبتدخلها في جميع المجالات جعلها بحاجة لأجهزة قادرة على تكملة تدخلات القانون وإعطائها فعالية عملية.

فالقوانين التي تصدر عنها لم تعد تتخذ طابع الحياد، بل أصبحت تطمح إلى تغيير المجتمع، لذلك أصبحت تحمل عناصر سياسة الدولة فيها.

فهذا المتغير سيزيد من السلطة التفسيرية للقضاة، ويؤدي إلى وضع قوانين جديدة بالارتباط مع اتساع الهامش المتروك للسلطة التقديرية لهؤلاء.

3 – تضخم في أدوار أجهزة الدولة :

إن التغيرات التي طرأت على أجهزة الدولة أصبحت تتسبب في تضخمها، وأصبحت عاجزة عن مسايرة هذه التطورات، فالكثير من القوانين جاءت إما متأخرة أو باتت غير فعالة إذ لم نقل معاكسة للأهداف الاجتماعية التي يفترض أنها تسعى إلى تحقيقها، والكثير من القوانين أيضا تسببت في حدوث الخلط والغموض وفقد الاعتبار لهذا الأخير.

يضاف إلى ذلك فقدان الثقة في هذه الأجهزة مما يؤدي إلى مخاطر الاستبداد ضد المواطن نظرا للتدخل الواسع للإدارة.

أمام قصور الجهازين التشريعي والتنفيذي، بات على كاهل الجهاز الثالث الذي هو القضاء تحديا من أجل صد النزوع التحكمي للإدارة وهو الدور الذي أصبح يعول عليه في ظل هذه المتغيرات الجديدة.

4 – الأدوار الحقوقية للقاضي :

من الظواهر الجديدة التي طفت على الساحة الدولية وأصبحت تفتح آفاقا جديدة لتنشيط آلية التفسير هو انتشار ما أضحى يطلق عليها بحقوق الإنسان التي انتشرت في دول العالم قاطبة، والتي ضمنت دساتيرها نصوصا تتعلق بهذه الحقوق.

من كل هذه المتغيرات الجديدة يتضح لنا أن الأنظمة السياسية والقانونية للدول تتجه وبشكل متسارع نحو إلقاء مهام جديدة ومتكاثرة على القضاء، مما سيتمخض عنه بشكل تلقائي اللجوء إلى الأدوات والمناهج المتعلقة بتفسير النصوص القانونية.

 

الفقرة الثانية : طرق التفسير

 

يعتمد التفسير طرقا متعددة ومتنوعة ميز الفقه فيها بين وسائل وطرق داخلية واخرى خارجية.

         أولا –  الوسائل الداخلية :

1) التفسير اللفظي :

 وهو اعتماد المعاني اللغوية والاصطلاحية لألفاظ النص القانوني بغية الوقوف والكشف عن قصد المشرع[13].

2) الاستنتاج بطريق القياس :

 وهو تطبيق حكم وارد في حالة معينة على حالة أخرى مشابهة لم يرد في حكمها نص، فقياسا على الحديث النبوي الشريف الذي ينص على أن قاتل مورثه لا يرث منه ، أمكن الاستنتاج أن الموصى له إذا قتل من أوصى له فإنه لا يستحق الوصية منه ، وذلك لاتحاد العلة في الحالتين وهي القتل [14].

3) الاستنتاج بمفهوم المخالفة :

ويكون بتطبيق ومنح واقعة غير منصوص عليها في القانون عكس الحكم الذي أعطي لواقعة منصوص عليها فيه لوجود اختلاف في العلة أو لانتفاء شرط من الشروط المعتبرة في الحكم،ومثاله أن يشترط نص لمزاولة مهنة ما الحصول على إذن إداري بذلك، فإن مفهوم المخالفة يقتضي إبطال مزاولة المهنة المشار إليها في غياب الترخيص الاداري[15].

4) الاستنتاج من باب أولى :

وهو تطبيق حكم وارد في حالة معينة على حالة أخرى لم يرد في حكمها نص لا لأن علة الحكم الوارد في الحالة الأولى أو سببه متوفران في الحالة الثانية فحسب كما هو الحال بالنسبة للاستنتاج بطريق القياس. ولكن لأنهما أكثر توافرا في هذه الحالة منهما في الحالة الأولى، ومثال ذلك قوله تعالى في حسن معاملة الوالدين:{ فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما }[16]، ويستنتج من ذلك عدم ضربهما من باب أولى، ومثاله كذلك تحريم الخمر الذي لما له من أضرار على الإنسان، ومن ثم، فمن باب أولى تحريم المخدرات الأكثر فتكا بجسم الإنسان[17].

    ثانيا – الوسائل الخارجية

1 – حكمة التشريع :

هي تحري الغاية النهائية التي يقصدها المشرع من وضع التشريع (كدعم الاقتصاد، رعاية الفئات الضعيفة، منفعة قطاع معين من قطاعات الإنتاج كالزراعة، حماية الأقليات، الحفاظ على أمن المجتمع). مثال: ما المقصود ب "الليل" كظرف مشدد في القانون الجنائي، الظلام الفلكي أم الظلام الفعلي؟ حكمة التشريع تدعو إلى الاعتداد بالظلام الفلكي الذي يسكن فيه الناس ويسترخون.

 

 

2- الأعمال التحضيرية :

وهي مجموعة المذكرات التفسيرية ومناقشات المجالس التشريعية، ومحاضر جلسات هذه المجالس وأعمال اللجان التي تقترن عادة بالتشريعات عند تحضيرها وهذه الوثائق تفيد المفسر لمعرفة قصد المشرع الحقيقي عند وضع النص، ويجب التنبيه إلى أن هذه الأعمال قد لا تعبر عن وجهة المشرع تعبيرا حقيقيا، ولذا فان الرجوع إليها يكون على سبيل الاستئناس[18].

3-  المصادر التاريخية :

في حالة غموض النص الوطني، على المفسر الرجوع إلى القانون الأجنبي الذي يمثل الأصل التاريخي الذي استقي منه النص الوطني. و كمثال لذلك القوانين المغربية التي تم استياقها من الشريعة الإسلامية والقوانين الفرنسية[19].

وختاما يمكن القول بأن التفسير هو عملية كشف وبيان لمقاصد المشرع من سن القاعدة القانونية، واستكمال ما شابها من نقص وعيب، والتوفيق بين ما تعارض من أحكامها وبين هذه الأخيرة وأحكام النصوص الأخرى، وذلك باعتماد أساليب وطرق سلف ذكرها.

المبحث الثاني : أنواع التفسير ومدارسه

إن التفسير باعتباره الأداة التي ترمي لتوضيح القاعدة القانونية وفك الغموض الذي يحيطها ، ارتأينا تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين : الأول سنتحدث فيه عن أنواع التفسير، على أن نقف في الثاني على مختلف مدارس التفسير.

المطلب الأول : أنواع  التفسير

ينقسم التفسير بحسب الجهة التي تقوم به إلى أنواع ثلاثة : تفسير تشريعي، وتفسير قضائي وتفسير فقهي. ونتكلم في كل نوع من هذه الأنواع الثلاثة على التوالي

 

 

الفقرة الأولى : التفسير التشريعي

 

التفسير التشريعي هو الذي يصدر من المشرع في شكل نص لاحق لإزالة غموض أو سد نقص في قانون اختلف في تفسيره وأثير التناقض في أمر تطبيقه، ويسري بأثر رجعي على الوقائع القائمة في ظل القانون المفسر والتي لم تصدر بشأنها الأحكام على ألا يتضمن أحكاما جديدة لم يتضمنها القانون المفسر. فإن تضمنها فإنها تسري للمستقبل فقط[20].

ويعتبر التفسير التشريعي استثناء من الأصل، إذ يفترض في النص التشريعي عند وضعه وضوح معانيه بما تنتفي معه الحاجة إلى تدخل تشريعي لاحق لتفسير النص، هو ملزم للكافة بما في ذلك القضاة بحكم كونه نصا تشريعيا.

 

الفقرة الثانية : التفسير القضائي

هو تأويل القاضي للنص القانوني عند تطبيق أحكامه على القضايا المعروضة عليه، ويواجه

القاضي بحكم وظيفته غموض التشريع ونقصه وعيوبه ومن ثم يعمل على استنباط الأحكام للوقائع لسد النقص ورفع العيوب من النصوص. وبما أن القضاء يواجه وقائع الحياة المتجددة ويتميز

تفسيره للقانون بالطابع العملي فإنه وعبر التاريخ كان عاملا مهما من عوامل تطوير القانون، بل إنه اعتبر مصدرا من مصادر القانون.

وللتفسير القضائي عدة خصائص تجعله متميزا عن باقي أنواع التفسير الأخرى منها ما يلي:

·     هو تفسير عملي وذو طبيعة واقعية، حيث أن القاضي يباشر تفسير القانون بمناسبة تطبيقه للقانون على القضايا الواقعية المعروضة عليه مما يدفعه إلى الملاءمة في تفسيره للنص بين الجانب النظري للنص والجانب الواقعي للنزاع.

·     لا يتمتع بأية صفة إلزامية إلا بالنسبة للواقعة التي صدر من أجلها، ويترتب على ذلك جواز مخالفته وتبني تفسير مغاير له في القضايا الأخرى المشابهة.

·     إن القاضي المفسر ملزم بالتقيد بالحدود التي رسمها له القانون ولا يجوز له الخروج عنها.

·     لا يجوز للقاضي أن يمتنع عن التفسير وإلا اعتبر متنكرا للعدالة وعوقب طبقا للقانون.

ومن الأمثلة على التفسير القضائي نسوق ما ذهب إليه القضاء المدني المغربي بخصوص تفسير الفصل 230 من ق.ل.ع المتعلق بسلطان الإرادة، حيث ذهب في بداية الأمر وقبل إقرار مشروعية الشرط الجزائي بتعديل الفصل 264 من ق.ل.ع سنة 1995 إلى أن الاتفاق على الشرط الجزائي هو اتفاق صحيح ومشروع يجب تنفيذه في أكثر من نازلة[21].

 

الفقرة الثالثة : التفسير الفقهي

هو التفسير الذي يباشره رجال القانون في مؤلفاتهم، وهؤلاء هم أساتذة الجامعات وكبار المحامين و القضاة[22]، حين يتناولون فيها نصوص التشريع بالتحليل بقصد الكشف عن معانيها وما تشتمله من أحكام، وهو مرجع لا غنى عنه للقاضي في تطبيقه للقانون على المنازعات و كذلك بالنسبة للمشرع الذي يلجأ إليه أحيانا لتعديل النصوص وفق ما استقر عليه الفقه. كما أنه تفسير يغلب عليه الطابع النظري بحكم طبيعة عمل الفقيه بتفسيره للنصوص النظرية.

والتفسير الفقهي لا يرتبط بنزاع واقعي فهو غاية في حد ذاته بعكس التفسير القضائي المرتبط

بواقعة معينة.

و يعد التأصيل والتحليل للنصوص التشريعية من قبل الفقهاء، عاملا مساعدا في توضيح

أحكام القانون وبيان أوجه القصور فيه، الأمر الذي يؤدي إلى تبني تلك التفسيرات الفقهية فيما بعد على شكل نصوص قانونية ملزمة.

والتفسير الفقهي يبحث في الأصول والمصادر، مثل وضع التعريفات القانونية وتحليل شروط تطبيق نص معين أو وضعها في حالة خلو التشريع منها صراحة، وكذلك البحث في أركان وعناصر الوقائع المادية مثل أركان العقد وأركان الجريمة، أو انتقاد النصوص القائمة واقتراح البدائل الملائمة.

وهكذا، كان الفقه عبر التاريخ خير مرشد للمشرع والقاضي والمفسر، فغالبا ما يتأثر المشرع

بنظريات الفقهاء ويتبناها في تشريعاته، وغالبًا ما يتبنى القضاة آراء الفقهاء السديدة ويعلنونها من

خلال أحكامهم.

المطلب  الثاني : مدارس  التفسير

تعددت واختلفت الآراء والنظريات الفقهية في تفسير القانون وطرائقه باختلاف النظرة إلى أصل القانون وأساسه، فظهرت مدارس تفسير القانون أهمها مدرسة الشرح على المتون (أو مدرسة الالتزام بالنص)، والمدرسة التاريخية (أو المدرسة الاجتماعية)، والمدرسة العلمية (أو مدرسة البحث العلمي الحر). وسنعرض لهذه المدارس تباعا.

 

الفقرة الأولى : مدرسة الشرح على المتون

ظهرت هذه المدرسة في فرنسا عقب وضع تقنيناتها في مطلع القرن التاسع عشر، حيث بدأ الشراح ينظرون إلى تلك التقنينات نظرة التقديس، ويعتبرونها كاملة مشتملة على كل القانون، فقصروا اهتمامهم على دراسة نصوصها متنا متنا، بل تقيدوا في شرح القانون وعرض موضوعاته المختلفة بترتيب نصوص القانون وأرقام مواده.

فإذا كان النص واضحا في صياغته ولا خفاء في معناه، فيستدل على الإرادة الحقيقية من واقع النص ذاته ومعاني ألفاظه ومفرداته مع إعمال قواعد اللغة، مما يكاد يقتصر معه دور المفسر على التطبيق الآلي للنص، إذ كما يقولون " لا اجتهاد في مورد النص ".

وإذا لم يوجد نص لحالة معينة، وجب البحث عن الإرادة المفترضة للمشرع فيما يتعلق بهذه الحالة وقت وضع التشريع، أي إرادته التي نفترض أنه كان يقول بها وقت وضع التشريع لو أنه أراد وضع قاعدة للمسألة المعروضة والتي لم يوضع لها نص ينظمها.

و تتمثل مزايا هذه المدرسة في أنه يمنع تحكم القضاة ويكفل استقرار ومعنى التشريع وثباته، إلا أنه يعاب عليه أنه يؤدي إلى جمود القانون وعرقلة تطوره وحصره في نطاق إرادة المشرع وقت وضع النصوص.

الفقرة الثانية : المدرسة التاريخية

ظهرت هذه المدرسة في كل من ألمانيا وفرنسا ، ثم بدأ إشعاعها ينتشر في بقية أنحاء العالم بدرجات مختلفة، ويعتمد مذهب هذه المدرسة في مجال التفسير بحتمية عدم التقيد بحرفية وجمود النصوص القانونية بل لابد من تفسير القانون في المحيط الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والتاريخي العام لوقت سن ووضع التشريعات القانونية ، فالمشرع وفقاً لمبدأ تباين النظم الاجتماعية بصفة عامة والقانون بصفة خاصة يتأثر ويتبادل ويتفاعل حتمياً بمعطيات وحوادث الواقع الاجتماعي .
      ويمتاز هذا المذهب بالواقعية والمنهجية العلمية والموضوعية والدقة في التفسير السليم والحقيقي للقانون ، وهذه المدرسة كانت تحتاج إلى مدارس علمية وبحثية أخرى وواقعية لتكملة التفسير القانوني حتى يكون التفسير حيوياً وواقعياً وفعالاً.

      لكن ما يعاب على هذا المذهب أنه فتح مجالاً واسعاً للقاضي أو الفقيه للخروج عن إرادة المشرع الحقيقية تحت حجة تفسير القانون وفقاً لمعطيات اجتماعية جديدة وكان مصيرها مثل مصير الإرادة المفترضة التي نادى بها أصحاب مدرسة الشرح على المتون.

 

الفقرة الثالثة : المدرسة العلمية

أسس هذه المدرسة الفقيه الفرنسي جيني Geney ومؤداها أنه متى كانت إرادة المشرع واضحة لم يصح تأويل القانون أو تحويره، أما إذا وجدت مشاكل لم يعالجها المشرع لسد فراغ تشريعي أو غموض، فيجب البحث عن أفضل حل بانتهاج طريق علمي حر، ويلزم في سبيل ذلك التقصي عن التفسير في مصادر القانون، فإن عدمت هي أيضا وجب أن يتقلد المفسر دور المشرع ويصيغ القاعدة التي تتطلبها الحقائق الواقعية والتاريخية والعقلية والمثالية[23]

خاتمة

 

في الختام، يمكن القول أن دراسة مناهج وأدوات تفسير النصوص القانونية وتطبيقاتها تقتضيها ضرورات متعددة، منها ما هو عملي يتجسد في أنه يعد السبيل لتنفيذ القوانين وتطبيقها، وما هو نظري يثبت في ضرورة امتلاك المفسر لتقنيات تيسر له هذه العملية.

