
من العقاب إلى الإدماج: رؤية جديدة للسجون
ميمون اليوب
باحث في ماستر الحكامة القانونية الرقمية وحماية المعطيات، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية -قلعة السراغنة-
“أجل الخلائق وأكرمها اصطناع المعروف، وإغاثة الملهوف، وتحقيق أمل الآمل، وتصديق مخيلة الراجي” علي بن موسى الرضا.
تطرح المؤسسات السجنية في المغرب إشكالات بنيوية عميقة، وهو ما جعلها في كثير من الأحيان فضاءات للعقاب أكثر من كونها مؤسسات للإصلاح. غير أن القانون 23.10 المتعلق بتنظيم وتدبير المؤسسات السجنية (ظهير شريف رقم 1.24.33 بتاريخ 24 يوليوز 2024؛ منشور بالجريدة الرسمية عدد 7328 بتاريخ 22 غشت 2024)، جاء ليؤسس لرؤية جديدة تعتبر السجن مؤسسة لإعادة الإدماج الاجتماعي، حيث لم يعد الهدف محصورا في تنفيذ العقوبة، بل في إعداد النزيل نفسيا، ذهنيا ومهنيا لما بعد العقوبة.
فالقانون الجديد أحدث نقلة نوعية من خلال تقسيم المؤسسات السجنية إلى أصناف متعددة: السجون المركزية والمحلية، السجون الفلاحية، ومراكز الإصلاح والتهذيب(المادة 3) بما يسمح بتكييف العقوبة مع طبيعة النزيل وظروفه. كما نص على مكنة إحداث وحدات جامعية داخل السجون لتمكين النزلاء من متابعة دراستهم العليا، ووحدات استشفائية لمعالجة الأمراض المزمنة وضمان الحق في الصحة(المادة 10) وهو ما يعكس توجها حقوقيا وإنسانيا جديدا.
هذا، وقد جاء القانون بمجموعة من الحقوق المرتبطة بإخضاع المعطيات الشخصية للنزلاء للحماية القانونية، وهي مسألة إيجابية اسندت بمقتضاها للإدارة المكلفة بالسجون وضع وتطوير قاعدة بيانات ومعطيات إلكترونية لرقمنة سجلات الاعتقال ومعلومات المعتقلين بكيفية تدريجية (المادة 21، وربط تدبيرها بصدور نص تنظيمي).
غير أن الرؤية الإصلاحية – المنشودة- لا يمكن أن تكتمل دون التركيز على البعد النفسي للنزلاء، إذ أن السجين لا يخرج من المؤسسة السجنية محملا فقط بعقوبة زمنية، بل أيضا بآثار نفسية عميقة قد تعيق اندماجه في المجتمع. لذلك، كان من الضروري إرساء برامج دعم نفسية متكاملة ومستمرة تشمل جلسات علاجية فردية وجماعية لمواجهة القلق والاكتئاب، والاستعداد النفسي لمواجهة العالم الخارجي، إضافة لبرامج خاصة لمكافحة الإدمان وإعادة بناء الثقة بالنفس، ومواكبة اجتماعية مستمرة لإعادة ترميم العلاقات الأسرية، وإدماج مختصين في علم النفس وعلم الاجتماع ضمن الطاقم السجني بشكل دائم؛ لما لهذه المقاربة النفسية من مساهمة في إعادة بناء شخصية النزيل وتخفيف حدة الانعكاسات السلبية لفترة الاعتقال، ولفترة ما وراء العقوبة.
وإلى جانب ذلك، تظل مسألة فرض الرقابة على المؤسسات السجنية عنصرا أساسيا لضمان احترام القانون وتطبيق البرامج الإصلاحية، فالرقابة يجب أن تكون متعددة المستويات: رقابة قضائية للتأكد من احترام حقوق النزلاء، رقابة برلمانية لمتابعة السياسات العمومية في مجال السجون، رقابة مدنية عبر إشراك الجمعيات الحقوقية في تتبع أوضاع السجون، وآليات داخلية تضمن الشفافية في تدبير الموارد البشرية والمالية.
وبهذا، فإن هذه الرقابة لن تشكل مجرد إجراء إداري بسيط، بل ستشكل ضمانة أساسية لحماية كرامة الإنسان داخل السجن، وللتأكد من أن المؤسسات السجنية تؤدي دورها الإصلاحي بدل أن تتحول إلى فضاءات للتهميش، أو مصادرة الحقوق الأساسية النزلاء.
وأمام ما سلف، تبرز – ومن منظور اسهامنا في النقاش العمومي- الحلول العملية لإدماج النزلاء خلال فترة العقوبة، بما فيها التكوين المهني عبر ورشات في الحرف والصناعات التقليدية والزراعة والخدمات (وهو أمر معمول به في مختلف المؤسسات السجنية) بما يمنح النزيل فرصة حقيقية للاندماج الاقتصادي بعد الإفراج، وخروجه محملا بتجارب ايجابية قد راكمها. كما أن التعليم والتكوين الأكاديمي، من خلال برامج محو الأمية وإتاحة متابعة الدراسة الجامعية، يفتح آفاقا جديدة للنزلاء، ولا يمكن إغفال أهمية الشراكات مع المجتمع المدني والجمعيات التي يمكن أن تسهم في برامج التكوين والدعم النفسي والاجتماعي، وأخيرا ضرورة إعداد النزيل لما بعد العقوبة عبر برامج الإدماج التدريجي، مثل العمل خارج السجن (من خلال تفعيل العقوبة البديلة: العمل لأجل المنفعة العامة وتعميمها) أو المشاركة في أنشطة مجتمعية، بما يخفف من صدمة العودة إلى المجتمع وتخفيف أثر الوصم عليه.
ورغم أن القانون 23.10 يمثل خطوة جريئة نحو إصلاح المنظومة السجنية، من خلال الرقي بالسجن من مجرد فضاء للعقوبة، الى مؤسسة لإعادة الإدماج، فإن نجاح هذه الرؤية يتوقف على تفعيل البرامج التأهيلية، وتعزيز الموارد البشرية عبر تكوينها المستمر في مختلف التخصصات المعرفية ذات الصلة بالقانون وعلم النفس وعلم الاجتماع…، والانفتاح على المجتمع المدني، مع إرساء آليات رقابة صارمة تضمن احترام القانون والحقوق.
هذا، ونرى بضرورة خلق مرحلة انتقالية عبر احداث “مراكز نصف حرية” تمثل خطوة ذكية لتخفيف الصدمة بين السجن والمجتمع، اذ سيساهم احداث هذه المراكز في منح النزيل فرصة للعمل والدراسة نهارا(لمن يتابعون دراستهم ويتوفرون على سلوك حسن داخل المؤسسة) مع العودة مساء إلى المركز، مما سوف يعزز تدريجيا إحساس النزلاء بالمسؤولية، كما أن عقد لقاءات دورية مع خبراء اجتماعيين ونفسيين يتيح للنزلاء التعبير عن مخاوفهم وتلقي الدعم، وبالتالي فإن تنظيم دورات تدريبية مستمرة في مجالات مهنية وحياتية يضمن أن يخرج النزيل بمهارات عملية حياتية قابلة للتطبيق؛ وهذه المنظومة تجعل الانتقال أكثر سلاسة، وتقلل من احتمالات العودة إلى الانحراف، وتبني جسور ثقة بين النزيل والمجتمع.
بذلك، يتحقق الانتقال من العقاب إلى الإدماج، ومن التهميش إلى المواطنة الفاعلة، ومن الاحساس بالعار الى الانفتاح على المجتمع والتمتع بالحق الطبيعي في النسيان في انسجام مع مبادئ حقوق الإنسان ومتطلبات التنمية المجتمعية.





