في الواجهةمقالات قانونية

تقدير نصيب الحمل في الميراث بين الفقه والطب

 

       تقدير نصيب الحمل في الميراث بين الفقه والطب

 

                                                   

  • بوبكر امزياني – محمد محاين

عدل موثق متمرن                                                           عدل موثق متمرن

 

مقدمة:

«وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ {12} ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ {13} ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ 14»[1] صدق الله العظيم

تعتبر مسألة تقدير نصيب الحمل في الميراث من المسائل التي سال فيها مداد السادة فقهاء المذاهب الاربعة حيث فصلوا في هذا الأمر وبينوا الطرق المتبعة للوصول إلى النصيب الشرعي المفترض وقفه للحمل إلى حين انفصاله عن أمه واستهلاله .

إذ أن فريضة الورثة الذين يوجد بينهم حمل وارث تخضع لمجموعة من العمليات الحسابية والافتراضات تنتهي بتوقيف نصيب محدد من الميراث للحمل على اعتبار أن الحمل قد يكون أذكرا، وقد يكون انثا، أو هما معا لأن طرق تحديد جنس الحمل فيما سبق غير متاحة، لكن بفضل التقدم الطبي الآن أصبح بالإمكان تحديد جنس الحمل وهو في بطن أمه.

ونتساءل هنا عن مدى امكانية توظيف تقنيات التقدم الطبي في سبيل الوصول إلى نصيب الحمل في الميراث دون اللجوء إلى العمليات الحسابية التي يتم فيها توقيف نصيب جنسين أو أكثر للحمل.

الاجابة على هذه الاشكالية سيتم وفق مطلبين اساسين على الشكل التالي:

المطلب الأول: تقدير ميراث الحمل بناء على الاجتهاد الفقهي

المطلب الثاني: تحديد نصيب الحمل في الميراث بناء  نتائج الخبرة الطبية

المطلب الأول: تقدير ميراث الحمل بناء على الاجتهاد الفقهي

يراد بالحمل الجنين الذي يكون في بطن امه سواء يكون بعد وضعه وارثا أو حاجبا ولو على أحد التقديرين. ولا يعتبر في عداد الوارثين، ولا في عداد الحاجبين غيره عن الإرث الا بعد ان تضعه أمه حيا. وأن يكون محقق الوجود في بطن أمه حين وفاة المورث. أما من كان مشكوكا في وجوده في بطن أمه أو وضع ميتا فلا يرث ولا يحجب غيره[2].

يشترط في تقدير الحمل شرطان:

أولهما: تحقق وجوده في الرحم حين موت المورث: بأن تلده لأقل مدة الحمل وهي ستة أشهر أو تلده لأكثر مدة الحمل وهي سنة.

ثانيها: أن ينفصل كله حيا حياة مستقرة[3]، ويعرف ذلك باستهلاله صارخا أو عطسه أو بكائه أو حركته حركة طويلة، أما الحركة اليسيرة والنفس اليسير والاختلاج فلا تدل على الحياة، وكذا خروج أكثره حيا لا يعتد به حتى يتم خروجه كله حيا.

ويعطى في توريث الحمل احدى الفرضيتين التاليتين:

أ- أن ينتظر الورثة ظهور الحمل، فإن اتفقوا على ذلك ترك المال دون قسمة الى ظهور الحمل ثم يقسم على الورثة.

ب- ألا ينتظر بقية الورثة ظهور الحمل، فعندئذ نقدر الحمل بالتقديرات أو الحالات التي سنأتي تبيانها في معرض حديثنا، ونقارن بين هذه التقديرات، فالنصيب الأكبر في هذه التقديرات نوقفه للحمل ونعطي أضر الأنصبة لبقية الورثة، فإن ظهر الحمل كما قدرنا اعطيناه الموقوف وإلا أعدناه الى بقية الورثة حسب استحقاقهم.

وسنقسم مطلبنا الى فقرتين، نبرز في الفقرة الأولى مواقف المذاهب الفقهية من حيث الاجازة لمسألة التقدير ومنعه. وفي الفقرة الثانية نوضح فيها الحالات التي يمكن أن يكون عليها الحمل وطرق تقديره.

الفقرة الأولى: موقف المذاهب الفقهية لمسألة تقدير الحمل من حيث الاجازة والمنع

يمكن أن يموت شخص ويكون أحد ورثته جنينا في بطن امه وتكون معه قسمة التركة في حالة من الصعوبة والتجاذبات الفقهية. وتعرف هذه المسألة اختلافا فقهيا من حيث تقسيم التركة، فذهب البعض الى تقدير الحمل وقسمة التركة قبل الوضع، والبعض الآخر لا يقدر الحمل وأرجع القسمة الى حين بيان أمر الحمل. وتنقسم الآراء الفقهية الى مذهبين اثنين:

المذهب الأول: حيث ينادي هذا المذهب بتأخير قسمة التركة الى حين وضع الحمل، وذلك بعد مضي أقل أو أقصى مدة للحمل لمعرفة وضعية الحمل وحالته، وبسبب الشك في شأن الحمل وجهالته وتعدد الاحتمالات في شأنه تعددا يترتب عليه اختلاف كبير في مقدار ارثه وارث من معه، وهو ما يأخذ به المالكية والشافعية.

  • المالكية: توقف القسمة عندهم بجميع أنواعها الى الوضع[4].
  • الشافعية: لا يقدر الحمل عندهم بعدد معين لعدم ضبطه، وعلى هذا فمن لا يختلف ارثه بأي تقدير يعطى سهمه كاملا ويوقف الباقي الى الوضع. ومن كان يختلف قلة وكثرة يعطى الأقل احتياطا، ومن يرث بتقدير دون تقدير فلا يعطى شيئا[5].

المذهب الثاني: يرى عدم تأخير قسمة التركة الى وضع الحمل، بل يوقف مقدار محدد له. وهو ما يسري به العمل لدى الأحناف والحنابلة.

  • الحنفية: يقدرونه واحدا لأنه الغالب والكثير عند النساء ويأخذون كفيلا على الورثة احتياطا[6].
  • الحنابلة: يقدرونه باثنين ويعاملون الورثة بالأضر والحمل بالحظ من تقدير الذكورة أو الأنوثة، أو أحدهما ذكرا أو انثى. فإذا ولد الحمل أخد الموقوف إذا كان قدر نصيبه، وإن كان أكثر منه رد الباقي على مستحقه من الورثة، وإن كان أقل من نصيبه رجع على من كان في نصيبه زيادة من الورثة[7].
  • والقائلون بإجازة التقدير اختلفوا في تحديد المقدار الذي يوقف للجنين وذلك حسب ما تم تبيانه أعلاه. لكن يعتبر المذهب الأول الذي يرى تأخير قسمة التركة حتى تضع المرأة حملها ويظهر وصفه وحاله، وهو الرأي الأقرب للصواب، وذلك لعدة اعتبارات منها أنه قد يكون في تعجيل قسمة التركة ضياع لنصيب الحمل، فقد يهلك نصيبه. وربما يكون في التعجيل غبن للورثة، فمثلا لو اعطينا زوجة المتوفى ادنى سهميها ربما حصل تلف في بقية التركة وتكون الزوجة قد أخدت ما أخدته بوجه مشروع ولا يمكن الرجوع عليها فيحرم بقية الورثة. والاعتبار الاخر أن هذه التقديرات قد تؤدي الى الخطأ لتعددها ونشوب صراعات بين الورثة لجهلهم بها وكيفية العمل بها.

الفقرة الثانية: حالات وطرق تقدير الحمل

أولا: حالات ميراث الحمل

للحمل حالات متعددة في الميراث سنحاول ايجازها في الحالات التالية[8]:

  • إذا كان الحمل محجوبا من الإرث: فلا يتوقف له شيء في هذه الحالة ومثال ذلك مات عن أخ شقيق، وأب، وأم حامل من غير ابيه. فتوزع التركة فورا على الورثة وهم الاب والام والباقي للأخ الشقيق والحمل محجوب بالأب لأنه أخ لأم.
  • ألا يكون معه وارث أصلا أو يكون معه لكنه محجوب: ومثال ذلك مات وترك زوجة ابنه حامل، وله أخ لأم.
  • إذا كان الحمل حاجبا للورثة على أي تقدير أو علي تقدير دون الاخر:

مثال الصورة الأولى التي يكون فيها الحمل حاجبا للورثة على كل حال: كمن مات وترك أخت لأم وزوجة حامل ففي هذه الحالة مهما كان جنس المولود فإنه يكون حاجبا.

مثال الصورة الثانية التي يكون فيها الحمل حاجبا للورثة على تقدير دون الآخر (ذكر أ انثى) كمن ترك أخ شقيق أو لأب أو عم شقيق أو لأب أو ابن عم شقيق أو لأب مع زوجته الحامل، فهنا يكون الحمل حاجبا للورثة على تقدير كونه ذكر، ولكن لا يحجبهم على تقدير كونه انثى.

  • أن يكون الحمل وارثا على كل تقدير ويختلف نصيبه باعتبار الذكورة والانوثة:

كمن مات عن زوجته الحامل وأبيه:

  • فعلى تقدير كونه أنثى فللزوجة الثمن، وللحمل النصف، وللاب السدس زائد الباقي تعصيبا.
  • أما على تقدير كونه ذكر فإن للزوجة الثمن وللاب السدس، وللحمل الذكر الباقي تعصيبا.
  • أن يرث على أحد التقديرين (الذكورة أو الانوثة) ولا يرث على التقدير الاخر: وفيه صورتان

أ- أن يكون الحمل وارثا على تقدير كونه ذكر فقط: كمن مات عن ابن أخ شقيق وزوجة أخ شقيق حامل، فإن كان الحمل انثى كانت بنت أخ شقيق فلا ترث لأنها من ذوي الارحام، وكانت كل التركة موروثة بالتعصيب لابن الأخ الشقيق. لكن لو كان الحمل ذكر فإنه سيكون ابن الأخ الشقيق، ويكون مستحقا لنصف التركة.

ب – أن يكون الحمل وارثا على تقدير كونه انثى فقط: كمن ماتت وتركت زوج، أخت شقيقة، زوجة ابيها حامل. ففي هذه الحالة لو قدرنا الحمل ذكر كان ساقطا لأنه لم يبق له بعد أصحاب الفروض شيء وذلك لأن الزوج يأخذ النصف فرضا، والاخت الشقيقة تأخذ النصف فرضا، وبالتالي لم يبق للحمل الذي هو أخ لأب شيء (حجب استغراق). أما في حالة تقديرنا له أنثى فإن الزوج يأخذ النصف، والاخت الشقيقة تأخذ النصف، والحمل الذي هو أخت لأب تأخذ السدس تكملة للثلثين.

  • ألا يختلف إرثه على أحد التقديرين: سواء كان ذكرا او انثى، ومثال ذلك مات عن أخت شقيقة، أخت لأب، أم حامل من زوج أخر. حيث تأخذ الأخت الشقيقة النصف والاخت لأب السدس والحمل الذي يكون أخ أو أخت لأم يأخذ السدس (لا فرق بين الذكر أو الأنثى).

ثانيا: طرق تقدير ميراث الحمل

إذا كان في الورثة حمل وطلبوا القسمة قبل وضعه ومعرفة حالته من حيث الإرث وعدمه فالذي ينبغي في هذه الحالة الانتظار حتى يعرف مصير الحمل خروجا من الخلاف، ولتكون القسمة مرة واحدة. فإن لم يرضى الورثة بالتأخير والانتظار الى وضع الحمل، فإنه يتم تقسيم الإرث عن طريق تقدير الحمل[9]. حيث يعرف عدة طرق وذلك حسب موقف المذاهب الأربعة من المقدار الذي يوقف للحمل. وسنحاول تبيان عملية القسمة لكل مذهب على حدا.

وسنشتغل على مثال واحد نطبقه على رأي كل الائمة وهو “مات عن أم وزوجة حامل وابن”

  • الشافعية: يعطون كلا من الام والزوجة إرثهما كاملا لعدم اختلافه. فالأم تعطى السدس، والزوجة الثمن لأنهما لا تزدادان عليه شيئا بعد الوضع سواء كان الوضع ذكرا أو انثى واحدا أو متعددا. لأن سهمهما يتقرر بوجود الفرع الوارث، والفرع الوارث ها هنا موجود معهما الا وهو الابن فلا عبرة بمن سيوضع مستقبلا[10].

ويكون أصل المسألة من 24 للأم 4 أسهم وللزوجة 3 أسهم ولا يعطى للابن منها شيئا لعدم ضبط الحمل عندهم في عدد معين حتى يتم الوضع، ويبقى 17 سهما موقوفا الى حين وضع الحمل.

  • الحنابلة: تقسم التركة عندهم بعد الموت، والحمل يقدرونه باثنين ويعاملون بقية الورثة بالأضر، فإن كان الأضر في حقهم اعتبار الحمل انثيين يقدرونه ذلك وإن كان الأضر ذكرين يقدرونه ذلك[11].

وتكون المسألة قد صح أصلها من 72 سهما، صح منها للأم 12 سهما وللزوجة 6 أسهم وللابن 17 سهما، و34 سهما الباقي يوقف الى حين وضع الحمل حيث قدر الحمل بذكرين اثنين.

  • الحنفية: يقدرون الحمل واحد ويأخذون كفيلا على الورثة لاحتمال أن يكون أكثر من واحد[12].

وتكون المسألة قد صح أصلها من 48 سهما للأم 8 أسهم وللزوجة 6 أسهم وللابن 17 سهما و17 سهما الباقي هو المقد لحمل.

  • المالكية: كما أشرنا انفا توقف القسمة عندهم بجميع أنواعها الى الوضع.

المطلب الثاني: تحديد نصيب الحمل في الميراث بناء  نتائج الخبرة الطبية

تحدثنا في المطلب الاول عن الطرق الفقهية المتبعة لتحديد نصيب الحمل من الميراث، وفي هذا المطلب سوف نحاول بتوفيق الله الحديث عن بعض الطرق الطبية لتحديد جنس الحمل ومدى امكانية الاستعانة بتلك الطرق لفرز نصيب الحمل من الميراث بشكل دقيق.

الفقرة الأولى: الطرق الطبية لتحديد جنس الحمل

تحديد جنس الحمل يتم عبر تقنية التصوير بالموجات فوق الصوتية، هذه التقنية تمكن الفريق الطبي من التقاط صور حية للجنين داخل جسم امه، وهي تقنية تشبه الرادار إلى حدٍّ ما، وهذه الطريقة لا تمكن الأطباء من أخذ صورة للحمل فقط، وإنما تمكنه أيضا في تشخيص مشكلات الأعضاء المختلفة من جسم الإنسان، والأوعية الدموية والأنسجة.

وينقسم التصوير بالموجات فوق الصوتية إلى ثلاثة أنواع حسب نوع الحالة المراد تشخيصها، حيث هناك تصوير خارجي وفي هذا النوع يوضع جهاز خاص على طبقة الجلد ويقوم الطبيب المختص بتحريكه لتصوير ما يريد، إما عن طريق أشعة الدوبلر Dopplerالتي بواسطتها يتم تصوير سريان الدم في الأوعية الدموية المختلفة. أو التصوير عن طريق أشعة الإيكو Echocardiograph التي بواسطتها يمكن تصوير سريان الدم في غرفات القلب، وأيضًا في الشرايين المغذية لعضلة القلب.

وهناك تصوير داخلي وفيه يوضع الجهاز الخاص داخل الجسم، مثل التصوير المهبلي الذي يلجأ إليه الاطباء في حالة طلبه من قبل الابوين لمعرفة جنس جنينهما، وهناك أيضا التصوير بالمنظار يتم اللجوء اليه لتشخيص بعض امراض المعدة والجهاز الهضمي.

عموما فالتصوير المستعمل في متابعة الحمل يكون إما خارجيًّا، وفي بعض الحالات قد يلجأ الطبيب إلى التصوير الداخلي خصوصا في بداية الاسابيع الأولى للحمل، لكن بعض الدراسات اثبتت استحالة تحديد جنس الجنين في الاسابيع الأولى من الحمل حيث تكون الاجنة هنا متشابهة في مراحل النمو، وامكانية تحديد جنس الاجنة بشكل دقيق تبدأ من الاسبوع الثالث عشر إلى الاسبوع العشرين حيث يكون الفرق واضحا بين الذكور والاناث في هذه المرحلة.

كما ذهبت إحدى الدراسات الاخرى إلى أن متخصصي التصوير بالموجات فوق الصوتية يمكنهم تحديد جنس الجنين بنسبة 46./. في الاسبوع الثاني عشر، و 80./. في الاسبوع الثالث عشر من الحمل وما فوق .[13]

الفقرة الثانية: تحديد نصيب الحمل في الميراث بناء على تحديد جنسه بالخبرة الطبية

نفترض أن شخص توفي عن زوجة حامل وأم وابن وبنت وترك ما قدره 200 مليون سنتيم، لو اتفق هؤلاء الورثة على ترك قسمة مخلف مورثهم إلى حين وضع زوجة الهالك حملها فلا  اشكال، لكن الاشكال يكون في حالة استعجال الورثة قسمة التركة قبل وضع الزوجة حملها، ففي هذه الحالة لابد من ترك نصيب موقوف للحمل الذي سيولد إما حيا أو ميتا، وتقدير هذا النصيب وتوقيفه للحمل يكون على عدة حالات كما اشرنا الى ذلك في المطلب الأول لكن لابأس لتكرار ذلك لما فيه من فائدة .

في الحالة الأولى يتم فرض على أن الحمل ولد ميتا أو توفي وهو في بطن امه، فلا شيء له في هذه الحالة، وفي الحالة الثانية يفرض له نصيب الذكر، في الحالة الثالثة يفرض له نصيب الانثى، في الحالة الرابعة يفرض له نصيب الذكرين، وفي الحالة الخامسة يفرض له نصيب الانثيين، وفي الحالة السادسة يفرض له نصيب الذكر والانثى جمعا.

المرور من كل هذه المراحل فرضه واقع الحمل الذي لا يعرف جنسه هل هو ذكر أم أنثى، أم هما معا، لكن بفضل التقدم العلمي الآن أصبح من الممكن تحديد جنس الحمل هل هو ذكر أم أنثى بتقنية التصوير بالموجات فوق الصوتية، أو ما يعرف عادة بالتصوير بالسولار، بفضل هذا التقنية الطبية يمكن معرفة جنس الجنين الموجود في بطن أمه منذ الاسبوع الثاني عشر للحمل، وفي بعض الحالات أقل من ذلك، وبدل تقدير وتوقيف نصيب ذكرين، أو نصيب انثيين للحمل يمكن تقليل الضرر على الورثة المستعجلين بالتقسيم ومطالبتهم بإجراء تصوير طبي على حملهم المنتظر لمعرفة النصيب الذي سيتم توقيفه له إلى حين انفصاله واستهلاله بالصراخ أو بالبكاء الخ…

لكن يبقى السؤال المطروح هو مدى شرعية وقانونية تحديد جنس الحمل بالخبرة الطبية لأجل الوصول إلى نصيبه الشرعي في الميراث  ؟

المشرع المغربي لم ينظم في مدونة الأسرة وفي غيرها مدى جواز اخضاع الزوجة الحامل للخبرة الطبية لأجل تحديد نصيب جنينها من الميراث، وبالرغم من سكوت المشرع عن هذا الموضوع إلا أنه نجده تحدث في مواضيع أخرى عن امكانية الاستعانة بالخبرة الطبية  خصوصا في تلك المسائل التي تتعلق بالنسب، كذلك في المسائل التي تتعلق بالتعويضات عن حوادث الشغل والامراض المهنية، لكن هذا لا يعني أن نقيس هذه المسائل على تلك فلكل مسألة خصوصياتها، لهذا لا بد لنا من الوقوف على التأصيل الشرعي لمسألة اللجوء إلى الوسائل الطبية في قضايا تحديد جنس الحمل، وما مدى امكانية توظيف مثل هذه التقنيات في سبيل الوصول إلى نصيب الحمل من الميراث.

مسألة اللجوء الى الوسائل الطبية لتحديد جنس الحمل من الناحية الشرعية انقسم فيها الفقهاء المعاصرين على رأيين اثنين: الرأي الأول ذهب إلى أن الأصل في العمل على تحديد جنس الجنين هو الجواز ولا مانع شرعي يمنع ذلك ومن أبرز الفقهاء القائلين بهذا الدكتور حسان حتحوت[14]، والدكتور يوسف القرضاوي،[15] وأدلتهم في هذا هي أن الأصل في الأشياء الإباحة والحل حتى يقوم دليل المنع والحظر؛ في قول جمهور أهل العلم؛ وليس لدى من قال بمنع العمل على تحديد جنس الجنين دليل يستند إليه فيبقى الأصل محفوظًا مستصحبًا، والدليل الثاني هو أن طلب جنس معين في الولد لا محظور فيه شرعًا. فالله تعالى قد أقرَّ بعض أنبيائه الذين سألوه في دعائهم أن يهب لهم ذكورًا من الولد فاستجاب لهم،. ولو كانت تلك الأدعية سؤالاً عن شيء محرم لكان محرمًا ولمنعه الله تعالى ولما أقرَّه واستجابة ؛ فإن الدعاء بالمحرم محرم. لكن لما جاز الدعاء بطلب جنس معين في الولد، وهو سبب من الأسباب التي تُدرك بها المطالب دل ذلك على أن الأصل جواز العمل على تحديد جنس الجنين بالأسباب المباحة؛ لأن ما جاز سؤاله وطلبه جاز بذل السبب لتحصيله.

الدليل الثالث هو أن النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن السبب الطبيعي الذي يُوجِب الذكور أو الإناث، ففي صحيح الإمام مسلم من حديث ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب اليهودي الذي سأله عن الولد. فقال صلى الله عليه وسلم: “ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فَعَلا مَنِيُّ الرجل  مَنِيَّ المرأة أذْكرا بإذن الله. وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله”[16]. وهذا يفيد أن الأذكار والإناث في الجنين أمرٌ يستند إلى سبب طبيعي معلوم. وليس في الحديث ما يشعر بأنه مما استأثر الله به بل هو كسائر الأسباب الطبيعية التي متى قدر الخلق على إيجادها فقد أدركوا المقدمة التي يمكن أن يصلوا بها إلى النتيجة.

الرأي الثاني ذهب إلى أن العمل على تحديد جنس الجنين لا يجوز ومن أبرز من قال بذلك الدكتور محمد النتشة، والدكتور فيصل مولوي،[17] وادلتهم هي أن العمل على تحديد جنس الجنين يتضمن منازعة الله تعالى في خلقه ومشيئته وما اخْتَص به من علم ما في الأرحام، قال الله تعالى:﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)،[18] ودليلهم الثاني هو القول بجواز تحديد جنس الجنين فيه  إخلال بالتوازن الطبعي البشري في نسب الجنسين الذي أجراه الله تعالى في الكون لحكمة ورحمة. فإن كثيرًا من الناس قد يميل إلى جنس الذكور في المواليد لذلك مما قد يفتح المجال أمام العبث العلمي في خلق الإنسان وتكوينه، وهو أمر اتفق الناس على خطورته  وشؤم عاقبته على البشرية، كما أن طرق كشف الجنين رأي هؤلاء العلماء الاجلاء فيه نوع من  هتك العورات وكشفها وعدم حفظها.

انطلاقا من أدلة الفريقين هذه فإننا نميل إلى ادلة الفريق الأول الذي أجاز مسألة اللجوء للطب لتحديد جنس الحمل نظرا لوجاهتها وقوتها، لأن الأصل في الأشياء الإباحة والحل حتى يقوم دليل المنع والحظر، وبالتالي فتوظيف مثل هذه التقنيات الطبية في سبيل الوصول الى نوع جنس الحمل لفرز نصيبه من الميراث بشكل دقيق ليس فيه ما يدل على منازعة الخالق، بل بالعكس فيه امتثال لأحكام الشريعة الإسلامية السمحاء لما نستعين بمثل هذه التقنيات في توقيف نصيب الحمل المنتظر خصوصا أن في ذلك دفع للضرر على الورثة، فبدل توقيف اكبر نصيب للحمل سيتم توقيف النصيب المناسب له حسب جنسه كما هو محدد في نتائج الخبرة الطبية.

وفي حالة انفصال هذا الحمل عن أمه دون استهلال، أو موته وهو في بطن أمه فإن النصيب الموقوف للحمل تتم إعادة تقسيمه على الورثة بالطرق الشرعية التي بموجبها تم تقسيم الحاصل الأول للتركة.

 

[1]  – سورة المؤمنين الايات 12- 13 -14

 عمر أحمد الراوي، مرجع الطلاب في المواريث على المذهب المالكي، مطبعة دار الكتب العلمية -بيروت-، الطبعة الرابعة 2016، ص 130- [2]

[3] – عواطف تحسين عبدالله البوقري، رسالة لنيل درجة الماجستير في الفقه، جامعة أم القرى / مكة المكرمة، الجزء الأول 1410ه/1990م، ص 210

[4] – عمر أحمد الراوي، مرجع سابق، ص 130

[5] – عمر أحمد الراوي، مرجع سابق، ص 130

[6] – عمر أحمد الراوي، مرجع سابق، ص 130

[7] – عمر أحمد الراوي، مرجع سابق، ص 130

[8] – فضلة حفيظة، ميراث الحمل في الفقه الإسلامي وقانون الأسرة الجزائري، مداخلة في الملتقى الوطني حول الميراث بين النصوص القانونية والاشكالات العملية يومي 3 و 4 ماي 2015، الصفحات 16, 17, 18, 19

[9] – نعمان بن عبد الكريم الوتر، المغني في علم المواريث دراسة حديثية فقهية موسعة، تقديم محمد بن إسماعيل العمراني و عبد المصور العرومي، ص 484

[10] – عمر أحمد الراوي، مرجع سابق، ص 131

[11] – عمر أحمد الراوي، مرجع سابق، ص 131

[12] – عمر أحمد الراوي، مرجع سابق، ص 132

[13]  مقال منشور على هذا الرابط – https://www.almrsal.com/post/296411?fbclid=IwAR2Cy4a3EjU3jggl-6RU2sgqlvjHGwQw -rYb3jjqadknSl0_9rova_3NCLs

[14]  –  المسائل الطبية المستجدة في ضوء 9 الشريعة الإسلامية، سلسلة إصدارات الحكمة – بريطانيا، ط1 ،1422هـ – 2001م، ص231.

[15]  – – هذا الرأي منشور له على موقع القرضاوي net.qaradawi.www://http ،من خلال برنامج الشريعة والحياة – 1                                                            عنوان الحلقة: االاستنساخ وعلم الجنين.

[16]  – رواه الامام مسلم ، كتب الحيض، باب صفة مني الرجل ومني المرأة، رقم 315

[17]  –  المسائل الطبية المستجدة 1/228، اختيار جنس الجنين دراسة فقهية طبية ص 68-72، أعمال الندوة الأولى للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية سنة 1983م، ص 37-44، 94، 349

[18]  – سورة ال عمران الاية 6

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق