اعداد المجلةسلسلة الابحاث الجامعية و الأكاديميةفي الواجهةمقالات قانونية

رهن الديون الاجلة و المستقبلية : سلسلة الابحاث الجامعية و الاكاديمية الاصدار رقم 47 لسنة 2023 : سعيد بالحضري

رهن الديون الاجلة و المستقبلية : سلسلة الابحاث الجامعية و الاكاديمية الاصدار رقم 47 لسنة 2023 

انجاز الباحث : سعيد بالحضري

 

 

 

تقديم

تتطور المجتمعات بتطور العلوم و الثروات، حيث يؤدي ذلك حتما إلى تطور القاعدة القانونية و التي تراعي الحتمية الاقتصادية، وهو ما أدى إلى ظهور مؤسسات قانونية وآليات جديدة للائتمان يتسع مجالها باتساع مجال توزيع الائتمان و الإنتاج و خلق الثروات، حيث تصبح الحاجة ملحة لخلق ضمانات جديدة أكثر حماية للدائن لتجنب إعسار مدينه باشتراط الحصول على ضمانات تكفل له الوفاء بدينه، و توفر خدمة  للمدين بتسهيل حصوله على السيولة الكافية لمشاريعه.[1]

ونظرا لعدم كفاية الضمان العام أدى إلى تطور منظومة الضمان بشكل كبير وصولا إلى الضمانات المعاصرة، حيث كان في البداية تحقق الضمان ينطلق من آليات قانونية لإجبار المدين على الوفاء تصل حد التنفيذ عليه شخصيا، والتي أثبتت قصورها، فانتقل الفكر القانوني نحو الضمانات الشخصية ثم بعدها إلى الضمانات العينية و التي تعطي للدائن حق التنفيذ على  شيء معين بالذات مما يحميه من مخاطر عدم الوفاء. [2]

فبعد التطور القانوني ظهر مفهوم جديد لرابطة المديونية و أصبحت علاقة بين ذمتين ماليتين، فأصبح هم الدائن الحصول على دينه بأنجع السبل بعيدا عن رهن ذلك بحياة المدين، وأمام المساواة بين الدائنين التي يفرضها الضمان العام، أصبح تخصيص شيء مميز في الذمة المالية للشخص حتى يقوم بالتنفيذ عليه هو السمة البارزة للائتمان، حيث ظهر مفهومه عند الرومان اعتمادا على نقل ملكية الضمان إلى الدائن حتى يتمكن من بيع الشيء المرهون الموجود بين يديه واسترداد دينه ما أدى إلى الإضرار بالمدينين و دفع إلى ضرورة الفصل بين الملكية والحيازة،  حيث ظهر الرهن الحيازي للعقارات لأهميتها المالية في العصر الروماني ثم انتقل إلى المنقولات بعد إدراك قيمتها المالية.[3]  

و أمام الضرر الذي يلحق المدين من وراء تجريده من حيازة المال المرهون  ظهرت فكرة الرهن دون التجريد من الحيازة إذ أصبح بإمكان المدين الراهن أن يحتفظ بالشيء المرهون بين يديه، ما تطلب تطوير نظم و تقنيات الشهر والإعلام، وأدى هذا إلى ظهور الرهون غير الحيازية كالرهون الواقعة على بعض المنقولات ذات الطبيعة الخاصة كالطائرات والسفن، وامتد ذلك إلى أدوات أخرى حتى أصبح يشمل العديد من المنقولات المادية و المعنوية، حيث تطورت هذه الأخيرة وازداد الإقبال على رهنها لأهميتها الاقتصادية، وأصبح رهنها  يتم دون حيازة متى كان شهر التصرفات الواردة عليها ممكنا، وفي العصر الحديث ازدادت أهمية المنقولات القابلة للرهن ومن بينها رهن الديون[4] والتي تشكل في أغلبها منقولات معنوية غير قابلة للحيازة.

ولعل رهن الدين كغيره من الضمانات تأثر  بالنظريات الفقهية و الرؤية التشريعية والاجتهادات القضائية، حيث لم يكن رهنه بتلك السلاسة التي تنشأ بها الرهون العادية إلى أن بدأت تعتمده التشريعات كمنقول معنوي قابل للرهن .

 

فرهن الدين يجد أساسه في القواعد العامة[5]، والتي لم تسمح له بالتطور، إلا بصدور منظومة قوانين الأعمال[6]، التي أعطت مجالا هاما للتمويل و سمحت بتداول القيم و تحرير الذمة المالية للفرد و المقاولة تسهيلا  لولوج  مجال المال و الأعمال، و الحصول على التمويلات الضرورية لإنجاز المشاريع و كسب فرص الاستثمار .

إن تطور الحركية الاقتصادية  يتطلب الجدية في الحفاظ على الائتمان باتخاذ خطوات جديدة لتحسين دور القضاء  [7]، وتحسين نص التشريع ليكون ملائما لمتطلبات العصر التمويلية ومولدا للرغبة الاستثمارية عبر تسهيل الحصول على الضمانات و تقويتها حيث تنبه المشرع إلى ضرورة توحيد  القواعد المتعلقة بالضمانات المنقولة [8]، و التي يبقى أبرز مستجداتها تنظيم رهن الدين، ليصبح إطار هذا الرهن شاملا و مكملا لباقي النصوص العامة  والخاصة، والتي كانت تشكل صورا لرهن الدين، وإن كان رهن  الدين مقبولا على اعتباره حقا يمكن حوالته والتصرف فيه، إلا أن رهن بعض الديون يلفه الغموض كالديون الآجلة والمستقبلية رغم الإشارة إلى إمكانية  ورود الرهن عليها وذلك لطبيعتها الخاصة وخصوصية الحق الثابت فيها.

إذ تعتبر هذه الديون غير قابلة للتسليم ما يجعل رهنها حيازيا يكون صعبا، وبهذا تكون خاضعة للرهن دون التخلي عن الحيازة، سواء كان مدنيا أو تجاريا، ولعل رهن الديون الآجلة والمستقبلية غالبا ما يتم في الميدان التجاري ما يجعل دراسة أحكامه تقتصر على الأحكام المنظمة له في مدونة التجارة.

أهمية الموضوع :

يكتسي رهن الديون الآجلة والمستقبلية أهمية بالغة في مجال الضمانات حيث يرتبط موضوعها بالأجل، والمعلوم أن الأجل يشكل أساس حلقة التمويل و الائتمان و ما يتطلبه هذا الأمر من ضمانات تشريعية وقضائية تكفل الوفاء، و يرتبط هذا الموضوع من جهة أخرى بتصرف الشخص فيما سيحصل عليه مستقبلا، وبالتالي استثمار فرص الحاضر والمستقبل بالحصول على التمويل بناءا على أموال يفترض وجودها في المستقبل، وهي آلية تمويلية هامة، غير أنها ترتبط بمجال تمويلي خطر يحتاج إلى الدراسة والبحث المعمق والعناية التشريعية اللازمة لتفادي أي أخطار تهدد الضمان وحماية مراكز الدائنين، ولارتباط هذا الموضوع بالتمويل الاقتصادي وأثره على الاستثمار حيث تتطلب الحياة الاقتصادية قواعد قانونية مرنة تتماشى مع الحياة العملية وهو ما فرض هيمنة الاقتصاد على القاعدة القانونية، وهو ما يستوجب البحث في إشكالياته القانونية والعملية.

إشكالية الموضوع :

سمح المشرع برهن الديون الآجلة و المستقبلية في إطار تنظيم رهن الدين دون أن يخصه بأحكام ، مما يجعل الإشكالية الأساسية تدور حول مدى توفق المشرع في تنظيم أحكام هذا الرهن، حيث يطرح التساؤل حول مدى إمكانية خضوع رهن هذه الديون لنفس شروط رهن الديون العادية؟ وما مدى تأثير طبيعة هذه الديون على الضمان؟ وما هو وجه التنظيم القانوني اللازم لحماية مراكز الدائنين على مستوى رهن الديون الآجلة و المستقبلية؟

دوافع البحث:

ينصب رهن الديون الآجلة و المستقبلية على جزء من رهن الدين والذي لم يلقى بعد نصيبه من الدراسة، فالمواضيع الأكاديمية التي تطرقت لرهن الدين قليلة جدا على مستوى البحث القانوني، بل ولا توجد دراسة شاملة في المغرب تطرقت لرهن الدين بصفة عامة، أما بالنسبة لموضوعنا رهن الديون الآجلة والمستقبلية، فلا وجود له على مستوى البحوث الأكاديمية القانونية،  وذلك في حدود ما اطلعنا عليه.

نظرا لأهمية هذا الموضوع يكون من الواجب التطرق لهذه الآلية التمويلية بتحديد جوانبها القانونية و تفصيل أحكامها التعاقدية.

مناهج البحث :

يعتمد موضوع بحثنا مجموعة من المناهج الرصينة للبحث العلمي القانوني، أولها المنهج التاريخي و ذلك عبر استقصاء التطور التاريخي للتعامل بالحقوق الآجلة و المستقبلية إلى غاية أن أصبحت مركزا للضمان، وكذلك يجب تحديد جوانبها القانونية بالمقارنة مع تشريعات أخرى اعتمادا على المنهج المقارن، كما ستتعرض الدراسة للتحليل والنقد وذلك بإتباع المنهج التحليلي.

 

خطة البحث :

لدراسة هذا الموضوع سنقوم بالتعرض لدراسة وتحديد مفهوم و شروط رهن الديون الآجلة و المستقبلية انطلاقا من مدى صلاحيتها لتكون آلية للضمان، ثم الانتقال لدراسة أحكام  هذا الرهن كرهن دون التخلي عن الحيازة على مستوى مدونة التجارة، من خلال معرفة كيفية نفاذه ثم ترتيب أثره وانقضائه مع تحديد أهميته و فعاليته على مستوى قوة الضمان، وذلك عبر فصلين كالآتي :

الفصل الأول: ماهية رهن الديون الآجلة و المستقبلية

الفصل الثاني: أحكام رهن الديون الآجلة و المستقبلية

للاطلاع و التحميل 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى