في الواجهةمقالات قانونية

لاءات النجاح في  الوساطة الأسرية

لاءات النجاح في  الوساطة الأسرية

الوساطة الأسرية وسيلة لفض المنازعات يشرف عليها طرف ثالث محايد يسمى الوسيط الأسري، مهمته توفير المناخ الملائم للمقابلات التواصلية الأسرية بالسرية، بمساعدة أعضاء الأسرة المختلفين،  للتوصل إلى حل طوعي مؤقت أو دائم وقبول مرضي لكلا الجانبين، تم التفاوض عليه لضمان استمرارية العلاقات الأسرية  بمختلف مكوناتها. ونجاح الوساطة يتجلى في تسوية وفض نزاع القائم بين طرفيه بشكل نهائي وفعال، وهذا النجاح له تقنيات وخطوات مدروسة يشترك فيها الوسيط والأطراف. وقد أصبح الحديث عن الوساطة الأسرية كتقنية بديلة عن القضاء الرسمي لحل النزاعات المطروحة، يكتسي أهمية كبرى في العقود الأخيرة إذ أصبحت هذه الوسائل ضرورة ملحة من أجل مواكبة مستجدات مدونة الأسرة حفاظا على أهدافها العليا في إرساء أسس متينة للأسرة المغربية من جهة، وضمانا لحقوق أطرافها ورعاية لمصالح الأبناء وتسهيل سبل حصول المواطنين على حقوقهم من جهة أخرى. لكن قلما نجد نصائح وتوجيهات للخائضين في عملية الوساطة حتى يحقق أهدافها بنجاح، فكانت الحاجة إلى جمع الشتات المتفرق لهذه التقنيات و الخطوات في كتب و المقالات والمقاطع والمحاضرات، وكان منهجي في هذا المقال الوجيز “التحذير من الأخطاء والتطوير من الأداء” بغير تطويل ممل، ولا اختصار زائد مخل. فكان مقالي  المتواضع عبارة عن لاءات وجب تجنبها خلال عملية الوساطة الأسرية لضمان نجاحها وفعاليتها، وهي رسالة توجيهية إرشادية  لمن يلجؤون لهذه التقنية الفريدة:

 

  1. لا إكراه في الوساطة: تعتبر الوساطة بطبيعتها اختيارية بحيث أن الأطراف يلجئون إليها عن طواعية واختيار، ما دامت تهدف للوصول إلى حل توافقي ورضائي لذلك فإنه من العبث ومن غير المعقول إجبار الأطراف على هذا المسار. وهنا تتميز الوساطة عن القضاء أو التحكيم الذي يجبر الأطراف على الرضوخ لأحكامه كيفما كانت ، فينتج عن ذلك البغضاء والضغينة بين الطرفين بعد النزاع، مما يؤدي إلى قطع أوصال العلاقة نهائيا. هنا بالمناسبة أنصح الأطراف باللجوء إلى هذه التقنية الرائعة التي تعتمد على حرية الاختيار و رجاحة الآراء عند الطرفين لصناعة الحل الملائم للطرفين معا.

 

  1. لا تحيز في الوساطة: الإنصاف والحيادية من السمات الأساسية عند كل وسيط، لكن الإشكال المطروح إذا اتضح للوسيط أن أحد الطرفين على الصواب هل ينحاز إليه؟ للجواب على هذا الإشكال يكفينا العودة إلى مهام الوسيط ودوره، فالوسيط ليس كالقاضي ليحدد المظلوم من الجاني، وإنما يتحدد دوره الأساسي بالخروج بالطرفين من أزمة مؤقتة لوضعية مناسبة ومرضية لهما ومن اختيارهما. وذلك عبر توصيل وتفعيل التواصل بين الطرفين حتى يصلوا بإرادتهم للحل الذي يناسبهم معا، فالوساطة هدفها أن يكون الخصمان رابحان معا.

 

  1. لا حَيْجَمَة في الوساطة: الحيجمة لغة هي صوت الإنسان يناجي نفسه، و ضدها المصارحة. فالوساطة فرصة للمصارحة و إفشاء القصد من النزاع عند كل طرف، حتى يتضح الخلاف ويسهل تشخيصه وفهمه، ثم بعدها فضه وحله. فالمصارحة تعتبر لبنة أساسية لحلاً للخلافات الأسرية إذ إنها تساهم في تقريب وجهات النظر بين الأفراد وبالتالي الحدّ من المشاكل الناجمة عن سوء الفهم. ومن أهم إيجابيات المصارحة في عملية الوساطة أنّها تُهيج شعوراً لدى المتخالفين بالثقة المتبادلة، فيتحرران من الشكوك التي تكون سبباً للخلافات الدائمة. و بالتالي التمكن من الحسم في الخلاف وفضه نهائيا.

 

  1. لا علانية في الوساطة: فهي عملية سرية تضمن للطرفين أسراهم وما تداولوه خلال جلسات الوساطة، وانسجاما مع ذلك، فقد عمل المشرع المغربي من خلال القانون رقم 05/08 المنظم للوساطة الاتفاقية على ضمان هذه الخاصية من خلال الفصل 66/327 من قانون المسطرة المدنية الذي ينص على أنه: ” يلتزم الوسيط بوجوب كتمان السر المهني بالنسبة إلى الأغيار وفق المقتضيات وتحت طائلة العقوبات المنصوص عليها في القانون الجنائي المتعلقة بكتمان السر المهني، ولا يجوز أن تثار ملاحظات الوسيط والتصاريح التي يتلقاها أمام القاضي المعروض عليه النزاع إلا باتفاق الأطراف ولا يجوز استعمالها في دعوى أخرى “. وهذا فيه إشارة واضحة إلى أن كل العروض أو التنازلات التي يقدمها الأطراف في جلسات الوساطة لا يمكن أن تستعمل ضدهم في نفس النزاع عندما يعرض على المحكمة. و بالتالي تصبح تصرفات الأطراف بكل حرية و تلقائية في ايجاد الحل الذي يناسبهم تحت إشراف الوسيط الأسري.

 

  1. لا ظلم في الوساطة:  جلسات الوساطة  تعطي السلطة لأطراف النزاع حتى يتخذوا القرار الصائب في تحديد مسير خلافهما، ولا ظلم لطرف على طرف، فلا الزوج يستطيع أن يسيطر على قرارات زوجته، ولا الأب يستطيع أن يفرض وجهة نظره على ابنه، ولا حتى الأخ الأكبر على أخته في قضايا الميراث مثلا. فالوسيط  يبحث دوما على الرأي المشترك الواحد والمناسب للطرفين معا.

 

وختاما وجب علينا أن ننوه أن بالصلح تُستجلب المودات وتعمر البيوتات، ويبثُ الأمنُ في الجنبات، ومن ثَمَّ يتفرغُ الرجالُ للأعمالِ الصالحةِ، يتفرغون للبناءِ والإعمار بدلاً من إفناءِ الشهورِ والسنواتِ في المنازعاتِ، والكيدِ في الخصومات، وإراقة الدماءِ وتبديد الأموال، وإزعاج الأهلِ والسلطاتِ، وقد أمر الله تعالى بإصلاح ذات البين وتقنياته وجعله عنوانَ الإيمان، فقال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} . والوساطة  تقنية من أهم هذه التقنيات، وهذا المقال بمثابة التحدير من أخطر الأخطاء التي قد يقع فيها الوسيط والأطراف،  وقد تكون هذه اللاءات الخمسة  بسيطة جداً ولكن هذا لا يعني انه من السهل تحقيقها ،فكل واحد منها هي عبارة عن جزء من نجاعة عملية الوساطة واحترافية الوسيط.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock