في الواجهةمقالات قانونية

قراءة في الفصل 230 من ظهير الالتزامات والعقود المغربي من إعداد: حمزة العرابي

 

 

قراءة في الفصل 230 من ظهير الالتزامات والعقود المغربي

من إعداد: حمزة العرابي

باحث في القانون الخاص

 

 

ينص الفصل 230 من ظهير الالتزامات والعقود المغربي على ما يلي: ” الالتزامات التعاقدية المنشأة على وجه صحيح تقوم مقام القانون بالنسبة إلى منشئيها، ولا يجوز إلغاؤها إلا برضاهما معا أو في الحالات المنصوص عليها في القانون”.

 

لقد ورد النص موضوع التحليل ضمن الباب الأول المعنون ب ” آثار الالتزامات بوجه عام” من القسم الرابع المعنون ب ” آثار الالتزامات” من الكتاب الأول المعنون ب ” الالتزامات بوجه عام” من الظهير الصادر في 9 رمضان 1331 ( 12 أغسطس 1913) بمثابة قانون الالتزامات والعقود المغربي.

وينظم هذا النص الذي نحن بصدد مناقشته وتحليله واحدا من المبادئ الأساسية التي تقوم عليها نظرية العقد، ويتعلق الأمر بمبدأ القوة الملزمة العقد la force obligatoire du contrat  أو ما يطلق عليه بمبدأ العقد شريعة المتعاقدين، ولم يقتصر هذا النص على ايراد مفهوم هذا المبدأ بل نص كذلك على وجود استثناءات ينص عليها القانون تشكل خروجا عن هذا المبدأ.

فما هو يا ترى مضمون هذا المبدأ وشروطه؟ ( أولا) ، وماهي حدوده والاستثناءات القانونية الواردة عليه؟ ( ثانيا).

 أولا: مضمون مبدأ القوة الملزمة وشروطه

يعد مبدأ القوة الملزمة للعقد أحد المبادئ الراسخة في التشريع المغربي وفي كل الأنظمة اللاتينية على وجه الخصوص التي تقدس بشكل كبير إرادة الأطراف وتكسبها قوة ملزمة فيما بينهم، ومشرع ظهير الالتزامات والعقود لم يخرج من هذا الإطار، مادام أن هذا النص وضع في حقبة تاريخية معينة كان فيها المغرب تحت الحماية الفرنسية، وقد وضعت نصوص ظهير الالتزامات والعقود المغربي بشكل شبه مطابق لما تنص عليه مجلة الالتزامات والعقود التونسية لسنة 1906 المأخوذة بدورها من مدونة نابليون الفرنسية لسنة 1804، وبقابل هذا النص في التشريع الفرنسي المادة 1103 من المدونة المدنية الفرنسية في الجزء المتعلق بالقوة الملزمة للعقد.

ويقصد بهذا المبدأ أن المتعاقد يلتزم بتنفيذ العقد وفقا لمضمونه والالتزامات الواردة فيه والتي كانت نتاج إرادة مشتركة لأطراف العلاقة التعاقدية، حيث تعتبر هذه الالتزامات بمثابة قانون بينهم أو كما عبر عن ذلك أحد الفقهاء الفرنسيين بأن العقد يساوي القانون بين أطرافه le contrat égale la loi entre les partie  و لا يجوز لهم التحلل منها إلا برضاهما معا أو في حالات محددة في القانون.

ويعد هذا المبدأ إمتداد لمبدأ آخر هو مبدأ سلطان الإرادة  le principe de l’autonomie de la volonté، هذا المبدأ يعترف بالإرادة وحدها وأنها لها القدرة في أن تصبح قانونا بين أطرافها.

وحتى يتحقق مبدأ القوة الملزمة للعقد لابد من شرطين لا محيد عنهما؛ أولا أن نكون أمام عقد بالمعنى القانوني الصحيح أي توافق إرادتين على إحداث أثر قانوني سواء كان هذا الأثر هو إنشاء التزام أو نقله أو تعديله أو إنهاؤه، وثانيا أن يكون هذا العقد صحيحا ومستوفيا لكافة أركانه وعناصره الواردة في الفصل 2 من ظهير الالتزامات والعقود المغربي ويتعلق الأمر بركن الأهلية والرضا والمحل والسبب، دون إغفال ركن الشكلية في العقود الشكلية والتسليم في العقود العينية.

وكما سبق أن أشرنا سابقا، فإنه ولاعتبارات متعددة فقد أصبحت معظم التشريعات المعاصرة تتدخل رويدا رويدا قصد التخفيف من حدة مبدأ القوة الملزمة للعقد، لغاية تحقيق العدالة تارة وضمان التوازن العقدي تارة أخرى، لذلك أصبح المشرع يمنح هامشا للقاضي للتدخل لتعديل العقد، وهو ما سنتطرق له تاليا ضمن حدود مبدأ القوة الملزمة للعقد.

ثانيا: حدود مبدأ القوة الملزمة للعقد

إن المشرع المغربي ووعيا منه بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية التي يعرفها العالم برمته، لم يدع مبدأ القوة الملزمة للعقد على إطلاقه، بل منح للقاضي مكنة التدخل لتعديل العقد لضمان التوازن بين أطراف العلاقة التعاقدية لا سيما في الحالة التي يغيب فيها التكافؤ الاقتصادي بين طرفين أحدهما مهني ومحترف يفرض شروطه كما يشاء وله إلمام واسع بالعقود، وطرف ثاني مستهلك قد يجهل الصياغة الفنية والتقنية لبعض العقود، مما يجعله في موقع ضعف في تلك العلاقة ويستحق الحماية القانونية والقضائية.

وعلى هذا الأساس، لن نفصل في هذه الاستثناءات الواردة على مبدأ القوة الملزمة للعقد، بل سنكتفي بالإشارة إليها بسرعة، حيث بتفحص التشريع المغربي نجد هناك استثناءات واردة في ظهير الالتزامات والعقود كنص عام و كشريعة عامة يطبق على كافة العقود، وأخرى واردة في نصوص خاصة تنحصر في عقود معنية دون سواها.

وفيما يخص الاستثناءات الواردة في ظهير الالتزامات والعقود، يمكن أن نذكر في هذا المضمار حالة القوة القاهرة والحادث الفجائي ومطل الدائن، وقد نص المشرع المغربي على هذه الحالات في الفصل 268 من ظهير الالتزامات والعقود، وافرد لكل حالة مقتضيات خاصة تواليا في الفصول من 269 إلى الفصل 274.

وهناك استثناء ثاني ورد في ظهير الالتزامات والعقود يتعلق الأمر بالشرط الجزائي  clause pénale، حيث منح المشرع المغربي للقاضي بمقتضى الفقرة الأخيرة من الفصل 264 من نفس الظهير سلطة في تخفيض التعويض المتفق عليه الذي يأخذ شكل شرط جزائي في العقد، حيث يمكن له التخفيض من قيمته إذا كان مبالغ فيه أو الرفع من قيمته إذا كان زهيدا.

واستثناء ثالث يتعلق بما يسمى بنظرة المسيرة أو الآجال الاسترحامي كما يطلق عليها أيضا، حيث نص على هذه الحالة الفصل 243 من ظهير الالتزامات والعقود حيث جاء في هذا النص: ” ….ومع ذلك، يسوغ للقضاة، مراعاة منهم لمركز المدين، ومع استعمال هذه السلطة في نطاق ضيق، أن يمنحوه أجال معتدلة للوفاء، وأن يوقفوا إجراءات المطالبة، مع إبقاء الأشياء على حالها”.

و الاستثناء الرابع يتعلق بمبدأ كان منذ وضع ظهير الالتزامات والعقود من طرف  الحماية الفرنسية ألا وهو مبدأ حسن النية، وقد نص على هذا المبدأ الفصل 231 من ظهير الالتزامات والعقود، وحسن النية يعد مظهرا من مظاهر تأثر القانون بالأخلاق حيث يرتبط بالتضامن والتعاون وبكل ما يدخل في هذه الزمرة، إلا أنه يلاحظ أن القضاء المغربي قلما كان يستعمل هذا المبدأ للتدخل لتعديل العقد وإقامة التوازن العقدي.

هذا فيما يخص النص العام وهو ظهير الالتزامات والعقود، أما فيما يخص الاستثناءات الواردة في نصوص خاصة يمكن أن نذكر الشرط التعسفي، حيث منح المشرع للقاضي هنا سلطة لإلغاء هذه الشروط بمقتضى  المواد من 15 إلى 20 من القانون رقم 31.08 القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك[1]، حيث عرف المشرع المغربي من خلال المادة 15 من هذا القانون الشرط التعسفي على أنه: “ كل شرط يكون الغرض منه أو يترتب عليه اختلال كبير بين حقوق وواجبات طرفي العقد على حساب المستهلك”، وقد أورد المشرع المغربي في إطار المادة 18 تعداد غير حصري للشروط التعسفية تاركا بذلك للقاضي سلطة القياس لاعتبار الشرط تعسفيا أم لا.

 

خلاصة القول، إن نص الفصل 230 من ظهير الالتزامات والعقود جاء بمبدأ هام وهو القوة الملزمة للعقد، حيث يعد هذا النص تجسيدا لإرادة الأطراف و لمبدأ سلطان الإرادة، إلا أن هذا المبدأ ليس مطلقا بل هناك استثناءات واردة عليه فرضتها العدالة التعاقدية من جهة وضرورة تحقيق الأمن القانوني من جهة ثانية.

ولكن نظرا لأن الظروف الاقتصادية والاجتماعية القانونية عرفت تحولات وتطورات كبيرة خلال السنوات الماضية فتعقدت ظروف الحياة ووجب حماية الطرف الضعيف في العقد أكثر من ذي قبل ونظرا لأن التشريعات المقارنة أخذت باستثناءات أخرى على رأسها نظرية الظروف الطارئة وعقد الاذعان، حيث تعد هاتان النظريتان مستلهمتان من روح العدالة ولا تتعارضان البتة مع المبادئ العامة القانون المعمول بها في المغرب، لذلك فإننا نطالب المشرع المغربي أن يأخذ بنظريتي  عقد الاذعان  والظروف الطارئة، وأن ينص عليهما في فصول ظهير الالتزامات والعقود إسوة بالمشرع الفرنسي الذي نص على نظرية الظروف الطارئة في تعديل 2016، وكذلك التشريع المصري الذي ينص على نظرية عقد الاذعان.

 

 

 

[1] القانون 31.08 القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.03 صادر في 14 من ربيع الأول 1432 ( 18 فبراير 2011) ، الجريدة الرسمية عدد 5932 بتاريخ 3 جمادى الأولى 1432 ( 7 أبريل 2011)، ص 1072.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى