قراءة قانونية في قرار صادر عن محكمة النقض متعلق بجنحة السب والقذف العلني عبر موقع فيسبوك. – يوسف بنشهيبة

قراءة قانونية في قرار صادر عن محكمة النقض متعلق بجنحة السب والقذف العلني عبر موقع فيسبوك.
قرار صادر عن محكمة النقض
رقم: 256/3
الصادر بتاريخ: 17فبراير 2021
في الملف الجنحي رقم: 19305/6/3/2019
السب والقذف العلني _ عناصره التكوينية
إن المحكمة لما أدانت الطاعن من أجل جنحة السب والقذف العلني، استنادا إلى كون العبارات الصادرة عنه والمدونة على حسابه ” فيسبوك ” تضمنت عبارات السب والقذف من قبل اتهام المشتكي، وهو ما يوفر لها عنصر العلنية المتطلبة في جريمتي القذف والسب العلني وقد اطلع عليها العديد من الأشخاص المتتبعين لصفحة الطاعن على حسابه بالفيس بوك وأبدوا إعجابهم بها وقام العديد منهم بالتعليق عليها، تكون قد عللت قرارها تعليلا كافيا لا يشوبه أي نقصان أو قصور والوسيلة على غير أساس.[1]
تلخيص الوقائع:
القرار يتعلق بإقدام طبيب (الطاعن) بتوجيه اتهامات لمدير مستشفى الحسن الأول بمدينة تزنيت، (المطلوب للنقض) على “فيسبوك” تتعلق بسوء التسيير واتهامات تمس سمعته المهنية.
الطبيب المشتكى به كان قد نشر تدوينة عبر صفحته الشخصية بموقع فيسبوك تضمنت عبارات اعتبرتها المحكمة سبًّا وقذفًا في حق المشتكي (المطلوب للنقض)، وهو مدير مستشفى الحسن الأول بمدينة تزنيت.
المحكمة الابتدائية أدانته من أجل السبّ والقذف، وحكمت عليه بغرامة قدرها عشرة آلاف درهم، مع تعويض مدني مقداره 22 ألف درهم لفائدة الطرف المدني.
محكمة الاستئناف أيدت الحكم.
طعن الطبيب في القرار، مدعياً أن الحكم تضمن نقصاً في التعليل وأنه لم يستوفِ عناصر السبّ والقذف المنصوص عليها قانوناً، وهذا القرار هو ما نحن بصدد قراءته.
القراءة التحليلية:
في هذه النازلة التي أمامنا يمكن القول على أننا أصبحنا أمام وضع انتقلت فيه الجرائم التقليدية التي كانت ترتكب في بيئة مادية، سواء تعلقت هذه البيئة بشارع عام أو مركز تسوق أو إدارة عمومية…، إلى جرائم هي نفسها إلا أن بيئة الارتكاب هذه المرة مختلفة، ونتحدث هنا عن بيئة افتراضية مختلفة تماما عن الواقع المادي، بيئة تتسم بنوع من التعقيد والخصوصية والخطورة في نفس الوقت، ومن بين هذه الجرائم التي عرفت تحولا على مستوى بيئة الارتكاب وهي جريمة السب والقذف العلني، حيث أصبحت هذه الجرائم ترتكب على مستوى بيئة افتراضية، مواقع التواصل الاجتماعي، وتحقق بذلك شرط العلنية.
في شأن الوسيلة الوحيدة المستدل بها من طرف الطاعن من نقصان التعليل الموازي لانعدامه المتخدة في فرعها الأول من انتزاع التصريحات من سياقها العام الذي قيلت فيه وتغييب عناصر الحوار الكامل الذي جاء فيه… .
الطاعن أكد على أن التدوينة جاءت في سياق ونقاش عام، وأكد كذلك على أن محضر المعاينة الذي أنجزه المفوض القضائي بني على عملية انتقائية أخرجت الحوار والنقاش الذي جاءت به التدوينة من سياقها العام.
محضر المعاينة الذي أنجزه المفوض القضائي
الفقرة الرابعة من المادة 15 من القانون رقم 81.03 المتعلق بتنظيم مهنة المفوضين القضائيين: “ينتدب المفوض القضائي من لدن القضاء للقيام بمعاينات مادية محضة مجردة من كل رأي، ويمكن له أيضا القيام بمعاينات من نفس النوع مباشرة بطلب ممن يعنيه الأمر[2]
من خلال القراءة التحليلية للمادة أعلاه، يستفاد أن المعاينات المادية التي يقوم بها المفوض القضائي هي عمل يعتمد على الملاحظة والوصف الموضوعي، والذي يجب أن يكون خالي ومجرد من كل رأي يخصه أو ساهم في تكوينه وأثر في قناعة طالب إنجاز محضر المعاينة، لكن الطاعن جاء في معرض حديثه أن محضر المعاينة الذي أنجزه المفوض القضائي جاء بشكل انتقائي أخرج التدوينة من سياقها العام الذي جاءت فيه.
الطاعن أكد على انتفاء شرط العلنية في التدوينة المنشورة على حساب فيسبوك، وكون هذا الحساب مقفل لا يتيح للعموم الدخول إليه، كما أنه غير معروف للعموم، ولا يسمح للأشخاص بالدخول إلى هذا الحساب إلا بإذن مالك الحساب.
وفي جوابنا عن مسألة أن التدوينة لا تحقق شرط العلنية، كونها صادرة من حساب مقفل غير معروض على العموم، وأن مالك الحساب هو من له الصلاحية لمنح الاذن بدخول كل شخص لحسابه.
نقول أنه لا يمكن بناء غياب شرط العلنية فقط لكون أن الحساب مقفل وغير متاح للعموم، مادام أن الحساب يضم قاعدة من الاصدقاء والمتابعين الذين يتفاعلون مع كل ما ينشر، بالإضافة إلى أن التدوينة حظيت بمجموعة من الاعجابات والتعاليق، مما يكون معه تحقق شرط العلنية محقق.
تحقق شرط العلنية في هذه النازلة هو ثابت كون أن الحساب كما ذكرنا يضم قاعدة من الأصدقاء والمتابعين وأن التدوينة حظيت بتفاعل، كما أن العلانية بخلاف السرية وهي الجهر بالشيء وتعميمه وإظهاره وإحاطة الجمهور علما به، لكون العلانية هي الركن المكمل لجريمة السب والقذف، ولا يمكن الحديث عن جريمة السب والقذف العلني في غياب شرط العلنية هذا.
كما أن العبارات المتضمنة في التدوينة ما كانت لتكون علنية ما لم يتم نشرها، وهذا النشر هو بمثابة توزيع وإعلان للعموم وإحاطة وإخبار الجمهور بالواقعة المشينة المنسوبة إلى شخص ما.
المادة 72 من القانون 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر حددت شرط العلنية في كل وسيلة من الوسائل ولاسيما بواسطة الخطب أو الصياح أو التهديدات المفوه بها في الأماكن أو الاجتماعات العمومية وإما بواسطة المكتوبات والمطبوعات المبيعة أو الموزعة أو المعروضة للبيع أو المعروضة في الأماكن أو الاجتماعات العمومية وإما بواسطة الملصقات المعروضة على أنظار العموم وإما بواسطة مختلف وسائل الإعلام السمعية البصرية أو الإلكترونية وأية وسيلة أخرى تستعمل لهذا الغرض دعامة إلكترونية[3]
من خلال هذه المادة فإن شرط العلنية يتحقق بإحدى الوسائل المبينة أعلاه، وفي نازلة هذا القرار تحقق هذا شرط من خلال نشر التدوينة على الحساب الشخصي للطبيب عبر موقع فيسبوك.
من الدفوع التي تقدم بها دفاع الطاعن، دفع أكد من خلاله على أن حساب الطبيب هو مجال خاص يحميه القانون وأن النقاشات التي تدور فيه مقتصرة على الاشخاص الذين سبق وأن أذن لهم الطبيب بولوج الحساب.
لكن في المقابل نلاحظ أن الحساب الشخصي للطبيب وان كان حسابا مقفلا إلا أنه في نفس الوقت يحقق شرط العلنية، كيف ذلك ؟
نشر التدوينة والتفاعل معها من خلال الاعجابات والتعاليق، كما أن بعض المتابعين
أو الاصدقاء يمكنهم الاستعانة بأداة التقاط الشاشة أو ما يسمى (screenshot)
وإعادة نشرها من جديد على حساباتهم ومواقع أخرى، ولم نتحدث في هذه الحالة عن مشاركة التدوينة
أو ما يسمى ب ((portage، كون أن الحسابات الشخصية عبر موقع فيسبوك والتي يختار أصحابها قفل ملفهم الشخصي، يمنعون بشكل تلقائي كل شخص من مشاركة تدويناتهم.
الدفع المتعلق بولوج المفوض القضائي لحساب الطبيب مع العلم أن هذا الحساب غير معروض للعموم (قفل الحساب الشخصي)
دفاع الطاعن وفي الدفوع الموضوعية التي تقدم بها، أكد على أن المشتكي لم يتشبث في كل مراحل التقاضي بإيضاح طريقة ولوج المفوض القضائي لحساب الطاعن على فيسبوك واستيقاء المعلومات عنه.
وجوابا على هذا الدفع: يمكن القول على أن معاينة المفوض القضائي للتدوينة يمكن أن تتم عن طريق دخول المشتكي لحسابه وعرض التدوينة أمام المفوض القضائي بكل سهولة، ولا تستلزم المعاينة دخول المفوض القضائي بحسابه الشخصي من أجل معاينة التدوينة لتحرير محضر المعاينة بشأنها.
التدوينة المنشورة عبر موقع فيسبوك وما تضمنته من سب وقذف حققت بذلك شرط العلنية المنصوص عليها في الفصل 83 من القانون رقم 13.88، المتعلق بالصحافة
والنشر[4]، وقد اطلع عليها ما يزيد عن 500 شخص وقراءتها والتعليق عليها، وهو ما اعتبرته أيضا المحكمة الابتدائية سببا علنيا في حقه، كما أن محضر المعاينة المنجز من طرف المفوض القضائي عدد: 61/2018 بتاريخ: 30/04/2018 تضمن أن التدوينة شاركها مجموعة من الأفراد بلغ عددهم حوالي 267 شخص إضافة إلى 299 تعليق عليها.
ومن خلال محضر المعاينة المنجز من طرف المفوض القضائي، فإن التدوينة تضمنت سبا وقذفا في حق المشتكي حيث جاء في التدوينة اتهام المشتكي كونه “ندل يحتمي وراء عناصر الحراسة ومجرد بيدق ضعيف وغير متزن وطاغية ورمز للفساد ويعتبر من عناصر مافيا الفساد بجهة سوس وأن المستشفى محلبته الخاصة ويقوم بابتزاز الضعفاء للاستيلاء على عقاراتهم…، وبالتالي فإن الدفع المقدم من طرف الطاعن والذي جاء فيه أن التدوينة جاءت في سياق ونقاش عام تحدث فيها الطرفين عن الوضع الصحي بالمنطقة مبني على غير أساس، انطلاقا من أن التدوينة وجه فيها الطاعن قذفا وسبا مباشرا صريحا إلى المطلوب للنقض، ولم تكن محل نقاش حول المنظومة الصحية بالإقليم.
ومن خلال المادة 83 من قانون الصحافة والنشر يقصد بالقذف: ادعاء واقعة أو نسبتها إلى شخص أو هيئة، إذا كانت هذه الواقعة تمس شرف أو اعتبار الشخص أو الهيئة التي نسبت إليه أو إليها.
ويقصد بالسب: كل تعبير شائن أو مشين أو عبارة تحقير حاطه من الكرامة أو قدح لا تتضمن نسبة أية واقعة معينة.
ومن خلال قراءة التدوينة أعلاه سوف نقوم باستخراج العبارات والكلمات الدالة على كل من السب والقذف.
الكلمات التي تعتبر “سبا”:
كلمة “ندل” وهو سب صريح، ووصف مهين يمسّ الكرامة.
كلمة “بيدق” ضعيف تحقير وتقليل من قيمة الشخص
عبارة “غير متزن” سب وطعن في سلوك الشخص ووصفه بعدم التوازن
كلمة “طاغية” بالرغم من البعض قد يعتبرها وصف قوة الشخص، إلا أنها تعتبر إهانة ووصف قدحي.
كلمات وعبارات تُعتبر “قذفاً”
“رمز للفساد” تعتبر قذف، لأنها تنسب إليه ممارسة الفساد، وهي واقعة تمس الشرف ويمكن أن تشكل جريمة.
“يعتبر من عناصر مافيا الفساد بجهة سوس” قذف واضح، تنسب له الانتماء إلى مافيا، وهي اتهام خطير بارتكاب أفعال مجرّمة (الفساد أو الاجرام المنظم).
“المستشفى محلبته الخاصة” تعتبر قذف، لأنها تنسب له استغلال مرفق عمومي لمصلحة شخصية (شبهة اختلاس أو استغلال النفوذ أو الشطط في استعمال السلطة).
“يقوم بابتزاز الضعفاء للاستيلاء على عقاراتهم” قذف صريح، لأن الابتزاز والاستيلاء على العقارات، والترامي على ملك الغير من الجرائم التي يعاقب عليها القانون.
كل هذه الأوصاف والعبارات هي ماسة بالصفة الاعتبارية للمشتكي كونه مدير مستشفى الحسن الأول بتزنيت، وهذا ما اعتبرته محكمة النقض إلى جانب تحقق شرط العلنية، حيث اطلع على هذه التدوينة مجموعة من الاشخاص المتتبعين لصفحة الطاعن بالفيسبوك وتفاعلوا معها عن طريق الاعجابات والتعاليق وبذلك تكون محكمة القرار قد عللت قرارها تعليلا كافيا لا يشوبه أي نقصان أو الوسيلة على غير أساس.
الركن القانوني و المادي والمعنوي في نازلة القرار:
الركن القانوني: للمادة 85 القانون رقم: 88.13 والمتعلق بالصحافة والنشر
يعاقب بغرامة من 10.000 إلى 100.000 عن القذف الموجه إلى الأفراد بإحدى الوسائل المبينة في المادة 72 أعلاه.
ويعاقب بغرامة من 10.000 إلى 50.000 درهم على السب الموجه بنفس الطريقة إلى الأفراد.
الركن المادي: يتضح الركن المادي في النازلة أعلاه، في فعل الطبيب المتمثل في فعل وإسناد موجه لشخص مدير المستشفى، “النشر” أي فعل مادي يتمثل في كتابة ونشر تدوينة تضمنت عبارات مهينة…، والتفاعل مع التعليقات عبر حسابه بالفيسبوك، كما أن هذا الادعاء انصب على واقعة يشترط فيها ثلاثة شروط:
أولا: أن تكون محددة
ثانيا: أن يكون من شأنها لو صحت عقاب من أسندت إليه أو المس بشرفه واعتباره
ثالثا: يتعين أن يكون هذا الاسناد علنيا (تحقق شرط العلنية).
ومن خلال النازلة أعلاه يتبين أن ما تضمنته التدوينة هو ادعاء وإسناد، وقد تم “تعيين الشخص المقذوف” موضوع هذا الادعاء أو الاسناد، وهناك فرق بين الادعاء والاسناد حيث أن الادعاء يمكن تعريفه على أنه الرواية عن الغير أو ترويج أقوال تحتمل الصدق والكذب أما الاسناد فينصرف إلى إسناد أمر أو واقعة إلى شخص معين على وجه اليقين والتعيين، وهذا ما تحقق في نازلة هذا القرار.
ومن خلال القراءة القانونية للفصل 442 من مجموعة القانون الجنائي[5]، فإن العناصر التكوينية لجنحة السب والقذف يجب أن تصاغ على شكل إسناد ماس بالشرف والاعتبار وأن تكون الوقائع المنسوبة تتضمن ادعاءات محددة ، وهذا هو التوجه الذي سار عليه الفقيه ذ ميلودي حمدوشي في كتابة الصادر باللغة الفرنسية سنة 2033 جنحة الصحافة في القانون المغربي ـ مقاربة قانونية ـ ص 145 بقوله
La détermination _ ou la précision est une condition nécessaire sans laquelle il n ‘ y aurait pas diffamation
“التحديد والدقة شرط ضروري لا يمكن أن يكون بدونه هناك تشهير”[6]
وفي النازلة التي أمامنا، وما تضمنته التدوينة على أن مدير المستشفى يعتبر من “عناصر مافيا الفساد بجهة سوس، وأنه يقوم بابتزاز الضعفاء للاستيلاء على عقاراتهم وأن “المستشفى محلبته الخاصة”
عبارات جاءت على سبيل التأكيد من طرف الطبيب سواء أكانت الوقائع المدعى بها صحيحة أو كاذبة او كانت بصيغة القطع أو الشك، أو السؤال مادام أن الادعاء قد تم تمريره وأصبح حقيقة راسخة لدى العامة.
وبالتالي فإن هذه التدوينة مست شرف واعتبار وسمعة المطلوب للنقض، وسببت له أضرار معنوية حاملا بذلك الصفة الاعتبارية كمدير مستشفى.
ومن خلال النازلة التي أمامنا تم تعيين الشخص المقذوف عن طريق توجيه مجموعة من عبارات القذف، بنفس العبارات أعلاه، والمشرع لم يميز بين القذف الذي يوجه بصيغة القطع أو الذي يوجه بصيغة الشك، ومن خلال الاطلاع على الحكم الابتدائي رقم: 17 الصادر بتاريخ: 06/06/2018[7] ومحضر المعاينة المنجز بتاريخ 30/04/2018 أن التدوينة تضمنت مجموعة من العبارات المشينة التي مست شرف واعتبار وسمعة المطلوب للنقض
شرط العلنية: التدوينة حققت شرط العلنية لكونها نشرت لعموم مستخدمي موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك بحساب طالب النقض، وقد اطلع عليها أزيد من 500 فرد وقراءتها والتعليق عليها، كما أن التدوينة شاركها مجموعة من الأفراد بلغ عددهم حوالي 267 شخص إضافة إلى 299 تعليق عليها.
كما يجب الاشارة إلى أن محضر المعاينة المنجز من طرف المفوض القضائي بتاريخ 30/04/2018 يعتبر من نتائج الركن المادي، وبمثابة دليل مادي مهم يتبث الفعل الجرمي.
الركن المعنوي: تحقق الركن المعنوي في نازلة القرار من خلال علم طالب النقض أن هذه التدوينة وما تتضمنه من عبارات تشكل مما لا يدع لديه مجالا للشك أفعال إجرامية يعاقب عليها القانون، مما يفهم معه أن هناك نية قائمة متجهة بلا تردد إلى خرق القانون الجنائي، وإرادة مصممة وعازمة على ارتكاب فعل جرمي مع العلم بهذا التجريم.
ولم يتوقف القصد الجنائي لدى طالب النقض عند نشر التدوينة فقط، بل امتد إلى الرد عن التعليقات التي تضمنتها التدوينة، حسب ما جاء في قرار محكمة النقض والحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية وتضمن هذا الرد عبارات مشينة من قبل ” إنه بيدق ضعيف، هذا كله سيناريو للتمويه، وما خفي أعظم… .”
التكييف القانوني للجريمة
في رأينا الشخصي المتواضع، وبعد الاطلاع على الحكم الابتدائي رقم: 17 الصادر بتاريخ: 06/06/2018[8] عن الغرفة الجنحية الاستئنافية أمام محكمة الاستئناف، وبعد دراسة وبحث طويل فإن التدوينة نرى أن تكييفها يتعدى قانون الصحافة والنشر، وبذلك يمكن القول على أنها تخضع لمقتضيات الفصل 2_ 447 من القانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء.
حيث أن التدوينة تضمنت ادعاءات كاذبة خطيرة تتجه نحو المس بالحياة الخاصة للمطلوب للنقض والتشهير به، ومن خلال اطلاعنا على الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بمدينة تزنيت رقم: 17 الصادر بتاريخ: 06/06/2018[9] وعلى محضر المعاينة المنجز بتاريخ: 30/04/2014 من طرف المفوض القضائي.
فإن النازلة تحقق جميع أركان الجريمة المنصوص عليها في الفصل 2_ 447 “”كل من قام ببث أو توزيع ادعاءات أو وقائع كاذبة، بقصد المس بالحياة الخاصة للأشخاص أو التشهير بهم.”
الركن المادي والذي يتبين من خلال عملية النشر على حساب الطبيب بموقع فيسبوك، بالإضافة إلى أن العبارات المنشورة تتضمن ادعاءات ووقائع عن المدير (اتهامات بالفساد وباتهامات تمس سمعته)، في حين أن هذه الادعاءات ليس لها سند قانوني أو دليل ثابت، وبالتالي تعتبر ادعاءات كاذبة بمفهوم الفصل أعلاه.
هذه التدوينة تضمنت اتهامات خطيرة ومحددة لشخص يشغل وظيفة عامة (مدير مستشفى)، تتعلق بارتكابه أفعالاً مجرّمة قانوناً كالابتزاز والاستيلاء على عقارات الغير، كما أنها استعملت عبارات تمس بكرامته وشرفه وسمعته المهنية والاجتماعية، وتم نشرها بوسيلة إلكترونية.
الركن المعنوي (القصد الجنائي): الظاهر من خلال قراءة وتفحص العبارات التي جاءت في التدوينة، فقد كان الهدف منها المساس بسمعة الشخص وتشويه صورته أمام الرأي العام المحلي و الوطني، مع العلم أن المطلوب للنقض يشغل منصب مدير مستشفى، وبالتالي فإن نية التشهير قائمة.
شرط العلنية: التدوينة حققت شرط العلنية لأنها أصبحت متاحة أمام قاعدة كبيرة من الأشخاص، ومن خلال محضر المعاينة المنجز من طرف المفوض القضائي بتاريخ: 30/04/2018 قد اطلع عليها ازيد من 500 فرد وقراءتها والتعليق عليها، كما أن التدوينة شاركها مجموعة من الأفراد بلغ عددهم حوالي 267 شخص إضافة إلى 299 تعليق عليها، مما يكون معه تحقق شرط العلنية.
وفي رأينا فإن تكييف النيابة العامة والتكييف النهائي للمحكمة على كون جريمة السب والقذف العلني محل هذه القراءة القانونية تخضع لمقتضيات قانون الصحافة والنشر وليس لمقتضيات الفصل 2_ 447 من القانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء[10]، راجع إلى غياب القصد الجنائي لدى الطاعن.
وقضت محكمة النقض برفض الطلب المقدم من طرف الطاعن ضد القرار الصادر عن غرفة الاستئنافات الجنحية بالمحكمة الابتدائية بتاريخ 19\06\2019 في القضية عدد: 297\2018 وتحميله الصائر يستخلص طبق الإجراءات المقررة في قبض صوائر الدعوى الجنائية.
يوسف بنشهيبة باحث في العلوم الجنائية والأمنية
- قرار صادر عن محكمة النقض رقم: 3/256 الصادر بتاريخ: 17فبراير 2021 في الملف الجنحي رقم: 19305/6/3/2019. ↑
- المادة 15 من القانون رقم 81.03 المتعلق بتنظيم مهنة المفوضين القضائيين الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.06.23 صادر في 15 من محرم 1427 )14 فبراير 2006. ↑
- المادة 72 من القانون رقم 88.13 المتعلق بقانون الصحافة والنشر الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.16.122 صادر في 6 ذي القعدة 1437 10 أغسطس 2016. ↑
- نفس الإحالة. ↑
- الفصل 442 من مجموعة القانون الجنائي الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم: 1.59.413 الصادر في 28 جمادى الثانية 1382ـ 26 نونبر 1962 بالمصادقة على مجموعة القانون الجنائي. ↑
- حمدوشي، ميلودي، جنحة الصحافة في القانون المغربي: مقاربة قانونية، مؤلَّف باللغة الفرنسية، الصادر سنة 2033، ص 145. ↑
- حكم ابتدائي رقم: 17 صادر بتاريخ: 06/06/ 2018. ↑
- نفس الإحالة ↑
- نفس الإحالة ↑
- ↑