إن هذه الضرورات – العملية والنظرية – هي عدة رجل القانون، فمثلما لكل حرفة عدتها، فإن لرجل القانون عدته التي يشحذ بها النصوص، ليجعلها معبرة ومفصحة عن معانيها، العدة التي يفكك بها تناقضاتها ويزيل عنها ما غمض من ألفاظ وتعابير لتكون قابلة للتطبيق على بينة من كل معانيها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لائحة المراجع

المؤلفات :

– إدريس العلوي العبدلاوي، أصول القانون ج1 : نظرية القانون، دار القلم، 1971

– الشيخ عبد الوهاب خلاف، "تفسير النصوص القانونية وتأويلها"، مجلة المحاماة المصرية، العدد الأول 1950

– رجاء ناجي مكاوي، مدخل للعلوم القانونية، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع الرباط، الطبعة الثانية 2004

– محمد البقالي، المدخل لدراسة القانون، مطبعة اسبارطيل، طنجة، الطبعة الثانية 2003

– نجاة بضراني، مدخل لدراسة القانون، مطبعة النجاح الجديدة ،الدار البيضاء، الطبعة الثانية 2001

– نور الدين أشحشاح، محاضرات في تفسير النصوص القانونية، مطبعة اسبارطيل، طنجة، طبعة 2008-2009

المواقع الإلكترونية :

– الشيخ محمد الأمين، تفسير القانون، منشور بموقع www.barikanet.yoo7.com/t736-topic

 فارس حامد عبد الكريم، الإدارات العامة والتفسير الرجعي للقانون، الجزء الثاني، منشور على الموقع www.iraker.dk

 

 


[1]– وذلك في الفصول من 461 إلى 473 ق.ل.ع

 

[2]– سورة البقرة، الآية 187

 

[3]– سورة الفرقان، الآية 33

 

[4]– الشيخ عبد الوهاب خلاف، "تفسير النصوص القانونية وتأوليها"، مجلة المحاماة المصرية، العدد الأول 1950، ص 3

 

[5]– مشار إليه لدى :

– نور الدين أشحشاح، محاضرات في تفسير النصوص القانونية، مطبعة اسبارطيل، طنجة، طبعة 2008-2009، ص 5-6

 

[6]– فارس حامد عبد الكريم، الإدارات العامة والتفسير الرجعي للقانون، الجزء الثاني، منشور على الموقع www.iraker.dk بتاريخ 17-5-2011 الساعة 12:18

 

[7]– نور الدين أشحشاح، م.س، ص 7-8

 

[8]– نجاة بضراني، مدخل لدراسة القانون، مطبعة النجاح الجديدة ،الدار البيضاء، الطبعة الثانية 2001، ص 282

 

[9]– ظهير شريف رقم 1.59.413 الصادر في 28 جمادى الثانية 1382 (26 نونبر 1962) بالمصادقة على مجموعة القانون الجنائي، الجريدة الرسمية عدد 2460 ص 1253

 

[10]– نور الدين أشحشاح، م.س، ص 25

 

[11]– نجاة بضراني، م.س، ص 292

 

[12]– نور الدين أشحشاح، م.س، من ص 31 إلى 34

 

[13]– محمد لبقالي، المدخل لدراسة القانون، مطبعة اسبارطيل طنجة، الطبعة الثانية 2003، ص 217

 

[14]– الشيخ محمد الأمين، تفسير القانون، منشور بموقع www.barikanet.yoo7.com/t736-topic بتاريخ 19-5-2011 الساعة 22:00

 

[15]– محمد لبقالي، م.س، ص 218

 

[16]– سورة الإسراء، الآية 23

 

[17]– الشيخ محمد الأمين، م.س

 

[18]– نجاة بضراني، م.س، ص 294

 

[19]– نجاة بضراني، م.س، ص 295

 

[20]– فارس حامد عبد الكريم، م.س

 

[21]– قرار المجلس الأعلى عدد 485 بتاريخ 5-10-1987 ملف اجتماعي عدد 6325/85 عدد مزدوج 19-20 ، ص 105

 

[22]– إدريس العلوي العبدلاوي، أصول القانون ج1 : نظرية القانون، دار القلم، 1971، ص 687

 

[23]– رجاء ناجي مكاوي، مدخل للعلوم القانونية، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع الرباط، الطبعة الثانية 2004، ص 321

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق