في الواجهةمقالات قانونية

دور السلطة التقديرية للقاضي في اثبات واقعة التوقف عن الدفع سليمان فروخ

Oplus_16908288

دور السلطة التقديرية للقاضي في اثبات واقعة التوقف عن الدفع

سليمان فروخ

طالب باحت بسلك ماستر إدارة الشؤون القانونية للمقاولة/ كلية سلا

مقدمة :

ارتبط مفهوم التوقف عنن الدفع منذ القديم بالإجراءات التي تستهدف المدين الذي أخل بالتزاماته وعجز عن الوفاء بديونه. بحيث كان منظما لأول مرة بمقتضى مدونة التجارة الملغاة الصادرة سنة 1913 وبالخصوص في مقتضيات الكتاب الثاني المتعلق بالإفلاس والتفالس والتصفية القضائية وما كان يميزه هو معاقبة وزجر التاجر المفلس وجعل مصلحة الدائنين هي الاجدر بالحماية ولا يعتبر هذا غريبا عن الظروف التي جاء فيها القانون التجاري كألية من اليات بسط الحماية على المغرب وعن مدونة نابليون لسنة 1807 التي اقتبس منها

وتأسيسا على ذلك فإن القانون رقم73.17 القاضي بنسخ وتعويض الكتاب الخامس من القانون 15.95 أتى بجملة من المستجدات المهمة، والتي كانت الغاية من ورائها هي حماية الدائنين، وكذا إيجاد نوع من التوازن الذي كان مفقودا بين مصلحة المقاولة المدينة والدائنين. وأيضا الرغبة في تحسين تصنيف المغرب في ممارسة أنشطة الاعمال doing business المعتمد من طرف البنك الدولي[1]

وهكذا ومن خلال المعطيات التي سقناها سابقا وغيرها الكثير كمدخل لتقديم الموضوع الذي سيكون محطة لدراستنا وبحثنا الا وهو دور السلطة التقديرية للقاضي في اثبات واقعة التوقف عن الدفع، على اعتبار أن هذه الواقعة تعد المحور الأساسي الذي تدور حوله مختلف الأحكام والاجراءات الواردة في نظام صعوبات المقاولة. فهاجس المشرع المغربي الذي عبر عنه من خلال نظام صعوبات المقاولة هو وقاية ومساعدة وإنقاذ وتسوية وضعية هذه الأخيرة، لتفادي حدوث التوقف عن الدفع وذلك نظرا لما يترتب عن هذا الأخير من آثار اجتماعية واقتصادية نتيجة فتح مساطر المعالجة تجاه المقاولة المتوقفة، ولتفادي ذلك وضع المشرع أحكام خاصة لوقاية المقاولة التي تعترضها صعوبات تعرقل استمرار نشاطها واستغلالها.

وقد عرف المشرع المغربي التوقف عن الدفع في المادة 575 من م.ت بالقول بأنه ” تثبت حالة التوقف عن الدفع متى تحقق عجز المقاولة عن تسديد ديونها المستحقة المطالب بأدائها بسبب عدم كفاية أصولها المتوفرة، بما في ذلك الديون الناتجة عن الالتزامات المبرمة في إطار الاتفاق الودي

ومن خلال هذا التعريف أصبحت عناصر واقعة التوقف تتراوح بين: ” تحقق عجز المقاولة عن تسديد ديونها المستحقة” و “عدم كفاية أصولها للوفاء بخصومها “، في حين لم يتعرض المشرع للشروط المطلوبة في الدين محل عدم الاداء، ولا حتى لطبيعته وغيرها المطلوب تحديده ومهما يكن فهي خطوة إيجابية سبق وأن قننها التشريع التجاري الفرنسي الذي كان سباقا في تحديده للتوقف بموجب المادة الثالثة من القانون الصادر بتاريخ 25 يناير 1985 المتعلق بالتسوية والتصفية القضائية[2]

وهكذا تشكل واقعة اتبات التوقف عن الدفع حجر الزاوية في حياة المقاولة المدينة، وذلك على اعتبار انه من النتائج والآثار المترتبة عن التوقف عن الدفع المباشر طلب فتح مساطر المعالجة، وبطبيعة الحال فإن توقف المقاولة عن دفع ديونها، تعني بلوغ المقاولة المدينة إلى مباشرة إجراءات المعالجة القضائية عن طريق تقديم طلب من طرف الأشخاص المكلفين بعبء إثبات حالة توقف المقاولة عن دفع ديونها المستحقة عليها، من تم تبتدئ المقاولة اتخاذ إجراءات تحضيرية سابقة لإعداد الحل المناسب لتقوية وضعية المقاولة، وذلك خلال الفترة الانتقالية وهي فترة تتسم بالتأني والتريث، لأجل تشخيص دقيق لوضعية المقاولة وتسهيل وصف العلاج الملائم لها، والذي قد يكون إما اعتماد مخطط التسوية أو مخطط التفويت وذلك استنادا إلى تقرير السنديك وبعد الاستماع لرئيس المقاولة والمراقبين ومندوبي الأجراء . او قد يصل بها الأمر الى التسوية القضائية ووضع حد لحياتها. لذلك يعتبر موضوع اتبات التوقف عن الدفع وفقا للسلطة التقديرية للقاضي موضوعا هاما وجوهرا يحسم في مصير المقاولة بين ما إذا كانت ستستمر في مساطر الوقاية او ستنتقل الى مساطر المعالجة،

لذلك سنحاول التوقف على كيفية اتبات واقعة التوقف عن الدفع انطلاقا من السلطة التقديرية للقاضي على اعتبار ان المفهوم الحديث الذي تبناه المشرع المغربي هو مفهوم دقيق ينبغي من خلاله الوقوف على الوضعية المالية للمقاولة وبيان مركزها المالي وفي نفس الوقت فقد وسع المشرع المغربي من صلاحيات السلطة التقديرية للقاضي وذلك من خلال الكتاب الخامس من مدونة التجارة، الذي تضمن صياغة مرنة تصب في معنى السلطة التقديرية للقضاء من قبيل ” يمكن للمحكمة، تقرر المحكمة، تحدد المحكمة، أمكن للقاضي المنتدب”، وهي صياغة تتماشى مع طبيعة القرارات التي يتعين على المحكمة اتخاذها أثناء سريان هذه المساطر، بخلاف الصياغة الجامدة التي تقوم على أساس حرمان القاضي من سلطة التقدير عند تطبيق القاعدة القانونية.

وتكمن أهمية موضوع البحث في اعتبار أن ” السلطة التقديرية للقاضي تعد المحور الاساسي الذي يتحكم في اتخاذ القرار اللازم في هذا الشأن، فمن خلالها يتم تحديد وضعية المقاولة وتحديد الاثار القانونية وفق ما يراه القاضي مناسبا، كذلك فأن تطبيق أحكام المساطر الغير القضائية يقتضي أن تكون المقاولة غير متوقفة عن الدفع، وعلى العكس من ذلك فإن المساطر القضائية يشترط لتحريكها ثبوت واقعة التوقف عن الدفع، فجميع المساطر يرتبط تحريكها بواقعة التوقف عن الدفع، لذلك يتعين الوقوف على الدور المحوري الذي تلعبه سلطة القضاء التقديرية في هذا المجال

ومن هذا المنطلق تبرز لنا الإشكالية الجوهرية للموضوع في كيف تلعب السلطة التقديرية للقاضي دورا محوريا في تحديد واقعة التوقف عن الدفع

وفي اطار الغوص في غمار هذا البحت سنعتمد التصميم الاتي :

المطلب الأول _ ماهية السلطة التقديرية وضوابطها

المطلب الثاني _ دور السلطة التقديرية في اثبات التوقف عن الدفع

المطلب الاول : مفهوم السلطة التقديرية وضوابطها

تعد السلطة التقديرية من أهم الآليات التي يعتمد عليها القاضي في أداء مهامه، إذ تمكنه من تكييف الحلول القانونية مع خصوصيات كل نازلة والوقائع المحيطة بها. غير أن منح القاضي ها مشا من الحرية في التقدير لا يعني إطلاق يده دون قيود، بل تظل هذه السلطة محاطة بمجموعة من الضوابط القانونية والقضائية التي تكفل حسن ممارستها وتحول دون التعسف أو الانحراف في استعمالها. لذلك يقتضي الوقوف على مفهوم السلطة التقديرية وبيان الأسس التي تقوم عليها، قبل التطرق إلى أهم الضوابط التي تحكم ممارستها.

الفقرة الأولى : مفهوم السلطة التقديرية

كلمة (السلطة): يراد بها التسلط والسيطرة والتحكم، قال ابن فارس: السين والسلام والطاء أصل واحد وهو القوة والقهر، ومن ذلك السلاطة من التسلط وهو القهر، ولذلك سمي السلطان سلطاناً، والسلطان : الحجة )

والسلطة تدل على القوة والقهر والغلبة، قال تعالى: ولو شاء الله لسلطهم عليكم وقال تعالى: ولكن الله يسلط رسله على من يشاء

والسلطة والسلطان تطلقان على قدرة الملك والحكم والفصل، ومنه يقال جعلت له سلطاناً، أو سلطة على أخذ حقي من فلان، ومناسبة المعنى اللغوي لموقع كلمة السلطة ضمن اللفظة المركبة السلطة التقديرية يتجلى في أن القاضي يسيطر على مجريات القضية ويتحكم فيها وفق تقديره .

كلمة (التقديرية) مشتقة من قدرت الشيء أقدره وأقدره قدراً من التقدير، وقد ذكر أهل اللغة أن التقدير يأتي على عدة معان، فقد جاء في لسان العرب : وقدر كل شيء ومقداره مقياسه، وقدر الشيء بالشيء : قاسه، والتقدير على وجوه من المعاني، أحدها التروية والتفكير في تسوية أمر وتهيئته والثاني تقديره بعلامات بقطعه عليها، والثالث أن تنوي أمراً بعقدك، تقول : قدرت أمر كذا وكذا أي نويته وعقدت عليه، ويقال قدرت لأمر كذا أقدر له إذا نظرت فيه ودبرته وقايسته، وفي الحديث: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له)[3] أي قدروا له عدد الشهر حتى تكملوه ثلاتين يوما[4]

وقد أرجعها ابن فارس إلى معنى واحد وهو مبلغ الشيء وكنهه ونهايته[5]، وهذا المعنى متناسب مع وضع لفظة التقديرية) ضمن اللفظة المركبة (السلطة التقديرية في خصوص مجال البحث وهو القضاء، وذلك لأن القاضي يسعى جاهداً لبلوغ كنه القضية وحقيقتها التي تكنها الأدلة المعروضة فيها، حيث يتصرف في القضية بحسب معطياتها طبقاً لإرادته بمقتضى الولاية المخولة له.

وهكذا يمكن تعريف السلطة التقديرية فقها على انها صلاحية يتمتع بها القاضي للقيام بعمله بالتفكر والتدبر بحسب النظر والمقايسة لإقامة شرع الله في الأمور المعروضة أمامه في جميع مراحلها ابتداء من قبول سماعها، إلى تهيئتها لإثبات صحتها أو كذبها، إلى الحكم عليها، واختيار الطريقة المناسبة لتنفيذ الحكم، مع مراعاة أحوال المتقاضين في جميع مراحل الدعوى لأهميته وأثره في الحكم القضائي[6]، وبهذا التعريف يتبين أن السلطة التقديرية متلازمة مع السلطة القضائية، فكل من تولى القضاء فقد منحه الإمام أو نائبه سلطة تقديرية للوصول إلى الحكم القضائي الصحيح.

اما في القانون فالــسلطة التقديريــة للقاضــي هــي فــي حقيقتهــا نــوع اجتهــاد يــصدر منــه، فــلا يخرج اعمال السلطة التقديرية عن ان يكون اجتهـــادا يجريـــه القاضـــي ومــع التقــدير الــذي يحكــم بــه أو يكــون طريقــا للوصــول للحكــم الموافــق للواقعــة هــذا فــإن النــاظر فيمــا كتبــه الفقهــاء يــرى أن المتقــدمين مــنهم لــم يــستعملوا هــذا المـــصطلح فـــي كتـــبهم المدونـــة، فهـــو مـــصطلح حـــادث الاســـتعمال، واســـتعمله القــانونيون فــي العــصور المتــأخرة وعــنهم أخـــذه مــن كتــب فــي فقــه القــضاء مــن المتــــأخرين. وغنــــي عــــن الــــذكر أن عــــدم ورود هــــذا الاصــــطلاح الحــــادث لا يعنـــي عـــدم تقـــرر معنـــاه عنـــد الفقهـــاء المتقـــدمين، فـــإن الفقهـــاء عرفـــوا الـــسلطة للفقهــــاء وتعـــاملوا معهـــا واقعـــا وان لـــم يطلقـــوا عليهـــا هـــذا الإطـــلاق

فيــرى الباحــث مــصطلحات يوردهــا الفقهــاء تــدل علــى هــذا المعنــى، مــن قبيــل قـــــولهم: وذلـــــك راجـــــع إلـــــى تقـــــدير القاضـــــي، أو إلـــــى اجتهـــــاده، أو حـــــسب اجتهــاده، أو بمــا يــراه القاضــي

فــالاعتراف بالــسلطة التقديريــة حاضــر دومـــا، سواء في كتب الفقه المتقدمة والمتأخرة على السواء [7].

الفقرة الثانية : ضوابط السلطة التقديرية ومصادرها

رغم ما تتمتع به السلطة التقديرية من مرونة تخول للقاضي أو الجهة المختصة حرية التقدير، فإن هذه السلطة لا تمارس بشكل مطلق، بل تبقى مقيدة بمجموعة من الضوابط القانونية والواقعية التي توجهها وتحد من التعسف في استعمالها. لذلك فالقاضي يتقيد بمجموعة من المبادئ في اعمال سلطته التقديرية

اولا : السلطة التقديرية لا تعارض نصاً

من الضوابط المهمة في السلطة التقديرية أن القاضي لا يحق له أن يخالف نصاً صريحاً، سواء أكان ذلك النص شرعياً أم قانونياً، فلا يجوز للقاضي أن يجتهد في مورد النص فقد قرر الفقهاء هذه القاعدة بقولهم : لا مساغ للاجتهاد في مورد النص[8]، والمقصود بالنص هنا القرآن والسنة الثابتة والإجماع عموما، والمقصود بالنص الذي لا مساغ للاجتهاد معه هو المفسر والمحكم من القرآن والسنة.[9]

اما من الناحية القانونية فان القاضي في اطار اعمال سلطته التقديرية لا مجال له للخروج عن ما نص عليه القانون بالبرجوع لمدونة التجارة بمقتضى المادة 2 والتي تنص على : يفصل في المسائل التجارية بمقتضى قوانين وأعراف وعادات التجارة أو بمقتضى القانون المدني ما لم تتعارض قواعده مع المبادئ الأساسية للقانون التجاري.. ومن هذا المنطلق فان القاضي التجاري هنا لا يمكن له اعمال سلطته التقديرية خارج هدا الاطار فقد بينت هذه المادة أن القاضي يتقيد ابتداء بما نص عليه القانون، فلا يحق له مخالفته بالسلطة التقديرية، وهذا يدل على أن محل السلطة التقديرية في الفقه والقانون في فهم النص، وفي الاجتهاد عند عدم وجود النص.

ثانيا : مراعاة عدم الانحراف باستعمال السلطة التقديرية

يقصد من القضاء إعطاء كل ذي حق حقه، وأن الانحراف في استعمال السلطة التقديرية يؤدي إلى هدم ذلك الهدف السامي، والمقصود بالانحراف أن نشاطا معينا كان من الواجب أن يصل إلى هدف معين ، فحاد عنه لسبب أو لآخر، فالواجب على القاضي أن يستعمل السلطة التقديرية وفقا للمصلحة المرجوة منها. وقد قرر الفقهاء قواعد توضح ذلك المقصود وتلك المصلحة منها قولهم: «القاضي مأمور بالعدل»، وقاعدة تصرف الإمام منوط بالمصلحة ، فاستعمال السلطة التقديرية يكون وفق المصلحة لا التشهي، ولذلك أجمع الفقهاء على حرمة الحكم بالهوى [10]

ثالثا : بناء الأحكام على الأدلة المقدمة

يجب أن يكون باعث السلطة التقديرية مشروعا، فالباعث لإرادة القاضي لم ينحرف عن الغاية الموضوعية التي يهدف إليها القانون، وذلك من خلال تقييد محل السلطة التقديرية بواقع النزاع المعروض، فلا يجوز للقاضي أن يفترض وقائع غير مطروحة أمامه ويبني عليها احكامه[11]

وهو ما يستفاد من مجموعة من النصوص القانونية كما جاء في المادة 577 في احد فقراتها يمكن للمحكمة، في جميع الاحوال، أن تأمر مباشرة بأي إجراء تراه مفيدا للتأكد من توقف المقاولة عن الدفع، بما في ذلك الاطلاع، على الرغم من أي مقتضى تشريعي مخالف، على معلومات من شأنها إعطاء صورة صحيحة عن الوضعية الاقتصادية والمالية والاجتماعية للمقاولة، وذلك عن طريق مراقب الحسابات، إن وجد، أو ممثلي الاجراء أو إدارات الدولة وباقي أشخاص القانون العام أو مؤسسات االائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها، أو الهيئات المالية أو أي جهة أخر… بحيث على المحكمة اعمال سلطتها من خلال هذه الأدلة التي جمعتها والمطروحة امامها

وهذا يتوافق مع ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو ما أسمع ، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار[12]

المطلب الثاني : دور السلطة التقديرية للقاضي في اتبات التوقف عن الدفع

يقصد بالسلطة التقديرية في هذا الاطار ذلك المقدار من الحرية التي يقرها القانون صراحة أو ضمناً للقاضي التجاري، من أجل التصرف حسب اقتناعه الصميم في اختيار الحل الملائم، الأنسب والأقرب إلى الصواب، والأكثر خدمة للمقاولة ولمختلف المالح المرتبطة بها.ويستمد القاضي التجاري هذه السلطة من الكتاب الخامس من مدونة التجارة، الذي تضمن صياغة مرنة تصب في معنى السلطة التقديرية للقضاء من قبيل يمكن للمحكمة، تقرر المحكمة، تحدد المحكمة، أمكن للقاضى المنتدب”، وهي صياغة تتماشى مع طبيعة القرارات التي يتعين على المحكمة اتخاذها أثناء سريان هذه المساطر، بخلاف الصياغة الجامدة التي تقوم على أساس حرمان القاضى من سلطة التقدير عند تطبيق القاعدة القانونية. وهو ما سنحاول تبيانه من خلال هذا المطلب

رجوعا الى مدونة التجارة تنص المادة 575 من م ت على أنه ” تطبق مسطرة التسوية القضائية على كل مقاولة ثبت أنها في حالة توقف عن الدفع. تثبت حالة التوقف عن الدفع متى تحقق عجز المقاولة عن تسديد ديونها المستحقة

المطالب بأدائها بسبب عدم كفاية أصولها المتوفرة، بما في ذلك الديون الناتجة عن الالتزامات المبرمة في إطار الاتفاق الودي المنصوص عليه في المادة 556 أعلاه”. وبذلك فالمشرع هو بصدد وضع شرط موضوعي أساسي لانطلاق معالجة صعوبات المقاولة، وإن وجوده أو عدمه هو الذي يتحكم في قبول المحكمة للدعوى أو عدم قبولها، ومن ثم تتميز الصياغة التي جاءت بها المادة أعلاه فيما يخص تحديد التوقف عن الدفع بالمرونة الكافية، لتمكين المحكمة من التأكد من واقعة التوقف التي تختلف حسب كل قضية على حدة. ومع ذلك فإن واقعة التوقف تتأكد من خلال مقابلة أصول المقاولة بخصومه ذلك أن الديون المستحقة المعبر عنها في المادة 575 من م ت يجب أن تكون ديونا ثابتة وحالة ومطالب بها عجزت المقاولة تسديدها[13]، وهذا ما أكدت عليه محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء في قرارها… وحيث إن التوقف عن الدفع كشرط موضوعي لتبرير فتح مساطر المعالجة يتعين أن تكون دينا ثابتا وحال الأداء ومطالبا به وكون المقاولة أصبحت عاجزة عن سداد ديونها.[14]

ومن هذا المنطلق فان مجرد توقف المقاولة عن اداء ديونها لا يمكن ان يعتبر توقفا عن الدفع على اعتبار ان الأمر أكثر تعقيدا من مجرد الامتناع عن الأداء أو التأخر فيه. فقد تجد المقاولة نفسها غير قادرة مؤقتا على الوفاء ببعض ديونها، ومع ذلك لا تكون في وضعية توقف حقيقي عن الدفع، خاصة إذا كانت تتوفر على إمكانيات مالية أو ائتمانية تسمح لها بتجاوز الصعوبات الظرفية التي تمر بها. كما قد تتمكن المقاولة من الاستمرار في نشاطها والحفاظ على معاملاتها التجارية رغم وجود بعض الديون غير المؤداة وهو ما اكدته محكمة الاستئناف التجارية بفاس حيت قضت ” بأن مجرد التوقف عن أداء الأقساط الحالة غير كاف ولا مبرر للحكم بالتسوية القضائية طالما أنه لم يثبت كون المقاولة أصبحت عاجزة عن سداد الديون وكونها أصبحت عاجزة عن إيجاد الحل المناسب لاسترجاع توازنها المالي لاستحالة مواجهة الخصوم عليها بأصولها القابلة للتصرف “[15]

إضافة الى ذلك فان عدم وجود سيولة نقدية وقت التنفيذ لا يشكل خللا مادامت المقاولة في وضعية سليمة وليست متوقفة عن الدفع مادام بالإمكان اللجوء للتنفيذ الجبري وهو ما ذهبت فيه محكمة الاسثئناف التجارية بالدار البيضاء في قرار لها رقم 1865/99 بتاريخ 30/11/99 جاء فيه وحيث يتضح بالفعل من خلال البحث الذي أجرته المحكمة التجارية بغرفة المشورة والذي حضره المدير المنتدب للطاعنة أن هذه الأخيرة متخصصة في إدارة وتسيير الفنادق، وأنها تشغل حوالي 1700 عامل، وأن وضعيتها إزاء مصلحة الضرائب وصندوق الضمان الاجتماعي وضعية سليمة، وأنه ليس هناك أي توقف عن الدفع، وبخصوص عدم تنفيذ الديون موضوع القرارين الاستئنافيين، المعتمدين من قبل المستأنف عليها في الدعوى الحالية، صرح الممثل القانوني للطاعنة بأن ذلك ناتج عن عدم وجود سيولة وأنه يمكن استخلاص هذه الديون حاليا.

وحيث إنه اعتبارا للمعطيات المذكورة فإنه لا يوجد ضمن تصريحات رئيس المقاولة ما يفيد وجود خلل في الموازنة المالية لهذه الأخيرة، كما أن المستأنف عليهما لم يدليا بأية حجة من شأنها البرهنة على أن المستأنفة تعاني من صعوبات  مالية وأنه ليس بمقدورها سداد ديونها الحالة وفقا لمقتضيات المادة 560 من مدونة التجارة التي تحدد شروط افتتاح مساطر معالجة صعوبات المقاولة، بل إن المستأنف عليها السيدة حمودي عائشة لم تدل بأية حجة تفيد قيامها بإجراءات التنفيذ في مواجهة الطاعنة وامتناع هذه الأخيرة، إذ أن الوثائق التي أدلت بها في هذا الشأن رفقة مقالها الافتتاحي للدعوى لا تهمها، وإنما تخص السيد رفيير موريس ألبير، ومن جهة أخرى فإن عدم تمكن هذا الأخير من تنفيذ القرار الاستئنافي الصادر لفائدته بسبب عدم حضور أي متزايد لعملية بيع منقولات الطاعنة المحجوزة، لا يمكن أن يستفاد منه بالضرورة توقف هذه الأخيرة عن الدفع، أو عجزها عن الأداء، طالما أن بإمكانه استخلاص دينه عن طريق اللجوء إلى الوسائل الأخرى الخاصة بالتنفيذ الجبري للأحكام والمنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية

وهكذا فان للمحكمة سلطة تقديرية واسعة في تحديد التوقف عن الدفع نظرا الى ان نظام مساطر صعوبات المقاولة هو نظام مستقل عن طلبات الاطراف، فاذا كانت القاعدة العامة، وفقا لمقتضيات الفصل الثالث من قانون المسطرة المدنية، أنه يتعين على القاضي أن يبت في حدود طلبات الأطراف ولا يسوع له أن يغير تلقائيا موضوع أو سبب هذه الطلبات وبيت دائما طبقا للقوانين المطبقة على النازلة ولم يطلب الأطراف ذلك بصفة صريحة، وإذا كان القاضي لا يحكم إلا إذا طلب منه ذلك،، فإن هذه القواعد لا تجد مجالا للتطبيق في قضايا معالجة صعوبات المقاولة بالنظر إلى طابعها غير التنازعي، ولأن تدخل الأجهزة القضائية أو غير القضائية يكون بهدف مساعدة المقاولة المريضة قدر الإمكان من أجل تجاوز الصعوبات التي تعاني منها وبالتالي حمايتها وحماية وضمان جميع المصالح المرتبطة بها، لذلك يمكن لرئيس المحكمة الابتدائية التجارية أو المحكمة في حد حد ذاتها التدخل بشكل تلقائي ولو بدون طلب من جهة معينة، كما أنهما ملزمان، في تقرير الحلول التي تدخل في مجال اختصاص كل جهاز فقط بمراعاة الوضعية الاقتصادية والمالية والاجتماعية الحقيقية للمقاولة ومعطيات كل نازلة، وتقرير العلاج الملائم لهذه الوضعية دون التقيد بمضمون الطلب المقدم من طرف الجهات المختصة بتقديمه بحسب طبيعة كل مسطرة على حدة،.

وهو نفس الامر بخصوص التوقف عن الدفع بحيت ليس هناك ما يمنع المحكمة أن تقضي بفتح مسطرة التسوية القضائية بالرغم من أن طالب فتح المسطرة طلب بفتح مسطرة التصفية القضائية، أو العكس. او فتح التصفية بعد طلب فتح مسطرة الانقاد، وذلك بناء على ما استنتجته من وسائل التشخيص التي تجريها للتحري عن الوضعية الحقيقية للمقاولة المعنية ومدى تحقق واقعة التوقف عن الدفع من عدمها، [16]

وفي هذا الإطار جاء في الحكم الصادر عن المحكمة التجارية بالدار البيضاء بتاريخ 21 مارس 2016 في قضية الشركة المغربية لصناعة التكرير «سامير» ما يلي حيث وبعد وضع المحكمة يدها تلقائيا على القضية التمست شركة سامير الحكم بفتح مسطرة التسوية القضائية في حقها وحيث إن المحكمة عند تحريك مساطر معالجة صعوبات المقاولة لم تعد مقيدة بطلبات الأطراف والوثائق المرفقة بها بل يصبح بإمكانها أن تضع يدها تلقائيا على القضية قصد فحص المركز المالي الحقيقي للمدين وعلى إثر ذلك اتخاذ القرار المناسب الذي لا بساير بالضرورة طلبات الأطراف ذلك أنه بإمكان المحكمة أن تقرر التصفية رغم أن الطلب برمي إلى التسوية القضائية وذلك استنادا إلى الموازنة المالية وعمل الشركة وكذا توقفها عن العمل وفقدان أسواقها واستهلاك رأسمالها بسبب الخسائر المتراكمة وغيرها من المعايير التي يمكن الاعتماد عليها وهذه الصلاحيات المخولة للمحكمة تعتبر استثناء من المبدأ العام الذي ينص على أن المحكمة لا تبت الا بناء على طلب وفي حدود طلبات الأطراف عملا بالفصل . قانون المسطرة المدنية ويبررها النظام العام الاقتصادي.[17]

ويمكن لمحكمة الاستئناف أيضا متى تم استئناف الحكم القاضي بفتح المسطرة أن تعمد إلى إلغائه أو تعديله، ليس بسبب مجانبة الحكم الابتدائي للصواب كليا أو جزئيا ، وإنما فقط لتغير وضعية المقاولة أو بروز مستجدات على هذا المستوى تبرر تبني حل أو علاج مغاير لذلك الذي قررته المحكمة الابتدائية التجارية.

وبدورها كرست محكمة النقض سلطة القضاء في اتبات التوقف عن الدفع وذلك من خلال مجموعة من القرارات ياتي على راسها ما يلي : لكن حيث أنه فضلا عن أن ما جاء في الوسيلة أثير لأول مرة أمام المجلس الأعلى فإنه يثبت من تعليلات القرار المطعون فيه أنه لم يعتمد تقرير السنديك المطلوب وإنما اعتمد تقرير خبرة أنجزت في الملف من طرف الخبير محمد فؤاد سحنون بناء على قرار تمهيدي بإجراء خبرة أصدرته محكمة الاستئناف التجارية المطعون في قرارها الذي أدلى بتقرير استنتج فيه أن المقاولة متوقفة عن مزاولة نشاطها، كما اعتمد القرار على كون الشركة لم تعزز ادعاءاتها بأي مستندات حسابية بل العكس من ذلك تثبت للمحكمة توقفها وأن وضعيتها ميؤوس منها وأن وضعيتها المالية لا يمكن علاجها إلا عن طريق التصفية القضائية فجاء القرار معللا تعليلا كافيا وسليما ومرتكزا على أساس ولم يخرق أي مقتضى والوسيلة على غير أساس،[18] وبذلك أصبحت المحاكم التجارية في إطار المفهوم الاقتصادي الحديث لا تقف عند حدود المظاهر المادية أو الخارجية للتوقف عن الأداء فقبل البت بصفة قطعية في القضايا المرفوعة إليها تصدر قرارات تمهيدية بإجراء خبرة وتطلب من الخبير الوقوف على الوضعية المالية والاقتصادية والاجتماعية للمقاولة، والتصريح ما إذا كانت متوقفة عن الدفع أم لا بسبب اختلال وضعيتها المالية، وهل هي مختلة أو ليست مختلة بشكل لا رجعة فيه كما تطلب من الخبير أن يستمع إلى كل من يرى أقواله مفيدة، وكذا الدائنين والانتقال إلى المقاولة ومعاينتها، كما أنه بالإضافة إلى الخبرة تصدر أحيانا إجراء تمهيديا ثانيا في الملف يقضي بإجراء بحت في النازلة

ومن ثم فالمفهوم الاقتصادي الحديث للتوقف عن الدفع يتميز بعدم الوقوف عند الحدود الظاهرية للتوقف عن الدفع في مواعيد الاستحقاق، وإنما يبحث في أسباب ودوافع التوقف وفي المركز الحقيقي للتاجر المدين والمتوقف عن دفع ديونه، وهذا المفهوم يستند إلى معطيات ذات طابع اقتصادي أكثر منه قانوني، وهكذا أصبح يعتد حسب هذه النظرية بالوضعية المالية للمدين لبحث وضبط المظاهر الدالة على واقعة التوقف عن الأداء الشيء الذي جعل عملية التشخيص تتجاوز الأسباب الذاتية التقليدية لتشمل الكشف عن الظروف الموضوعية[19]

وفضلا عن ذلك يجب على المحكمة في اطار سلطتها التقديرية في اتبات التوقف عن الدفع أن تقرر ما إذا كانت وضعية المقاولة غير مختلة أو مختلة بشكل لا رجعة فيه، لأن ذلك سيترتب عليه نتيجة حكمها إما التسوية [20] أو التصفية القضائية، وفي هذا قضت المحكمة التجارية بطنجة بأن وضعية الشركة تتحسن، وبأنها ليست مختلة بشكل لا رجعة فيه، وإنها تعاني من صعوبات تتمثل في بيع بعض الكميات من المنتوج بأقل تكلفة وارتفاع المخزون لذلك فإنها ليست مختلة بشكل لا رجعة فيه، مما يعني الحكم بفتح مسطرة التسوية القضائية[21] وهو نفس التوجه الذي دهبت فيه محكمة النقض في قرار لها جاء فيه ما يلي : أن محكمة الاستئناف وفي إطار سلطتها التقديرية في تقييم الحجج والتي لا تخضع لرقابة المجلس الأعلى إلا من حيث التعليل التي أيدت الحكم الابتدائي القاضي بالتصفية القضائية بعدما تبين من تقرير السنديك المعين في النازلة تعذر عليه القيام بمهامه الرئيسية بسبب عدم استجابة رئيس المقاولة لدعواته للحضور خاصة والمقاولة متوقفة عن العمل منذ 1998 ولا يوجد بها أي عامل وأن وضعيتها الاقتصادية بلغت سنة 2000 ناقص 1977259,30 درهم وأن الديون المصرح بها بلغت 3765965,16 در هما وأنه يستحيل استمرار المقاولة التي أدلت بمحضر لمحاولة إثبات أنها لازالت تباشر عملها، فقام السنديك بزيارتها للتأكد مما دون به بمعية كاتب الضبط ومقدم الشرطة اللذين وقعا معه محضرا فوجدوا مقرها مغلقا تكون قد استخلصت وعن صواب أن المحضر المدلى به من طرف المستأنفة لا يعكس جديتها في وضعيتها الحالية وأن تقرير السنديك يبقى قائما واعتبرت إن وضعية المقاولة مختلة بشكل لا رجعة فيه مما يبرر وضعها تحت التصفية القضائية وبالتالي لم يخرق قرارها أي مقتضى[22]

ومن هنا يتبين أن القضاء لم يعد يتحدث عن التوقف عن الدفع كحالة توقف عابرة عن السداد، وإنما أصبح يتحدث عن الصعوبات التي تعترض المقاولة وتحديد درجة خطورة هذه الصعوبات وذلك لتحديد الاختيار المسطري المناسب، لأن المشرع في الكتاب الخامس أعطى للمحكمة سلطة في اختيار المسطرة التي تناسب وضعية المقاولة، ذلك أنه إذا كانت هذه الأخيرة متوقفة عن الدفع وغير مختلة بشكل لا رجعة فيه فإنها تطبق مسطرة التسوية القضائية، أما إذا كانت متوقفة عن الدفع ومختلة بشكل لا رجعة فيه فإنها تطبق عليها مسطرة التصفية القضائية، وبالتالي يجب أن يكون حكمها في اطار السلطة التقديرية المخولة لها القاضي بإحدى المسطرتين معللا تعليلا كافيا وذلك حتى لا يكون ماله الإلغاء من طرف محكمة الاستئناف التجارية عند استئنافه لأن كل حكم يجب أن يكون معللا تعليلا سليما مبنيا على أدلة واقعية وحجج قانونية صحيحة. كما أن التعليل يساعد حقيقة على إقناع الخصوم بعدالة الأحكام وتحقيق الاحترام اللازم لها فيما بينهم، كما أنه يشكل ضمانة قوية بالنسبة للمتقاضي كي يعتمد في طعنه في هذه الأحكام على التعليلات والمبررات والأسباب التي اعتمدها القاضي[23]

كما يجب أن يكون تعليل الحكم مقدمة منطقية لمنطوقة، لأن التعليل أو الأسباب هي الدعامة التي يقوم عليها الحكم ويشترط أن يكون من شأنها أن تؤدي منطقا إلى النتيجة التي انتهى إليها الحكم، لأن ما يورده القاضي في تعليل حكمه يكفي لاستخلاص المنطوق الذي انتهى إليه وأن المنطوق يجد في التعليل ما يمكن تأسيسه عليه لأنه في تناقض الأسباب مع المنطوق يرجع ذلك إلى عدم منطقيته بالنظر إلى الأسباب التي يقوم عليها وهذا يشكل عيب التعليل. وهو ما تاكده محكمة الاستئناف بالدارالبيضاء في قرار لها جاء فيه ما يلي : إن سلطة المحكمة في تقدير حالة التوقف عن الدفع لا تخضع لرقابة محكمة النقض إلا من حيث التعليل، مادام أنها تستند إلى عناصر موضوعية ثابتة في الملف[24]

وبذلك فإن حكم فتح مسطرة التسوية أو التصفية القضائية، يتعين أن يأتي شارحا وباسطا لجميع الوقائع والمعطيات التي تفيد توفر الشروط اللازمة لذلك، وأن يأتي متضمنا لكافة الطلبات والدفوع المقدمة سواء من طرف رئيس المقاولة أو الدائنين أو المتداخلين في الدعوى أو غيرهم، وكذا لكافة الإجراءات التي قامت بها المحكمة من أجل معرفة الوضعية الاقتصادية والاجتماعية والمالية الحقيقية للمقاولة المعنية وأن تتضمن بناء على ذلك كل التعليلات والتبريرات والشروحات التي اعتمدتها المحكمة لإصدار حكمها.[25]

خاتمة

ختاما، يعد التوقف عن الدفع الواقعة القانونية التي يترتب عنها إخضاع المقاولة لمساطر المعالجة، الأمر الذي يجعل مسألة إثباته من أدق الإشكالات التي يثيرها نظام صعوبات المقاولة. وإذا كان المشرع لم يحصر وسائل معينة لإثبات هذه الواقعة، فإن ذلك يعكس إرادته في منح القاضي سلطة تقديرية واسعة تمكنه من استجلاء حقيقة الوضعية التي تعيشها المقاولة والوقوف على مدى عجزها عن الوفاء بديونها المستحقة والمطالب بها.

ومن ثم، فإن إثبات التوقف عن الدفع لا يخضع لقواعد جامدة أو لمعيار محدد بشكل حصري، وإنما يظل رهينا بما يستخلصه القاضي من مختلف العناصر والوقائع المعروضة عليه، في إطار سلطته التقديرية الرامية إلى التمييز بين الصعوبات العابرة التي قد تواجه المقاولة وبين حالة التوقف عن الدفع التي تستوجب إخضاعها لمساطر المعالجة.

  1. 15 علال فالي مساطر معالجة صعوبات المقاولة الطبعة الثالثة بدون ذكر لسنة ص
  2. 1994هذا القانون عرف بدوره تعديلا بموجب قانون مؤرخ سنة
  3. رواه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الصيام باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال 1-482
  4. لسان العرب 76-5
  5. معجم مقاييس اللغة 5-62
  6. محمود محمد ناصر بركات، السلطة التقديرية للقاضي في الفقه الإسلامي، ط1 ، دار النفائس، عمان الأردن، 1427هـ – 2007م، ص 81.
  7. 548ص 2022عادل بن عبد الله السعوي ضوابط السلطة التقديرية للقاضي مجلة كلية دار العلوم
  8. ملا خسرو، محمد بن فرامرز بن علي الشهير بملا – أو مثلا أو المولى – خسرو (المتوفي : 885هـ) درر الحكام شرح غرر الأحكام، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، د.ت، (168/2).
  9. محمد مصطفى الزحيلي القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة، ط1، دار الفكر، دمشق، .(499/1)2006-1427.
  10. الرحيباني مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي الرحيباني، مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى، ط2 ، المكتب الإسلامي القاهرة، 1415هـ – 1994م، (467/6)
  11. أحمد محمود سعد، مرجع سابق، ص 392
  12. صحيح البخاري | الصفحة أو الرقم : 7169
  13. و يقصد بهذه الديون المستحقة الديون التي يحق للدائن المطالبة بها دون أن تتوقف على أجل أو شرط و يستوي أن يكون الدين من حيث طبيعته مدنيا أو تجاريا ضئيلا أو كثيرا واحدا أو متعددا، إلا أنه يجب أن يكون ثابتا و حالا و مطالبا به من قبل الدائن، ذلك أن المادة 575 من م ت أوردت الديون المستحقة المطالب بها دون أن تربط بين الكلمتين بأي أداة للعطف، مما يتعين أن يكون الدين مستحقا و مطالبا به في نفس الوقت، سواء أكانت المطالبة قضائية، أو غير قضائية، لعمومية عبارة الديون المستحقة المطالب بها في نص المادة أعلاه، و لعدم حسم المشرع في طبيعة هذه المطالبة.

    انظر في هذا الصدد Jean-François Martin: Redressement et liquidation judiciaires 7e édition, encyclopédie DELMAS 1999 p 78.

  14. قرار اورده ادريس السماحي، القواعد الإجرائية بين القواعد العامة وخصوصية المساطر الجماعية، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه، جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، 2020/2021، ص 273
  15. قرار رقم 43 صادر عن محكمة الاستئناف التجارية بفاس بتاريخ 24-9-2003 في الملف عدد 30 2003 غير منشور.
  16. علال فالي، مساطر معالجة صعوبات المقاولة، الطبعة الرابعة، مطبعة الامنية، الرباط، 2025، ص 29
  17. قرار اورده علال فالي، مرجع سابق، ص 29
  18. قرار عدد 1687 صادر عن محكمة النقض بتاريخ 31-12-2008 في الملف التجاري عدد 547-3 1-2008، اشار اليه ادريس السماحي، مرجع سابق، ص 275
  19. فاتحة مشماشي الصفة العقابية للإفلاس، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة شعبة القانون الخاص كلية الحقوق الرباط 1995 ص 22
  20. تنص المادة 583 من م ت على أنه “تقضي المحكمة، بالتسوية القضائية إذا تبين لها أن وضعية المقاولة ليست مختلفة بشكل لا رجعة فيه وإلا فتقضي بالتصفية القضائية.
  21. حكم رقم 816 صادر عن المحكمة التجارية بطنجة بتاريخ 14-7-2005 في الملف رقم 8-10-04. غير منشور
  22. قرار عدد 1289 صادر عن محكمة النقض بتاريخ 24-11-2004 في الملف التجاري عدد 1732 3-2-2003 أورده الأستاذ محمد الفروجي التوقف عن الدفع في قانون صعوبات المقاولة سلسلة دراسات قانونية معمقة مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء ص145 وما بعدها.
  23. M. Noël: «les motifs dans les décisions des juridictions administratives» RDP 1924 p350.
  24. قرار عدد 883 بتاريخ 22 يوليوز 2021، ملف تجاري عدد 214/8203/2020، غير منشور
  25. ادريس السماحي، مرجع سابق، ص 278

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى