في الواجهةمقالات قانونية

سمات العقل الميثي في البحث العلمي – عبد الصمد نيت أكني

سمات العقل الميثي في البحث العلمي

عبد الصمد نيت أكني

العقل الميثي في البحث العلمي نمط من التفكير ينبني على معتقدات خلوة من القيم العلمية، ومفتقدة لأي مشروعية معرفية، وهي تؤطر الفعل البحثي، وتوجه الباحث في جميع مراحل البحث، فلا يصغي إلا لها، ولا يتغيا إلا إفرادها بواجب العبادة، بتوسل كل الأساليب الضامنة لحراستها من أي نقد يراه تهديدا لوجودها واستمراريتها.

وبيِّنٌ ما في هذا العقل من بُعدٍ عن خاصية الجدة، والجدية، والنزاهة، والانفتاح، وغيرها من المُثل العلمية، والمعايير الدقيقة التي يحاول مراعاتها كل باحث متلهّف لبناء سمعة علمية وسط المجتمع العلمي.

ولهذا العقل سمات على نحوها يشتغل، وعلى خطاها يسير، ويمكن لحظها عند أدنى تأمل في بعض الإنتاجات، وهي مستنبطة بطريق القياس من النسق المعرفي الأسطوري الذي يحكم رؤية صاحبه للعالم الخارجي.

من هذه السمات:

1)- التجريد الانتقائي

ويسمى كذلك الفلترة الذهنية، والتعبيرُ الأول هو الشائع في مجال العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، ويظهر في البحث العلمي حينما يركز ذو العقل الميثي على أمور معينة، مُبعدا -عن سبق إصرار- أمورا أخرى مهمة، خوفا على معتقدات لا يشهد لها أي مصدر معرفي بالاعتبار.

2)- التنافر المعرفي

وهو مصطلح مشهور في علم النفس الاجتماعي، ويظهر في البحث العلمي حينما يعاني ذو العقل الميثي صراعا بين المعتقد والفعل البحثي، فيسعى في الغالب إلى تبرير فعله المخالف لمعتقده بدل التحلي بالروح النقدية، امتصاصا لمادة التوتر المتولدة عن ذلك الصراع، وتجنبا لمواجهة الظل بالمعنى اليونغي.

وتبريرُه هذا من الميكانزمات الدفاعية التي تستجيب لنزوعات نفسية، وتحاول إيجاد صياغة مناسبة للتوافق بين أمور هي من قبيل المتناقضات التي لا تجتمع ولا ترتفع إلا عند من استوت عنده الأنوار والظُّلَم.

3)- الإنكار

وهو مصطلح يوظف -كثيرا- عند رواد نظرية التحليل النفسي، ويظهر في البحث العلمي حينما يتعرض ذو العقل الميثي لصدمة معرفية نتيجة النقود القوية التي وُجهت لمعتقداته، فيعبر -لا شعوريا- عن الكرب التالي لهذه الصدمة بالدفاع المبالغ فيه عن المعتقد من باب التعويض السلبي بمعناه عند ألفرد أدلر، ودفاعُه هذا -في الغالب- استجابة نفسية، وشحنة انفعالية بعيدة عن المنهج العلمي.

4)- التضخيم

ويظهر هذا التشوه المعرفي في البحث العلمي حينما يعتقد ذو العقل الميثي على نحو مبالغ فيه بأن منهجا معينا له وحده الأثر السحري في مقاربة موضوع ما، كما له قوة خارقة في الكشف عن أسرار فيه لا يمكن -ألبتة- الوصول إليها بمنهج ٱخر.

وتظهر في لغة المضخم أعراض مرضية من قبيل التبجيل، والمركزية، والتعميم وغيرها كثيرٌ بثير مما يعبّر عن الرؤية اللابؤرية للموضوع، نتيجة التقوقع في مقاربة واحدة، وهي تؤثر سلبا في اللغة باعتبار أن هذه الأخيرة -حسب ماكس مولر- كيان حي يتعرض للأمراض.

5)- التفكير الكارثي

ويظهر هذا التشوه المعرفي في البحث العلمي حينما يتوقع ذو العقل الميثي سيناريوهات ديستوبية عند إقدام غيره على معالجة موضوع ما بمقاربة نقدية يراها الديستوبي بعيون كارثية، ويتعامل معها بمنطق «الينبغيات أو الوجوبيات» الذي لا تقع عليه قيمة في واقع الأمر.

6)- الانسداد الفكري

ويظهر هذا النمط من التفكير المتصلب في البحث العلمي حينما يعجز ذو العقل الميثي عن التخلق بالمرونة المعرفية، وعن تغيير بنية التفكير لديه، رغم وجود أدلة قوية على عدم تناسق تلك البنية، وأحيانا يميل إلى تحيزات تأكيدية تقاوم هذا التغيير بذريعة خروجه عن الذهنية السائدة، وعن سرديات الٱباء الأولين.

7)- الاستدلال العاطفي

ويظهر هذا التشوه المعرفي في البحث العلمي حينما يصيّر ذو العقل الميثي شعورَه معيارا في بناء الاستنتاجات إلى حد يعدّه علامة الحقيقة وعنوانها.

8)- السطحية

وتظهر في البحث العلمي حينما يُظهر ذو العقل الميثي نقصا فيما سُمي بمهارات التفكير العليا، كتلقي الأفكار دون نقد، وكاعتماده على الانطباعات الأولية في الموضوع، وجعلها مسلمات يبني عليها معظم حيثيات بحثه، وفي ذلك ما فيه من قِصر النظر، وضيق الأفق، وعدم بلوغ الغاية في العمق، والدقة، والإحكام.

وغيرها من السمات التي تعبر عن نزعة ميثية قد تتسلل إلى الفعل البحثي دون أن يخامر الباحث أدنى شعور بذلك.

والحمد لله رب العالمين.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى